أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه:
ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: أ - المرفوع ب - الموقوف ج - المقطوع.
أ - فالمرفوع:
ما أضيف إلى النبي ﷺ.
وينقسم إلى قسمين: مرفوع صريحًا، ومرفوع حكمًا.
١ - فالمرفوع صريحًا: ما أضيف إلى النبي ﷺ نفسه من قول، أو فعل، أو تقرير، أو وصف في خُلُقه، أو خِلْقَتِه.
مثاله من القول: قول النبي ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) .
ومثاله من الفعل: كان ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك (٢) .
ومثاله من التقرير: تقريره الجارية حين سألها: "أين الله؟ " (٣) قالت: في السماء، فأقرها على ذلك ﷺ.
وهكذا كل قول، أو فعل علم به النبي ﷺ ولم ينكره، فهو مرفوع صريحًا من التقرير.
ومثاله من الوصف في خُلُقه: كان النبي ﷺ أجود الناس وأشجع الناس، ما سئل شيئًا قط فقال: لا. وكان دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون إثمًا فيكون أبعد الناس عنه.
ومثاله من الوصف في خِلْقَتِه: كان النبي ﷺ ربعة من الرجال: ليس بالطويل، ولا بالقصير، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، وربما يبلغ منكبيه، حسن اللحية، فيه شعرات من شيب.
٢ - والمرفوع حكمًا: ما كان له حكم المضاف إلى النبي ﷺ وهو أنواع:
_________________
(١) رواه مسلم (١٧١٨) كتاب الأقضية، ٨- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. وعلقه البخاري (كتاب البيوع، ٦٠- باب النجش) .
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" (٢٥٣) كتاب الطهارة، ١٥- باب السواك.
(٣) رواه مسلم (٥٣٧) كتاب المساجد، ٧-باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته.
[ ٣٠ ]
الأول - قول الصحابي إذا لم يمكن أن يكون من قبيل الرأي ولم يكن تفسيرًا، ولا معروفًا قائله بالأخذ عن الإسرائيليات، مثل أن يكون خبرًا عن أشراط الساعة، أو أحوال القيامة، أو الجزاء.
فإن كان من قبيل الرأي فهو موقوف.
وإن كان تفسيرًا فالأصل: له حكم نفسه، والتفسير موقوف.
وإن كان قائله معروفًا بالأخذ عن الإسرائيليات، فهو متردد بين أن يكون خبرًا إسرائيليًا، أو حديثًا مرفوعًا، فلا يحكم فيه بأنه حديث للشك فيه.
وقد ذكروا أن العبادلة وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، أخذوا عن أحبار بني إسرائيل: من كعب الأحبار، أو غيره.
الثاني - فعل الصحابي إذا لم يمكن أن يكون من قبيل الرأي، ومثلوا لذلك بصلاة علي ﵁ في الكسوف أكثر من ركوعين في كل ركعة.
الثالث - أن يضيف الصحابي شيئًا إلى عهد النبي ﷺ ولم يذكر أنه علم به. كقول أسماء بنت أبي بكر ﵂: ذبحنا على عهد النبي ﷺ فرسًا، ونحن في المدينة فأكلناه (١) .
الرابع - أن يقول الصحابي عن شيء بأنه من السنة. كقول ابن مسعود ﵁: من السنة أن يخفي التشهد، يعني في الصلاة (٢) .
فإن قاله تابعي، فقيل: مرفوع، وقيل: موقوف. كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس (٣) .
الخامس - قول الصحابي: أمرنا أو نهينا أو أمر الناس ونحوه، كقول أم عطية ﵂: أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق (٤)، وقولها: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (٥)،
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥١٠ و٥٥١٢) كتاب الذبائح والصيد، ٢٤- باب النحر والذبح. ومسلم (١٩٤٢) كتاب الصيد والذبائح، ٦- باب في أكل لحوم الخيل.
(٢) رواه أبو داود (٩٨٦) كتاب الصلاة، باب إخفاء التشهد. والترمذي (٢٩١) كتاب الصلاة، ١٠١- باب ما جاء أنه يخفي التشهد. وقال: حسن غريب. وصححه الألباني.
(٣) رواه الشافعي في "مسنده" (١/٧٧) وهو في "الأم" (١/٢٧٢) كتاب العيدين، باب الفصل بين الخطبتين.
(٤) رواه البخاري (٣٥١) كتاب الصلاة، ٢- باب وجوب الصلاة في الثياب. ومسلم (٨٩٠) كتاب صلاة العيدين، ١- باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال.
(٥) رواه البخاري (١٢٧٨) كتاب الجنائز، ٣٠- باب اتباع النساء والجنائز. ومسلم (٩٣٨) كتاب الجنائز، ١١- باب نهي النساء عن اتباع الجنائز.
[ ٣١ ]
وقول ابن عباس ﵄: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت (١)، وقول أنس ﵁: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك فوق أربعين ليلة (٢) .
السادس - أن يحكم الصحابي على شيء بأنه معصية؛ كقول أبي هريرة ﵁ فيمن خرج من المسجد بعد الأذان: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣) .
وكذا لو حكم الصحابي على شيء بأنه طاعة. إذ لا يكون الشيء معصية أو طاعة إلا بنص من الشارع، ولا يجزم الصحابي بذلك إلا وعنده علم منه.
السابع - قولهم عن الصحابي: رفع الحديث أو رواية؛ كقول سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيَّة نار، وأنهى أمتي عن الكي" (٤)، رفع الحديث، وقول سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ رواية: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب" (٥) .
وكذلك لو قالوا عن الصحابي: يأثر الحديث، أو ينميه، أو يبلغ به ونحوه، فإن مثل هذه العبارات لها حكم المرفوع صريحًا، وإن لم تكن صريحة في إضافتها إلى النبي ﷺ لكنها مشعرة بذلك.
ب - والموقوف:
ما أضيف إلى الصحابي، ولم يثبت له حكم الرفع.
مثاله: قول عمر بن الخطاب ﵁: يهدم الإسلام زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين.
ج - والمقطوع:
ما أضيف إلى التابعي فمن بعده.
مثاله: قول ابن سيرين: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وقول مالك: اترك من أعمال السر ما لا يحسن بك أن تعمله في العلانية.
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٥٥) كتاب الحج، ١٤٤- باب طواف الوداع. ومسلم (١٣٢٨) كتاب الحج، ٦٨- باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض.
(٢) رواه مسلم (٢٥٨٩ كتاب الطهارة، ١٦- باب خصال الفطرة.
(٣) رواه مسلم (٦٥٥) كتاب المساجد، ٤٥- باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن.
(٤) رواه البخاري (٥٦٨٠) كتاب الطب، ٣- باب الشفاء في ثلاثة.
(٥) رواه البخاري (٥٨٨٩) كتاب اللباس، ٦٣- باب قص الشارب. ومسلم (٢٥٧) كتاب الطهارة، ١٦- باب خصال الفطرة.
[ ٣٢ ]
الصحابي:
أ - تعريف الصحابي ب - حال الصحابة ج - آخرهم موتًا وفائدة معرفته د - المكثرون من التحديث:
أ - الصحابي:
من اجتمع بالنبي ﷺ، أو رآه مؤمنًا به، ومات على ذلك.
فيدخل فيه: من ارتد ثم رجع إلى الإسلام: كالأشعث بن قيس؛ فإنه كان ممن ارتد بعد وفاة النبي ﷺ، فجيء به أسيرًا إلى أبي بكر، فتاب وقبل منه أبو بكر ﵁.
ويخرج منه: من آمن بالنبي ﷺ في حياته، ولم يجتمع به: كالنجاشي، ومن ارتد ومات على ردته: كعبد الله بن خطل قتل يوم الفتح، وربيعة بن أمية بن خلف ارتد في زمن عمر ومات على الردة.
والصحابة عدد كثير، ولا يمكن الجزم بحصرهم على وجه التحديد، لكن قيل على وجه التقريب: أنهم يبلغون مئة وأربعة عشر ألفًا.
ب - حال الصحابة:
والصحابة كلهم ثقات ذوو عدل، تقبل رواية الواحد منهم وإن كان مجهولًا، ولذلك قالوا: جهالة الصحابي لا تضر.
والدليل على ما وصفناه من حال الصحابة: أن الله أثنى عليهم ورسوله في عدة نصوص، وأن النبي ﷺ يقبل قول الواحد منهم إذا علم إسلامه، ولا يسأل عن حاله، فعن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال: يعني رمضان فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: نعم. قال: "أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ "، قال: نعم. قال: "يا بلال أَذِّن في الناس فليصوموا غدًا" (١) . أخرجه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
ج - وآخر الصحابة موتًا على الإطلاق:
عامر بن واثلة الليثي مات بمكة سنة ١١٠
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٣٤٠) كتاب الصوم، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان. والنسائي في "المجتبى" (٤/١٣٢/٢١١٢) كتاب الصيام، ٨- باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان. والترمذي (٦٩١) كتاب الصوم، ٧- باب ما جاء في الصوم بالشهادة ورجح إرساله. وابن ماجه (١٦٥٢) كتاب الصيام، ٦- باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال. وصححه لابن خزيمة (١٩٢٣، ١٩٢٤) كتاب الصيام، ٣٩- باب إجازة الشاهد الواحد على رؤية الهلال. وابن حبان (٧٨٠/الموارد) كتاب الصيام، ١-باب رؤية الهلال.
[ ٣٣ ]
من الهجرة، فهو آخر من مات بمكة.
وآخر من مات بالمدينة: محمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي مات سنة ٩٩هـ.
وآخر من مات بالشام في دمشق: واثلة بن الأسقع الليثي مات سنة ٨٦هـ.
وفي حمص: عبد الله بن بسر المازني سنة ٩٦هـ.
وآخر من مات بالبصرة: أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي مات سن ٩٣هـ.
وآخر من مات بالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي مات سنة ٨٧هـ.
وآخر من مات بمصر عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مات سنة ٨٩هـ.
ولم يبق منهم أحد بعد سنة عشر ومئة؛ لقول ابن عمر ﵄: صلى بنا رسول الله ﷺ في آخر حياته فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مئة سنة منها، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" (١) . متفق عليه. وكان ذلك قبل موته بشهر. كما رواه مسلم من حديث جابر.
وفائدة معرفة آخر الصحابة موتًا أمران:
أحدهما: أن من تأخر موته عن هذه الغاية لم تقبل منه دعوى الصحبة.
الثاني: أن من لم يدرك التمييز قبل هذه الغاية فحديثه عن الصحابة منقطع.
د - المكثرون من التحديث:
من الصحابة من أكثروا التحديث فكثر الأخذ عنهم، والذين تجاوز الحديث عنهم الألف هم:
١ - أبو هريرة ﵁ روي عنه (٥٣٧٤)
٢ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، روي عنه (٢٦٣٠)
٣ - أنس بن مالك ﵁، روي عنه (٢٢٨٦)
٤ - عائشة ﵂، روي عنها (٢٢١٠)
٥ - عبد الله بن عباس ﵄، روي عنه (١٦٦٠) .
٦ - جابر بن عبد الله ﵄، روي عنه (١٥٤٠)
٧ - أبو سعيد الخدري ﵁، روي عنه (١١٧٠)
_________________
(١) رواه البخاري (١١٦) كتاب العلم، ٤١- باب السمر في العلم. ومسلم (٢٥٣٧) كتاب فضائل الصحابة، ٥٣- باب قوله ﷺ: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم". وحديث جابر موجود عنده عقبه (٢٥٣٨) .
[ ٣٤ ]
ولا يلزم من كثرة التحديث عن هؤلاء أن يكونوا أكثر أخذًا من غيرهم عن النبي ﷺ. لأن قلة التحديث عن الصحابي قد يكون سببها: تقدم موته؛ كحمزة ﵁ عم النبي ﷺ، أو انشغاله بما هو أهم؛ كعثمان ﵁، أو الأمرين جميعًا؛ كأبي بكر ﵁ فقد تقدم موته، وانشغل بأمر الخلافة، أو غير ذلك من الأسباب.
المخضرم:
أ - تعريفه ب - حكم حديثه:
أ - المخضرم:
من آمن بالنبي ﷺ في حياته، ولم يجتمع به.
والمخضرمون طبقة مستقلة بين الصحابة والتابعين، وقيل: بل هم من كبار التابعين.
وقد أوصلهم بعض العلماء إلى نحو أربعين شخصًا فمنهم:
الأحنف بن قيس، الأسود بن يزيد، سعد بن إياس، عبد الله بن عكيم، عمرو بن ميمون، أبو مسلم الخولاني، النجاشي ملك الحبشة.
ب - وحديث المخضرم من قبيل مرسل التابعي فهو منقطع، وفي قَبوله ما في قَبول مرسل التابعي من الخلاف.
التابعي:
أ - التابعي: من اجتمع بالصحابي مؤمنًا بالنبي ﷺ، ومات على ذلك.
ب - والتابعون كثيرون لا يمكن حصرهم، وهم ثلاث طبقات: كبرى وصغرى وبينهما.
فالكبرى: من كان أكثر روايتهم عن الصحابة مثل: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن قيس.
والصغرى: من كان أكثر روايتهم عن التابعين، ولم يلتقوا إلا بالعدد القليل من
[ ٣٥ ]
الصحابة مثل: إبراهيم النخعي، وأبي الزناد، ويحيى بن سعيد.
والوسطى: من كثرت روايتهم عن الصحابة وعن كبار التابعين مثل: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والشعبي، والزهري، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
الإسناد:
أ - تعريفه ب - أقسامه ج - أصح الأسانيد:
أ - الإسناد - ويقال: السند -: رواة الحديث الذين نقلوه إلينا.
مثاله: قول البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" (١) .
فالإسناد: عبد الله بن يوسف، ومالك، وابن شهاب، وأنس بن مالك.
ب - أقسامه:
وينقسم إلى قسمين: عالٍ ونازل.
فالعالي: ما كان أقرب إلى الصحة، والنازل عكسه.
والعلو نوعان: علو صفة وعلو عدد.
١ - فعلو الصفة: أن يكون الرواة أقوى في الضبط أو العدالة من الرواة في إسناد آخر.
٢ - وعلو العدد: أن يقل عدد الرواة في إسناد بالنسبة إلى إسناد آخر.
وإنما كانت قلة العدد علوًا؛ لأنه كلما قلّت الوسائط قلَّ احتمال الخطأ، فكان أقرب للصحة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٦٥) كتاب الأدب، ٥٧- باب ما ينهى عن التحاسد، والتدابر. ومسلم (٢٥٥٩) كتاب البر والصلة والآداب، ٧- باب تحريم التحاسد والتباغض.
[ ٣٦ ]
والنزول يقابل العلو، فيكون نوعين: نزول صفة، نزول عدد.
١ - فنزول الصفة: أن يكون الرواة أضعف في الضبط أو العدالة من الرواة في إسناد آخر.
٢ - ونزول العدد: أن يكثر عدد الرواة في إسناد بالنسبة إلى إسناد آخر.
وقد يجتمع النوعان علو الصفة وعلو العدد في إسناد واحد، فيكون عاليًا من حيث الصفة ومن حيث العدد.
وقد يوجد أحدهما دون الآخر، فيكون الإسناد عاليًا من حيث الصفة، نازلًا من حيث العدد أو بالعكس، وفائدة معرفة العلو والنزول: الحكم بالترجيح للعالي عند التعارض.
ج - أصح الأسانيد:
والتحقيق أنه لا يحكم لإسناد معين بكونه أصح الأسانيد، وإنما يحكم له بذلك بالنسبة إلى الصحابي أو البلد أو الموضوع، فيقال: أصح أسانيد أبي بكر، أصح أسانيد أهل الحجاز، أصح أسانيد حديث النزول، وقد ذكروا أصح الأسانيد بالنسبة إلى الصحابة فمنها:
أصح الأسانيد إلى أبي هريرة ﵁: الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وأصح الأسانيد إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: مالك عن نافع عن ابن عمر.
وأصح الأسانيد إلى أنس بن مالك ﵁: مالك عن الزهري عن أنس.
وأصح الأسانيد إلى عائشة ﵂: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
وأصح الأسانيد إلى عبد الله بن عباس ﵄: الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس.
وأصح الأسانيد إلى جابر بن عبد الله ﵄: سفيان بن عيينة عن
[ ٣٧ ]
عمرو بن دينار عن جابر.
وأما رواية عمرو بن شعيب عن أبيه (شعيب) عن جده (أي جد أبيه شعيب) وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، فبالغ بعضهم حتى جعله من أصح الأسانيد، وردها بعضهم بأن شعيبًا لم يدرك جده فيكون منقطعًا.
والراجح أنها صحيحة ومقبولة، قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: من الناس بعدهم؟ اهـ. وأما ردها بأن شعيبًا لم يدرك جده فمردود؛ بأنه قد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله، فليس فيه انقطاع حينئذٍ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أئمة الإسلام وجمهور العلماء يحتجون بحديث عمرو بن شعيب إذا صح النقل إليه. اهـ.
المسلسل:
أ - تعريفه ب - فائدته:
أ - المسلسل:
ما اتفق الرواة فيه على شيء واحد، فيما يتعلق بالراوي أو الرواية.
مثاله فيما يتعلق بالراوي: حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ! إني لأحبك، أوصيك يا معاذ! لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك" (١) .
فقد ذكروا أن كل من حدث قال لمن رواه عنه: وأنا أحبك، فقل: اللهم أعني إلخ.
ومثاله فيما يتعلق بالرواية: قول البخاري في "صحيحه": حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا زيد بن وهب، حدثنا عبد الله (يعني ابن مسعود) حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة " الحديث (٢) .
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٢٢) كتاب الوتر، باب في الاستغفار. والنسائي في "المجتبى" (٣/٥٣/١٣٠٣) كتاب السهو، ٦٠- نوع آخر من الدعاء. وأحمد (٥/٢٤٤/٢٢١٧٢) و(٢٤٧/٢٢١٧٩) . وثبته الحافظ في "الفتح" (١١/١٣٣) .
(٢) رواه البخاري (٣٣٣٢) كتاب أحاديث الأنبياء، ١- باب خلق آدم وذريته. وهو عند مسلم في "صحيحه" (٢٦٤٣) كتاب القدر، ١- باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته.
[ ٣٨ ]
فقد تسلسل باتفاق الرواة على صيغة واحدة هي: حدثنا.
ومثل ذلك لو تسلسل بلفظ: عن فلان عن فلان.
أو تسلسل بكونه أول حديث سمعه من شيخه أو آخر حديث.
ب - وفائدة المسلسل:
بيان ضبط الرواة في أخذ بعضهم من بعض، وعناية كل واحد باتباع من قبله.
تحمُّل الحديث وأداؤه:
تحمل الحديث:
أ - تعريفه ب - شروطه - ج أنواعه:
أ - تحمل الحديث:
أخذه عمَّن حدث به عنه.
ب - وشروطه ثلاثة:
١ - التمييز: وهو فهم الخطاب ورد جوابه على الصواب، والغالب أن يكون عند تمام سبع سنين.
فلا يصح تحمل من لا تمييز له لصغر، وكذلك لو فقد تمييزه لكبر، أو غيره فلا يصح تحمله.
٢ - العقل: فلا يصح تحمل المجنون والمعتوه.
٣ - السلامة من الموانع: فلا يصح مع غلبة نعاس أو لغط كثير، أو شاغل كبير.
ج - وأنواعه كثيرة فمنها:
١ - السماع من لفظ الشيخ، وأرفعه ما يقع إملاء.
٢ - القراءة على الشيخ ويسمى: (العرض) .
٣ - الإجازة وهي أن يأذن الشيخ بالرواية عنه، سواء أذن له لفظًا، أو كتابة.
[ ٣٩ ]
والرواية بالإجازة صحيحة عند جمهور العلماء لدعاء الحاجة إليها، ويشترط لصحتها ثلاثة شروط:
الأول - أن يكون المُجَاز به معلومًا إما بالتعيين مثل: أجزت لك أن تروي عني "صحيح البخاري"، وإما بالتعميم مثل: أجزت لك أن تروي عني جميع مروياتي، فكل ما ثبت عنده أنه من مروياته، صح أن يحدث به عنه بناء على هذه الإجازة العامة.
فإن كان المجاز به مبهمًا، لم تصح الرواية بها مثل: أجزت لك أن تروي عني بعض "صحيح البخاري"، أو بعض مروياتي؛ لأنه لا يعلم المجاز به.
الثاني - أن يكون المجاز له موجودًا فلا تصح الإجازة لمعدوم لا تبعًا ولا استقلالًا.
فلو قال: أجزت لك، ولمن سيولد لك، أو أجزت لمن سيولد لفلان؛ لم تصح الإجازة.
الثالث - أن يكون المجاز له معينًا بشخصه أو بوصفه مثل: أجزت لك ولفلان رواية مروياتي عني، أو أجزت لطالبي علم الحديث رواية مروياتي عني.
فإن كان عامًّا لم تصح الإجازة مثل: أجزت لجميع المسلمين أن يرووا عني.
وقيل: تصح للمعدوم، وغير المعيَّن، والله أعلم.
أداء الحديث:
أ - تعريفه ب - شروط قبوله ج - صيغه:
أ - أداء الحديث:
إبلاغه إلى الغير.
ويؤدي الحديث كما سمعه حتى في صيغ الأداء، فلا يبدل: حدثني بأخبرني أو سمعت أو نحوها؛ لاختلاف معناها في الاصطلاح، نقل عن الإمام أحمد أنه
[ ٤٠ ]
قال: اتبع لفظ الشيخ في قوله: حدثني، وحدثنا، وسمعت، وأخبرنا، ولا تَعْدُه. اهـ.
ب - ولقبول الأداء شروط منها:
١ - العقل: فلا يقبل من مجنون، ولا معتوه، ولا ممن ذهب تمييزه لكبر، أو غيره.
٢ - البلوغ: فلا يقبل من صغير، وقيل: يقبل من مراهق يوثق به.
٣ - الإسلام: فلا يقبل من كافر، ولو تحمل وهو مسلم.
٤ - العدالة: فلا يقبل من فاسق، ولو تحمل وهو عدل.
٥ - السلامة من الموانع: فلا يقبل مع غلبة نعاس، أو شاغل يقلق فكره.
ج - وصيغ الأداء:
ما يؤدى بها الحديث، ولها مراتب:
الأولى: سمعت، حدثني، إذا سمع وحده من الشيخ، فإن كان معه غيره قال: سمعنا وحدثنا.
الثانية: قرأت عليه، أخبرني قراءة عليه، أخبرني، إذا قرأ على الشيخ.
الثالثة: قرئ عليه وأنا أسمع، قرأنا عليه، أخبرنا، إذا قرئ على الشيخ وهو يسمع.
الرابعة: أخبرني إجازة، حدثني إجازة، أنبأني، عن فلان؛ إذا روى عنه بالإجازة.
وهذا عند المتأخرين، أما المتقدمون فيرون أن حدثني وأخبرني وأنبأني بمعنى واحد، يؤدي بها من سمع من الشيخ.
وبقي صيغ أخرى تركناها حيث لم نتعرض لأنواع التحمل بها.
كتابة الحديث:
أ - تعريفها ب - حكمها ج - صفتها:
أ - تعريفها:
كتابة الحديث: نقله عن طريق الكتابة.
ب - حكم كتابة الحديث:
[ ٤١ ]
والأصل فيها الحل، لأنها وسيلة، وقد أذن النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو أن يكتب ما سمعه منه، رواه أحمد بإسناد حسن (١) . فإن خيف منها محذور شرعي منعت، وعلى هذا يحمل النهي في قوله ﷺ: "لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن، فمن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه" (٢) . رواه مسلم وأحمد واللفظ له.
وإذا توقف عليها حفظ السنة وإبلاغ الشريعة كانت واجبة، وعليه تحمل كتابة النبي ﷺ بحديثه إلى الناس يدعوهم إلى الله ﷿ ويبلغهم شريعته، وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ خطب عام الفتح فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاه فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال: "اكتبوا لأبي شاه"، يعني الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ.
ج - صفتها:
وتجب العناية بكتابة الحديث؛ لأنها إحدى وسيلتي نقله، فوجبت العناية بها كنقله عن طريق اللفظ.
وللكتابة صفتان: واجبة ومستحسنة:
فالواجبة: أن يكتب الحديث بخط واضح بيِّن، لا يوقع في الإشكال والالتباس.
والمستحسنة: أن يراعي ما يأتي:
١ - إذا مر بذكر اسم الله كتب: تعالى، أو ﷿، أو سبحانه، أو غيرها من كلمات الثناء الصريحة بدون رمز.
وإذا مر بذكر اسم الرسول ﷺ كتب: ﷺ، أو ﵊ صريحة بدون رمز، قال العراقي في "شرح ألفيته" في المصطلح: ويكره أن يرمز للصلاة على النبي ﷺ في الخط بأن يقتصر على حرفين ونحو ذلك، وقال أيضًا: ويكره حذف واحد من الصلاة، أو التسليم، والاقتصار على أحدهما (٤) . اهـ.
* وإذا مر بذكر صحابي كتب: ﵁، ولا يخص أحدًا من الصحابة بثناء، أو دعاء معين يجعله شعارًا له كلما ذكره. كما يفعل الرافضة في علي بن أبي طالب ﵁ في قولهم عند ذكره: ﵇ أو كرم الله وجهه، قال ابن كثير (٥): فإن هذا من باب التعظيم، والتكريم، فالشيخان يعني: أبا بكر وعمر وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه. اهـ.
_________________
(١) رواه أحمد (٢/٢١٥/٧٠١٨٩ وابن خزيمة في "صحيحه" (٤/٢٦/٢٢٨٠) كتاب الزكاة، ٢٩٩- باب النهي عن الجلب عند أخذ الصدقة. وحسنه الألباني.
(٢) رواه مسلم (٣٠٠٤) كتاب الزهد والرقائق، ١٦- باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم. وأحمد (٣/١٢/١١١٠٠)
(٣) رواه البخاري (١١٢) كتاب العلم، ٣٩- باب كتابة العلم. ومسلم (١٣٥٥) كتاب الحج، ٨٢- باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام.
(٤) هو في "شرحه لألفيته" (ص٢٣٧-٢٣٩) .
(٥) ابن كثير، هو في "تفسيره" (٣/٥١٧-٥١٨ الفكر) .
[ ٤٢ ]
فأما إن أضاف الصلاة إلى السلام عند ذكر علي ﵁ دون غيره فهو ممنوع، لا سيما إذا اتخذه شعارًا لا يخل به، فتركه حيئنذٍ متعين، قاله ابن القيم في كتاب "جلاء الأفهام" (١) .
* وإذا مر بذكر تابعي فمن بعده ممن يستحقون الدعاء كتب: ﵀.
٢ - أن يشير إلى نص الحديث بما يتميز به: فيجعله بين قوسين () أو مربعين () أو دائرتين * * أو نحو ذلك، لئلا يختلط بغيره فيشتبه.
٣ - أن يراعي القواعد المتبعة في إصلاح الخطأ:
* فالساقط يلحقه في أحد الجانبين، أو فوق، أو تحت مشيرًا إلى مكانه بما يعيّنه.
* والزائد يشطب عليه من أول كلمة منه إلى الأخيرة بخط واحد؛ لئلا ينطمس ما تحته فيخفى على القارئ، وإذا كان الزائد كثيرًا كتب قبل أول كلمة منه (لا) وبعد آخر كلمة منه (إلى) ترفعان قليلًا عن مستوى السطر.
وإذا كانت الزيادة بتكرار كلمة شطبت الأخيرة منها، إلا أن يكون لها صلة بما بعدها فيشطب الأولى، مثل أن يكرر كلمة عبد في عبد الله، أو امرئ في امرئ مؤمن، فيشطب الأولى.
٤ - أن لا يفصل بين كلمتين في سطرين إذا كان الفصل بينهما يوهم معنى فاسدًا، مثل قول علي ﵁: بشر قاتل ابن صفية (يعني: الزبير بن العوام) بالنار، فلا يجعل بشر قاتل في سطر، وابن صفية في النار في سطر آخر.
٥ - أن يجتنب الرمز إلا فيما كان مشهورًا بين المحدثين (٢) ومنه:
* (ثنا) أو (نا) و(دثنا) يرمز بها عن حدثنا، وتُقرأ: حدثنا.
* (أنا) أو (أرنا) أو (أبنا) يرمز بها عن أخبرنا، وتقرأ: أخبرنا.
* (ق) يرمز بها عن قال، وتقرأ: قال، والأكثر حذف قال بدون رمز، لكن ينطق بها عند القراءة.
مثاله: قول البخاري: حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، قال يزيد: حدثني مطرف بن
_________________
(١) هو في "جلاء الأفهام" (٤٦٧- العروبة) .
(٢) يستعمل كثير من المتأخرين الرموز طلبًا للاختصار، لكنهم يذكرون مصطلحهم في ذلك فيزول المحذور منها.
[ ٤٣ ]
عبد الله عن عمران، قال: قلت: يا رسول الله فيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" (١) .
فقد حذفت (قال) بين الرواة، لكن ينطق بها عند القراءة فيقال في المثال: قال البخاري: حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: قال يزيد: حدثني مطرف إلخ.
* (ح) يرمز بها للتحول من إسناد إلى آخر إذا كان للحديث أكثر من إسناد، سواء كان التحول عند آخر الإسناد أو في أثنائه، وينطق بها على صورتها فيقال: حا.
مثال التحول عند آخر الإسناد:
قول البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس عن النبي ﷺ (ح) وحدثنا آدم قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين" (٢) .
ومثال التحول في أثنائه:
قول مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث (ح) وحدثنا محمد بن رمح: حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم. والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم. والعبد راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه. ألا فكلكم راعٍ. وكلكم مسؤول عن رعيته" (٣) .
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥٥١) كتاب التوحيد، ٥٤- باب قول الله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر) (القمر: ١٧) . وهو في مسلم (٢٦٤٩٩ كتاب القدر، ١- باب كيفية خلق الآدمي
(٢) رواه البخاري (١٥) كتاب الإيمان، ٨- باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. وهو في مسلم (٤٤) كتاب الإيمان، ١٦- باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر الأهل والولد والوالد والناس أجمعين.
(٣) رواه مسلم (١٨٢٩) كتاب الإمارة، ٥- باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم. وهو في البخاري (٢٥٥٤) كتاب العتق، ١٧- باب كراهية التطاول على الرقيق.
[ ٤٤ ]
تدوين الحديث:
لم يكن الحديث في عهد النبي ﷺ وخلفائه الأربعة الراشدين مدوّنًا كما دوِّن فيما بعد، وقد روى البيهقي في "المدخل" (١) عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يكتب السنن، فاستشار أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا، كانوا قبلكم، كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا.
ولما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ وخاف من ضياع الحديث، كتب إلى قاضيه في المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: انظر ما كان من حديث النبي ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ﷺ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا.
وكتب إلى الآفاق بذلك أيضًا ثم أمر محمد بن شهاب الزهري بتدوينها.
فكان أول من صنف في الحديث: محمد بن شهاب الزهري بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمهما الله، وكان ذلك على رأس مئة سنة من الهجرة، ثم تتابع الناس في ذلك، وتنوعت طرقهم في تصنيف الحديث
طرق تصنيف الحديث:
طرق تصنيف الحديث على نوعين:
أ - تصنيف الأصول:
وهي التي يسند فيها الحديث من المصنف إلى غاية الإسناد وله طرق، فمنها:
١ - التصنيف على الأجزاء: بأن يجعل لكل باب من أبواب العلم جزء خاص
_________________
(١) رواه البيهقي في "المدخل" (٧٣١)، وعبد الرزاق عن معمر في "جامعه" (١١/٢٥٧- المحلق في آخر المصنف) .
[ ٤٥ ]
مستقل، فيجعل لباب الصلاة جزء خاص، ولباب الزكاة جزء خاص، وهكذا. ويذكر أن هذه طريقة الزهري ومن في زمنه.
٢ - التصنيف على الأبواب: بحيث يجعل في الجزء الواحد أكثر من باب، وترتب على الموضوعات؛ كترتيب أبواب الفقه، أو غيره. مثل: طريقة البخاري، ومسلم، وأصحاب "السنن".
٣ - التصنيف على المسانيد: بحيث يجمع أحاديث كل صحابي على حدة، فيذكر في مسند أبي بكر جميع ما رواه عن أبي بكر، وفي مسند عمر جميع ما رواه عن عمر، وهكذا مثل طريقة الإمام أحمد في "مسنده".
ب - تصنيف الفروع:
وهي التي ينقلها مصنفوها من الأصول معزوة إلى أصلها بغير إسناد، وله طرق أيضًا فمنها:
١ - التصنيف على الأبواب مثل: "بلوغ المرام" لابن حجر العسقلاني، و"عمدة الأحكام" لعبد الغني المقدسي
٢ - التصنيف مرتبًا على الحروف مثل: "الجامع الصغير" للسيوطي. إلى غير ذلك من الطرق الكثيرة من النوعين حسبما يراه أهل الحديث أقرب إلى تحصيله وتحقيقه.
الأمهات الست
يطلق هذا الوصف على الأصول التالية:
١ - صحيح البخاري ٢ - صحيح مسلم ٣ - سنن النسائي
٤ - سنن أبي داود ٥ - سنن الترمذي ٦ - سنن ابن ماجه.
١ - صحيح البخاري:
هذا الكتاب سماه مؤلفه "الجامع الصحيح" وخرجه من ستمائة ألف حديث، وتعب ﵀ في تنقيحه، وتهذيبه، والتحري في صحته، حتى كان لا يضع فيه
[ ٤٦ ]
حديثًا إلا اغتسل وصلى ركعتين، يستخير الله في وضعه، ولم يضع فيه مسندًا إلا ما صح عن رسول الله ﷺ؛ بالسند المتصل الذي توفر في رجاله العدالة والضبط.
وأكمل تأليفه في ستة عشر عامًّا، ثم عرضه على الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة.
وقد تلقاه العلماء بالقَبول في كل عصر، قال الحافظ الذهبي: هو أجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله تعالى.
وعدد أحاديثه بالمكرر (٧٣٩٧) سبعة وتسعون وثلاثمائة وسبعة آلاف، وبحذف المكرر (٢٦٠٢) اثنان وستمائة وألفا حديث، كما حرر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀.
* البخاري:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه (١) الجعفي - مولاهم - الفارسي الأصل.
ولد ببخارى في شوال سنة ١٩٤ هـ أربع وتسعين ومئة، ونشأ يتيمًا في حجر والدته، وبدأ بالرحلة في طلب الحديث سنة عشر ومائتين، وتنقل في البلاد لطلب الحديث، وأقام في الحجاز ست سنين، ودخل الشام ومصر والجزيرة والبصرة والكوفة وبغداد، وكان ﵀ غاية في الحفظ، ذكر عنه أنه كان ينظر في الكتاب فيحفظه من نظرة واحدة، وكان زاهدًا ورعًا بعيدًا عن السلاطين والأمراء، شجاعًا، سخيًّا، أثنى عليه العلماء في عصره وبعده، قال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله، وقال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ، ولا أحفظ من محمد بن إسماعيل البخاري. وكان
_________________
(١) بردزبه: كلمة فارسية معناها الزراع.
[ ٤٧ ]
مجتهدًا في الفقه، وله دقة عجيبة في استنباطه من الحديث. كما تشهد بذلك تراجمه في "صحيحه".
توفي ﵀ في خَرْتَنْك (١)؛ بلدة على فرسخين من سمرقند، ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ ست وخمسين ومائتين عن اثنين وستين عامًا إلا ثلاثة عشر يومًا، وقد خلّف علمًا كثيرًا في مؤلفاته، ﵀، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
٢ - صحيح مسلم:
هو الكتاب المشهور الذي ألّفه مسلم بن الحجاج ﵀، جمع فيه ما صح عنده عن رسول الله ﷺ، قال النووي: سلك فيه طرقًا بالغة في الاحتياط، والإتقان، والورع، والمعرفة، لا يهتدي إليها إلا أفراد في الأعصار. اهـ.
وكان يجمع الأحاديث المتناسبة في مكان واحد، ويذكر طرق الحديث وألفاظه مرتبًا على الأبواب، لكنه لا يذكر التراجم إما: خوفًا من زيادة حجم الكتاب، أو لغير ذلك.
وقد وضع تراجمه جماعة من شراحه، ومن أحسنها تراجم النووي ﵀.
وعدد أحاديثه بالمكرر (٧٢٧٥) خمسة وسبعون ومائتان وسبعة آلاف حديث، وبحذف المكرر نحو (٤٠٠٠) أربعة آلاف حديث.
وقد اتفق جمهور العلماء أو جميعهم على أنه - من حيث الصحة - في المرتبة الثانية بعد صحيح البخاري، وقيل في المقارنة بينهما:
تشاجر قوم في البخاري ومسلم
لدي وقالوا: أي ذين تقدم
فقلت: لقد فاق البخاري صحة
كما فاق في حسن الصناعة مسلم
_________________
(١) بفتح الخاء وسكون الراء وفتح التاء وسكون النون.
[ ٤٨ ]
* مسلم:
هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد في نيسابور سنة ٢٠٤ هـ أربع ومائتين، وتنقل في الأمصار لطلب الحديث؛ فرحل إلى الحجاز والشام والعراق ومصر، ولما قدم البخاري نيسابور لازمه ونظر في علمه، وحذا حذوه.
أثنى عليه كثير من العلماء من أهل الحديث وغيرهم.
توفي في نيسابور سنة ٢٦١ هـ إحدى وستين ومائتين، عن سبع وخمسين سنة.
وقد خلّف علمًا كثيرًا في مؤلفاته، ﵀، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
فائدتان:
الفائدة الأولى:
لم يستوعب "الصحيحان": صحيح البخاري، ومسلم جميع ما صح عن الرسول ﷺ، بل في غيرهما أحاديث صحيحة لم يروياها، قال النووي: إنما قصد البخاري ومسلم جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله، لكن إذا كان الحديث الذي تركاه، أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلًا في بابه، ولم يخرجا له نظيرًا، ولا ما يقوم مقامه؛ فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كانا روياه، ويحتمل أنهما تركاه نسيانًا، أو إيثارًا لترك الإطالة، أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده، أو لغير ذلك. اهـ.
الفائدة الثانية:
اتفق العلماء على أن "صحيحي البخاري ومسلم" أصح الكتب المصنفة في الحديث فيما ذكراه متصلًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحًا لا ريب فيه. وقال: جمهور متونهما، يعلم أهل الحديث علمًا قطعيًّا أن النبي ﷺ قالها. اهـ.
هذا وقد انتقد بعض الحفاظ على صاحبي "الصحيحين" أحاديث نزلت عن درجة
[ ٤٩ ]
ما الْتزماه، تبلغ مائتين وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين منها، وانفرد البخاري بثمانية وسبعين، وانفرد مسلم بمئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): جمهور ما أنكر على البخاري، مما صححه يكون قوله فيه راجحًا على من نازعه، بخلاف مسلم فإنه نوزع في أحاديث خرجها، وكان الصواب مع من نازعه فيها، ومثّل لذلك بحديث: "خلق الله التربة يوم السبت" (٢)، وحديث "صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأربع" (٣) .
وقد أجيب عما انتقد عليهما بجوابين مجمل ومفصل:
١ - أما المجمل: فقال ابن حجر العسقلاني في مقدمة "فتح الباري" (٤): لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، قال: فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة. اهـ.
٢ - وأما المفصل: فقد أجاب ابن حجر في المقدمة عمّا في "صحيح البخاري" جوابًا مفصلًا عن كل حديث، وألّف الرشيد العطار كتابًا في الجواب عما انتقد على مسلم حديثًا حديثًا، وقال العراقي في "شرح ألفيته" في المصطلح: إنه قد أفرد كتابًا لما ضعف من أحاديث "الصحيحين" مع الجواب عنها، فمن أراد الزيادة في ذلك فليقف عليه، ففيه فوائد ومهمات. اهـ.
٣ - سنن النسائي:
ألف النسائي ﵀ كتابه "السنن الكبرى" وضمنه الصحيح، والمعلول، ثم اختصره في كتاب "السنن الصغرى"، وسماه "المجتبى"، جمع فيه الصحيح عنده، وهو المقصود بما ينسب إلى رواية النسائي من حديث.
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١/٢٥٦) و(١٧/٢٣٦) و(٨/٧٣) .
(٢) رواه مسلم (٢٧٨٩) كتاب صفة القيامة والجنة والنار، ١- باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇. وانظر: "تفسير ابن كثير" (١/٦٩/- ٧٠) .
(٣) انظر: "صحيح مسلم" (٩٠١)، (٦) كتاب الكسوف، ١- باب صلاة الكسوف.
(٤) وكلام ابن حجر: "مقدمة فتح الباري" "هدي الساري"، الفصل الثامن.
[ ٥٠ ]
و"المجتبى" أقل السنن حديثًا ضعيفًا، ورجلًا مجروحًا ودرجته بعد "الصحيحين"، فهو - من حيث الرجال - مقدم على "سنن أبي داود والترمذي"؛ لشدة تحري مؤلفه في الرجال، قال الحافظ ابن حجر ﵀: كم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب إخراج حديث جماعة في "الصحيحين". اهـ.
وبالجملة فشرط النسائي في "المجتبى" هو أقوى الشروط بعد "الصحيحين".
* النسائي:
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، ويقال: النسوي؛ نسبة إلى نسأ بلدة مشهورة بخراسان.
ولد سنة ٢١٥، في نسأ، ثم ارتحل في طلب الحديث، وسمع من أهل الحجاز وخراسان والشام والجزيرة وغيرها، وأقام بمصر طويلًا، وانتشرت مصنفاته فيها، ثم ارتحل إلى دمشق، فحصلت له فيها محنة، وتوفي سنة ٣٠٣، في الرملة في فلسطين عن ثمان وثمانين سنة.
وقد خلف مصنفات كثيرة في الحديث والعلل، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
٤ - سنن أبي داود:
هو كتاب يبلغ ٤٨٠٠ أربعة آلاف وثمانمائة حديث، انتخبه مؤلفه من خمسمائة ألف حديث، واقتصر فيه على أحاديث الأحكام وقال: ذكرت فيه الصحيح، وما يشبهه وما يقاربه. وما كان في كتابي هذا فيه وهن شديد بينته، وليس فيه عن رجل متروك الحديث شيء، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، والأحاديث التي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير. اهـ.
قال السيوطي: يحتمل أن يريد بصالح: الصالح للاعتبار دون الاحتجاج فيشمل
[ ٥١ ]
الضعيف، لكن ذكر ابن كثير أنه يُروى عنه أنه قال: وما سكتَ عنه فهو حسن، فإن صح هذا فلا إشكال. اهـ. أي: فلا إشكال في أن المراد بصالح: صالح للاحتجاج، وقال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في أحد "الصحيحين"، ولا نص على صحته أحد؛ عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود. اهـ. وقال ابن منده: وكان أبو داود يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. اهـ.
وقد اشتهر "سنن أبي داود" بين الفقهاء لأنه كان جامعًا لأحاديث الأحكام، وذكر مؤلفه أنه عرضه على الإمام أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه، وأثنى عليه ابن القيم ثناءً بالغًا في مقدمة "تهذيبه".
* أبو داود:
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، ولد في سجستان سنة ٢٠٢هـ، ورحل في طلب الحديث وكتب عن أهل العراق والشام ومصر وخراسان، وأخذ عن أحمد بن حنبل، وغيره من شيوخ البخاري ومسلم.
أثنى عليه العلماء ووصفوه بالحفظ التام والفهم الثاقب والورع.
توفي في البصرة سنة ٢٧٥هـ عن ثلاث وسبعين سنة.
وقد خلف علمًا كثيرًا في مؤلفاته، ﵀، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
٥ - سنن الترمذي:
هذا الكتاب اشتهر أيضًا باسم "جامع الترمذي"، ألفه الترمذي ﵀ على أبواب الفقه، وأودع فيه الصحيح والحسن والضعيف، مبينًا درجة كل حديث في موضعه مع بيان وجه الضعف، واعتنى ببيان من أخذ به من أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وجعل في آخره كتابًا في "العلل" جمع فيه فوائد هامة.
[ ٥٢ ]
قال: وجميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض العلماء ما خلا حديثين: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (١) . وحديث: "إذا شرب فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" (٢) . اهـ (٣) .
وقد جاء في هذا الكتاب من الفوائد الفقهية والحديثية ما ليس في غيره، واستحسنه علماء الحجاز والعراق وخراسان حين عرضه مؤلفه عليهم.
هذا وقد قال ابن رجب: اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الصحيح والحسن والغريب. والغرائب التي خرجها فيها بعض المنكر، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبيِّن ذلك غالبًا، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب، متفق على اتهامه بإسناد منفرد، نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ، ومن غلب على حديثه الوهن، ويبيِّن ذلك
غالبًا، ولا يسكت عنه اهـ.
* الترمذي:
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي، ولد في ترمذ مدينة بطرف جيحون، سنة ٢٠٩هـ فطاف بالبلاد، وسمع من أهل الحجاز والعراق وخراسان.
اتفقوا على إمامته وجلالته حتى كان البخاري يعتمد عليه ويأخذ عنه مع أنه - أي البخاري - من شيوخه.
توفي في ترمذ سنة ٢٧٩هـ عن سبعين عامًا، وقد صنف تصانيف نافعة في العلل
_________________
(١) رواه مسلم (٧٠٥) كتاب الصلاة، ٥- باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر. وانظر: البخاري (٥٤٣) كتاب مواقيت الصلاة، ١٢- باب تأخير الظهر إلى العصر. والترمذي (١٨٧) كتاب الصلاة، ٢٤- باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(٢) رواه الترمذي (١٤٤٤) كتاب الحدود، ١٥- باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه، ومن عاد في الرابعة فاقتلوه.
(٣) قلت: بل أخذ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بمقتضى حديث ابن عباس في الجمع فأجاز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للمرض ونحوه، وقد سئل ابن عباس ﵄ لِمَ فعل رسول الله ﷺ ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمته، فدل على أنه كلما لحق الأمة حرج في ترك الجمع، جاز الجمع. وأما حديث قتل شارب الخمر في الرابعة فقد أخذ به بعض العلماء، فقال ابن حزم: يقتل في الرابعة بكل حال، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يقتل عند الحاجة إلى قتله، إذا لم ينته الناس بدونه، وعلى هذا فلا إجماع على ترك العمل بالحديثين.
[ ٥٣ ]
وغيرها، ﵀، وجزاه الله عن المسلمين خيرًا.
٦ - سنن ابن ماجه:
كتاب جمعه مؤلفه مرتبًا على الأبواب يبلغ نحو واحد وأربعين وثلاثمائة وأربعة آلاف حديث (٤٣٤١)، والمشهور عند كثير من المتأخرين أنه السادس من كتب أصول الحديث (الأمهات الست)، إلا أنه أقل رتبة من "السنن": "سنن النسائي وأبي داود والترمذي"، حتى كان من المشهور أن ما انفرد به يكون ضعيفًا غالبًا إلا أن الحافظ ابن حجر قال: ليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة، والله المستعان. اهـ، وقال الذهبي: فيه مناكير وقليل من الموضوعات. اهـ، وقال السيوطي: إنه تفرد بإخراج الحديث عن رجال متهمين بالكذب، وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث، لا تعرف إلا من جهتهم.
وأكثر أحاديثه قد شاركه في إخراجها أصحاب الكتب الستة كلهم، أو بعضهم، وانفرد عنهم بتسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف حديث (١٣٣٩) كما حقق ذلك الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ﵀.
* ابن ماجه:
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه (بالهاء الساكنة ويقال بالتاء) الربعي مولاهم القزويني.
ولد في قزوين (من عراق العجم) سنة ٢٠٩هـ، وارتحل في طلب الحديث إلى الري والبصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والحجاز، وأخذ عن كثير من أهلها.
توفي سنة ٢٧٣هـ عن أربع وستين سنة.
له عدد من التصانيف النافعة، ﵀، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
[ ٥٤ ]
مسند الإمام أحمد
المحدثون جعلوا المسانيد في الدرجة الثالثة بعد "الصحيحين" و"السنن".
ومن أعظم المسانيد قدرًا وأكثرها نفعًا: "مسند الإمام أحمد"، فقد شهد له المحدثون قديمًا وحديثًا بأنه أجمع كتب السنة، وأوعاها، لما يحتاج إليه المسلم في دينه ودنياه، قال ابن كثير: لا يوازي "مسند أحمد" كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته، وقال حنبل: جمعنا أبي أنا، وصالح، وعبد الله، فقرأ علينا المسند وما سمعه غيرنا، وقال: هذا الكتاب جمعته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة. اهـ. لكن قال الذهبي: هذا القول منه على غالب الأمر وإلا فلنا أحاديث قوية في "الصحيحين" و"السنن" والأجزاء ما هي في المسند. اهـ.
وقد زاد فيه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه، وتعرف بزوائد عبد الله، وزاد فيه أيضًا أبو بكر القطيعي الذي رواه عن عبد الله عن أبيه زيادات عن غير عبد الله وأبيه.
ويبلغ عدد أحاديث المسند بالمكرر نحو (٤٠٠٠٠) أربعين ألف حديث، وبحذف المكرر (٣٠٠٠٠) ثلاثين ألف حديث.
آراء العلماء في أحاديث المسند:
للعلماء في أحاديث المسند ثلاثة آراء:
الأول - أن جميع ما فيه من الأحاديث حجة.
الثاني - أن فيه الصحيح والضعيف والموضوع، وقد ذكر ابن الجوزي في "الموضوعات" تسعة وعشرين حديثًا منه، وزاد العراقي عليها تسعة أحاديث، وجمعها في جزء.
الثالث - أن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، وليس فيه موضوع، وقد ذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي والحافظ
[ ٥٥ ]
ابن حجر والسيوطي، وقال شيخ الإسلام: شرط أحمد في "المسند" أقوى من شرط أبي داود في "سننه"، وقد روى أبو داود عن رجال أعرض عنهم في "المسند"، وقد شرط أحمد في "المسند" أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، ثم زاد عليه ابنه عبد الله وأبو بكر القطيعي زيادات، ضمت إليه، وفيها كثير من الأحاديث الموضوعة فظن من لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده. اهـ (١) .
وبما ذكره شيخ الإسلام ﵀ يتبين أنه يمكن التوفيق بين الآراء الثلاثة، فمن قال: إن فيه الصحيح والضعيف، لا ينافي القول بأن جميع ما فيه حجة؛ لأن الضعيف إذا صار حسنًا لغيره يكون حجة، ومن قال: إن فيه الموضوع حمل على ما في زيادات عبد الله وأبي بكر القطيعي.
وقد صنف الحافظ ابن حجر كتابًا سماه: "القول المسدد في الذب عن المسند" ذكر فيه الأحاديث التي حكم العراقي عليها بالوضع، وأضاف إليها خمسة عشر حديثًا، مما ذكره ابن الجوزي ثم أجاب عنها حديثًا حديثًا، وعقب السيوطي عليه بما فاته مما ذكره ابن الجوزي، وهي أربعة عشر حديثًا في جزء سماه: "الذيل الممهد هذا وقد تناول العلماء هذا المسند بالتصنيف عليه ما بين مختصر له، وشارح، ومفسر، ومرتب، ومن أحسنها الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" الذي ألفه أحمد بن عبد الرحمن البنا، الشهير بالساعاتي، جعله سبعة أقسام أولها: قسم التوحيد وأصول الدين وآخرها: قسم القيامة وأحوال الآخرة، ورتبه على الأبواب ترتيبًا حسنًا، وأتمه بوضع شرح عليه سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني"، وهو اسم مطابق لمسماه فإنه مفيد جدًّا من الناحيتين الحديثية والفقهية، والحمد لله رب العالمين.
* أحمد بن حنبل:
هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي ثم البغدادي.
ولد سنة ١٦٤هـ في مرو ثم حمل إلى بغداد وهو رضيع، وقيل: ولد في بغداد، نشأ
_________________
(١) انظر: "منهاج السنة النبوية" (٧/٩٧) .
[ ٥٦ ]
يتيمًا وطاف بالبلاد والآفاق؛ لطلب الحديث فسمع من مشايخ العصر في الحجاز والعراق والشام واليمن، وعني عناية عظيمة بالسنة والفقه حتى عده أهل الحديث إمامهم وفقيههم.
وقد أثنى عليه العلماء في عصره وبعده، فقال الشافعي: خرجت من العراق، فما رأيت رجلًا أفضل، ولا أعلم، ولا أورع، ولا أتقى من أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، وقال ابن المديني: إن الله أيّد هذا الدين بأبي بكر الصديق ﵁ يوم الردة، وبأحمد بن حنبل ﵀ يوم المحنة، وقال الذهبي: انتهت إليه الإمامة في الفقه، والحديث، والإخلاص، والورع وأجمعوا على أنه ثقة حجة إمام. اهـ.
توفي في بغداد سنة ٢٤١هـ عن سبعة وسبعين عامًا.
وقد خلف للأمة علمًا كثيرًا، ومنهجًا قويمًا، ﵀، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
آداب العالم والمتعلم
فائدة العلم وثمرته: العمل بما علم، فمن لم يعمل بما علم كان علمه وبالًا عليه، وحجة عليه يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ: "والقرآن حجة لك أو عليك" (١) .
ولكل من العالم والمتعلم آداب ينبغي مراعاتها، منها ما هو مشترك بينهما، ومنها ما هو مختص بأحدهما.
فمن الآداب المشتركة:
١ - إخلاص النية لله؛ بأن ينوي بتعلمه وتعليمه التقرب إلى الله، بحفظ شريعته، ونشرها، ورفع الجهل عنه وعن الأمة، فمن نوى بتعلمه العلم الشرعي شيئًا من الدنيا؛ فقد عرَّض نفسه للعقوبة، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال:
"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا؛ لم
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٣) كتاب الطهارة، ١- باب فضل الوضوء.
[ ٥٧ ]
يجد عرف الجنة يوم القيامة" (١): يعني ريحها. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وروي أنه قال: "من طلب العلم؛ ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه؛ أدخله الله النار" (٢) . رواه الترمذي.
٢ - العمل بما علم؛ فمن عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧)
ومن ترك العمل بما علم؛ أوشك أن يسلبه الله ما علم، قال الله تعالى:) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (المائدة: الآية١٣)
٣ - التخلق بالأخلاق الفاضلة من الوقار وحسن السمت ولين الجانب، وبذل المعروف واحتمال الأذى، وغير ذلك من الأخلاق التي يحمد عليها شرعًا، أو عرفًا سليمًا.
٤ - اجتناب الأخلاق السافلة من الفحش والسب والأذى والغلظة والخفة المذمومة في المنطق والهيئة، وغير ذلك مما يذم عليه شرعًا، أو عرفًا سليمًا.
من الآداب المختصة بالمعلم:
١ - الحرص على نشر العلم بجميع الوسائل، وأن يبذله لمن طلبه بطلاقة وانشراح صدر، مغتبطًا بنعمة الله عليه بالعلم والنور، وتيسير من يرث علمه عنه، وليحذر كل الحذر من كتمان العلم في حال يحتاج الناس فيها إلى بيانه، أو يسأله عنه مسترشد، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "من سئل عن علم علمه، ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
٢ - الصبر على أذى المتعلمين وسوء معاملتهم له؛ لينال بذلك أجر الصابرين، ويعوّدهم على الصبر واحتمال الأذى من الناس، لكن مع ملاحظتهم بالتوجيه والإرشاد والتنبيه بحكمة على ما أساؤوا به؛ لئلا تضيع هيبته من نفوسهم، فيضيع مجهوده في تعليمهم.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٦٦٤) كتاب العلم، ١٢- باب في طلب العلم لغير الله تعالى. وابن ماجه (٢٥٢) المقدمة، ٢٣- باب الانتفاع بالعلم والعمل به. وأحمد (١/٣٣٨/ح٨٤٣٨) . وصححه ابن حبان (١/٢٧٩/٧٨) . وقال العقيلي في "الضعفاء" (٣/٤٦٦): الرواية في هذا الباب لينة. ورجح أبو زرعة في "العلل" (٢/٤٣٨) وقفه.
(٢) رواه الترمذي (٢٦٥٤) كتاب العلم، ٦- باب ما جاء فيمن يطلب الدنيا بعلمهن وقال: غريب. وابن ماجه (٢٥٩، ٢٦٠) المقدمة، ٢٣- باب الانتفاع بالعلم والعمل به. وحسنه الألباني في مجموع طرقه.
(٣) رواه أبو داود (٣٦٥٨) كتاب العلم، باب كراهية منع العلم. وابن ماجه (٢٦١) المقدمة، ٢٤- باب من سئل عن علم فكتمه. والترمذي (٢٦٤٩) كتاب العلم، ٣- باب ما جاء في كتمان العلم، وقال: حسن. وأحمد (٢/٢٦٣/٧٥٦١) . وقال ابن كثير في "التفسير" (١/٢٠١- الفكر): ورد من طرائق يشد بعضها بعضًا.
[ ٥٨ ]
٣ - أن يمثل أمام الطلبة بما ينبغي أن يكون عليه من دين وخلق، فإن المعلم أكبر قدوة لتلميذه، وهو المرآة التي ينعكس عليها دين المعلم وأخلاقه.
٤ - أن يسلك أقرب الطرق في إيصال العلم إلى تلاميذه، ومنع ما يحول دون ذلك، فيعتني ببيان العبارة وإيضاح الدلالة، وغرس المحبة في قلوبهم؛ ليتمكن من قيادتهم، وإصغائهم لكلامه، واستجابتهم لتوجيهه.
ومن الآداب المختصة بالمتعلم:
١ - بذل الجهد في إدراك العلم، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، فيسلك جميع الطرق الموصلة إلى العلم. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" (١) . رواه مسلم.
٢ - البدء بالأهم فالأهم فيما يحتاج إليه من العلم في أمور دينه ودنياه، فإن ذلك من الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩.
٣ - التواضع في طلب العلم بحيث لا يستكبر عن تحصيل الفائدة من أي شخص كان، فإن التواضع للعلم رفعة، والذل في طلبه عز، وكم من شخص أقل منك في العلم من حيث الجملة، وعنده علم في مسألة ليس عندك منها علم.
٤ - توقير المعلم واحترامه بما يليق به، فإن المعلم الناصح بمنزلة الأب، يغذي النفس، والقلب بالعلم، والإيمان، فمن حقه أن يوقره المتعلم، ويحترمه بما يليق من غير غلو ولا تقصير، ويسأله سؤال المستلهم المسترشد لا سؤال المتحدي أو المستكبر، وليتحمل من معلمه ما قد يحصل من جفاء وغلظة وانتهار. لأنه ربما يكون متأثرًا بأسباب خارجية، فلا يتحمل من المتعلم ما يتحمله منه في حال الصفاء، والسكون.
٥ - الحرص على المذاكرة والضبط وحفظ ما تعلمه في صدره أو كتابه؛ فإن الإنسان
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٩٩) كتاب الذكر والدعاء، ١١- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.
[ ٥٩ ]
عرضة للنسيان، فإذا لم يحرص على ذلك نسي ما تعلمه وضاع منه وقد قيل:
العلم صيد والكتابة قيده
قيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة
وتتركها بين الخلائق طالقة
وليعتن بحفظ كتبه من الضياع وصيانتها من الآفات، فإنها ذخره في حياته، ومرجعه عند حاجته.
وإلى هنا انتهى القسم الثاني من كتاب (مصطلح الحديث) ويحتوي على مقرر السنة الثانية الثانوية في المعاهد العلمية.
وبه تم الكتاب على يد مؤلفه: محمد بن صالح العثيمين في يوم الخميس الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٩٦هـ ست وتسعين وثلاثمائة وألف.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ٦٠ ]