مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
وقوله [١٢٠ - ـ]:
٧٨٦ - رَائي النَّبِيِّ مُسْلِمًا ذُو صُحْبَةِ وقِيْلَ: إنْ طَالَتْ وَلَمْ يُثَبَِّت
٧٨٧ - وقِيلَ: مَنْ أقَامَ عامًا أو غَزَا مَعْهُ وذَا لابْنِ المُسَيِّبِ عَزَا
[قوله: «مسلمًا»] (١) أخرج من رآه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته ﷺ، فليس بصحابي على المشهور، كرسول قيصر، وأخرجه أحمد في «مسنده»، وكعبد الله بن صَيَّاد إن لم يكن هو الدَّجَّال، وعَدَّهُ في الصحابة كذلك أبو بكر بن فتحون في الذيل على «الاستيعاب».
ومرادهم: من رأى النبي ﷺ حال نبوته، أو أعم من ذلك، فيدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنفية كزيد بن عمرو بن نفيل وقد قال ﷺ «يبعث أمة وحده» وذكره ابن منده في الصحابة وكذا لو رآه قبل النبوة ثم غاب عنه، وعاش إلى بعد زمن البعثة، وأسلم، ثم مات ولم يره؟ لم يتعرض له، ويدلُّ أنَّ المراد: مَنْ رآه بعد النبوة أنهم ترجموا في الصحابة لمن وُلِدَ للنبي ﷺ بعد النبوة كإبراهيم وعبد الله، وما ترجموا لمن ولد قبلها ومات قبلها كالقاسم.
وقوله: «من رآه» هل المراد به من رآه بعقل وتمييز فيخرج الأطفال الذين
_________________
(١) زيادة من عندي.
[ ٣١٤ ]
حَنَّكَهم ولم يروه بعد التمييز، وكذا من رآه وهو لا يعقل، أو المراد أعم من ذلك.
ويدل على اعتبار التمييز عند الرؤية نص العلائي أبي سعيد في كتاب «المراسيل» في ترجمة عبد الله بن الحارث بن نوفل: حَنَّكَهُ النبيُّ ﷺ ودَعَا له، ولا يعرف له رؤية، بل هو تابعي جليل، وحديثه مرسل [١٢٠ - ب].
وقوله: «وقيل» (خ) هذا القول الثاني في حَدِّ الصحابة: أنه من طالت صحبتُهُ له، وكَثُرَت مجالستُه على طريق التبع له والأخذ عنه، وهو مذهب الأصوليين فيما حكاه عنهم السمعاني أبو المظفر، وحكاه الآمدي، وابن الحاجب، وجزم ابن الصَبَّاغ في «العدة» به.
والصُّحبة أخصُّ من الرؤية فيما نَصَّهُ أبو زرعة وأبو داود بأنهما قالا: طارق بن شهاب له رؤية، ولا صحبة له وكذا عبد الله بن سرجس رأى رسول الله ﷺ ولا صحبة له فيما نصه عاصم الأحول وفيه بحث.
وقوله: «ولم يُثَبَّت».قلت: هو بضم الياء المثناة من تحت، وتشديد الباء الموحدة مفتوحة، وبعده تاء مُثَنَّاة فوق، أي: وليس هو الثَّبْتُ الذي عليه العمل عند المحدثين والأصوليين.
وقوله: «وقيل مَن [أقام عامًا أو] (١) غزا» (خ)، هذا القول الثالث، وهو ما رُويَ عن ابن المسيب أنه كان لا يعدُّ الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى
_________________
(١) زيادة من «الألفية».
[ ٣١٥ ]
الله عليه وسلم سنَةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين.
قال شيخنا (ن) (١): ولا يصح هذا عن ابن المسيب؛ ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف في الحديث، وفي المسألة أقوال أخر بسطها في الشرح.
وقوله:
٧٨٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ باشْتِهَارٍ او تَوَاتُرٍ أو قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَوْ [١٢١ - أ]
٧٨٩ - قَدِ ادَّعَاهَا وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلاَ وَهُمْ عُدُولٌ قِيلَ: لا مَنْ دَخَلاَ
٧٩٠ - في فِتْنَةٍ، والمُكْثِرُونَ سِتَّةُ أَنَسٌ، وابنُ عُمَرَ، والصِّدِّيقَةُ
٧٩١ - البَحْرُ، جَابِرٌ أَبُو هُرَيْرَةِ أَكْثَرُهُمْ وَالبَحْرُ في الحَقِيقَة
٧٩٢ - أَكْثَرُ فَتْوَى وَهْوَ وابنُ عُمَرا وَابْنُ الزُّبَيرِ وَابْنُ عَمْرٍو قَدْ جَرَى
٧٩٣ - عَلَيْهِمُ بِالشُّهْرَةِ العَبَادِلهْ لَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا مَنْ شَاكَلَهْ
٧٩٤ - وَهْوَ وزَيْدٌ وابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ في الفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ
الشرح: أشار بهذه إلى (٢) ستة مسائل:
المسألة الأولى: فيما تُعْرَف به الصُّحْبَة وذلك إما بالتواتر كأبي بكر، وعمر، وبقية العشرة. وإما بالشهرة كعكاشة بن محصن، وضمام، وغيرهما. وإما
_________________
(١) (٢/ ١٢٥).
(٢) كذا، ولعل صواب العبارة: أشار بهذه [الأبيات] إلى
[ ٣١٦ ]
بإخبار بعض الصحابة عنه أنه صحابي كحُمَمَة بن أبي حُمَمَة الدَّوسي، مات بأصبهان مبطونًا، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبيَّ ﷺ حكم له بالشهادة، نَصَّ عليه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان».
قال شيخنا (١): وروينا قصته في «مسند الطيالسي» و«معجم الطبراني» [على] (٢) أنه يجوز أن يكون أبو موسى إنما أراد شهادة النبي ﷺ لمن قتله بطنه عمومًا، وفيهم حُمَمَة؛ لا أنه (٣) سماه باسمه.
وقوله: «ولو» (خ) يعني بإخباره عن نفسه أنه صحابي بعد ثبوت عدالته قُبِلَ إخباره بذلك.
وقيده (ن) (٤) بأن يكون ادعاؤه [١٢١ - ب] يقتضيه الظاهر، فلو ادعاه بعد مُضي مائة سنة من حين وفاته ﷺ فإنه لا يُقْبَل منه، وإن ثبتت عدالته قُبِلَ ذلك.
وقوله: «وهم عدول» هذه المسألة الثانية، وهو أن الصحابة كلهم عدول، لقوله [تعالى] (٥): ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ الآية، وغير ذلك من الآي. فقيل: إنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ.
_________________
(١) (٢/ ١٢٨).
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) في الأصل: لأنه. خطأ، والتصحيح من المصدر.
(٤) (٢/ ١٢٩).
(٥) زيادة من عندي.
[ ٣١٧ ]
ولقوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته من حديث ابن مسعود: «خير القرون قرني»، وفي تفسير القَرْن ستة أقوال حكاها ابن منده فقيل: عشر سنين، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون.
وروى ابنُ منده في «الصحابة» من حديث عبد الله بن بُسر مرفوعًا: «القرن مائة سنة».
وقوله: «قيل: لا من دخلا» يعني أن جميع الأمة أَجْمعت على تعديل من لم يُلابس الفتن منهم، وأما من لابسها من حين مَقْتَلِ عثمان، فأَجْمَعَ من يُعْتَدُّ به على تعديلهم إحسانًا للظن بهم، وحَمْلًا على الاجتهاد، وفيه نظر؛ لحكاية ابن الحاجب تبعًا للآمدي قولًا: أن من لم يلابس الفتن كغيرهم في البحث عن عدالتهم مطلقًا. وقولًا: أنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلابُد من البحث عَمَّن ليس ظاهر العدالة. والحق الذي حكاه أبو عمر في «الاستيعاب» [١٢٢ - أ]: إجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أن الصحابة كُلُّهم عدول.
وقوله: «والمكثرون» (خ) هذه المسألة الثالثة: المكثرون من الصَّحابة عن النبي ﷺ ستة: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة الصديقة بنت أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وهو البحر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة.
وقوله: «أكثرهم» (خ) يعني أن أكثر الستة حديثًا أبو هريرة، فيما نصه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، وابن مخلد؛ لأنه روى خمسة آلاف وثلاثمائة
[ ٣١٨ ]
وأربعة وسبعين حديثًا، وابن عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين، وأنس روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا، وعائشة روت ألفين ومائتين وعشرة، وابن عباس روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا، وجابر روى ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا، وليس في الصَّحَابي من يزيد حديثه على ألف إلا هؤلاء، والخدري فإنه روى ألفًا ومائة وسبعين حديثًا.
وقوله: «والبحر» (خ) هذه هي المسألة الرابعة أكثر الصحابة فتوى: البحرُ عبد الله بن عباس فيما نَصَّ عليه الإمام أحمد.
وقوله: «وهو» (خ) هذه هي المسألة الخامسة: العَبَادلة من الصَّحَابة في سؤال الإمام أحمد مَنْ [١٢٢ - ب] العبادلة؟ فقال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وقيل: وابن مسعود؟ قال: لا، ليس من العبادلة.
قال البيهقي: لأنه تقدم موتُهُ، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، وفي ذلك بحث طويل لا يحتمله هذه التعليقة المباركة النافعة إن شاء الله تعالى.
وقوله: «ولا مَنْ شَاكَله»، يعني: أن ابن الصلاح قال: يلتحقُ بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسمين بعبد الله من الصحابة، وهم نحو مائتين وعشرين نفسًا فلا يُسَمّون العبادلة اصطلاحًا، فالمعنى: ولا مَنْ أشبه ابن مسعود في التسمية بعبد الله.
وقوله: «وهو وزيد» (خ) هذه المسألة السادسة: مَنْ كان له من الصحابة أتباعٌ يقولون برأيه، وهم ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، كان لكلِّ رجلٍ منهم أصحاب يقومون بقوله، ويُفتون الناس، كذا نص
[ ٣١٩ ]
ابن المديني، فقوله: «وهو» أي: ابن مسعود.
وقوله:
٧٩٥ - وَقَالَ مَسْرُوقٌ: انْتَهَى العِلْمُ إلى سِتَّةِ أَصْحَابٍ كِبَارٍ نُبَلا
٧٩٦ - زَيْدٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْ أُبَيِّ عُمَرَ، عَبْدِ اللهِ مَعْ عَليّ
٧٩٧ - ثُمَّ انْتَهَى لِذَيْنِ والبَعْضُ جَعَلْ الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا بَدَلْ
الشرح: بَيَّنَ مَنْ انتهى إليه العلم من الصحابة الأكابر، وقد نَصَّ على ذلك مسروق والشعبي، فقال مسروق: وجدتُ علمَ أصحاب [١٢٣ - أ] رسول الله ﷺ انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأُبَي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود.
وقوله: «ثم انتهى لِذَين» (خ) يعني: أنه انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي وعبد الله.
وقوله: «والبعض» (خ) يعني: أن بعضَهُم، وهو: مطرف، روى عن الشعبي، عن مسروق، أنه ذكر أن أبا موسى الأشعري بَدَل أبي الدرداء. وفيه بحثٌ أشار إليه في الشرح (١).
وقوله:
٧٩٨ - وَالعَدُّ لاَ يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ سَبْعُونَ أَلْفًا بِتَبُوكٍ وَحَضَرْ
٧٩٩ - الحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقُبِضْ عَنْ ذَيْنِ مَعْ أَرْبَعِ آلاَفٍ تَنِضّْ
_________________
(١) (٢/ ١٣٤).
[ ٣٢٠ ]
الشرح: حَصْرُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعَدِّ مُتَعَذِّر لتفرقهم في البلدان والبوادي.
وروى البخاري في «صحيحه» أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ»، يعني الديوان، ولكن جاء ضَبْطُهُم في بعض المشاهد، كتبوك، وحجة الوداع، ومن قُبِضَ عنه من الصحابة، وعن أبي زرعة الرازي أنه سُئل عن عدة مَنْ رَوَى عن النبي ﷺ؟ فقال: ومن يَضْبِطُ هذا؟! شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا.
وقوله: «وقُبِضَ» (خ) يعني أنه ﷺ قُبِضَ عن مائة [١٢٣ - ب] ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه. وفي رواية ممن رآه وسمع منه، كذا رُوِيَ عن الرازي أبي زرعة، وقيل له أليس يقال حديث رسول الله ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: من قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ، قُبِض رسول الله ﷺ إلى آخره.
فقوله: «عن ذَيْن» أي: عن مقدار هذين العددين وهما سبعون ألفًا وأربعون ألفًا مع زيادة أربعة آلاف، فذلك مائة ألف وأربعة عشر ألفًا.
وقوله: «تَنِض» بفتح التاء المثناة فوق، وكسر النون، وتشديد الضاد المعجمة، أي: تيسر، يقال خُذ ما نَضَّ لك من دَيْن، أي: تيسر. وفيه الاستعارة، فإن الناض والنَّض منوط حقيقة بالعرضين الدرهم والدينار، فاستعير للصحابة لرواجهم في النقد، وسلامتهم من الزَّيْف بالعدالة. كذا قرره شخينا (ن) في
[ ٣٢١ ]
(ش) (١).
قلت: والمحققون على تسمية مثل هذا النحو تشبيهًا بديعًا (٢) لا إستعارة (٣)؛ لأن المستعار له مذكور وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خِلْوًا عنه، صالحًا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال، أو فحوى الكلام. كقوله [١٢٤ - أ]:
لدى أسَد شَاكي السلاح مقَذَّف له لِبَد أظفارُهُ لم تقلم
وقوله:
٨٠٠ - وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ
الشرح: يعني أن الصحابة طبقات باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة.
واختَلَف كلامُ من اعتنى بذكر طبقاتهم في العدد، فقال الحاكم في «العلوم» له: اثنتا عشر طبقة. ومنهم من زاد عليها. وقال ابن سعد: خمس طبقات. وعَدُّ الحاكم أبا هريرة في العاشرة: مَنْ هاجَرَ بين الحديبية والفتح لا يَصِحّ؛ فإنه هاجر قبل الحديبية عُقيب خيبر في أواخرها.
_________________
(١) (٢/ ١٣٦).
(٢) الكلمة تحتمل غير هذا في الأصل.
(٣) في الأصل: الاستعارة. خطأ.
[ ٣٢٢ ]
وقوله:
٨٠١ - وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ وَهْوَ الأَكْثَرُ
٨٠٢ - أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِيْ قُلْتُ: وَقَوْلُ الوَقْفِ جَا عَنْ مَالِك
٨٠٣ - فَالسِّتَّةُ البَاقُونَ، فالبَدْرِيَّهْ فَأُحُدٌ، فَالبَيْعَةُ المَرْضِيَّهْ
الشرح: أفضل الصحابة مطلقًا بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم عُمَر بالإجماع، فيما حكاه أبو العباس القرطبي، وحُكِيَ عن الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين عليه فيما رواه عنه البيهقي في كتاب «الاعتقاد».
قلت: أخبرنا إجازةً المكثر أبو العباس السويدائي، قال: أخبرنا بدر الدين الفارقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن النعمان التلمساني، قال: أنبأنا أبو المعالي بن علي [١٢٤ - ب]، عن المبارك بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد، قال: أخبرنا جدي أبو بكر أحمد الحافظ: حدثنا أبو عبيد الله الحافظ إملاءً: حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا موسى بن الحسين: حدثنا عَفَّان بن مسلم: حدثنا السَّرِي بن يحيى: حدثنا محمد بن سيرين قال: ذَكَرَ رجالٌ على عهد رسول الله ﷺ عُمَرَ، فكلهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟» فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: «يا أبا بكر لو كان
[ ٣٢٣ ]
شيء أحببت أن يكون بك دوني» قال: نعم، والذي بعثك بالحق ما يكون من مسألةٍ إلا أحببت أن تكون بي دونك. فلما انتهينا من الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله، حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستتم الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الحجرة، قال: أنزل يا رسول الله، فنزل.
قال: عمر والذي نفسه بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.
ومذهب الخَطَّابية تفضيل عُمَر، والشيعة تفضيل علي [١٢٥ - أ]، والرَّاوندية تفضيل العباس، وبعضهم أَمْسَك التفضيل.
وقوله: «وبعده» (خ) يعني أن أهل السنة اختلفوا في الأفضل بعد عمر، فالأكثرون كما حكَّاه الخَطَّابي وغيره: عثمان ثم علي، وهم في الترتيب كالخلافة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، فيما رواه عنه (١) البيهقي في «الاعتقاد» عنهما، وهو المشهور عند مالك، والثوري، وكافة الأئمة من المحدثين، والفقهاء، والكثير من المتكلمين، وهو مذهب الأشعري، والباقلاني، وإن اختلفا في التفضيل بين الصحابة هل هو قطعي أو ظني؟ فمال الأشعري إلى أنه قطعي، ويدلُّ عليه قول مالك في «المدونة»، وقال الباقلَّاني، واختاره إمام الحرمين: أنه ظني. وجزم به القرطبي في «المفهم».
وقوله: «أو فَعَلي» (خ) يعني أنه يفضل علي على عثمان كما هو مذهب الكوفيين، وبه قال الخطَّابي، ورواه بإسناده إلى الثوري أنه حكاه عن أهل
_________________
(١) كذا، وهو حشو.
[ ٣٢٤ ]
السنة من الكوفيين، وحكي عن أهل السنة من البصريين أفضلية عثمان، فقيل له فما تقول؟ فقال: أنا رجل كوفي ثم قال: وثبت عن سفيان في آخر قوله تقديم عثمان.
وقوله: «قلت» (خ) يعني أنه جاء عن مالك رضي الله تعالى عنه التوقف بين عثمان وعلي على ما حكاه المازني عن نَصِّ «المدونة»، سُئل مالك عن خير الناس بعد نبيهم ﷺ؟ فقال: أبو بكر، ثم عمر. قال: أو في ذلك شك؟ قيل له: فعلي وعثمان أيضًا أيهما أفضل؟ فقال: ما [١٢٥ - ب] أدركت أحدًا ممن أقتدي به يُفَضِّل أحدهما على صاحبه ويرى الكفَّ عنهما.
قلت: كذا نص «المدونة» في آخر الديات، في باب ترجمته «باب أفضل أصحاب النبي ﷺ»، والذي أجمع المسلمون عليه في العصور السابقة على تقديم عثمان على علي كرم الله تعالى وجهه في رتبة الفضل، فلا خلاف بين أهل الأمصار على رؤوس المنابر في ترتيب الأربعة على هذا الوجه: أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. قال زيد بن الحسن الموسوي العلوي من أهل طُوس، صحيح الاعتقاد، ومجتنب البدع، حسن الوعظ: أنشدني أبو عبد الله الحسن بن محمد بن علي في معرض الامتحان:
أبو بكر على السنة وفاروق فتى الجنة
وعثمان به المنة علي حبه جنتي
انتهى، ثم نص «المدونة» يشهد بأن الترتيب بين أبي بكر وعمر قطعي لا شك فيه، وأما عثمان وعلي فقد عَلِمْت من إطلاقات المسلمين في سائر الأمصار أن عثمان مقدَّم، دَلَّ على إجماع حَدَثَ بعد العصر الأول، فبهذا
[ ٣٢٥ ]
تأتلف القواعد وتسلم من التناقض والتعارض، فاعرف ذلك تَحُزْ بركته، والله تعالى أعلم.
وممن مالَ إلى الوقف إمامُ الحرمين.
واستقرَّ مذهبُ أهل السنة على تقديم عثمان لما في البخاري و(د) و(ت) من حديث ابن عمر قال [١٢٦ - أ]: كنا في زمن النبي ﷺ لا نَعْدِلُ بأبي بكر أحدًا، ثم عُمَر، ثم عثمان.
ورواه الطبراني بلفظ أصرح في التفضيل، وزاد فيه إطلاعه ﷺ، وتقريره لذلك. ولفظه: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فيسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره.
قلت: ويؤيد حديث الطبراني الحديث الذي أخرجه السمعاني في «الذيل» من حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ الله أبا بكر، زوجني بنته، ونقلني إلى دار الهجرة، وأَعْتَقَ بلالًا من مَالِه، رحم الله تعالى عمر يقول الحق وإن كان مُرًّا، تركه الحق وما له من صديق، رحم الله تعالى عثمان تستحييه الملائكة، رحم الله تعالى عليًا اللهم أدر الحق معه حيث دار» (١).
وفي الحديث، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بحوضي أربعة أركان: ركنٌ عليه أبو بكر، وركنٌ
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «السنن» رقم (٣٧١٤) وقال الألباني: ضعيف جدًا.
[ ٣٢٦ ]
عليه عُمَر، وركنٌ عليه عثمان، وركنٌ عليه علي رضوان الله عليهم أجمعين، فمن جاء محبًا لهم سقوه، ومن جاء مبغضًا لهم لم يسقوه (١).
ثم إن السمعاني في «الذيل» ذكر الحكاية التي جرت بين بعض قُضاة الري، وبين اللص في هذه المسألة، أحببتُ ذكرها في هذا المؤلَّف؛ إذ الحكايات من مُلَح [١٢٦ب] المؤلفات.
والحكاية (٢) بجملتها أن محمد بن الحسين القاضي كان يكثر الإدلاج إلى بساتينه فَيُصَلي الصبح، ثم يعود إلى منزله إذا ارتفعت الشمس وعَلا النهار، قال محمد بن مقاتل الماسغوري (٣) قاضي الري فسألته عن ذلك فقال: بلغني في حديث رسول الله ﷺ أنه قال: حُبِّبَت إليَّ الصلاةُ في الحيطان، وأهل اليَمَن يُسمُّون البستان: الحائط.
قال محمد بن الحسين: فخرجت إلى حائط لأُصَلِّي فيه صلاة الفجر رغبة في الثواب والأجر، فعارضني لص جرئ القلب، خفيف الوثب، في يده خنجر كلسان الكلب، فضرب بيده إلى صدري، ومكن الخنجر في منحري، وقال: انزع ثيابك، واحفظ إهابك، ولا تكثر كلامك، فتلقى حمامك، فقلت: يا سبحان الله أنا شيخ من شيوخ البلد، وقاضي من قضاة المسلمين، يُسمع كلامي، ولا تُرَدّ أحكامي، ومع ذلك فإني من نقلة حديث رسول الله ﷺ منذ أربعين سنة، ومن علماء الإسلام بكل فريضة وسُنة، أما
_________________
(١) أسنده ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (٣٩/ ١٣٢).
(٢) أورد بعضها السبكي في «طبقات الشافعية»: (٩/ ٣٢٧ - ٣٣١).
(٣) في «طبقات الشافعية»: الماسقوري.
[ ٣٢٧ ]
تستحي من الله أن يراك حيث نهاك، فقال: يا سبحان الله أنت أيضًا أما ترى شابًا أروق للناظر، وأملأ للخاطر، أوى الكهوف والغيران، وأشرب ماء القيعان والغدران، وأسلك مخوف المسالك، وألقي بيدي إلى المهالك، ومع ذلك أنا وَجِل من السلطان [١٢٧ - أ]، مُشَرَّدٌ عن الأهل والأوطان، حتى إذا عثرت في البدرة برجل مثلك (١)، فأتركه يمضي إلى عيش رطب، وماء عذب، وأبقى أنا هاهنا أكابد التعب، وأناصب النصب، وأجاهد العيش الشغب، إن هذا لعجز من الرأي، وضرب من المحال، وأنشد:
تُرى عينيك (٢)
قال له القاضي: أراك شابًا فاضلًا، ولصًا عاقلًا، فهل لك إلى خصلة تعقبك أجرًا، وتكسيك شكرًا، وتحقبك ذخرًا، ولا تهتك مني سترًا، ومع ذلك فإني مسلم الثياب إليك، وخالعها عليك: تمضي معي إلى البستان، فأتوارى بالجدران، وأسلم إليك الثياب، وتمضي على المسار والمحاب.
قال اللص: يا سبحان الله تشهد لي بالعقل، وتخاطبني بالجهل، ويحك من يؤمنني أن يكون لك في البستان غلامان علجان، ذوو سواعد شديدة، وقلوب غير رعيدة، فيشتداني ويسلماني إلى السلطان فيُحَكِّم فيَّ آراءه، ويقضي على ما شاءه، فإما يوردني في الحتف، وإما يسومني الخسف.
_________________
(١) في «طبقات الشافعية»: حتى إذا عثرت بواحد مثلك.
(٢) بياض في الأصل، وفي «طبقات الشافعية»: تري عينيك ما لم ترياه كلنا علم بالترهات.
[ ٣٢٨ ]
قال القاضي: لعمري إنه من لم يفكر في العواقب، فليس له الدهر بصاحب، وسبيل العاقل أن لا يغتر بعدوه وإن كان لا حَذَر من قَدَر (١)، ولكنني أحلف لك ألية مسلم، وجهد مقسم، أني لا أوقع بك مكرًا ولا غدرًا.
قال اللص: لعمري [١٢٧ - ب] لقد حسنت عبارتك، وحسنت إشارتك، ونثرت حَبَّ خيرك، على فَخ غيرك، وقد قيل في المثل السائر: الحُرُّ حُرٌّ ما وعد، ووفى بما عهد، أدرك الأسد من قبل أن تلتقي على الفريسة سحياه، ولا تعجبنك من عدو حسن محياه، وأنشد:
لا تخدشن وجه الحديث فإنا قد كشفناه قبل كشفك عنه
وأطلعنا عليه والمستولى قطع أذن العيار أعير منه
ثم قال اللص: ألم يزعم القاضي أنه كتب الحديث ولقي الشيوخ؟ قال: أجل، قال: فأي شيء كتبت في هذا المثل الذي ضربت لك؟ قال القاضي: ما يحضرني في هذا المقام الحرج حديث أُسْنِدُهُ، ولا خبر أُورِدُهُ، فقد قَطَعَتْ هيبتُك كلامي، وصَدَّعَت قبضتُك عظامي.
قال اللص: فليسكن لُبُّك، وليطمئن قَلْبُك، فليست حاجة إلا ثيابك، اسمع هذا الحديث ويكون شأنك حتى لا يذهب منك شيء إلا بفائدة.
قال القاضي: هات ما هذه الفائدة.
قال اللص: حدثني أبي عن جدي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي
_________________
(١) العبارة في «طبقات الشافعية»: أن لا يغتر بعدوه [بل يكون منه على حذر] ولكن لا حذر من قدر.
[ ٣٢٩ ]
الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يمين المكرَه لا يلزمه فإن حَلَفَ وحَنث فلا شيء عليه» انزع الثياب.
قال القاضي: يا هذا قد أعييتني بأخذك علي الحجج من كل جانب، وجئت بألفاظ كأنها [١٢٨ - أ] لسع العقارب، أقم هاهنا حتى أمضي إلى البستان، وأنزع هذه الخلقان، وأدفعها إلى صبي غير بالغ فأمن مكره، ولا أنهتك أنا على هذه الحالة، فيكن فيَّ وفيك المقالة.
قال اللص: أيها الشيخ قد أكثرت المحاورة، ونحن على طريق، وأمرنا على خطر، وهذه المراوغة لا تنتج لك نفعًا، ولا أستطيع لما أرومه منك دفعًا، ومع هذا فتزعُمُ أنك من أهل العلم والرواية، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الشريعة شريعتي، والسنة سنتي، فمن ابتدع في شريعتي وسنتي فعليه لعنة الله» قال القاضي: ما هاهنا من البدع أشر مما ابتدعت.
قال اللص: نعم اللصوصية بنسيئة بدعة أنزع الثياب. فنزع القاضي ثيابه ودفعها إليه وبقي السراويل، فقال: انزع السراويل حتى تتم الخلعة.
قال القاضي: ما أشرهك، وأشد كلبك، دع الاغتنام، وامضي بسلام، ففيما أخذت كفاية، ودع هذا السراويل فإنه لي ستر ووقاية، لا سيما وهذه صلاة الفجر قد أزف حضورها، وأخاف أن تفوتني فأصليها في غير وقتها، وقد تعمدت تركها رجاء أن أفوز في مكان يحبط فيه وزري ويضاعف أجري، ومتى منعتني من ذلك كنت كما قيل:
إن الغراب وكان يمشي مشيه فيما مضى من سالف الأحوال [١٢٨ - ب]
[ ٣٣٠ ]
حسد القطاة فرام يمشي مشيها فأصابه ضربةٌ من العُقَّال
فأضل مشيته وأخطأ مشيها فلذاك كنوه أبا المرقال
قال اللص: القاضي أيده الله تعالى يرجع إلى خلعة غيرها أحسن منها، وأنا لا أملك سواها، ومتى لم تكن السراويل في جملتها، ذهب حسنها وقل ثمنها، لا سيما والتكة مليحة وسيمة، ولها مقدار وقيمة، فدع عنك ضرب المثال، واقلع عن ترداد (١) المقال، فلست ممن يلين بالمحال، ما دامت الحاجة ماسة إلى السروال، وأنشأ يقول:
دع عنك ضربك سائر الأمثال واسمع إذا ما شئت فصل مقال
لا تطلبن مني الخلاص فإنني أفتي إذا ما جئتني بسؤال
ولأنت إن أبصرتني أبصرت ذا قول وعلم كامل وفعال
جارت عليه يد الليالي فانثنى ينفي الأنام بصارم قصال
فالموت في ضنك المواقف دون أن ألقى الرجال بذلة التسآل
والعلم ليس بنافع أربابه إذ لا تقوِّمهُ على النُّقَّال
ثم قال: ألم يذكر القاضي أنه يتفقه في الدين ويتصرف في فتاوى المسلمين.
قال القاضي: أجل. قال اللص: فمن صاحبك من أئمة الفقهاء أو صدور العلماء؟ قال القاضي: صاحبي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه.
_________________
(١) في الأصل: تراد. خطأ، والتصحيح من «طبقات الشافعية».
[ ٣٣١ ]
قال اللص: يا لها من نادرة ما أغربها [١٢٩ - أ] وحكاية ما أعجبها، أيخفى عليك هذا المقدار، وأنت تعتزي إلى الفقهاء والنظار، إنها لهجنة على الإسلام، ومعرة على الحكام، على أي شيء قال صاحبك في صلاة الفجر وغيرها وأنت عريان؟.
قال القاضي: لا أدري.
قال اللص: اسمع هذا ويكون بالسراويل حتى لا تذهب ثيابك إلا بالفوائد.
قال القاضي: قُل. قال اللص: حدثني أبي عن جدي عن محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه يرفعه في إسناده قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة العريان جائزة، والإعادة عليه»، وتأول في ذلك غرقى البحر إذا عطبوا وسَلِموا إلى الساحل.
فنزع القاضي السراويل وقال: خذه فأنت أشبه بالقضاء مني، وأنا أشبه باللصوصية منك، يا من دَرَس على أخذ ثيابي موطأ مالك وكتاب المزني، ومَدَّ يده ليدفعه إليه، فرأى الخاتم في أصبعه اليمنى، فقال: انزع الخاتم.
فقال القاضي: إن هذا اليوم عصيب، ما رأيت أثقل منه ولا أنحس صباحًا، ولا أقل نجاحًا، إذ رماني هذا اليوم المنكر، وقصد لي بأم حَبَوُكر (١)، ويحك ما أشرهك، دع ما أنت فيه فالخاتم لا سبيل لك إليه. قال: ولم؟ قال: لأنه عارية معي فلا تلزمني بأخذك إياه غرامته فأتحمل أكثر من قيمته. قال اللص: أو لم يزعم القاضي أنه شافعي المذهب؟ قال: نعم، هات [١٢٩ - ب] ما بقي من
_________________
(١) الحبوكر: الداهية، وأم حبوكر: أم الدواهي. «تاج العروس»: (١٠/ ٥٢٢).
[ ٣٣٢ ]
درسك. قال: فلم تختمت في اليمنى وهو شعار المضادين؟ قال القاضي: فليس ذلك بجائز؟ قال: بلى، إلا أنه قد صار التختم في اليمين من شعار المضادين فحصل فرق بين المخالف والمؤالف. قال القاضي: إن أردت الخلاف في المذهب فليس عند صاحب المذهب به من بأس. قال: لا، أردتُ الخلاف بين السنية والرافضة.
قال القاضي: فأنا أعتقد ولاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ وتفضيله على سائر المسلمين، من غير طعن على السلف الماضين الراشدين، ولا عدول عن السنة والدين، وهذا صُلْبُ اعتقادي، وعلى مذهب الشافعي في الحكومة اعتمادي، وعليه سائر أهل بلادي.
قال اللص: نِعْمَ ما ذهبتَ إليه، فلو نازعك منازع بما استحق عليٌّ ﵇ أن يكون أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ.
قال القاضي: الجواب في ذلك أن عليًا إنما استحق الفضل على من سواه من الصحابة والقرابة؛ لأنه أقربهم منه لحمة، وأدناهم حرمة، وأزكاهم مركبًا، وأطيبهم منصبًا، وكان صهره الناسك، وسيفه الباتك (١)، وهو ورسول الله ﷺ فرعان من شجرة.
قال اللص: ذلك الذي أوجب له الفضل على من سواه من المهاجرين السابقين والأولين الصادقين.
قال [١٣٠ - أ] القاضي: نعم، قال: فالعباس إذًا أفضل منه؛ لأنه أقرب إلى
_________________
(١) أي: القاطع. «تاج العروس»: (٢٧/ ٥٧).
[ ٣٣٣ ]
رسول الله ﷺ منه؛ لأن الله ﷿ يقول في كتابه ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ وقد أجمع المسلمون أنه لو أن رجلًا هلك وترك عمًا وابن عم لكان المال للعم دون ابن العم بلا خلاف.
قال القاضي: فإن العباس لا هجرة له، وعلي له هجرة.
قال اللص: فبطلت علة القرابة، وصار الفضل للهجرة.
قال القاضي: نعم.
قال اللص: فجعفر بن أبي طالب له هجرة، وهو ابن عم رسول الله ﷺ، فلو نازعك منازع في أنه أفضل من علي فما يكون جوابك؟
قال القاضي: فعلي لم يشرك بالله طرفةَ عين، ولا علم منه خلف ولا مين، وهو أقدم إيمانًا منه ومن العباس بن عبد المطلب.
قال اللص: وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أقدم إيمانًا من الكل.
قال القاضي: أبو بكر انتقل عن الشرك.
قال اللص: أليس من لم يُشْرِك أفضل عندكم ممن أشرك.
قال القاضي: نعم.
قال اللص: فأيما أفضل عندكم عائشة أو خديجة رضي الله تعالى عنهما، أو غيرهما من نساء النبي ﷺ اللواتي لم يشركن بالله؟.
قال القاضي: خديجة أفضل.
قال اللص: فَبَطُلَت إذًا علة قِدَم الإيمان.
[ ٣٣٤ ]
قال القاضي: إلا أن [١٣٠ - ب] عليًا مع قدم إيمانه، وحسن إتقانه، وإيضاح برهانه، له اتصال بنسب، ومواسجة هصب (١)، وقوة سبب.
قال اللص: وكل من قرب هو أفضل؟
قال القاضي: أجل.
قال اللص: ففاطمة أقرب إلى رسول الله ﷺ أم علي؟.
قال القاضي: فاطمة.
قال اللص: فبطلت علة القرابة.
قال القاضي: فإن عليًا تقدم إيمانه إيمان فاطمة وله جهاد.
قال اللص: فكذلك إيمان أبي بكر تقدم إيمان علي وله جهاد؛ لأنه أول من آمن بالله ﷿، وجاهد، وسبق إلى التصديق، ونَصَرَ رسول الله ﷺ حين لا معين له من أهل بيته وأقاربه وأدنى عشيرته وأصحابه، وهو أول من سارع إلى إجابته، ودَعَى الناس إلى بيعته، وبذل بين يديه الأموال.
قال القاضي: كيف تقدم أبا بكر على علي وهو يعترف أن له شيطانًا يعتريه يقول ألا وإن لي شيطانًا يعتريني، فإذا رأيتم ذلك فلا تقربوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم.
قال اللص: لقد قال هذا في ملأ من المهاجرين والأنصار، إلا أنه ليس على وجه الأرض ذو عقل فاضل ولا لُب حاصل فرآى أن أبا بكر ﵁
_________________
(١) كذا جاء رسمها وتحتاج إلى تحرير.
[ ٣٣٥ ]
كان مجنونًا، ولو كان على مثل هذه الحال لما خفى أَمْرُه عن الصحابة والقرابة، ولا تركوا دفعه عن الخلافة بالاحتجاج بأنه مجنون يحتاج [١٣١ - أ] إلى علاج دون إمامة الأمة، وخلافة رسول الله ﷺ، وهذا جهل ممن تكلم به، وإنما قال ذلك لقول رسول الله ﷺ: «ما من أحد إلا وله شيطان يعتريه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن الله ﷿ أعانني عليه فأسلم» ألا ترى إلى رسول الله ﷺ كيف أخبر في هذا القول عن جنون وحاشاه من ذلك، وإنما قال ذلك لِيَتَّقُوا على غلطته.
قال القاضي: أليس صاحبك القائل: «وليتكم ولست بخيركم؟».
قال اللص: في هذا وجوه منها: أنه قال ذلك محتجًا على الأنصار لأنه قال: وليتكم بالصلاة ورسول الله ﷺ حاضرًا، ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم أحدهم رسول الله ﷺ، فكأنه قال: كيف لا أليكم مع عدمه، وقد وليتكم في وجوده، ولست بخيركم قبيلة إلا (١) بني هاشم أعلى منه في ذروة النسب، وأبعد في الصيت والرهب، فدلهم بهذا أن الأمر لا يستحق بعلو النسب، ولا مقصور على بني هاشم دون غيرهم من قريش لقوله ﷺ: «الأئمة من قريش».
قال القاضي: كيف تحقق له هذا الأمر وهو يقول: أقيلوني أقيلوني.
قال: قد قال ذلك لما في إقامة الأمر من تَحَمُّل ثقل الإمامة، وذلك لفضله،
_________________
(١) لعل صوابها: لأن.
[ ٣٣٦ ]
وعقله، وورعه، وخشيته، إلا لما يبعده [١٣١ - ب] عن ذلك، ولا ينبغي لفاضل إن عرضت عليه أن يظهر المسارعة إليها فإن ذلك يلقيه في الظنة، ويورطه في التهمة.
قال القاضي: كيف تنسبون له هذا الأمر وعمر رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر سمعه الأسود والأحمر: ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.
قال اللص: مهما شككنا في شيء، فأنا لا أشك وإياكم في أن عمر ﵁ كان عاقلًا، ولم يكن مجنونًا مختلطًا، وهذا الكلام إن حمل على ما قلتم صار في حكم الجنون من قائله، لأن عمر يحتج في إثبات إمامته بعقد إمامته، والدعاء إلى صداقته، بعقد عهدي أبي بكر، ودعا الناس إلى اتباعه من بعده، فإذا كانت بيعة أبي بكر باطلًا، وجب أن تكون بيعة عمر باطلًا، ووجب أن عهده يكون باطلًا، ووجب أن يقول له الناس والصحابة والقرابة والأنصار: فأنت أيضًا ممن يجب قتلك، ولا يجب العمل على عهدك في الشورى.
والمعنى في هذا القول: أن عمر كان يعتقد أن أبا بكر كان أفضل الناس والأمة، وأنه كان يستحق أخذ الخلافة بالحجة والمناظرة، وأن من بعده يتفاوتون في الرتبة، ولا يستحقونها على ذلك الوجه.
وقوله: كانت فلتة، أي على غير إعمال فكر وروية، واستوسعت فجأة، وقى الله شرها أي: شر الخلاف [١٣٢ - أ] عليها، وشق العصا عند تمامها، وقوله من عاد إلى مثلها فاقتلوه، إنما أراد إلى مثل قول الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير» أراده رد الأمر إلى قريش، وهذان الأمران حرام، فِعْلُهما في الدين فتنة بين
[ ٣٣٧ ]
المسلمين.
قال القاضي: فإذا كنت قد فَضَّلت أبا بكر على علي فقد غضضت من علي.
قال اللص: من قصد إلى ذلك فهو ضال، وإنما هذا اتباع للسنة، ولو كان على ما تذهب إليه وتضمره في نفسك، لكان لِكُلِّ من فَضَّل عليًا على فاطمة والحسن والحسين، فقد غض منهم، وهذا لا يقوله مسلم فإن النبي ﷺ قال وقد حمل الحسن والحسين على عاتقه: «نعم المطي مطيكما، ونعم الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما»، ولم يُرِد بذلك غضاضة، ولا عدولًا بالفضل عنهما، ولكنه تَحَرَّى في ذلك الصدق.
قال له القاضي: فإن النبي ﷺ حمل عليًا يوم قلع الأصنام.
قال اللص: هذه فضيلة لعلي غير مجحودة ولا مردودة، ولكنه قد حمل عائشة وهي صغيرة، وحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع على كتفه.
قال القاضي: فقد قال النبي ﷺ «أنا من علي وعلي مني».
قال اللص: هذا ما لا ندفعه ولكنه قال أيضًا للعباس: «أنا من العباس والعباس مني» فأي فضل لعلي [١٣٢ - ب] على العباس، في هذا الاختصاص؟
قال القاضي: فقد قال لعلي أنت أخي.
قال اللص: قال ذلك مرارًا، لكن قال ذلك على مذهب الفضل والرفعة لمكانه، أم على طريق الحقيقة؟
[ ٣٣٨ ]
قال القاضي: على مذهب المجاز.
قال اللص: فنحن وأنتم نروي عن النبي ﷺ أنه قال: «واشوقاه إلى أخواني الذين يؤمنون بنبوتي ولم يلحقوني ويتمسكون بشريعتي ويصدقوني»، وقال أيضًا لأبي بكر: «أنت أخي ورفيقي وصديقي»، وقال له: «إن الله أمرني أن أتخذ أبا بكر والدًا، وعليًا أخًا ومعاضدًا، والوالد أفضل من الأخ. ثم قال: وُزِنْتُ بالأمة فرجحت بها، ووُزن أبو بكر بالأمة فرجح بها، وما أراكم توردون فضيلة إلا ولنا أمثالها، ولا تظهرون منقبة إلا وعندنا أشكالها، فإن حلتم الفضل على مثل هذه الأخبار، قلنا: فقد قال في عمر: «لو كان نبي لكان عمر» وإن قلتم: إنما فضل بالشجاعة فقد شهد النبي ﷺ للزبير بها وقال في حمزة: «أسد من أسد الله» وفي خالد «سيف الله»، ثم قال ﷺ: «أنا في ميزان عمي العباس».
فلما سمع القاضي جودة منطقه وقدرته على الكلام، وثباته في الخصام، وقوته في النظر، علم أنه لا يجارى، ولا يبارى، وأنه متكلم لا يصطلي بناره، وأنه إنما حمله [١٣٣ - أ] على ذلك ضرورة العلة والإعدام، والأنفة من الخاصة إلى السفلة اللئام، فنزع الخاتم من أصبعه وقال: هاك يا متكلم، يا فقيه، يا شاعر، يا محدث، يا لص، فأخذه منه وحَلَّ عقاله، وأوسع مجاله، ونفس خناقه، وأطلق وثاقه، ومضى القاضي إلى منزله ولبس ثيابه، انتهت.
وقوله: «فالستة»، يعني أن الستة الباقين بعد الخلفاء الأربعة في الأفضلية.
قال الإمام عبد القاهر التميمي البغدادي: أصحابنا مجمعون على ذلك.
وقوله: «فالبدرية» (خ) يعني ثم البدرية بعد الستة الباقين، ثم أصحاب أُحُد،
[ ٣٣٩ ]
ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، والتقدير فأهل أُحُد، فأهل البيعة.
وقوله:
٨٠٤ - قَالَ: وَفَضْلُ السَّابِقِينَ قَدْ وَرَدْ فَقِيلَ: هُمْ، وَقِيلَ: بَدْرِيٌّ وَقَدْ
٨٠٥ - قِيلَ: بَلْ اهْلُ القِبْلَتَيْنِ، واخْتَلَفْ -أَيَّهُمُ أَسْلَمَ قَبْلُ؟ - مَنْ سَلَفْ
٨٠٦ - قِيلَ: أبو بَكْرٍ، وقِيلَ: بلْ عَلِيْ وَمُدَّعِي إجمَاعَهُ لَمْ يُقْبَل
٨٠٧ - وَقِيلَ: زَيْدٌ وادَّعى وِفَاقا بَعْضٌ عَلَى خَدِيجَةَ اتِّفَاقا
الشرح: يعني أنه يفضَّل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
وقوله: «وقد ورد»، يعني بنص القرآن.
وقوله: «فقيل هم» يعني أنه اختُلِف من هم؟ فقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان. وبه قال الشعبي.
وقوله: «وقيل بدري»، يعني وقيل: أنهم أهل بدر. وبه [١٣٣ - ب] قال محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار.
وقوله: «وقد قيل» (خ) يعني: وقيل أنهم الذين صلوا القبلتين. وبه قال ابن المسيب وطائفة، فهذه ثلاثة أقوال حكاها (ن).
في المسألة رابع رواه سُبيد أيضًا بإسناد صحيح إلى الحسن قال: فرق ما بينهم فتح مكة.
وقوله: «واختلف» (خ) يعني: أن السلف اختلفوا في أوَّل الصحابة إسلامًا على أقوال؛ أحدها: أبو بكر، وبه قال ابن عباس، وحَسَّان بن ثابت، والشَّعبي،
[ ٣٤٠ ]
والنخعي، وجماعة، ويَدُلُّ له رواية مسلم في «صحيحه» من حديث عمرو بن عبسة [في] (١) قصة إسلامه، وقوله للنبي ﷺ: من معك على هذا؟ قال: حرُّ وعبد. قال: إن معه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به.
وفي «مستدرك الحاكم» من رواية مُجَالد: سُئِلَ الشعبي: من أول من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسان:
إذا تذكَّرْتَ شجوًا من أخي ثِقَةٍ فاذكُر أَخَاك أبا بكر بِمَا فَعَلا
خيرُ البرية أتقاها وأعدَلها بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمودَ مشهَدُهُ وأول الناس منهم صَدَّقَ الرُّسُلا
قلت: وفي هذا القصيد يقول:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صاعد الجبلا
فكان حب رسول الله قد علموا من الخلائق لم يعدل به بدلا [١٣٤ - ب]
وروينا أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت: قلت في أبي بكر شيئًا، قُل حتى أسمع. قال: قلت: وثاني اثنين -البيتين-، فتبسم رسول الله ﷺ.
وذكر ابن إسحاق أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال في دخوله الغار، وسيرهم، وفي طلب سُرَاقة إياهم، هذه الأبيات:
قال النبي ولم أجزع يوقرني نحن في سدفة من ظلمة الغار
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ٣٤١ ]
لا تخش شيئًا فإن الله ثالثنا وقد توكل لي منه بإظهار
وإنما كيد من تخشى بوادره كيد الشياطين كادته لكفار
والله مهلكهم طرًا بما كسبوا وجاعل المنتهى منهم إلى النار
وأنت مرتحل عنهم وتاركهم إما غدوا وإما مدلجًا ساري
وهاجر أرضهم حتى يكون لنا قومٌ عليهم ذوو عزٍ وأنصار
حتى إذا الليل وارانا جوانبه وسد من دون من يخشى بأستار
سار الأريقط [بهدينا وأينقه] (١) ينعين بالقوم [نعيًا] (٢) تحت أكوار
حتى إذا قلت قد انحد (٣) عارضنا من مدلجٍ فارس في منصب واري
فقال كرو فقلنا إن كرتنا من دون ذلك نصر الخالق الباري
إن يخسف الله بالأحوى وفارسه فانظر إلى أربع في الأرض غوار
فهيل لما رأى أرساغ مهرته يرسخن (٤) في الأرض لم تحفر [١٣٤ - ب] [بمحفار] (٥)
فقال هل لكموا أن تطلقوا فرسي وتأخذوا موثقًا من نصح أسراري
فادعوا الذي كف عنكم أمر عدوتنا يطلق جوادي فأنتم خير أبرار
فقال قولًا رسول الله مبتهلًا يا رب إن كان غير إخمار
_________________
(١) بياض في الأصل، تممناه من المصادر التي أوردت الأبيات.
(٢) بياض في الأصل، تممناه من المصادر التي أوردت الأبيات.
(٣) كذا وفي المصادر: أنجدن.
(٤) كذا وفي المصادر: قد سخن.
(٥) بياض في الأصل، تممناه من المصادر.
[ ٣٤٢ ]
فنجه سالمًا من شر دعوتنا ومهره مطلقًا من كلم آثار
فأظهر الله إذ يدعو حوافره وفاز فارسه من هول أخطار
وقوله: وقيل بل على القول الثاني: علي أولهم إسلامًا، ورُوي عن زيد بن أرقم، وأبي ذر، والمقداد بن الأسود، وأبي أيوب، وجماعة من الصحابة والتابعين.
وأنشد المرزباني لخزيمة بن ثابت في ذلك:
أليس أَوَّل من صَلَّى لقبلتهم وأعلم الناس بالقرآن والسنن
قال الحاكم: ولا أعلم خلافًا بين أصحاب التواريخ أن عليًا أولهم إسلامًا، وإنما اختلفوا في بلوغه.
وقوله: «ومدَّعِي إجماعه» يعني أن هذا الذي ادَّعَاه الحاكم قال ابن الصلاح: لم يُقبل، واستنكر هذا من الحاكم.
وقوله: «زيد» هذا القول الثاني: أن أولهم إسلامًا زيد بن حارثة، فيما نص عليه معمر عن الزهري.
وقوله: «وادَّعى» (خ) هذا القول الرابع: أولهم إسلامًا خديجة، فيما روي عن ابن عباس، والزهري أيضًا، وبه قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، في آخرين، وصَوَّبه النووي، عند جماعة من المحققين، وادَّعى الثعلبي المفسر [١٣٥ - أ] إجماع العلماء على ذلك، وأن اختلافهم إنما هو في أوَّل من أسْلَم بعدها.
وقوله: «مَنْ سَلَف» فاعل اختلف. و«قبلُ» بُنِي على الضم، كذا ذكره
[ ٣٤٣ ]
(ن) (١).
وقوله:
٨٠٨ - وَمَاتَ آخِرًا بِغَيْرِ مِرْيةِ أبُو الطُّفَيْلِ مَاتَ عَامَ مِائَة
٨٠٩ - وقَبْلَهُ السَّائِبُ بالمَدِينَةِ أَوْ سَهْلٌ اوْ جَابِرٌ اوْ بِمَكَّة
٨١٠ - وقِيلَ: الاخِرُ بِهَا: ابنُ عُمَرَا إنْ لا أبُو الطُّفَيْلِ فِيهَا قُبِرَا
٨١١ - وأَنَسُ بنُ مالِكٍ بالبَصْرَةِ وابنُ أبي أوْفَى قَضَى بالكُوْفَة
٨١٢ - والشَّامِ فَابْنُ بُسْرٍ اوْ ذُو باهِلَهْ خُلْفٌ، وقِيلَ: بِدِمَشْقٍ وَاثِلَهْ
٨١٣ - وَأنَّ في حِمْصٍ ابنُ بُسْرٍ قُبِضَا وأنَّ بالجزيرةِ العُرْسُ قَضَى
٨١٤ - وبِفَلَسْطِينَ أبُو أُبَيِّ ومِصْرَ فابنُ الحارِثِ بنِ جُزَيّ
٨١٥ - وقُبِضَ الهِرْمَاسُ باليَمَامَةِ وقَبْلَهُ رُوَيْفِعٌ ببَرْقة
٨١٦ - وقِيلَ: إفْرِيقِيَّةٍ وسَلَمَهْ بادِيًا اوْ بِطِيبَةَ المُكَرَّمَهْ
الشرح: أشار بهذه الأبيات إلى آخر من مات من الصحابة مُطْلَقًا [و] (٢) مقيدًا بالبلدان والنواحي.
فأما آخرهم موتًا مطلقًا: أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مائة من الهجرة، نص عليه الحاكم في «المستدرك» عن خليفة بن خياطٍ شباب
_________________
(١) (٢/ ١٤٥).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٣٤٤ ]
العُصْفُري، وكذا رواه مسلم في «صحيحه» من رواية ابن سفيان، قال: قال مسلم: مات أبو الطفيل سَنَة مائة، وكان آخر مَنْ مات من أصحاب رسول الله ﷺ [١٣٥ - ب].
وقوله: «عام مائة» هذا هو الصحيح، وقيل: تَأخَّر بعد المائة، وقيل: مات سنة اثنتين ومائة، وبه جزم ابن حبان، وابن قانع، وابن مَنْدَه، وصَحَّح الذهبيُّ في «الوفيات» أنه مات سنة عشر ومائة، لما روي وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، قال: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطُّفيل.
وحَكَى بعضُ المتأخرين عن ابن دُرَيد أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجَمَل مائة سنة.
قال شيخنا (ن) (١): باطلًا (٢) لا أصل له، أوقع ابنَ دريد فيه ابن قتيبة في «المعارف» وهو باطل أو مؤول بأنه كَمَّل بعد الجَمَل مائة سنة، لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وقوله: «وقبله» (خ) يعني: أن آخر من مات مقيدًا بالنواحي كالمدينة المشرفة: السائب بن يزيد سنة اثنتين، أو ست، أو ثمان وثمانين، أو إحدى وتسعين خلاف، ومولده [في] (٣) الثانية أو الثالثة من الهجرة.
_________________
(١) (٢/ ١٤٧).
(٢) كذا.
(٣) زيادة من المصدر.
[ ٣٤٥ ]
وقوله: «أو سهل» (خ) يعني: وقيل أن آخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري في نصِّ ابن المديني، والواقدي، وابن سعد، وابن حبان، وابن قانع، وابن منده، ومحمد بن سعد، وادَّعَى نفي الخلاف فيه، فقال: ليس بيننا في ذلك اختلاف.
واختُلف في وفاة سهل بالمدينة، والجمهور على أنه مات بها، وقال قتادة: بمصر، وقيل: بالإسكندرية.
وقيل: إن آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله، فيما [١٣٦ - ب] رواه الإمام أحمد عن قتادة، وصَدَّر به ابن الصلاح.
وقوله: «أو بمكة» يعني: أنه اختُلف في الموضع الذي مات فيه جابر، والجمهور أنه بالمدينة، أو بقباء، أو بمكة أقوال.
وقوله: «وقيل الآخر بها» يعني أن آخرهم موتًا بمكة جابر بن عبد الله المذكور، والمشهور بالمدينة، كما ذكرنا، وقيل: آخرهم موتًا بها عبد الله بن عمر فيما نصَّ عليه أبو الشيخ ابن حَيَّان في «تاريخه».
وقوله: «إن لا» (خ) يعني أن جابرًا أو ابن عمر إنما يكون آخر من مات بمكة إن لم يكن ابن الطفيل مات بها كما قيل، والصحيح أن أبا الطفيل مات بمكة.
وقوله: «وأنس بن مالك» (خ) يعني: أن آخرهم موتًا بالبصرة أنس بن مالك فيما نص عليه جماعة ومنهم قتادة.
وقوله: «وابن أبي أوفى» (خ) يعني أن آخرهم موتًا بالكوفة عبد الله بن أبي
[ ٣٤٦ ]
أوفى في قول جماعة، ومنهم قتادة، وابن أبي أوفى آخر من بقي ممن شهد بيعة الرضوان.
وقوله: «والشام فابنُ بُسر» (خ) يعني أن آخرهم موتًا بالشام: عبد الله بن بُسْر المازني، في قول جماعة منهم الأحوص بن حكيم، والذهبي بِأَخرة.
قلت: وبُسر: بضم الباء الموحدة، وإسكان السين، وبالراء المهملتين. انتهى.
وقوله: «أو ذو باهلة خُلْف» (خ) يعني: وقيل: إن آخرهم موتًا بالشام أبو أمامة صُدَي بن عَجْلان البَاهلي، وهو قول جماعة، ومنهم الحسن البصري، وابن عُيينة، وبه جزم ابنُ منده.
قلت: وقوله: خُلْف: بضم الخاء، وإسكان [١٣٦ - ب] اللام، مرفوع على الابتداء المحذوف الخبر، أي: في ذلك اختلاف.
والفاء في قوله: «فابن بسر» وما عطف عليه دخلت عن الخبر عن قوله بالشام أو ذو باهلة في ذلك اختلاف (١).
وقوله: «بدمشق» (خ) هذه طريقةٌ سَلَكها ابن منده في آخر من بقي في نواحي الشام المنسوبة إلى دمشق وحمص وفلسطين، فقال في الجزء الذي جمعه في آخر الصحابة موتًا: آخرهم موتًا بدمشق منهم: واثلة بن الأسقع الليثي، وقيل ببيت المقدس، وقال ابن قانع بحمص.
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل، ولعل صوابها: دخلت [على] الخبر [فمعنى] قوله: بالشام [ابن بسر] أو ذو باهلة في ذلك اختلاف.
[ ٣٤٧ ]
وقوله: «وإن في حمص» (خ) يعني: وقال في هذا الجزء: آخر من مات بحمص، ومنهم: عبد الله بن بسر.
قلت: فقوله: «وإن» (خ) هو بكسر «إن» على الحكاية لقوله: «وقيل» أي: إن.
وقوله: «وأنَّ بالجزيرة» (خ) يعني: وآخر مَنْ مَات منهم بالجزيرة العُرْس، قلت: والعُرْس بضم العين، وإسكان الراء، وبالسين المهملات، وهو ابن عُميرة الكِنْدي.
وقوله: «وبفلسطين» (خ) يعني وآخر من مات بفلسطين أبو أُبي عبد الله بن أم حرام، وهو ابنُ امرأة عبادة بن الصامت، واسمه عبد الله بن عمرو بن قيس، وقيل: عبد الله بن أُبَي، وقيل: بن كعب.
قلت: «وبفلسطين» بكسر الفاء، وفتح اللام، وإسكان السين المهملة، وبعده طاء مهملة، فمثناة تحت ساكنة، فنون، أحد أقسام الشَّام الخمسة، وأول حدودها من طريق مصر: «أمج» بفتح الهمزة، والميم، وبعده [١٣٧ - أ] جيم، وهي العريش، ثم غَزَّة، ثم الرملة، ومن مدن فلسطين إيلياء، وهي بيت المقدس، بينها وبين الرملة نحو ثمانية عشر ميلًا انتهى.
و«أبو أُبي» بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وتشديد الياء بعده، وهو مَنْ ذكرناه.
وقوله: «ومصر» (خ) يعني: آخر من مات بمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، فيما نصه ابنُ عيينة، وابنُ منده، وغيرهما.
قلت: وذكر الطحاوي أنه مات بسَفط القدور، وهي التي تُعْرَف اليوم بسفط
[ ٣٤٨ ]
أبي تراب. وقيل: مات باليمامة، وهو آخر من شَهِد بدرًا موتًا عند ابن منده، قال شيخنا (ن) (١) ولا يَصِحُّ شهودُه بدرًا.
و«جزء»، قلت: بفتح الجيم، وإسكان الزاي، وإبدال الهمزة، ياء موافقةً للقافية.
وقوله: «وقُبِض الهِرْمَاس» (خ) يعني: وآخرهم موتًا باليمامة الهرماس بن زيادٍ الباهلي، وعن عكرمة بن عمار قال: لقيت الهرماس سنة اثنتين ومائة.
قلت: «والهِرْماس» بكسر الهاء، وإسكان الراء المهملة، وبعده ميم، فألف، فسين مهملة.
وقوله: «وقَبْلَه» (خ) يعني: وآخرهم موتًا ببرقة: رويفع [بن ثابت الأنصاري، وهو أمير عليها لمسلمة بن] (٢) مخلد، وقبره معروف إلى اليوم، وذكر الليث ابن سعد أنه مات بِأَنْطَابُلُس، وقيل: بالشام.
قلت: و«رُوَيْفع» بضم الراء المهملة، وفتح الواو، وبعده مثناة تحت ساكنة، ففاء مكسورة، فعين مهملة.
قلت: و«إفريقية» بكسر الهمزة، وإسكان الفاء، وكسر الراء المهملة، وبعده مُثناة تحت ساكنة، فقاف مكسورة، فمثناة تحت مفتوحة، فهاء تأنيث [١٣٧ - ب]. سُمِّيَت بإفريقيس بن أَبْرَهة ملك اليمن؛ لأنه أول من افتتحها. وروي أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح طرابلس كَتَبَ إلى عمر بن
_________________
(١) (٢/ ١٥٧).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٣٤٩ ]
الخطاب رضي الله تعالى عنه بما فتح الله عليه، وأنه ليس أمامه إلا إفريقية، فكتب إليه عُمَر إذا ورد عليك كتابي هذا فاطو دواوينك، ورُد عَليَّ جندي، ولا تدخل إفريقية في شيء من عهدي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إفريقية لأهلها غير مجمعة، ماؤها قاسٍ لا يشربه أحد من المسلمين إلا اختلفت قلوبهم»، فأمر عمر بن العاصي العسكر بالرحيل قافلًا. انتهى.
وقوله: «وسَلَمة» (خ) يعني: وآخرهم موتًا بالبادية سلمة بن الأكوع، فيما نص عليه ابن منده، والصحيح أنه مات بطيبة، ورجَّحَه ابن الصلاح.
تنبيه: وذكر ابن منده في هذا الجزء أن آخر من مات بخراسان: بُرَيدة بن الحُصَيب، وآخر من مات بالرُّخِّج العدَّاء بن خالد بن هَوذَة، والرُّخِّج بكسر الخاء المعجمة مشددة، من أعمال سجستان، وذكر بعضهم أن آخر من مات بأصبهان: النابغة الجعدي، نَصَّ عليه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيين»، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان»، وآخر من مات بالطائف: عبد الله بن عباس ﵄.
[ ٣٥٠ ]
مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ
قوله:
٨١٧ - والتَّابعِيُّ اللاَّقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبَا وَلِلْخَطِيبِ حَدُّهُ: أنْ يَصْحَبَا [١٣٨ - أ]
الشرح: هذا النوع الثاني من أنواع الطرف الرابع في أسماء الرجال، وفيه فصول:
الأول: في حَدِّ التابعي:
فقال الحاكم وغيره: التابعي [من] (١) لقي واحدًا من الصحابة فأكثر، وعليه الأكثر، يؤيده عَدُّ (٢) سليمان بن مهران الأعمش في التابعين (٣) لما رأى أنس بن مالك رؤية بمكة يُصَلِّي، وليس له رواية في شيء من الكتب الستة عن أحد من الصحابة إلا عن عبد الله بن أبي أوفى في «سنن ابن ماجه» فقط.
وعد يحيى بن كثير لكونه لقي أنسًا.
وموسى بن أبي عايشة لكونه لقي عمرو بن حُريث.
وجَرير بن حازم، لكونه رأى أنسًا.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) في الأصل: عن. خطأ.
(٣) في الأصل: [عد] في التابعين. وهو حشو.
[ ٣٥١ ]
واشترط ابن حبان أن يكون رآه في سن من يحفظ عنه، وإلا فلا عبرة برؤيته، كخَلَف بن خليفة، فإنه عَدَّه في أتباع التابعين وإن كان رأى عمرو بن حريث؛ لكونه كان صغيرًا.
وقوله: «وللخطيب» (خ) يعني أن الخطيب حَدَّهُ بأنه من صَحِب الصحابي، وقد أشار النبي ﷺ إلى الصحابة والتابعين بقوله: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني» (ح) فاكتفى فيهما بِمُجَرَّد الرؤية.
وقوله:
٨١٨ - وَهُمْ طِبَاقٌ قِيلَ: خَمْسَ عَشَرَهْ أَوَّلُهُمْ: رُوَاةُ كلِّ العَشَرَهْ
٨١٩ - وَقَيْسٌ الفَرْدُ بِهَذا الوَصْفِ وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَوْف
٨٢٠ - وَقَوْلُ مَنْ عدَّ سَعِيدًا فَغَلَطْ بَلْ قِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ سِوَى سَعْدٍ فَقَطْ
٨٢١ - لَكِنَّهُ الأَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَا وعَنْهُ قَيْسٌ وَسِوَاهُ وَرَدَا [١٣٨ - ب]
٨٢٢ - وَفَضَّلَ الحَسَنَ أَهْلُ البَصْرَةِ والقَرَنِيْ أُوَيْسًا اهْلُ الكُوفَة
الشرح: يعني أن التابعين طباق، فجعلهم مسلم في «الطبقات» ثلاث طبقات، وكذا ابن سعد في «الطبقات»، وقال الحاكم في «العلوم»: خمس عشرة طبقة.
وقوله: «أَوَّلُهم» (خ) يعني: أن الطبقة الأولى منهم: من روى عن العشرة بالسماع منهم، وليس في التابعين أحدٌ سمع منهم إلا قيس بن أبي حازم.
وقوله: «وقيل لم يسمع» (خ) يعني: أن قيسًا هذا لم يروِ عن ابن عوف. نَصَّ
[ ٣٥٢ ]
عليه الآجُري أبو عبيد عن أبي داود.
وقوله: «مَن عَدَّ» (خ) يعني أن الحاكم عد ممن أدرك من العشرة سعيد بن المسيب، وهو غَلَطٌ صريح.
وقوله: «بل قيل» (خ) يعني: أن ابن المسيب لم تَصِحّ له رواية عن أحد مِن العشرة إلا سعد بن أبي وقاص فقط (١).
وقوله: «لكنه» (خ) هذا الفصل الثاني من فصول النوع الثاني، وهو أنهم اختلفوا في أفضل التابعين.
فقال عثمان الحارثي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفضل التابعين سعيد بن المسيب.
فقوله: «لكنه» أي: لكن سعيدًا.
وقوله: «وعنه» (خ) القول الثاني وروي عن أحمد أيضًا أنه قال: أفضل التابعين قيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي، ومسروق.
وقوله: «وفَضَّل» (خ) يعني: أن الحسن البصري أفضل التابعين عند أهل البصرة، وأهل المدينة يقولون: سعيد بن المسيب، وأهل الكوفة يقولون [١٣٩ - أ]: أويس القرني، حكي عن الإمام أبي عبد الله محمد بن خَفيف الشيرازي.
_________________
(١) في الأصل: سعد بن أبي وقاص [فقال]. خطأ، ويظهر أن الصواب ما أثبتناه.
[ ٣٥٣ ]
قال شيخنا (ن) (١): والصواب ما ذهب إليه أهل الكوفة لما روى مسلم في «صحيحه» من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير التابعين رجل يقال له أويس»، قال: ولعل أحمد لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده، أو أراد بالأفضلية في العلم لا الخيرية، وفَرَّق بين الأفضليةوالخيرية، فيما نقله الخطَّابي عن بعض شيوخه.
وقوله:
٨٢٣ - وفي نِسَاءِ التَّابِعِينَ الأَبْدَا حَفْصَةُ مَعْ عَمْرَةَ أُمِّ الدَّرْدَا
الشرح: يعني أن سيدة (٢) التابعيات وأبداهُن (٣) في الفضل: حفصة بنت سيرين، لما رواه أبو بكر بن أبي داود بسنده إلى إياس بن معاوية. وكذا عَمْرة بنت عبد الرحمن، وأُم الدرداء الصغرى واسمها هُجَيمة أو جُهَيمة، وأمَّا أم الدراء الكبرى خيرة فصحابية.
وقوله:
٨٢٤ - وَفِي الكِبَارِ الفُقَهَاءِ السَّبْعَهْ خَارِجَةُ القَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَهْ
٨٢٥ - ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ سَعِيدُ والسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاه
٨٢٦ - إمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ أَوْ فَأَبو بَكْرٍ خِلاَفٌ قَائِمُ
_________________
(١) (٢/ ١٦٣).
(٢) في الأصل: سيد.
(٣) أي: أولهن.
[ ٣٥٤ ]
الشرح: يعني وممن عد من أكابر (١) التابعين: الفقهاء السبعة من أهل المدينة.
وعدهم (ن) (٢) بقوله: خارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم [١٣٩ - ب] بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وابن المسيب.
وقوله: «والسابع» (خ) يعني أن السابع اختُلف فيه، فذكر النووي في «تهذيب الأسماء» أن فيه ثلاثة أقوال؛ فقيل: هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: هو سالم بن عبد الله بن عُمر، وحكاه الحاكم عن ابن المبارك.
وقوله:
٨٢٧ - والمُدْرِكُونَ جَاهِلِيَّةً فَسَمْ مُخَضْرَمِينَ كَسُوَيْدٍ في أُمَمْ
الشرح: الفصلُ الثاني من التابعين: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية في زمن النبي ﷺ ولم يَرُوه.
وقال ابن سيده في «المحكم»: «إذا كان نصف عُمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام، فهو مخضرَم». وعليه فحكيم بن حزام ونحوه مخضرم، وليس كذلك اصطلاحًا.
وفي كلام ابن حبان في «صحيحه» ما يوافق صاحب «المحكم» فإنه قال:
_________________
(١) في الأصل: الكبار. خطأ.
(٢) (٢/ ١٦٤).
[ ٣٥٥ ]
إذا كان في الكفر له ستون سنة، وفي الإسلام ستون سنة يُدْعى مخضرمًا.
وقوله: «ومخضرمون» (١). قلت: واحدُهُ مُخَضْرَم بضم الميم، وإسكان الخاء، وبالضاد المعجمتين، وبعده راء مفتوحة، فميم، وهو من ذُكر.
وحَكَى الحاكم عن بعض مشايخه أنه مشتق من أن أهل الجاهلية كانوا يخضرمون آذان [١٤٠ - أ] الإبل، أي: يقطعونها لتكون علامة لإسلامهم إن أُغير عليها أو حوربوا، وعليه فيجوز أن يكون مخضرم بكسر الراء كما حكاه بعض أهل اللغة؛ لأنهم خضرموا آذان الإبل، وأن يكون بالفتح؛ لأنه اقتُطع عن الصحابة وإن عاصر لعدم الرؤية. وأغرب صاحب «الوفيات» ابنُ خلكان فحكى فيه بالحاء المهملة مع كسر الراء.
وقوله: «كسويد» (خ) يعني به ابن غَفَلة بفتح الغين المعجمة، والفاء، واللام، وبعده هاء تأنيث.
وقوله: «في أُمم» أي: في جماعات عَدَّهُم مسلم فبلغ بهم عشرين، وأغفل أبا مسلم الخولاني، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن عُكَيم، وعمرو بن عبد الله بن الأصم، وأبو أمية الشَّعْبَاني.
وقوله:
٨٢٨ - وَقَدْ يُعَدُّ في الطِّبَاقِ التَّابِعُ في تابِعِيهِمْ إذْ يَكُونُ الشَّائِعُ
٨٢٩ - الحَمْلَ عَنْهُمْ كأَبِي الزِّنَادِ والعَكْسُ جَاءَ وَهْوَ ذُوْ فَسَاد
_________________
(١) كذا، ويظهر أن صوابه: مخضرمين.
[ ٣٥٦ ]
الشرح: يعني أن بعضَ من صَنَّفَ في الطبقات عَدَّ بعضَ التابعين في أتباعهم، لما غلب عليه روايته عن التابعين وحمله عنهم، كأبي الزناد عبد الله بن ذكوان فَعُدَّ في أتباع التابعين، وهو قد لقي عبد الله بن عمر، وأنسًا، وأبا أمامة.
وقوله: «والعكس» (خ) يعني: أن بعضهم عَدَّ في التابعين من هو في أتباعهم، وهو صنيع فاسد وخطأ ممن فعله، كالنخعي إبراهيم بن سويد عُدَّ في التابعين وما أدرك [١٤٠ - ب] أحدًا من الصحابة، وهو بخلاف إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه، وجماعة ذكرهم (ن) في (ش) (١).
وقوله:
٨٣٠ - وَقَدْ يُعَدُّ تَابِعِيًّا صَاحِبُ كَابْنَي مُقَرِّنٍ ومَنْ يُقَارِبُ
الشرح: يعني أنه قد عُدَّ في طبقة التابعين بعضُ الصحابة، إما غلطًا من بعض المصنفين، كما عَدّ الحاكم في الأخوة من التابعين: النعمان وسويد ابني مُقَرِّن المزني، وهما صحابيان من جملة المهاجرين، وإمَّا لكونه من صغار الصحابة مقارب التابعين في كونه يروي غالبًا عن الصحابة، كما عَدَّ مسلمٌ في «الطبقات» يوسفَ بن عبد الله بن سلام، ومحمودَ بن لبيد في التابعين.
_________________
(١) (٢/ ١٦٧).
[ ٣٥٧ ]
رِوَايةُ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصاغِرِ
قوله:
٨٣١ - وَقَدْ رَوَى الكَبِيرُ عَنْ ذِي الصُّغْرِ طَبَقَةً وَسِنًّا اوْ في القَدْر
٨٣٢ - أَوْ فيهِمَا وَمِنْهُ أَخْذُ الصَّحْبِ عنْ تابعٍ كَعِدَّةِ عَنْ كَعْب
الشرح: قلت فائدة حكى هذا النوع أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر سنًا وأفضل، لكونه هو الأغلب، فيجهل منزلتهما (١).
وأصل هذا النوع حديث الجسَّاسة في «صحيح مسلم»، وفيه رواية النبي ﷺ عن تميم الداري.
وقوله: «وقد روي» (خ) يعني أن هذا النوع أقسام:
أحدها: أن يكون الراوي أكبر سنًا وأقدم طبقة من المروي عنه، كرواية الزهري ويحيى بن سعيد عن [١٤١ - أ] مالك.
[والثانية: أن يكون الراوي أكبر قدرًا من المروي عنه] (٢) لعلمه وحفظه كرواية مالك، وابن أبي ذئب، عن عبد الله بن دينار. ورواية أحمد، وإسحاق عن العبسي عبيد الله بن موسى.
_________________
(١) في الأصل: منزلتهما [بما].
(٢) زيادة من المصدر سقطت من الأصل.
[ ٣٥٨ ]
والثالث: أن يكون الراوي أكبر من الجهتين، كرواية العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، ومعاوية، وأنس بن مالك، عن كعب الأحبار، وكرواية كثير من العلماء عن تلامذتهم منهم عبد الغني بن سعيد يروي عن محمد بن علي الصوري، وأبو بكر البرقاني يروي عن الخطيب، والخطيب عن ابن ماكولا، ونحوه.
[ ٣٥٩ ]
رِوَايَةُ الأَقْرَانِ
قوله:
٨٣٣ - والقُرَنَا مَنِ اسْتَوَوْا في السَّنَدِ والسِّنِّ غَالِبًا وقِسْمَينِ اعْدُد
٨٣٤ - مُدَبَّجًا وَهْوَ إِذَا كُلٌّ أخَذْ عَنْ آخَرٍ وغيرَهُ انْفِرادُ فَذْ
الشرح: هذا النوع يعرف برواية الأقران، وهم: المتقاربون في السِّنِّ والإسناد غالبًا، ورُبَّما اكتفى الحاكمُ فيه بالإسناد دون السن.
فقوله: «غالبًا» يتعلق بالسن فقط.
وقوله: «وقسمين» (خ) يعني أن هذا النوع قسمان:
أحدهما: المُدَبَّج: بضم الميم، وفتح الدال، وتشديد الموحدة، وبعده جيم.
وضابطه: أن يروي كلٌّ من الفريقين عن الآخر، كرواية عائشة عن أبي هريرة، وهو عنها. وكرواية الزهري عن أبي الزبير، وهو عنه. ورواية مالك عن الأوزاعي، وهو عنه. ورواية أحمد عن ابن المديني، وهو عنه.
وقوله: «مدبَّجًا» بذلك سماه الدارقطني [١٤١ - ب]، وجمع فيه كتابًا في مجلد.
والثاني: ما ليس بمدبج، وهو أن يروي أحدهما عن صاحبه، ولا يروي الآخر عنه فيما يُعلم، كرواية سليمان التيمي عن مسعر. قال الحاكم: ولا
[ ٣٦٠ ]
أحفظ رواية مسعر عن سليمان.
وقد يجتمع جماعة من الأقران في حديث واحد، كالحديث في «مسند أحمد» عن ابن ابي خيثمة زُهير بن حرب، عن يحيى بن معين، عن علي بن المديني، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كن أزواج النبي ﷺ يأخذن من شعورهن حتى يكون كالوَفْرَة، فأَحمد والأربعة فوقه خمستهم أقران.
فقوله: «مدبجًا» بالنصب بدلًا من قِسْمَين.
وقوله: «وغيَره» بالنصب عطفًا على «مدبجًا»، أي: واعدُد ذلك قسمين: مدبجًا وغيره.
وقوله: «انفراد» خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو انفراد «فَذ».
قلت: و«فذ» بالفاء، والذال المعجمة، أي: انفراد أحد القَرِينين عن الآخر.
[ ٣٦١ ]
الأُخْوَةُ والأَخَوَاتُ
قوله:
٨٣٥ - وَأَفْرَدُوا الأخْوَةَ بالتَّصْنِيفِ فَذُوْ ثَلاَثَةٍ بَنُو حُنَيْف
٨٣٦ - أَرْبَعَةٍ أَبُوهُمْ السَّمَّانُ وخَمْسَةٍ أَجَلُّهُمْ سُفْيَانُ
٨٣٧ - وسِتَّةٌ نَحْوُ بَنِي سِيْرِيْنَا واجْتَمَعُوا ثَلاَثَةً يَرْوُونا
٨٣٨ - وَسَبْعَةٌ بَنُو مُقَرِّنٍ، وَهُمْ مُهَاجِرُونَ لَيْسَ فِيهِمْ عَدُّهُمْ
٨٣٩ - وَالأَخَوَانِ جُمْلَةٌ كَعُتْبَةِ أَخِي ابْنِ مَسْعُودٍ هُما ذُوْ صُحْبَةِ [١٤٢ - أ]
الشرح: هذا النوع أفرده بالتصنيف علي بن المديني، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وهو معرفة الأخوة من العلماء والرواة.
وقوله: «فذو ثلاثة» (خ) يعني: أن الأُخوة الثلاثة مثالُهُم: سهل، وعباد، وعثمان، بنو حنيف.
وقوله: «أربعةٍ» (خ) قلت: هو بجر «أربعة» عطفًا على ثلاثة، أي: وذو أربعة أولاد أبي صالح السمان: سهيل، ومحمد، وصالح، وعبد الله، الذي يُقال له عباد.
قال شيخنا (ن) (١): ومما يستغرب في الأخوة الأربعة بنو راشد أبي إسماعيل
_________________
(١) (٢/ ١٧٦).
[ ٣٦٢ ]
السُّلَمي ولدوا في بطن واحد، وكانوا علماء، وهم محمد، وعمر، وإسماعيل، ولم يسم البخاري والدارقطني الرابع. انتهى.
قلت: وسماه ابن الحاجب في آخر مختصره الفرعي: بعَلي، وأفاد أن محمد (١) وعمر بلغوا ثمانين عامًا، فقال ما نصه: وعليه يُوقف ميراث أربعة ذكور لأنه غاية ما وقع، ولدت أم ولد أبي إسماعيل: محمدًا، وعمر، وعليًا، وإسماعيل، بلغوا الأولون الثمانين انتهى. وأخذ ذلك من «الزاهي» لابن شعبان فاعرفه والله تعالى أعلم.
وقوله: «وخمسةٍ» (خ) قلت: أيضًا هو بجر خمسة على ما ذكر، ومثاله: سفيان بن عيينة، وأخوته آدم، وعمران، ومحمد، وإبراهيم، وكلهم حَدَّثوا.
وقوله: «أجلهم» (خ) يعني أن سفيان أجلهم في العلم، والمراد بالخمسة [من أبناء] (٢) عيينة مَنْ رَوَى [١٤٢ - ب]، وإلا فأولاد عُيينة عشرة.
وقوله: «وستة»، قلت: هو بالجر أيضًا، ومثاله: بنو سيرين كلهم تابعيون، وهم: محمد، وأنس، ويحيى، وسعيد، وحفصة، وكريمة.
وقوله: «واجتمعوا» (خ) يعني أنه اجتمع منهم ثلاثة في إسناد حديث واحد، يروي بعضهم عن بعض، ولهذا قيل مطارحةً: أيُّ ثلاثة أخوة روى بعضهم عن بعض في حديث واحد؟
هو رواية الدارقطني في «العلل» بإسناده من رواية هشام بن حسان، عن
_________________
(١) كذا، وهو خلاف مقتضى اللغة.
(٢) في الأصل: بالخمسة (ابن) عيينة. خطأ.
[ ٣٦٣ ]
محمد بن سيرين، عن أخيه [يحيى] (١) ابن سيرين، عن أخيه [أنس] (٢) ابن سيرين، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «لبيك حجًا حقًا تَعَبُّدًا وَرِقًا».
وقوله: «وسبعة» (خ)، قلت: هو أيضًا بالجر، ومثاله بنو مقرن: النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، وعبد الله، فيما نص عليه ابن فتحون في «ذيل الاستيعاب»، ذكر أنه (٣) كان على ميسرة أبي بكر في قتال الرِّدَّة.
وقوله: «وليس فيهم» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: وسابعٌ لم يُسَمَّ لنا، وقد عَلِمْتَ تسميته.
وقوله: «والأَخَوان» (خ) يعني: أن مثال الأخوين كثير في الصحابة ومَنْ بعدهم، كعبد الله بن مسعود، وعتبة بن مسعود، صحابيان.
_________________
(١) في الأصل: عن خطأ. والتصحيح من المصدر.
(٢) في الأصل: عن أخيه ابن سيرين، والزيادة من المصدر.
(٣) أي: عبد الله.
[ ٣٦٤ ]
رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنِ الأبْنَاءِ وَعَكْسُهُ
قوله:
٨٤٠ - وَصَنَّفُوا فِيمَا عَنِ ابْنٍ أَخَذَا أبٌ كَعَبَّاسٍ عَنِ الفَضْلِ كَذَا
٨٤١ - وائِلُ عَنْ بَكْرِ ابْنِهِ والتَّيْميْ عَنِ ابْنِهِ مُعْتَمِرٍ في قَوْمِ [١٤٣ - أ]
الشرح: هذا النوع صَنَّفَ فيه الخطيبُ مصنَّفًا، وروى فيه من حديث العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل: «أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين بالمزدلفة».
وقوله: «كذا» (خ) يعني ومن رواية الآباء عن الأبناء رواية وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل ثمانية.
ومنها: حديثه في السنن الأربعة، عن أبيه، عن الزُّهري، عن أنس: أن النبي ﷺ أوْلَمَ على صفية بسويق وتمر.
وقوله: «والتيمي» (خ) يعني: ومنه رواية معمر بن سليمان التيمي، قال حدثني أبي، قال: حدثتني أنت عني، عن أيوب، عن الحسن، قال: وَيْح كلمة رحمة.
قال ابن الصلاح: وهذا طريق يجمع أنواعًا.
وقوله: «في قوم»، أي: في جماعة رووا عن أبنائهم فروى أنس بن مالك عن
[ ٣٦٥ ]
ابنه غير مسمى حديثًا، وروى أبو بكر بن عياش عن ابنه إبراهيم حديثًا، وروى أبو داود عن ابنه أبي بكر حديثين، وروى السمعاني أبو سعد عن ابنه عبد الرحيم في «ذيل تاريخ بغداد»، وروى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة عن ابنه قاضي القضاة عز الدين حكاية عجيبة.
وقوله:
٨٤٢ - أَمَّا أَبُو بَكْرٍ عَنِ الحَمْرَاءِ عَائِشَةٍ في الحَبَّةِ السَّوْدَاء
٨٤٣ - فإنَّهُ لابْنِ أبي عَتِيقِ وغُلِّطَ الوَاصِفُ بالصِّدِّيق
الشرح: يعني أن الحديث الذي رُوِيَ عن أبي بكر الصديق، عن عائشة [١٤٣ - ب]، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «في الحبة السوداء شفاء من كل داء» فغلط ممن رواه، وإنما هو عن أبي بكر بن أبي عتيق، عن عائشة، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
قال شيخنا (ن) (١): وكذا رواه البخاري في «صحيحه» وصَرَّح بأنه ابن أبي عتيق، إلا أن ابن الجوزي في «التلقيح» قال: إن أبا بكر الصديق روى عن ابنته عائشة حديثين، وروت أم رومان عن ابنتها عائشة حديثين.
وقوله:
٨٤٤ - وَعَكْسُهُ صَنَّفَ فِيهِ الوَائِلي وهوَ مَعَالٍ لِلْحَفِيدِ النَّاقِل
_________________
(١) (٢/ ١٨٤).
[ ٣٦٦ ]
الشرح: يعني أن أبا نصر الوائلي صنف في رواية الأبناء عن الآباء ورواية الرجل عن أبيه عن جده من المعالي.
قال شيخنا (ن) (١): كما أخبرني الحافظ أبو سعيد خليل بن العلائي بقراءتي عليه ببيت المقدس: أنا محمد بن يوسف: أنا الإمام أبو عمرو بن الصلاح: حدثني أبو المظفر عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعيد السمعاني، عن عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي، قال: سمعت أبا القاسم منصور بن محمد العلوي، يقول: الإسناد بعضه عوال، وبعضه معالي، وقول الرجل: حدثني أبي عن جدي من المعالي.
وقوله:
٨٤٥ - وَمِنْ أَهَمِّهِ إذا مَا أُبْهِمَا الأبُ أَوْ جَدٌّ وَذَاكَ قُسِمَا
٨٤٦ - قِسْمَينِ عَنْ أَبٍ فَقَطْ نَحْوَ أَبِي العُشَرَا عَنْ أَبِهِ عَنِ النَّبِيّ
٨٤٧ - واسْمُهُما على الشَّهيرِ فاعْلَمِ أُسَامَةُ بنُ مَالِكِ بنِ قِهْطَمِ [١٤٤ - أ]
الشرح: يعني: أن [من] (٢) هذا النوع وهو رواية الأبناء عن الآباء ما إذا أبهم اسم الأب أو الجد فلم يُسَم، بل اقتصر على كونه أبًا للراوي، أو جدًا له، فيحتاج إلى معرفة اسمه، وهو منقسم قسمان:
أحدهما: أن تكون الرواية عن أبيه فقط دون جده، كرواية أبي العُشَرَاء الدارمي، عن أبيه، عن النبي ﷺ، في السنن الأربعة، ولم يسم
_________________
(١) (٢/ ١٨٥).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٣٦٧ ]
أباه في طرق الحديث، واختُلف في اسم أبي العشراء، واسم أبيه، على أقوال:
أحدها: وهو الأشهر أنه أسامة بن مالك بن قِهطم.
قلت: وقِهْطَم بكسر القاف، وإسكان الهاء، وبعده طاء مهملة مفتوحة، فميم ونقل ابن الصلاح من خَطِّ البيهقي وغيره إبدال الهاء حاء مهملة.
وقوله:
٨٤٨ - وَالثَّانِ أنْ يَزِيدَ فيهِ بَعْدَهُ كَبَهْزٍ اوْ عَمْرٍو أبًا أَوْ جَدَّهُ
٨٤٩ - والأَكْثَرُ احْتَجُّوا بعمرٍو حَمْلاَ لَهُ على الجَدِّ الكَبِيرِ الأَعْلَى
الشرح: هذا القسم الثاني من رواية الأبناء عن الآباء، وهو أن يزيد فيه بعد ذكر الأب أبًا آخر فيكون جدًا للأول، أو يزيد جد الأب.
فمثال الأول: رواية بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ. فحكيم هو ابن معاوية بن حيدة القشيري، فالصحابي [١٤٤ - ب] هو معاوية، وهو جد بهز.
ومثال الثاني: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وشعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فالصحابي عبد الله بن عمرو، وهو جد شعيب.
فقوله: «والثاني» فيه لف ونشر، وتقديم وتأخير، والتقدير: والثاني أن يزيد بعد الأب أبًا كبهز بن حكيم، أو جدًا كعمرو بن شعيب.
وقوله: «والأكثر» (خ) يعني أن نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
[ ٣٦٨ ]
نسخة كبيرة. قلت: وأكثرها فقهيات، احتج بها أكثر المحدثين، حملًا بجده على عبد الله الصحابي، دون محمد التابعي والد شعيب، لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، وفيها أقوال أُخر نص عليها في الشرح.
وقوله:
٨٥٠ - وَسَلْسَلَ الآبَا التَّمِيمِي فَعَدّْ عَنْ تِسْعَةٍ قُلْتُ: وَفَوْقَ ذَا وَرَدْ
الشرح: يعني أن التميمي عبد الوهاب روى عن آبائه فَعَدَّ تسعةَ آباء، فروى الخطيب في «تاريخه» قال: ثنا عبد الوهاب عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أُكينة بن عبد الله التميمي من لفظه قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب، وقد سُئل عن الحنان المنان فقال: الحنان هو الذي يُقْبل على من أعرض عنه، والمنان هو الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال.
وقوله: «وفوق» (خ) يعني وقد ورد التسلسل بأكثر من هذا الوجه ومن غيره، فأما الأول أعني من جهة الآباء، فَوَرَد باثني عشر أبًا في حديث مرفوع من طريق رزق الله بن [١٤٥ - أ] عبد الوهاب التميمي المذكور، قال شيخنا (ن) (١): أخبرنا به جماعة منهم: شيخنا العلامة برهان الدين إبراهيم بن لاجين الرشيدي، قال: أنا أحمد بن محمد بن إسحاق الأبرهوقي، قال: أنا أبو بكر
_________________
(١) (٢/ ١٩١).
[ ٣٦٩ ]
عبد الله بن محمد القلانسي قراءةً عليه وأنا حاضر بشيراز: أنا عبد العزيز بن منصور بن محمد الآدمي، قال: ثنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: سمعت أبي أبا الفرج عبد الوهاب يقول: سمعت أبي أبا الحسن يقول: سمعت أبي أبا بكر الحارث يقول: سمعت أبي أسدًا يقول: سمعت أبي الليث يقول: سمعت أبي سليمان يقول: سمعت أبي الأسود يقول: سمعت أبي سفيان يقول: سمعت أبي يزيد يقول: سمعت أبي أكينة يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما اجتمع قوم على ذكر إلا حَفَّتْهُم الملائكة وغشيتهم الرحمة».
قال العلائي في كتاب «الوشي المعلم»: هذا إسناد غريب جدًا.
قال (ن) (١): قال وقد وجدتُ التسلسل في عده أحاديث بأربعة عشر أبًا من طريق أهل البيت، منها: ما رواه السمعاني في «الذيل» قال: أنا أبو شجاع عمر بن أبي الحسن البِسْطامي الإمام بقراءتي، وأبو بكر محمد بن علي بن ياسر الجياني لفظه قالا: أنا السيد أبو محمد الحسين بن علي بن أبي طالب من لفظه ببلخ، قال: حدثني سيدي والدي أبو الحسن علي بن أبي طالب سنة ست وستين وأربعمائة، قال: حدثني أبي أبو طالب الحسن بن عبد الله (٢) بن علي بن عبد الله [١٤٥ - ب] سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، قال: حدثني والدي أبو علي عبيد الله بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن عبيد الله: حدثني أبي عبيد الله
_________________
(١) (٢/ ١٩٢).
(٢) في المصدر: عبيد الله.
[ ٣٧٠ ]
بن علي: [حدثني أبي ابن محمد] (١) قال: حدثني أبي علي بن الحسن: حدثني أبي الحسن بن الحسين: حدثني أبي الحسين بن جعفر: حدثني أبي جعفر، وهو أول من دخل بلخ من هذه الطائفة الملقب بالحجة (٢)، قال: حدثني أبي عبد الله (٣): حدثني أبي الحسين الأصغر: حدثني أبي علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده علي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة»، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) كذا، وهو حشو.
(٢) كذا وقعت العبارة في الأصل، وصوابها: حدثني أبي الحسين بن جعفر وهو أول من دخل بلخ من هذه الطائفة، قال: حدثني أبي جعفر الملقب بالحجَّة شرح الناظم (٢/ ١٩٢).
(٣) في المصدر: عبيد الله.
[ ٣٧١ ]
السَّابِقُ واللاَّحِقُ
قوله:
٨٥١ - وَصَنَّفُوا في سَابِقٍ ولاَحِقِ وَهْوَ اشْتِرَاكُ رَاوِيَيْنِ سَابِق
٨٥٢ - مَوْتًا كَزُهْرِيٍّ وَذِي تَدَارُكِ كَابْنِ دُوَيْدٍ رَوَيَا عَنْ مَالِك
٨٥٣ - سَبْعَ ثَلاَثُونَ وَقَرْنٍ وافِي أُخِّرَ كَالجُعْفِي والخَفَّاف
الشرح: يعني أن الخطيب صنف كتابًا سماه «السابق واللاحق»، وموضوعه أن يشترك راويان في الرواية عن شخص واحد، وأحد الراويين متقدم، والآخر متأخر، بحيث أن يكون بين وفاتهما أمدٌ بعيد، وفائدته تقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب.
ومثال ذلك: أن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه روى عنه أبو بكر الزهري أحد شيوخه، وروى عنه أيضًا زكريا بن دُوَيد الكندي، وتأخرت وفاة زكريا بعد موت الزهري مائة وسبعًا وثلاثين سنة وأكثر، فإن وفاة [١٤٦ - أ] الزهري سنة أربع وعشرين ومائة، وتأخر زكريا إلى سنة نيف وستين ومائتين.
قال شيخنا (ن) (١): وزكريا وإن روى عن مالك، فأحد الكذابين، قال ابن حبان: «كان يضع الحديث، بل زاد وادعي أنه سمع من حميد الطويل، وروى عنه نسخة موضوعة» فكان تركه في المثال أولى.
_________________
(١) (٢/ ١٩٣).
[ ٣٧٢ ]
والصواب أن يُمَثَّل لذلك بالسَّهمي أحمد بن إسماعيل فإنه آخر أصحاب مالك، كما نَصَّ عليه المزي، وكانت وفاة السهمي سنة تسع وخمسين ومائتين، فبينه وبين وفاة الزهري مائة وخمسٌ وثلاثون سنة، والسَّهمي وإن كان ضعيفًا أيضًا فإن أبا مصعب شهد له أنه كان يحضر معهم العرض على مالك.
وقوله: «أُخِّر». قلت: بضم أوله مبنيًا للمفعول، ويعني ابن دويد.
قلت: وابن دويد (١) بضم الدال المهملة، وفتح الواو، وبعده مثناة تحت ساكنة، فدال مهملة.
وقوله: «الجعفي» (خ) يعني: كما تقدمت وفاة محمد بن إسماعيل البخاري على وفاة أبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف النيسابوري بهذا المقدار، وهو مائة وسبع وثلاثون سنة، واشتركا في الرواية عن أبي العباس محمد بن إسحاق السَّرَّاج، فروى عنه البخاري في «تاريخه»، وآخر من روى عن السَّرَّاج: الخفاف، وتوفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، وتوفي الخفاف سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
قال شيخنا (ن) (٢): ومثاله في زمننا أن الفخر بن البخاري سمع منه المنذري، وروى عنه جماعة [١٤٦ - ب] موجودون بدمشق في هذه السنة، سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، منهم المزي عمر بن الحسن بن مَزيد، ونجم الدين بن النجم، وصلاح الدين إمام مدرسة الشيخ أبي عمرو (٣)، وتوفي المنذري سنة ست وخمسين وستمائة.
_________________
(١) في الأصل: وليس دويد. خطأ.
(٢) (٢/ ١٩٤).
(٣) في المصدر: أبي عُمر.
[ ٣٧٣ ]
مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلاَّ رَاوٍ وَاحِدٌ
قوله:
٨٥٤ - وَمُسْلِمٌ صَنَّفَ فِي الوُحْدَانِ مَنْ عَنْهُ رَاوٍ وَاحِدٌ لاَ ثان
٨٥٥ - كَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ اوْ كَوَهْبِ هُوَ ابْنُ خَنْبَشٍ وَعَنْهُ الشَّعْبِي
٨٥٦ - وَغُلِّطَ الحَاكِمُ حَيْثُ زَعَمَا بأنَّ هَذَا النَّوْعَ لَيْسَ فِيْهِمَا
٨٥٧ - فَفِي الصَّحِيحِ أخْرَجَا للمُسَيِّبَا وأخْرَجَ الجُعْفِيُّ لابْنِ تَغْلِبَا
الشرح: من أنواع الحديث معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة والتابعين ومَنْ بَعْدهم، وصَنَّفَ فيه مسلم كتابه المترجم بالمفردات والوحدان.
وقوله: «كعامر» (خ) يعني: مثال ذلك في الصحابة عامر بن شهر الهمداني، ووهب بن خنبش، تفرد الشعبي بالرواية عن كلِّ واحدٍ منهما فيما نصَّه مسلم وغيره، وحديث عامر في «السنن» لأبي داود، وحديث وهب في (ن) و(ق)، ووقع في (ق) في رواية له هرم بن خنبش، وكذا ذكره الحاكم في «العلوم»، وتبعه عليه أبو نعيم في «العلوم الحديثية» له، وحكاه ابن الصلاح.
وقوله: «وغُلِّط» (خ) يعني أن الحاكم زعم في كتاب «المدخل» بأن أحدًا من هذا القبيل لم يخرِّج عنه الشيخان في «صحيحهما»، وغَلَّطَهُ في ذلك جماعة منهم محمد بن طاهر [١٤٧ - أ]، والحازمي، ونُقِضَ ذلك عليه بأنهما أخرجا حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب، مع أنه لا راوي له غير ابنه
[ ٣٧٤ ]
سعيد بن المسيب، وكذا أخرج الجعفي البخاري حديث عمرو بن تغلب مرفوعًا: «إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إليَّ» ولم يرو عن عمرو سوى الحسن البصري، فيما نص عليه مسلم في «الوحدان» وغيره.
[ ٣٧٥ ]
مَنْ ذُكِرَ بِنُعُوتٍ مُتَعَدِّدةٍ
قوله:
٨٥٨ - وَاعْنِ بِأَنْ تَعْرِفَ مَا يَلْتَبِسُ مِنْ خَلَّةٍ يُعْنَى بِهَا المُدَلِّسُ
٨٥٩ - مِنْ نَعْتِ رَاوٍ بِنُعُوتٍ نَحْوَ مَا فُعِلَ في الكَلْبِيِّ حَتَّى أُبْهِمَا
٨٦٠ - مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ العَلاَّمَهْ سَمَّاهُ حَمَّادًا أبُو أُسَامَهْ
٨٦١ - وبِأبِي النَّضْرِ بنِ إسْحَقَ ذَكَرْ وبِأبي سَعِيدٍ العَوْفِيْ شَهَرْ
الشرح: ذَكَرَ في هذا النوع مَنْ عُرف من الرواة بأنواع من التعريفات من الأسماء، والكنى، أو الألقاب، أو الأنساب، إما من جماعة من الرواة عنه يُعَرِّفُه كلُّ واحد بغير ما يُعَرِّفه الآخر، أو من راو واحد عنه فتعرفه مرةً بهذا، ومرة بذاك، فيلتبس ذلك على من لا معرفة عنده، بل على كثيرٍ من أهل المعرفة والحفظ، وإنما يفعل ذلك كثيرًا المدَلِّسون، وصَنَّفَ الحافظ عبد الغني الأزدي كتابًا نافعًا سماه «مفتاح الإشكال» وصنف فيه الخطيب كتابًا كبيرًا سماه «الموضح لأوهام الجمع والتفريق»، بدأ فيه بأوهام البخاري في ذلك.
وقوله: «نحو ما فعل» (خ) يعني مثال ذلك [١٤٧ - ب]: ما فعله الرواة عن محمد بن السائب الكلبي العلامة في الأنساب، أحد الضعفاء، وروى عنه أبو أسامة حماد بن أسامة فسماه حماد بن السائب، وروى عنه محمد بن إسحاق بن يسار فسماه مُرَّة وكناه مرةً بأبي النضر، ولم يُسَمه، وروى عنه عطية العوفي وكناه بأبي سعيد ولم يسمه.
وقوله: «من خَلَّة». قلت هو بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: الخصلة.
[ ٣٧٦ ]
أَفْرَادُ العَلَمِ
قوله:
٨٦٢ - وَاعْنِ بالأَفْرَادِ سُمًا أو لَقَبَا أوْ كُنْيَةً نَحْوَ لُبَيِّ بْنِ لَبَا
٨٦٣ - أوْ مِنْدَلٍ عَمْرٌو وَكَسْرًا نَصُّوا في المِيمِ أوْ أَبِي مُعَيْدٍ حَفْصُ
الشرح: العَلَم هو: ما يُعْرَف به من جُعِل علامة عليه من الأسماء والكنى والألقاب، فالاسم: ما وُضِع علامةً على المسمى، والكنية ما صُدِّرت بأب أو أم، واللقب ما دل على رفعه أو ضعَةٍ.
ومعرفة أفراد الأعلام نوع من أنواع الحديث، صَنَّفَ فيه جماعة [منهم الحافظ] (١) البرديجي صنف فيه كتابه المترجم بـ «الأسماء المفردة» وهو أول كتاب وُضع في جمعها مفردة، وإلا فهي مُفَرَّقة في «تاريخ البخاري الكبير»، و«الجرح» لأبي حاتم (٢).
وقوله: «نحو» (خ) هذا من أمثلة الأفراد الأسماء (٣): لُبَي بن لَبَا صحابي من بني أسد، وكلاهما باللام، والباء الموحدة، وهو وأبوه فَرْدان، فالأول مُصَغَّر
_________________
(١) العبارة في الأصل: صنف فيه جماعة الحفاظ البرديجي. وما أثبتناه من المصدر.
(٢) كذا، وصوابه: لابن أبي حاتم.
(٣) كذا، وصوابه: أفراد الأسماء.
[ ٣٧٧ ]
بوزن أُبَي، والثاني مكبر بوزن فَتَى.
وقوله: «أو مِبدَل» [١٤٨ - أ] (خ) هذا مثال لأفراد الألقاب، وهو مبدل بن علي العَنَزي، واسمه عمرو، ومبدل لقب له، وهو بكسر الميم، وإسكان الباء الموحدة (١)، وبعده دال مهملة مفتوحة، فلام.
قال ابن الصلاح: ويقولون كثيرًا مَبْدَل بفتح الميم.
قال شيخنا (ن) (٢): ورأيت بخط الحافظ أبي الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي نقلًا عن خط الحافظ محمد بن ناصر أن الصواب فيه فتح الميم.
وقوله: «أو أبي مُعَيد» (خ)، هذا مثال الأفراد في الكنى، وهو: أبو مُعيد بضم الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد المثناة تحت (٣)، وبعده دال مهملة، واسمه حفص بن غَيْلان.
وقوله: «سُمًا» هو: بضم السين، وزن هُدَى، لغة في الاسم، نُصِب على التمييز.
وقوله: «أو مبدلٍ» (٤) هو مجرور عطفًا على «لُبَي»، وكذا «أبي معيد».
و«عمرو» و«حفص» مرفوعان على الخبر لمبتدأ محذوف، أي: هو عمرو، وهو حفص.
و«كسرًا» منصوب بنزع الخافض أي: على كسر الميم.
_________________
(١) كذا، وهو وهم عجيب فقد أثبته المصنف «مبدل»، ثم ضبطه على ذلك، وإنما صوابه «مندل» بالنون.
(٢) (٢/ ٣٠٢).
(٣) كذا، والذي قاله الناظم (٢/ ٢٠٤) بسكون الياء المثناة.
(٤) كذا، وقد تقدم ما فيه.
[ ٣٧٨ ]
الأَسْمَاءُ والكُنَى
قوله:
٨٦٤ - وَاعْنِ بالاسْما والكُنَى وَقَدْ قَسَمْ الشَّيْخُ ذَا لِتِسْعٍ اوْ عَشْرٍ قَسَمْ
٨٦٥ - مَنِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ انْفِرَادَا نَحْوُ أُبِي بِلاَلٍ اوْ قَدْ زَادَا
٨٦٦ - نَحْوَ أبِي بَكْرٍ بنِ حَزْمٍ قَدْ كُنِي أبَا مُحَمَّدٍ بِخُلْفٍ فَافْطُن
٨٦٧ - وَالثَّانِ مَنْ يُكْنَى ولااسْمًا نَدْرِي نَحْوُ أبي شَيْبَةَ وَهْوَ الخُدْرِي
٨٦٨ - ثُمَّ كُنَى الأَلْقَابِ وَالتَّعَدُّدِ نَحْوَ أبي الشَّيْخِ أبي مُحَمَّد
٨٦٩ - وابْنُ جُريْجٍ بأبي الوَلِيدِ وَخَالِدٌ كُنِّيَ للتَّعْدِيدِ [١٤٨ - ب]
٨٧٠ - ثُمَّ ذَوو الخُلْفِ كُنًى وعُلِمَا أسْمَاؤُهُمْ وَعَكْسُهُ وَفِيْهِمَا
٨٧١ - وَعَكْسُهُ وَذُو اشْتِهَارٍ بِسُمِ وعَكْسُهُ أبو الضُّحَى لِمُسْلِم
الشرح: من أنواع الحديث: معرفة أسماء ذوي الكنى، ومعرفة كنى ذوي الأسماء، والعناية بذلك مطلوبة؛ لأنه ربما يُذْكَر الرَّاوي مَرَّةً بكنيته، ومَرَّةً باسمه، فيظن من لا معرفة له أنهما رجلين، وربما ذكر الراوي باسمه وكنيته معًا، فَيُتَوهَّم رجلين كالحديث الذي رواه الحاكم، من رواية أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أبي الوليد، عن جابر مرفوعًا: «من صَلَّى خلفَ إمام، فإن قراءته له قراءة» فقال الحاكم:
[ ٣٧٩ ]
«عبد الله بن شداد هو بنفسه أبو الوليد»، على ما بينه المديني، قال الحاكم: ومن تهاون بمعرفة هذا النوع أورثه مثل هذا الوهم.
قال شيخنا (ن) (١): ولقد بَلَغَني عن بعض من دَرَّس في الحديث ممن رأيته أنه أراد الكشف عن ترجمة أبي الزناد، فلم يَهْتَدِ إلى معرفة ترجمته من كتب الأسماء، لعدم معرفته باسمه، مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث، وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن، وصَنَّفَ في ذلك جماعة منهم علي بن المديني، ومسلم، والنيسابوري [١٤٩ - أ]، والدولابي أبو بشر، والحاكم أبو أحمد، وأبو عُمر، والذين صَنَّفُوا في ذلك بَوَّبُوا الأبواب على الكُنى، وبينوا أصحابها، إلا أن النَّسَائي رَتَّبَ حروفَه عل ترتيب غريب، ليس على ترتيب حروف المعجم على طريق المشارقة والمغاربة، و[لا] (٢) على ترتيب [حروف أبجد] (٣) ولا على ترتيب «العين» و«المحكم» بل ترتيبها (ل ب ت ث ي ن س ش ر ز د ذ ك ط ظ ص ض ف ق وهـ م ع غ ج ح خ).
وقد نظمها شيخنا (ن) في بيتين، في أول كل كلمة منها حرف وهي:
إذا لم بي قرحٌ ثوى يوم نأيهم سَرَت شمألٌ رقَّب زَوَتْ داء ذي كَمَد
طوت ظِئرٍ صَدْرٍ ضاقَ في قيدِ وَجْدِه هَدَت من عَمَى غَيٍّ جَوَى حَرَّها خَمَد
_________________
(١) (٢/ ٢٠٦).
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) بياض في الأصل تممناه من المصدر.
[ ٣٨٠ ]
وقوله: «وقد قَسَم» (خ) يعني: أن ابن الصلاح قَسَّم معرفة الأسماء والكنى إلى عشرة أقسام من وجه، وإلى تسعة من وجه آخر. فقوله: «قَسَم الشيخُ» بفتح السين مخففة.
وقوله: «من اسمُه» (خ) هذا القسم الأول، وينقسم إلى قسمين:
من لا كنية له غير الكنية التي هي اسمه. وهذا معنى قوله: «انفرادا» أي: لا كنية له إلا ذاك، كأبي بلال الأشعري، وأبي حصين بن يحيى الرازي؛ فإنَّ كلًا منهما اسمه كنيته. وكذا قال أبو بكر بن عياش المقري: ليس لي اسم غير أبي بكر.
وقوله: «أو قد زادا» هذا القسم الثاني من القسم الأول، وهو: مَنْ له كنية أخرى زيادةً على اسمه الذي هو كنيته كأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فاسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد.
وقوله: «بِخُلف» يعني: أنه اختُلف في تكنيته بأبي محمد، فقيل: لا [١٤٩ - ب] كنيته لابن حزم غير الكنية التي هي اسمه.
وقوله: «والثاني» (خ) هذا هو القسم الثاني من أصل التقسيم، وهو مَنْ عُرِف بكنيته، ولم يُوقف له على اسم، فلم يُدْرَ هل اسمُه كنيته كالأول، أو له اسم ولم نقف عليه؟ كأبي شيبة الخدري من الصحابة، مات في حصار القُسْطَنيطنية، ودُفِن هناك.
وقوله: «ثم كُنَى الألقاب» هذا القسم الثالث: مَنْ لُقِّبَ بكنيته (١)، كأبي الشيخ
_________________
(١) في الأصل: من له لقب بكنيته، والتصحيح من المصدر.
[ ٣٨١ ]
ابن حيان عبد الله بن محمد، كنيته أبو محمد، وأبو الشيخ لقب له.
ومنه أبو تراب: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وقوله: «وابنُ جُرَيج» (خ) القسم الرابع: من له كُنيتان فأكثر، وهذا المراد (١) بقوله: «والتعدد»، فيه لف بياني، والتقدير: ثم كُنى الألقاب كأبي الشيخ، وكُنَى التعدد كابن جُريج كُنِّىَ بأبي الوليد، وأبي خالد، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج.
وقوله: «ثم ذَوو الخُلْف» (خ) هذا القسم الخامس: من اختُلِفَ في كنيته على قولين أو أقوال، وعُلِمَ اسمه فلم يُختلف فيه، وللهروي عبد الله بن عطاء الإبراهيمي من المتأخرين فيه مُصَنَّفٌ مختصر، وذلك كأسامة بن زيد الحب أبي زيد، أو أبي محمد، أو أبي عبد الله، أو أبي خارجة، أقوال.
وقوله: «كنى» منصوب على التمييز.
وقوله: «وفيها» هذا القسم السادس: من اختُلِفَ في كنيته واسمه معًا، مثل: سفينة مولى رسول الله ﷺ، وهو لَقَبٌ له، واسمه [١٥٠ - أ] عُمَير، أو صالح، أو مهرانٌ أقوال. وكنيته أبو عبد الرحمن، أو أبو البَخْتَري.
والقسم السابع: من اختُلِفَ في اسمه، وعُرف كنيته بلا خلاف، كأبي هريرة، فاختُلف في اسمه على أقوال، ذَكَرَ النووي أنها ثلاثون، وصَحَّح أنه عبد الرحمن بن صَخْر، وصَحَّح الدمياطي أنه عمر بن عامر.
وقوله: «وعَكْسُهُ» هذا القسم الثامن: من لم يُختلف في كنيته ولا اسمه، بل
_________________
(١) في الأصل: أراد. والتصحيح من المصدر.
[ ٣٨٢ ]
عُلِما معًا، كأئمة المذاهب أبي حنيفة النعمان، وأبي عبد الله سفيان الثوري، ومالك، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ونفعني وولدي بعلومهم وبركاتهم.
وقوله: «وذو اشتِهَار» (خ) هذا القسم التاسع: من اشتُهِر باسمه دون كنيته، كطلحة بن عبد الله، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن بن علي، كنية كل منهم أبو محمد.
وقوله: «بِسُم» بضم السين، لغة في الاسم غير لغة القصر، فَيُعْرَف بالحركات.
وقوله: «وعكسه» (خ) هذا القسم العاشر من اشتُهر بكنيته دون اسمه، كأبي الضُّحي مسلم بن صُبَيْح.
[ ٣٨٣ ]
الأَلْقَابُ
قوله:
٨٧٢ - وَاعْنِ بِالالْقَابِ فَرُبَّمَا جُعِلْ الوَاحِدُ اثْنَيْنِ الذِيْ مِنْهَا عُطِلْ
٨٧٣ - نَحْوُ الضَّعِيفِ أيْ بِجِسْمِهِ وَمَنْ ضَلَّ الطَّرِيْقَ بِاسْمِ فَاعِلٍ وَلَنْ
٨٧٤ - يَجُوزَ مَا يَكْرَهُهُ المُلَقَّبُ وَرُبَّمَا كَانَ لِبَعْضٍ سَبَبُ
٨٧٥ - كَغُنْدَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ وصَالِحٍ جَزَرَةَ المُشْتَهرِ [١٥٠ - ب]
الشرح: من أنواع الحديث الألقاب، والعناية به أيضًا مطلوبة، فإنه ربما وهم العَاطِل من معرفة ذلك، فَيَجْعَل الرجل الواحد اثنين؛ إذ يكون ذُكِرَ مَرَّةً باسمه، ومرة بلقبه، كما وقع لجماعة من الأكابر [منهم] (١) علي ابن المديني، فَرَّقَ بين عبد الله بن أبي صالح أخي سهيل، وبين عباد بن أبي صالح جعلهما اثنين.
قال الخطيب: وعبد الله كان يُلَقَّب عبادًا، وليس عباد بأخ له.
وقوله: «نحو الضعيف» (خ) يعني: أن مثال ذلك: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان، معاوية بن عبد الكريم الضال، ضَلَّ في طريق مكة. وعبد الله بن محمد الضعيف، لضعف في جسمه لا في حديثه.
وقوله: «ولن يجوز» (خ) يعني: أن الألقاب تنقسم إلى ما لا يكرهه
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ٣٨٤ ]
الملقَّب: كأبي تراب، لقب علي ﵁. قال سهل بن سعد في الحديث المتفق عليه: «ما كان له اسم، أحبّ إليه منه».
وكبندار، لقب محمد بن بشار. وبهذا لا إشكال في جواز التعريف به.
وإلى (١) ما يكرهه الملقَّب به فلا يجوز تعريفه به.
وقوله: «وربَّما» (خ) يعني: أن الألقاب قد لا يُعْرَف سببُ التلقيب بها، وذلك موجود في كثير منها (٢)، وقد تُعرف، ولعبد الغني فيه مؤلف مفيد، نحو غندر وحَزَرَة، فأما غُنْدَر فلقبُ محمد بن جعفر البصري، كان سببه أن ابن جريج قدم البصرة فحدَّث بحديث عن الحسن البصري، فأنكروه عليه، وشَغَّبُوا [١٥١ - أ]، فلقب ابنُ جريج غُندرًا من ذلك اليوم لما كان يكثر الشغب عليه، فقال: «اسكت يا غندر»، وأهل الحجاز يسمون المشغِّب غندرًا.
وقوله: «وصالح» (خ) فجزرة، قلت: بفتح الجيم، والزاي، والراء المهملة، وبعده هاء تأنيث، هو لقب أبو (٣) [علي] (٤) صالح بن محمد البغدادي الحافظ، روى الحاكم أن صالحًا سُئل لِمَ لُقِّبَ بجزرة؟ فقال: قدم عَمرو بن زُرارة بغداد، فاجتمع عليه خلق عظيم، فلما كان عند الفراغ من المجلس، سُئلت من أين سمعت؟ فقلت: من حديث الجزرة، فَبَقِيَت عليَّ، وذلك الحديث حديث عبد الله بن بُسر: «أنه كان يرقى بِخَرَزة» بالخاء المعجمة، وتقديم الراء، فصحفها صالح بجزرة، بالجيم، وتقديم الزاي. انتهى.
_________________
(١) هذا القسم الثاني من الألقاب.
(٢) العبارة في الأصل رسمت هكذا: وذلك من حديث البحر! وما أثبتناه من المصدر.
(٣) كذا في الأصل: «أبو» وهو خلاف مقتضى اللغة.
(٤) زيادة من المصدر.
[ ٣٨٥ ]
الْمُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ
قوله:
٨٧٦ - وَاعْنِ بِمَا صُورَتُهُ مُؤْتَلِفُ خَطًّا وَلَكِنْ لَفْظُهُ مُخْتَلِفُ
٨٧٧ - نَحْوُ سَلاَمٍ كلُّهُ فَثَقِّلِ لاَ ابْنُ سَلاَمِ الحِبْرُ والمُعْتَزِلي
٨٧٨ - أَبَا عَلِيٍّ فَهْوَ خِفُّ الجَدِّ وَهْوَ الأَصَحُّ في أبِي البِيكَنْدِي
٨٧٩ - وابْنُ أَبِي الْحُقَيقِ وابْنُ مِشْكَمِ والأَشْهَرُ التَّشْدِيدُ فِيهِ فَاعْلَم
٨٨٠ - وابْنُ مُحَمَّدِ بنِ نَاهِضٍ فَخِفْ أَوْ زِدْهُ هَاءً فَكَذا فِيهِ اخْتُلِفْ
٨٨١ - قُلْتُ: ولِلْحِبْرِ ابْنِ أُخْتٍ خَفِّفِ كَذَاكَ جَدُّ السَّيِّدي والنَّسَفِي
الشرح: من أنواع الحديث فن «المؤتلف والمختلف».
قلت: وهو فن جليل يقبُحُ جهله بأهل العلم، لا سيما أهل الحديث، فينبغي الاعتناء [١٥١ - ب] به، وإلا افتضح بين أهله.
وأَفْرَدَهُ جماعةٌ بالتَّصْنيف، وأول من صَنَّفَ فيه عبد الغني بن سعيد، ثم شيخه الدارقطني، وأَكْمَلَ مُصَنَّفٍ فيه «الإكمال» لابن ماكولا، وذَيَّل عليه بن نُقطة ذيلًا مفيدًا، ثم ذيل على ابن نقطة الحافظ جمال الدين بن الصابوني، والحافظ منصور بن سَليم بفتح السين، عُرِف بابن العمادية، وذيل عليهما الحافظ علاء الدين مغلطاي ذيلًا كبيرًا، وجمع فيه الحافظ الذهبي مجلدًا
[ ٣٨٦ ]
أسماه «مشتبه النسبة» فأجحف في الاختصار، واعتمد على ضبط القلم.
و«المؤتلف والمختلف» قسمان:
أحدهما: ما ليس له ضابط يُرْجَع إليه، وإنما يعرف بالنقل والحفظ، وهو الأكثر.
والثاني: ما يدخل تحت الضبط، وذكر منه (ن) (١) هنا جملة، وهذا القسم الثاني قسمان:
أحدهما: على العموم من غير تقييد بتصنيف، وضابطه أن يُقال ليس لهم فلان إلا كذا.
والثاني: مخصوص بما في «الصحيحين» و«الموطأ».
فَمِن الأول: سلاَّم كله بالتشديد إلا خمسة، وهم سلام والد عبد الله بن سلَام الصحابي الحبر.
[و] (٢) سلَام بن سلَام جد أبي علي الجُبَّائي المعتزلي، [وسلام والد محمد بن سلام بن الفرج البيكندي البخاري شيخ البخاري على خلافٍ فيه] (٣)، فجزم غنجار في «تاريخ بخارى» والخطيب، وابن ماكولا بالتخفيف، وهو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح، والجيَّاني أبو علي في «التقييد» وصاحب «المشارق» وصاحب «المطالع» بالتشديد.
_________________
(١) (٢/ ٢١٧).
(٢) زيادة من المصدر، وفيه: سلام جد أبي علي.
(٣) زيادة من المصدر.
[ ٣٨٧ ]
قال شيخنا (ن) (١): ولعله [١٥٢ - أ] اشتبه عليهما بآخر، يُسمى: محمد بن سلام بن السكن، حدث عن الحسن بن سوَّار الخراساني، فأما شيخ البخاري فروينا بالإسناد إليه أنه قال: أنا محمد بن سلام بالتخفيف، وهذا قاطع للنزاع، انتهى كلام شيخنا. وسلام بن أبي الحُقَيق اليهودي، وسلَام بن مشكم خمارًا كان في الجاهلية والمعروف فيه التشديد.
قلت: ومِشْكم: بكسر الميم، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الكاف، وبعده ميم. انتهى.
وقوله: «وابن محمد» (خ) يعني أن بعضهم زاد سلَام بن محمد بن ناهض المقدسي، روي عنه الطبراني فسماه سلامة بزيادة هاء آخره، والخلف فيه إنما هو في زيادة الهاء وحذفها، وأما التخفيف فلا خلاف فيه.
وقوله: «قلت» (خ) زاد (ن) (٢) ثلاثة أسماء مُخَفَّفَة وهم: سلَام بن أخت عبد الله بن سلام، عده في الصحابة ابن فتحون في «ذيله»، ولعبد الله بن سلام أخٌ يقال له سلمة بن سلام، وجد السَّيِّدي [وهو سعد بن جعفر] (٣) بن سلام السَّيِّدي، روي عنه (٤) عن ابن البَطِّي، ومات سنة أربعة عشر وستمائة، وكذلك جد النِّسَفي الأعلى: أبو نصر محمد بن يعقوب بن إسحاق بن محمد بن موسى بن سلَام النِّسفَي، ذكره الذهبي في «المشتبه».
_________________
(١) (٢/ ٢١٨).
(٢) (٢/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٣) زيادة من المصدر.
(٤) قوله: عنه. ليس في المصدر.
[ ٣٨٨ ]
فقوله: «الحبر»، قلت: الحبر بفتح الحاء المهملة، وكسرها، وبعده باء موحدة: العالم.
و«البِيْكَندي» وضبطه (ن) بكسر الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة تحت، وفتح الكاف، وسكون النون، وبعده دال مهملة.
و«الحُقَيق» بضم الحاء المهملة، وفتح القاف [١٥٢ - ب]، وبعده مثناة تحت ساكنة، فقاف.
و«ناهض» بالنون، والهاء، والضاد المعجمة.
و«السُّبدي» بضم السين المهملة، وفتح الموحدة، وبعده دال مهملة، نسبة إلى سُبَد بطن من قيس (١).
و«النَّسَفي» ضبطه (ن) بفتح النون، والسين، نسبةً إلى نِسَف بكسر النون فُتِحَت للنَّسَب كالنِّمر، انتهى.
وقوله:
٨٨٢ - عَيْنَ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ اكْسِر وَفي خُزَاعَةَ كَرِيْزٌ كَبِّر
الشرح: ومن ذلك «عُمارة» كله بضم العين، إلا عِمارة أبا أُبَي ابن عِمارة، من الصحابة، فبالكسر.
قلت: وأما «عَمَّارة» بفتح العين، وتشديد الميم، فجماعة ذكرهم ابن
_________________
(١) كذا قال وهو وهم عجيب، فالمذكور في النظم إنما هو السَّيِّدي.
[ ٣٨٩ ]
ماكولا، وأشار إليهم (ن) في الشرح (١).
وقوله: «وفي خزاعة» يعني بذلك «كَرِيز» بفتح الكاف، وكسر الراء، مُكبرًا، و[كُرَيْز] (٢) مصغرًا، وكله مصغرًا إلا في خزاعة فقط.
وقوله:
٨٨٣ - وَفِي قُرَيْشٍ أَبَدًا حِزَامُ وَافْتَحْ فِي الانْصَارِ بِرَا حَرَامُ
الشرح: من ذلك «حِزَام» بكسر الحاء المهملة، وبالزاي. و«حَرَام» بفتح الحاء، وبالراء، ففي قريش الأول، وفي الأنصار الثاني.
قال (ن) (٣) شيخنا: والمراد ضبط ما في قريش والأنصار ووقع «حزام» بالزاي في خزاعة، وبني عامر بن صَعْصَعَة، وغيرهما، ووقع «حَرَام» بالراء في خثعم، وجذام، وتميم بن مر، وغير ذلك.
وقوله:
٨٨٤ - فِي الشَّامِ عَنْسِيٌّ بِنُونٍ، وبِبَا فِي كُوْفَةٍ والشِّيْنِ واليا غَلَبَا [١٥٣ - أ]
٨٨٥ - فِي بَصْرَةٍ وَمَا لَهُمْ مَنِ اكْتَنَى أَبَا عَبِيْدَةٍ بِفَتْحٍ والكُنَى
٨٨٦ - فِي السَّفْرِ بالفَتْحِ وَمَا لَهُمْ عَسَلْ إلاَّ ابْنُ ذَكْوَانٍ وَعِسْلٌ فَجُمَلْ
الشرح: يعني أن من ذلك «عَنْسي» بفتح العين المهملة، وإسكان النون،
_________________
(١) (٢/ ٢٢٠).
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) (٢/ ٢٢١).
[ ٣٩٠ ]
وبالسين المهملة، و«عَبْسى» بالباء الموحدة، و«عَيْشِى» بالمثناة تحت والشين المعجمة.
فالأول في الشاميين، ومنهم عُمير بن هانئ التابعي.
والثاني: في الكوفيين، ومنهم عُبيد الله بن موسى.
والثالث: في البصريين، ومنهم عبد الرحمن بن المبارك، وهذا في الغالب، وإليه الإشارة بقوله «غلبا»، والنادر المخالف للغالب: عمار بن ياسر فإنه عَنْسي بالنون، وهو في أعدد الكوفيين.
وقوله: «ومالهم» (خ) يعني: أن مِنْ ذلك من اكتنى بأبي عُبيدة، فَكُلُّهم بضم العين مُصَغَّرًا.
قال الدارقطني: ولا نَعْلَمُ أحدًا يُكنى أبا عَبيدة بفتح العين.
وقوله: «والكنى» (خ) يعني أن من ذلك: «السَّفْر» بفتح السين المهملة، وإسكان الفاء، بعده مهملة، و«السَّفَر» بفتح الفاء، فالكنى من ذلك بالفتح، والباقي بالإسكان، ومن المغاربة من يقول في الكنى بالإسكان وهو سعيد يُحْمِد بن محمد بضم الياء المثناة تحت، وإسكان الحاء المهملة، وكسر الميم، وبعده دال مهملة، لا ينصرف للعلَمية، ووزن الفعل، ويقال فيه: يَحْمَد بفتح الياء والميم، والمحدثون يقولونه بالفتح، كما نصه عنهم الدارقطني.
وقوله: «ومالهم عَسَل» (خ) يعني من ذلك: «عِسْل» بكسر [١٥٣ - ب] العين، وإسكان السين المهملتين، وبعده لام، و«عَسَل» بفتحها فكله بالأول، إلا عَسَل بن ذكوان الأخباري البصري، فإنه بالثاني، نَصَّ عليه الدارقطني
[ ٣٩١ ]
وغيره، ووجد بخط الزُّهْري أبي منصور وفي كتابه «تهذيب اللَّغَة» عِسْل بالكسر والإسكان.
وقوله: «فجُمَل» بضم الجيم، وفتح الميم، جمع جُملة أي: فكثير، والله تعالى أعلم.
وقوله:
٨٨٧ - وَالعَامِرِيُّ بْنُ عَلِيْ عَثَّامُ وَغَيْرُهُ فَالنُّونُ والإعْجَامُ
الشرح: ومن ذلك «غَنَّام» بفتح الغين المعجمة، وبعده نون مشددة، فألف، فميم.
و«عَثَّام» بفتح العين المهملة، وتشديد المثلثة، فكلُّه بالأول، إلا عثَّام بن علي العامري الكوفي والد علي بن عثام الزاهد.
وقوله:
٨٨٨ - وَزَوْجُ مَسْرُوقٍ قَمِيْرٌ صَغَّرُوا سِوَاهُ ضَمًَّا وَلَهُمْ مُسَوَّرُ
٨٨٩ - ابنُ يَزِيدَ وابْنُ عَبْدِ المَلِكِ وَمَا سِوَى ذَيْنِ فَمِسْوَرٌ حُكِي
الشرح: ومن ذلك «قمير» بضم القاف، وفتحها، مصغرًا ومكبرًا، والجميع مصغرًا، إلا امرأة مسروق بن الأجدع فمُكَبَّر وهي بنت عَمْرو، ومن ذلك «مسور» بضم الميم وفتحها (١)، وفتح السين، وتشديد الواو مفتوحة، و«مِسْوَر» بكسر الميم، وإسكان السين، وفتح الواو.
_________________
(١) كذا، ولعله حشو.
[ ٣٩٢ ]
فالأول ابن يزيد المالكي الكاهلي له صحبة، وابن عبد الملك اليربوعي، وما عداهما فبالثاني.
وقوله:
٨٩٠ - وَوَصَفُوا الحمَّالَ في الرُّوَاةِ هَارُونَ والغَيْرُ بِجِيمٍ يَاتي [١٥٤ - أ]
الشرح: من ذلك الحَمَّال بالحاء المهملة، والجيم، وكله بالجيم من الصفات إلا هارون بن عبد الله فبالحاء، وكان بزازًا، فلما تزهد حَمَل وقيل كان حمالًا ثم تَحوَّل إلى البَز، وزعم الخليلي وابن الفلكيِّ أنه لُقِّب بذلك لكثرة ما حمل من العلم، وردَّهُ ابن الصلاح.
وقوله: «ووصفوا» يعني: أن هذا في الصفات كما قررنا بخلاف الأسماء فإنه بالحاء كأبيض ابن الحَمَّال المازني صحابي، وحمال بن مالك.
وقوله: «في الرواة» يحترز به عن غيرهم من الفقهاء والزهاد، كرافع بن نصر الحمال الفقيه، صاحب أبي إسحاق، وأيوب الحمال الزاهد ببغداد، وبنان الحمال أحد أولياء مصر وإن روى عن الحسن بن عرفة وغيره، إلا أنه لم يشتهر برواية الحديث.
وقوله:
٨٩١ - وَوَصَفُوا حَنَّاطًا اوْ خَبَّاطا عِيسَى ومُسلِمًا كَذَا خَيَّاطَا
الشرح: من ذلك «الحنَّاط» بالحاء المهملة، والنون، وبالخاء المعجمة،
[ ٣٩٣ ]
والباء الموحدة (١)، وبخاء، وبالمثناة تحت (٢)، فهذه العلامة اجتمعت في اسم واحد، وهما اثنان: عيسى بن [أبي] (٣) عيسى الحافظ ومسلم بن أبي مسلم الحافظ، في نصِّ الدارقطني، والأمير، إلا أن عيسى اشتهر بالحناط بالحاء المهملة والنون، ومسلم بالمعجمة والموحدة، ورجَّح الذهبي [في كل واحد] (٤) ما اشتهر به.
وقوله:
٨٩٢ - والسَّلَمِيَّ افْتَحْ في الانْصَارِوَمَنْ يَكْسِرُ لامَهُ كأَصْلِهِ لَحَنْ [١٥٤ - ب]
الشرح: يعني أن الأنصاري يقال له السَّلَمي بفتح السين، واللام، كجابر بن عبد الله، وغيره، نسبةً إلى بني سَلِمة بفتح السين، كسر اللام، وفُتحت في النسب، كنَمَري وأكثر المحدثين يقولونه على الأصل بكسر اللام، وهو لحن.
واقتصر ابنُ باطيش في «مشتبه النسبة» على كسر اللام، وجعل مفتوح اللام نسبةً إلى «سلميَّة» من عمل حماة.
وقوله:
٨٩٣ - وَمِنْ هُنَا لِمَالِكٍ وَلَهُمَا بَشَّارًا افْرِدْ أَبَ بُنْدَارِ هُمَا
٨٩٤ - وَلَهُمَا سَيَّارُ أيْ أَبُو الحَكَمْ وَابْنُ سَلاَمَةٍ وبِالْيَا قَبْلُ جَمْ
_________________
(١) أي: الخباط.
(٢) أي: الخياط.
(٣) زيادة من المصدر.
(٤) زيادة من المصدر.
[ ٣٩٤ ]
الشرح: شرع في القسم الثاني في «المؤتلف والمختلف»، وهو ضبط ما في «الموطأ» لمالك، والصحيحين للبخاري ومسلم.
فقوله: «بشَّارًا» (خ) يعني: أن من ذلك «بشَّارًا» بالباء الموحدة، والشين المعجمة. و«سَيَّارًا» بالسين المهملة، والمثناة تحت المشددة.
و«يَسَارًا» بالمثناة تحت، والسين المهملة المخففة.
والأول ليس لهم في الصحيحين منه إلا واحد وهو والد بُنْدَار، واسمه محمد بن بشار، أحد شيوخهما، وأما في الصحابة فمعدوم، وفي التابعين نادر، كذا نص الذهبي.
وقوله: «ولهما» (خ) يعني: أن الثاني فهو سَيَّار بن أبي سَيَّار، ورُدَّ أن كنيته أبو الحكم (١) وسيار بن سلامة، وهما في الصحيحين.
فقوله: «أبو الحكَم»، قلت: هو بفتح الحاء والكاف.
وقوله: «وبالياء» (خ) يعني: أن الثالث كثير فيهما، وفي «الموطأ» سليمان بن يَسَار، وأخيه [١٥٥ - أ] عطاء، وسعيد بن يسار، وغيرهم.
وقولهم: «جَمْ». قلت: بفتح الجيم، وبعده ميم، أي: كثير.
وقوله:
٨٩٥ - وَابْنُ سَعِيدٍ بُسْرُ مِثْلُ المَازِنيْ وابْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَابْنُ مِحْجَن
٨٩٦ - وَفِيهِ خُلْفٌ. وَبُشَيْرًا اعْجِمِ في ابْنِ يسارٍ وابْنِ كَعْبٍ واضْمُم
_________________
(١) أي أن كنية والد سيار أبو الحكم، وليست أبا سيار.
[ ٣٩٥ ]
٨٩٧ - يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو اوْ أُسَيْرُ والنُّونُ في أبي قَطَنْ نُسَيْرُ
الشرح: ومن ذلك: «بشر» بكسر الباء الموحدة، وبالشين المعجمة، وبضم الموحدة، وبالسين الموحدة المهملة (١).
فالأولى في الصحيحين و«الموطأ» إلا أربعة فمن الثاني، وهم ابن سعيد، والمازني والد عبد الله، وابن عبيد الله الحضرمي، وابن محجن الدِّيلي.
فقوله: «وابن محجن»، قلت: هو بكسر الميم، وإسكان الحاء المهملة، وفتح الجيم، وبعده نون.
وقوله: «وفيه خلْفٌ»، يعني: أنه اختُلِفَ في هذا الرَّابع فذهب مالك والجمهور إلى أنه بالمهملة.
وقال الثوري: بالمعجمة، قال الدارقطني: ورَجَعَ عنه الثوري فيما يُقال. وابن محجن في «الموطأ» فقط.
وقوله: «وبُشَيرًا» (خ) من ذلك «بُشَير» بضم الموحدة، وفتح الشين المعجمة، ويُسَيْر بضم المثناة تحت، وبالسين المهملة، و«نُسير» بضم النون، وفتح السين المهملة، و«بَشير» بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة.
فالأول: ابن يسار الحارثي المدني، حديثه في الصحيحين والموطأ، وابن كعب العدوي عند البخاري.
والثاني: ابن عمرو، يقال فيه أيضًا أُسير بضم الهمزة.
_________________
(١) أي: بُسْر.
[ ٣٩٦ ]
والثالث: والد قطن.
فقوله: «قَطَن»، قلت: بفتح القاف، والطاء [١٥٥ - ب] المهملة، وبعده نون.
والرابع: جميع ما في الصحيحين و«الموطأ»، ومنهم بَشير بن نَهيك، وغيره.
وقوله:
٨٩٨ - جَدُّ عَلِيْ بنِ هَاشِمٍ بَرِيْدُ وَابْنُ حَفِيْدِ الأَشْعَريْ بُرَيْدُ
٨٩٩ - وَلَهُمَا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَهْ بْنِ البِرِنْدِ فَالأَمِيْرُ كَسَرَهْ
الشرح: من ذلك «بريد» بفتح الموحدة، وبضمها. و«بِرِنْد» بكسرها، والراء، وبعد الراء نون ساكنة. و«تزيد» بفتح المثناة تحت، وكسر الزاي.
فالأول: جد علي بن هاشم روى له مسلم.
والثاني: ابن عبد الله بن أبي بردة بن موسى الأشعري، روى له الشيخان، ومنه حديث مالك بن الحويرث في صفة صلاة رسول الله ﷺ في البخاري، وفيه «كصلاة شيخنا أبي بُرَيد عمرو».
وذكر الهروي أبو ذر عن أبي محمد الحموي، [عن الفربري] (١) عن (خ) (٢) كذا، وكذا ذكره مسلم في الكنى.
ووقع عند عامة رواة (خ): يَزيد، بفتح المثناة تحت، وبالزاي.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) أي: البخاري.
[ ٣٩٧ ]
قال عبد الغني: ولم أسمعه من أحد بالزاي، ومسلم أعلم.
والثالث: جد محمد بن عَرْعَرَة السامي في الصحيحين.
وقوله: «فالأمير» (خ) يعني: أن ابن ماكولا ذكره هكذا بكسر الباء والراء، وفي كتاب «عمدة المحدثين» بَرَند بفتح الباء والراء.
قلت: والأمير هذا هو الحافظ علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علي بن دُلف بن أبي دُلف القاسم بن عيسى العجلي أبو نصر المعروف بابن ماكولا، أصله من جرباذقان بلدة من همذان [١٥٦ - أ] وأصبهان، ولُقِّبَ بالأمير، من بيت الوزارة، والقضاء، والرئاسة، نحويٌ شاعر.
وحدث: سنده إلى أبي هاشم [المذكر] (١) قال: أردتُ البصرةَ فجئت إلى سفينة أكتريها، وفيها رجل، ومعه جارية، فقال الرجل: ليس هاهنا موضع. فسألته الجارية أن يحملني فحملني، فلما سِرْنا دعا الرجل بالغداء فوُضِع، فقالوا: انزلوا المسكين ليتغدى، فأُنْزِلت على أنني مسكين، فلما تغدينا قال: يا جارية هاتي شرابًا، فشرب، وأمرها أن تسقيني، قلت: رحمك الله إن للضيف حقًا وقد يؤذيني، قال: فتركني، فلما دَبَّ فيه النبيذ قال: يا جارية هاتي العود وهاتي ما عندك فأخذت العود وغَنَّت:
وكنا كغصني بانة ليس واحدٌ يزول عن الحالان عن رأي واحِد
تبدل لي خلًا فخاللتُ غيره وخليتُهُ لما أراد تباعدي
فلو أن كفى لم تردني ابنتُها ولم يصطحبها بعد ذلك ساعدي
_________________
(١) في الأصل: أبي هاشم المد .. ثم بياض، فتممناه من طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٤).
[ ٣٩٨ ]
ألا قبح الرحمن كلَّ مُماذق يكون أخًا في الحَفْظ لا في الشدائد
ثم التفت إلي فقال: أتُحسن مثل هذا؟ فقلت: أُحسن خيرًا منه، وقرأت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٣]، فجعل يبكي، ولما انتهيت إلى قوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قال: يا جارية اذهبي فأنت حُرة لوجه الله، وألقى ما معه من الشراب في الماء، وكسر العود، ثم اعتنقني، وقال: يا أخي أترى الله يقبل توبتي [١٥٦ - ب]؟ فقلت: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فواخيته أربعين سنة حتى مات، فرأيته في المنام، فقلت: إلى ما صرت بعدي؟ فقال: إلى الجنة، فقلت: بما صرت إليها؟ قال: بقراءتك عليَّ ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾.
ولما خرج أبو نصر الأمير إلى خراسان في طلب الحديث كتب إلى بغداد بشعره:
قوض خيامك عن دارٍ أُهنت بها وجانب الذلَّ إن الذلَّ يُجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان واسعة فالمندل الرطب في أوطانه حطب
وله ﵀:
علمتني بهجرها الصبر عنها فهي مشكورةٌ على التقبيح
ذ
والرابع: كل ما في الصحيحين والموطأ إلا ما ذكر.
وقوله:
٩٠٠ - ذُوْ كُنْيَةٍ بِمَعْشَرٍ وَالعَالِيَهْ بَرَّاءَ أُشْدُدْ وَبِجِيمٍ جَارِيَهْ
٩٠١ - ابْنُ قُدَامَةٍ كَذَاكَ وَالِدُ يَزِيْدُ قُلْتُ وكَذَاكَ الأَسْوَدُ
[ ٣٩٩ ]
٩٠٢ - ابنُ العَلاَ وابْنُ أبِي سُفْيَانِ عَمْرٌو، فَجَدُّ ذَا وذَا سِيَّان
الشرح: من ذلك «البراء» بفتح الموحدة، وتشديد الراء ممدودة، وبتخفيفها.
فالأول: أبو معشر يوسف بن يزيد، وحديثه في الصحيحين، وأبو العالية زياد بن فيروز، وحديثه في الصحيحين.
والثاني: جماعة منهم ابن عازب، وجميع ما في الصحيحين و«الموطأ».
وقوله: «وبجيمٍ» (خ) من ذلك «جارية» بالجيم، والتاء المثناة، وبالحاء المهملة [١٥٧ - أ] والمثلثة (١).
فالأول ابن قدامة، ووالد يزيد، وهو مذكور في «الموطأ»، وخارجة بن قدامة وقع ذكره في «الفتن» من البخاري.
وقوله: «قلت» (خ) يُشير إلى اسمين آخرين زادهما علي بن الصلاح، وهما: الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي، روى له مسلم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، حديث البئر جُبَار [الحديث] (٢) في الحدود.
وعمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، روى له البخاري عن أبي هريرة قصة قتل خُبيب، وروى له مسلم عن أبي هريرة حديث: «لكل نبي دعوة يدعوا بها» الحديث.
_________________
(١) أي: حارثة.
(٢) في الأصل: البئر جبار [و] في الحدود. وما أثبتناه من المصدر.
[ ٤٠٠ ]
وقوله: «فَجَدُّ» (خ) يعني: أن جد عمرو الأعلى يساوي جد الأسود وهو والد العلاء والد الأسود، على أنه وقع في البخاري في موضع منه عمرو بن أُسيد بن جارية بدون أبي سفيان فاستويا حقيقة.
فقوله: «بِمَعْشَر»، قلت: هو بفتح الميم، وإسكان العين، وبعده شين معجمة.
وقوله: «سِيَّان» هو بكسر السين المهملة، وتشديد المثناة تحت وآخره نون تثنية سي.
وقوله:
٩٠٣ - مُحَمَّدَ بْنَ خَازِمٍ لا تُهْمِلِ والِدَ رِبْعِيٍّ حِرَاِشٍ اهْمِل
٩٠٤ - كَذَا حَرِيْزُ الرَّحَبِي وكُنْيَهْ قَدْ عُلِّقَتْ وَابْنُ حُدَيْرٍ عِدَّهْ
الشرح: من ذاك «خَازِم» بالخاء المعجمة، والزاي، وبالحاء المهملة (١).
فالأول: محمد بن خازم أبو معاوية الضرير. والثاني: الأعرج أبو حازم.
وقوله: «والد رِبْعِي» (خ) من ذلك «حِراش» بكسر الحاء المهملة، وآخره شين [١٥٧ - ب] معجمة. وبكسر الخاء المعجمة (٢).
فالأول: والد رِبْعي، وليس في الكتب الثلاثة غيره.
والثاني: جماعة، منهم شهاب بن خراش.
_________________
(١) أي: وحازم.
(٢) أي: وخراش.
[ ٤٠١ ]
وقوله: «كذا» (خ) من ذلك «حَريز» بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وبعده مثناة تحت ساكنة، فزاي. وبفتح الجيم، وبرائين مهملتين (١).
فالأول: ابن عثمان الرحبي الحمصي، روى له البخاري، وأبو حريز عبد الله الأزدي قاضي سجستان، عَلَّق له البخاري، وهذا أراد بقوله «وكنيته قد عُلِّقَت».
والثاني: ما عداه، ومنهم جرير بن عبد الله البَجَلي، وجرير بن حازم.
وقوله: «وابن حُدَير» (خ) يعي: أنه ربما اشتبه بهذه الترجمة «حُدير» بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وآخره راء مهملة، وهم جماعة منهم عمران بن حُدير، روى له مسلم، وزيد وزياد ابنا حُدير، وقع ذكرهما في «المغازي» من البخاري، من غير رواية.
وقوله:
٩٠٥ - حُضَيْنٌ اعْجِمْهُ أَبُو سَاسَانَا وَافْتَحْ أَبَا حَصِيْنٍ اي عُثْمَانَا
٩٠٦ - كَذَاكَ حَبَّانُ بنُ مُنْقِذٍ وَمَنْ وَلَدَهُ، وابْنُ هِلاَلٍ وَاكْسِرَنْ
٩٠٧ - ابنَ عَطِيَّةَ مَعَ ابْنِ مُوسَى وَمَنْ رَمَى سَعْدًا فَنَالَ بُؤْسَا
الشرح: من ذلك: «حضين» بضم (٢) الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة،
_________________
(١) أي: وجرير.
(٢) في الأصل: بفتح. خطأ.
[ ٤٠٢ ]
وبعده مثناة تحت ساكنة، فنون. وبفتحها، وكسر الصاد المهملة (١)، وبضمها (٢).
فالأول: ابن المنذر أو سَاسَان، روى له مسلم.
قال المزي: لا نعلم في رواة العلم من اسمه كذلك سواه.
والثاني: أبو حَصين عثمان الأسدي [١٥٨ - أ]، حديثه فيهما.
قال الجبائي: ولا أعلم في الكتابين غير هذا.
والثالث: وهو الواقع في الكتب الثلاثة، ومنهم عمران بن حُصَين.
وقوله: كذاك «حبان» (خ)، من ذلك «حبان» بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة (٣). وبكسر الحاء المهملة (٤). وبفتح الحاء المهملة، وتشديد المثناة تحت (٥).
فالأول: ابن منقذ، له ذكر في «الموطأ» أنه كان عنده امرأتان، وابنه واسع بن حَبَّان، روى له مسلم. وابن هلال الباهلي حديثه فيهما.
والثاني: ابن عطية السلمي، له ذكر في البخاري في قصة حاطب، وابن موسى السلمي المروزي روى عنه الشيخان في «صحيحيهما».
_________________
(١) أي: حصين.
(٢) أي بضم الحاء: حُصَين.
(٣) أي: حَبَّان.
(٤) أي: حِبَّان.
(٥) أي: حَيَّان.
[ ٤٠٣ ]
وقوله: «ومن رمى سعدًا» (خ) يعني: أن بالكسر أيضًا ابن العَرِقَة، له ذكر في الصحيحين، في حديث عائشة أن سعد بن معاذ رماه رجل من قريش يُقال حِبَّان بن العرقة هذا هو المشهور، وحكى الأمير أن ابن عقبة ذكر في مغازيه أنه جبار بالجيم، قال: والأول أصح. والعَرِقَة هذه أمه، واختُلف في ضبطه، فالمشهور أنه بعين مهملة مفتوحة، فراء مكسورة، فقاف، فهاء تأنيث، وحكى الأمير عن الواقدي أنه بفتح الراء، والأول أشهر، وقيل لها ذلك لطيب رائحتها، واسمها قلابة بنت سُعَيد -بضم السين- وتكنى أم فاطمة، واسم أبيه حِبَّان بن قيس، أو بن أبي قيس، قولان.
وقوله:
٩٠٨ - خُبَيْبًا اعْجِمْ في ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنْ وابْنِ عَدِيٍّ وَهْوَ كُنْيَةً كَانْ
٩٠٩ - لابْنِ الزُّبَيْرِ وَرِيَاحَ اكْسِرْ بِيا أَبَا زِيَادٍ بِخِلاَفٍ حُكِيَا [١٥٨ - ب]
الشرح: ومن ذلك «خُبيب» بضم الخاء المعجمة، وفتح الموحدة، وإسكان المثناة تحت، وبعده باء موحدة. وبفتح الحاء المهملة (١).
فالأول: ابن عبد الرحمن بن خُبيب بن يِسَاف -بكسر الياء المثناة تحت، وبعده سين مهملة، وآخره فاء- الأنصاري حديثه فيهما، وفي «الموطأ».
وابن عدي، ذكره البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في سرية عاصم بن ثابت الأنصاري، وقَتْل خبيب القائل:
_________________
(١) أي: حَبيب.
[ ٤٠٤ ]
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنبٍ كان في الله مصرعي
وقوله: «وهو كنية». (خ) يعني: أنه كذلك في الكنية، كنية عبد الله بن الزبير، كنى بابنه خُبَيب بن عبد الله، وليس لابنه خُبيب ذكر في الكتب الثلاثة، وإنما روى له النسائي حديثًا واحدًا ولم يسمه، وإنما قال عن ابن عبد الله، وسماه غيره خُبيبًا.
وقوله: «ورياح» (خ) من ذلك «رياح» بكسر الراء، وبعده مثناة تحت، وفتح الراء، وبعده موحدة (١).
فالأول: والد زياد القيسي البصري، ويكنى أبا رياح لاسم أبيه، أو أبو قيس، وهو تابعي، له في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة حديثان:
أحدهما: حديث من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، والثاني: حديث: بادروا بالأعمال ستًا.
وقوله: «بخلافٍ» (خ) يعني أن كون هذا «رِياح» كما ذكره فيه خلاف، فقول الأكثرين وبه جزم عبد الغني والأمير ما ذكر، وحكى صاحب «المشارق» عن ابن [١٥٩ - أ] [الجارود] (٢) أنه بالموحدة وفتح الراء، وإن البخاري [ذكره] (٣) بالوجهين.
_________________
(١) أي: رَباح.
(٢) بياض في الأصل، تممناه من المصدر.
(٣) زيادة من المصدر.
[ ٤٠٥ ]
وقوله:
٩١٠ - وَاضْمُمْ حُكَيْمًا في ابْنِ عَبْدِ اللهِ قَدْ كَذَا رُزَيْقُ بْنُ حُكَيمٍ وَانْفَرَدْ
٩١١ - زُيَيْدٌ بْنُ الصَّلْتِ وَاضْمُمْ وَاكْسِرِ وَفي ابْنِ حَيَّانَ سَلِيمٌ كَبِّر
الشرح: من ذلك «حُكَيم» بضم الحاء مصغرًا، ومكبرًا (١)، فالأول ابن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمة القرشي المصري، روى له مسلم في «صحيحه» ثلاثة أحاديث، وسمي أيضًا الحُكَيْم. قال: وهو كذلك في بعض طرق حديثه. ووالد رُزَيْق بضم الراء -مصغرًا- الأيلي، والي أَيْلة لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن الحذَّاء أنه كان حاكمًا بالمدينة. ورُزَيق له ذكر في «الموطأ» في الحدود، روى مالك عن رُزَيق بن حُكيم أن رجلًا يقال له مصباحٌ القصة، وذكره البخاري في باب الجمعة في القرى والمدن. قال يونس كتب رُزيق بن حُكيم إلى ابن شهاب، وأنا يومئذٍ معه بوادي القُرى: هل ترى أن أُجَمِّع؟ ورُزيق يومئذٍ على أيْلة القصة.
وقوله: «زبيد».
(خ): من ذلك «زُييد» بضم الزاي وكسرها، وبعده مثناة تحت مصغرًا، وبالموحدة مصغرًا أيضًا (٢).
فالأول: ابن الصلت بن معدي كرب الكندي، ذكره في «الموطأ» من رواية هشام بن عروة عنه أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى
_________________
(١) أي: وحَكيم.
(٢) أي: زُبيد.
[ ٤٠٦ ]
الجُرُف فنظر فإذ هو قد أحتلم وحكى القصة.
وروى مالك أيضًا في «الموطأ» عن الصلت بن زُييد عن غير واحد من أهله أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب وهو بالشجرة [١٥٩ - ب] إلى جنبه كثير بن الصَّلت، قال عمر: ممن ريح هذا الطِّيب؟ القصة.
والصلب بن زُييد هذا تولى قضاء المدينة.
وقول ابن الحذاء أن أباه كان قاضي المدينة في زمان هشام. قال: شيخنا (ن) (١): وهم منه، والله تعالى أعلم.
وقوله: «وفي ابن حيان» (خ) من ذلك «سَليم» بفتح السين، وكسر اللام مكبرًا، وبضمها مصغرًا (٢).
فالأول: ابن حَيَّان، بفتح الحاء، وتشديد المثناة تحت، حديثه في الصحيحين، وليس فيهما غيره.
وقوله:
٩١٢ - وَابْنُ أَبي سُرَيْجٍ احْمَدُ إئْتَسَا بَوَلَدِ النُّعْمَانِ وَابْنِ يُونُسَا
الشرح: من ذلك «سُرَيج» بضم السين المهملة، وآخره جيم. وبضم الشين المعجمة، وآخره حاء مهملة (٣).
_________________
(١) (٢/ ٢٤٢).
(٢) أي: سُلَيم.
(٣) أي: شريح.
[ ٤٠٧ ]
فالأول: أحمد بن أبي سُرَيج، روى عنه البخاري في «صحيحه»، واسم أبي سُرَيج: الصَّبَّاح.
وابن النعمان، روى عنه البخاري أيضًا.
وابن يونس حديثه في الصحيحين، وهو آخر من سمع منه مسلم. روى عنه البخاري بواسطة.
قوله: «ائتسا» أي له أسوة بمن ذُكر في كونه بالسين المهملة، والجيم.
وقوله:
٩١٣ - عَمْرٌو مَعَ القَبِيلَةِ ابْنُ سَلِمَهْ وَاخْتَرْ بِعَبْدِ الخَالِقِ بْنِ سَلَمَهْ
الشرح: من ذلك «سلمة» بكسر اللام وفتحها (١).
فالأول: عمرو بن سَلِمة الجَرْمي إمام قومه، وفي صحبته خلاف. وكذلك القبيلة بنو سَلِمة الأنصاري. واختلف في عبد الخالق بن سلمة أحد من روى له مسلم [١٦٠ - أ]، وليس عنده إلا حديث واحد في قدوم وفد عبد القيس وسؤالهم عن الأشربة، فقال فيه يزيد بن هارون: بفتح اللام، وقال ابن عُلَيَّة بكسرها، وعلى الوجهين الأمير.
وقوله: «واختر» أي: إن شئت كما قررنا (٢).
_________________
(١) أي: سَلِمة، وَسَلَمة.
(٢) أي: إن شئت فتحته وإن شئت كسرته.
[ ٤٠٨ ]
وقوله:
٩١٤ - وَالِدُ عَامِرٍ كَذَا السَّلْمَانِي وَابْنُ حُمَيْدٍ وَوَلَدْ سُفْيَان
٩١٥ - كُلُّهُمُ عَبِيْدَةٌ مُكَبَّرُ لَكِنْ عُبَيْدٌ عِنْدَهُمْ مُصَغَّرُ
الشرح: من ذلك عبيدة بفتح العين، وضمها، وفي آخره هاء التأنيث (١).
والأول أربعة في الكتب الثلاثة:
عامر بن عَبيدة الباهلي، وضبطه المهلب بضم العين، ووهمه صاحب «المشارق»، ووقع ذكره في البخاري في كتاب «الأحكام».
والثاني: ابن عمرو السلماني، في حديثه فيهما.
الثالث: ابن حُميد، روى له البخاري.
والرابع: ابن سفيان الحضرمي حديثه في «الموطأ» و«صحيح مسلم»، وليس له عندهما إلا حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة في تحريم كل ذي ناب من السباع، وفي «صحيح البخاري» أن الزبير قال: لقيت يوم بدر عَبيدة بن سعيد بن العاصي الحديث، والمعروف فيه الضم، وذكر في «المشارق» أن البخاري ذكره بالضم، وأنه حكى عنه الحميدي الفتح والضم.
وقوله: «لكن» (خ) من ذلك عبيد بضم العين وفتحها، بلا هاء آخره (٢).
فالأول: جميع ما في الكتب الثلاثة حيث وقع، والثاني اسم جماعة من
_________________
(١) أي: عَبيدة وعُبَيدة.
(٢) أي: عُبيد وعَبيد.
[ ٤٠٩ ]
الشعراء: ابن الأبرص وابن قُماص بضم القاف [١٦٠ - ب]، وآخره صاد مهملة، وفي الصحابة جماعة نسبوا إلى عوف بن عَبيد بن عويج، وليس في الثلاثة شيء منه.
وقوله:
٩١٦ - وَافْتَحْ عَبَادَةَ أبَا مُحَمَّدِ وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ عُبَادًا أَفْرِد
الشرح: من ذلك «عَبَادة» بفتح العين، والموحدة، وآخره هاء. وبضم العين (١).
فالأول: محمد بن عَبَادة الواسطي، شيخ البخاري، وليس فيهما غيره.
والثاني بقية الموجود في الكتب الثلاثة.
وقوله: «واضمم» (خ) من ذلك «عُباد» بضم العين، وتخفيف الموحدة. وبفتح العين، وتشديد الموحدة (٢).
فالأول: قيس بن عُبَاد القيسي الضُّبَعي البصري، حديثه فيهما، وليس فيهما غيره، وقوله:
٩١٧ - وعَامِرٌ بَجَالةُ بنُ عَبْدَهْ كُلٌّ وَبَعْضٌ بِالسُّكُونِ قَيَّدَهْ
الشرح: من ذلك «عَبَدة» بفتح العين، والموحدة، وآخره هاء. وبإسكان
_________________
(١) أي: عُبَادة.
(٢) أي: عَبَّاد.
[ ٤١٠ ]
الباء (١).
فالأول: اسمان عامر بن عَبَدة البجلي الكوفي، روى له مسلم في مقدمة الصحيح، عن ابن مسعود قوله: «إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم » الحديث، كذا ذكره ابن المديني، وابن معين، والجيَّاني، والصيرفي (٢)، وابن الحذَّاء، وبه صدَّر الدارقطني، والأمير كلاميهما، وحكيا أنه قُيِّدَ بالسكون.
قال صاحب «المشارق»: وحُكي لنا عن بعض شيوخنا «عَبْد» بغير هاء، قال: وهو وهم.
والثاني: بجالة بن عَبَدَة التميمي، ثم العنبري البصري، روى له البخاري في كتاب «الجزية»، قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية [١٦١ - أ] فجاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة الحديث. وقيده بالفتح الدارقطني، والجيَّاني، والأمير، وحَكَى صاحب «المشارق» أنه ذكره كذلك البخاري في «تاريخه»، وأصحاب الضبط، وقال فيه الباجي: عَبْدَة.
والثاني: «عَبْدَة» بالإسكان، بقية ما في الكتب الثلاثة.
وقوله: «وبعضٌ» (خ)، قال (ن) (٣): أي في كل واحدٍ من الاسمين جميعًا.
_________________
(١) أي: عَبْدَة.
(٢) في المصدر: الصدفي.
(٣) (٢/ ٢٤٨).
[ ٤١١ ]
وقوله:
٩١٨ - عُقَيْلٌ القَبِيْلُ وَابْنُ خَالِدِ كَذَا أبُو يَحْيَى وَقَافِ وَاقِد
٩١٩ - لَهُمْ كَذَا الأَيْليُّ لاَ الأُبُلِّي قَالَ: سوَى شَيْبَانَ وَالرَّا فَاجْعَل
٩٢٠ - بَزَّارًا انْسُبْ ابْنَ صَبَّاحٍ حَسَنْ وَابْنَ هِشَامٍ خَلَفًا، ثُمَّ انْسُبَنْ
٩٢١ - بالنُّونِ سَالِمًا وَعَبْدَ الوَاحِدْ ومَالِكَ بنَ الأَوْسِ نَصْرِيًّا يَرِدْ
الشرح: من ذلك «عُقَيل» بضم العين، وفتح القاف. وبفتح العين، وكسر القاف (١).
فالأول: بنو عُقَيل القبيلة المعروفة، لهم ذِكر في حديث عِمران بن حُصين عند مسلم: كانت ثقيف حُلفاء لبني عُقيل فذكر حديث العَضْبَاء وأنها كانت لرجل من بني عُقيل.
وقوله: «وابن خالد» أي: وكذلك عُقَيل بن خالد الأَيْلي، حديثه فيهما.
وكذا أبو يحيى بن عقيل الخزاعي البصري، روى له مسلم.
وقوله: «وقاف» (خ) من ذلك «وَاقد» بالقاف، وبالفاء (٢). الأول جميع ما في الكتب الثلاثة، والثاني ليس هو في الكتب الثلاثة. ومنهم وافد بن موسى الذَّارع.
وقوله: «كذا» (خ) من ذلك الأَيْلي بفتح الهمزة، وإسكان المثناة تحت.
_________________
(١) أي: عَقيل.
(٢) أي: واقد.
[ ٤١٢ ]
وضم الهمزة، والموحدة بعدها (١).
فالأول: هارون بن سعيد، ويونس بن يزيد، وجماعة وليس فيها [١٦١ - ب] الثاني.
كذا قال عياض، وتعقبه ابن الصلاح بأن مسلمًا روى كثيرًا عن شيبان بن فروخ، وهو أُبُلِّي بالباء الموحدة.
وقوله: «والراء فاجعل» من ذلك البزار براء مهملة آخره، وزاي (٢).
فالأول: الحسن بن الصباح، من شيوخ البخاري. وخلف بن هشام، من شيوخ مسلم.
قال ابن الصلاح: لا نعلم فيهما إلا هما.
والثاني جماعة، ومنهم محمد بن عبد الرحيم المعروف بصاعقة.
وقوله: «ثم انسُبَنْ» (خ) من ذلك «النَّصْري» بالنون. والباء الموحدة، والصاد المهملة (٣).
فالأول: ثلاثة:
سالم مولى النصرييين مولى مالك بن أوس النصري، روى له مسلم.
وعبد الواحد بن عبد الله النصري، له في صحيح البخاري حديث واحد،
_________________
(١) أي: الأُبُلِّي.
(٢) أي: والبزاز.
(٣) أي: والبَصْرِي.
[ ٤١٣ ]
عن واثلة ابن الأسقع في أعظم الفِرى.
ومالك بن أَوْس بن الحَدَثان النَّصْري، مخضرم، وفي صحبته خلاف، حديثه فيهما.
والثاني بقية ما فيهما.
وقوله:
٩٢٢ - وَالتَّوَّزِيْ مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ وَفِي الجُرَيْرِيْ ضَمُّ جِيْمٍ يَأْتِي
٩٢٣ - فِي اثْنَيْنِ: عَبَّاسٍ سَعِيْدٍ وَبِحَا يَحْيَى بْنِ بِشْرِ بنِ الحَرِيْريْ فُتِحَا
الشرح: من ذلك «التَّوَّزي» بفتح التاء المثناة فوق، وتشديد الواو المفتوحة، وبعده زاي. وبفتح المثلثة، وإسكان الواو وبالراء (١).
فالأول: أبو يعلى محمد بن الصَّلت من تَوَّز [من] (٢) بلاد فارس، روى عنه البخاري في كتاب الرِّدَّة حديث العُرنيين، وليس فيها غيره.
والثاني من عداهُ، ومنهم أبو يعلى الثوري منذر بن يعلى، حديثه فيهما.
وقوله: «وفي الجُرَيْري» [١٦٢ - أ] (خ)، من ذلك «الجُرَيْري» بضم الجيم. وبفتح الحاء المهملة (٣).
فالأول: نسبة إلى جُرير مصغرًا، وهو جُرير بن عُباد، بضم العين،
_________________
(١) أي: الثوري.
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) أي: والحريري.
[ ٤١٤ ]
وتخفيف الموحدة، وهو عَبَّاس من فَرُّوخ الجُرَيري، حديثه في الصحيحين.
وكذا إذا أورد فيهما الجُريري غير مسمى عن أبي نضرة فالمراد به: سعيد.
والثاني: يحيى بن بشر الحريري، روى عنه مسلم في «صحيحه»، وهو شيخ البخاري ومسلم في ما نصه في «المشارق»، والجياني في «التقييد»، تبعًا للحاكم بن عبد الله، وكذا الكلاباذي.
قال شيخنا (ن) (١): ولم يُخَرِّج له البخاري شيئًا، إنما خرج ليحيى بن بشر البلخي، فجعلهما الجياني والكلاباذي واحدًا وهو وهم منهما وممن تبعهما، وهما رجلان اختلفا بلدًا ووفاةً على ما أشار إلى ذلك أبو حاتم، والخطيب في «المتفق»، وبه جزم المزي في «التهذيب».
وقوله:
٩٢٤ - وَانْسُبْ حِزَامِيًّا سِوَى مَنْ أُبْهِمَا فَاخْتَلَفُوا وَالْحَارِثِيُّ لَهُمَا
٩٢٥ - وَسَعْدٌ الْجَارِي فَقَطْ وفِي النَّسَبْ هَمْدَانُ وَهْوَ مُطْلَقًا قِدْمًا غَلَبْ
الشرح: من ذلك «الحزامي» بكسر الحاء المهملة وبعده زاي. وبفتح الحاء والراء (٢).
فالأول جماعة منهم: إبراهيم بن منذر الحزامي، والضحاك بن عثمان.
وقوله: «سوى» (خ) من الزيادات علي بن الصلاح، يعني سوى من وقع
_________________
(١) (٢/ ٢٥٣).
(٢) أي: والحَرامي.
[ ٤١٥ ]
في الصحيح وأبْهم اسمُه فلم يُسَم، بل فيه فلان الحزامي، فإن فيه خلافًا، ففي مسلم آخر الكتاب في حديث أبي اليسر قال [كان] (١) لي علي فلان بن فلان الحزامي مالٌ، فأتيت أهلَه الحديث، فرواه أكثر الرواة -كما نصه عياض- بحاء مهملة [١٦٢ - ب] مفتوحة، وراء، وعند الطبري بكسر الحاء والزاي.
وقوله: «والحارثي» (خ) من ذلك الحارثي بالحاء المهملة، والمثلثة. وبالجيم، والراء، وبعده مثناة تحت (٢).
فالأول: جميع ما وقع فيهما، ومنهم: أبو أمامة الحارثي، له صحبة ورواية عند مسلم في كتاب «الإيمان» -بكسر الهمزة- في حديث: «من اقتطع حق امرئ مسلم » الحديث.
والثاني: «سعد» روى له مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم، عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: سألت ابن عمر عن الحيتان يقتل بعضهم بعضًا (ح).
واختلف في نسبته، وقيل (٣) إلى جده فيما نصه صاحب «المشارق»، وقال ابن الصلاح إلى الجار مُرْفَأ السفن بساحل المدينة.
والمرفأ بضم الميم، وإسكان الراء المهملة، وفتح الفاء، مهموز مقصور.
قال في «الصحاح»: أرفأتُ السفينة إذا قَرَّبَتُها من الشط، قال: وذلك
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) أي: والجاري.
(٣) كذا، والأنسب: فقيل.
[ ٤١٦ ]
الموضع مُرْفَأ، وقال الذهبي في «المشتبه» الجار موضع بالمدينة.
وقوله: «في النَّسَب» (خ) من ذلك «الهمْدَاني» بإسكان الميم، وبالدال المهملة. وبفتحها وبالذال المعجمة (١).
فالأول المنسوبون إلى قبيلة هَمْدَان، وهو جميع ما في الكتب الثلاثة.
قال ابن الصلاح: «وليس فيهما الهَمَذَاني» يعني: بفتح الميم، وبالذال المعجمة.
قال صاحب «المشارق»: لكن فيها من هو من مدينة هَمَذَان ببلاد الجيل غير منسوب، نعم في البخاري ومسلم: ابن سالم الهَمْداني، وضبطه الأصيلي بسكون الميم بخط يده، وهو الصحيح.
قال: ووجدته في بعض النسخ للنسفي بفتح الميم، وبذال معجمة، وهو وهم، وإنما [١٦٣ - أ] نَسَبُهُ نَهْدي، ويعرف بالجُهَني، لأنه كان نازلًا فيهم.
والثاني: أبو أحمد المَرَّار بن حَمُّويه، يقال إن البخاري حدث عنه أبي غسان في كتاب «الشروط» قاله الجيَّاني.
قال شيخنا (٢): ليس في جميع نسخ البخاري ذِكْرُ نسبه، والذي في أكثر الروايات: أبو أحمد، لم يَزِد على كنيته، وفي رواية أبي ثنا [ذر] (٣): أبو أحمد
_________________
(١) أي: الهَمَذاني.
(٢) (٢/ ٢٥٧).
(٣) زيادة من المصدر.
[ ٤١٧ ]
مَرَّار بن حَمُّويه عن أبي غسان محمد بن يحيى كرواية البخاري (١). وقيل إن أبا أحمد غير المَرَّار، والله تعالى أعلم.
وقوله: «قِدْمًا» (خ) يعني أن الهَمْدَاني في المتقدمين بسكون الميم أكثر، وبفتحها في المتأخرين أكثر.
وقوله: «مُطْلَقًا» أي: لا يتقيد بالكتب الثلاثة.
وخرج عن الغالب: أبو العباس أحمد بن سعيد بن عُقدة الهَمْدَاني فإنه متأخِّر، وأبو الفضل محمد بن محمد بن عطاف الهمداني بعد الخمسمائة، وجعفر بن علي الهَمْدَاني، وعلي بن عبد الصمد السخاوي الهمداني، وأبو إسحاق بن أبي الدم الهمداني قاضي حَماة، وجماعة ذكرهم في الشرح (٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) عبارة الناظم (٢/ ٢٥٧): وفي رواية أبي ذر: حدثنا أبو أحمد مَرَّار بن حَمُّويه، ويؤكد أنه المرار بن حمويه: أن موسى بن هارون الحمال روى هذا الحديث عن مرار بن حمويه، عن أبي غسان محمد بن يحيى كرواية البخاري.
(٢) (٢/ ٢٥٧).
[ ٤١٨ ]
المتفق والمفترق
قوله:
٩٢٦ - وَلَهُمُ الْمُتَّفِقُ الْمُفْتَرِقُ مَا لَفْظُهُ وَخَطُّهُ مُتَّفِقُ
٩٢٧ - لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ لِعِدَّةِ نَحْوَ ابْنِ أحْمَدَ الْخَلِيْلِ سِتَّة
الشرح: من أنواع الحديث «المتفق والمفترق»، وهو: ما اتفق خطَّه ولفظُه، وافترق مسمياته. وأفرده الخطيب بمؤلَّف نفيس فاتَه فيه بعض تراجم.
وهو أقسام ثمانية:
الأول: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم [١٦٣ - ب] كالخليل بن أحمد ستة، ذكر الخطيب منهم اسمين فقط أولهم شيخ سيبويه، وهو أبو عبد الرحمن الأزدي البصري النحوي، صاحب العَرُوض، وأول من استخرجه، وصاحب كتاب «العين» في اللُّغة. روى عن عاصم الأحول وجماعة. وثقه ابن حبان في «الثقات». وهو أول من سُمي في الإسلام أحمد بن الخليل بن أحمد (١).
قال المبرِّد: فتش المفتشون فما وجدوا بعد نبينا ﷺ من اسمه أحمد قبل أبي الخليل أحمد.
قال شيخنا: واعترض عليه بأبي السفر سعيد بن أحمد فإنه أقدم، وأجيب
_________________
(١) كذا وقعت العبارة وفيها خطأ ظاهر.
[ ٤١٩ ]
بأن أكثر أهل العلم يقولون فيه «محمد»، وقاله بن معين: «أحمد».
والثاني: الخليل بن أحمد المزني، أبو بشر بصري، يروي عن المستنير بن أخضر، روى عنه محمد بن أبي سمينة، والمسندي عبد الله بن محمد، وغيرهما، ذكره أيضًا ابنُ حبان في «الثقات».
والثالث: الخليل بن أحمد، بصري أيضًا، يروي عن عكرمة، ذكره الهروي أبو الفضل في «مشتبه أسماء المحدثين» فيما حكاه صاحب «التلقيح» ابن الجوزي عن خط شيخه عبد الوهاب الأنماطي عنه.
قال شيخنا (ن) (١): وأخشى أن يكون هذا النَّحْوي؛ فإنه روي عن غير واحدٍ من التابعين.
والرابع: أبو سعيد السِّجْزي الفقيه الحنفي، قاضي سَمَرْقند، حدث عن البغوي، وسمع منه الحاكم.
والخامس: أبو سعيد البُستي القاضي المهلَّبي، حدث عنه البيهقي.
والسادس: الفقيه أبو سعيد الشافعي، ذكره الحُميدي في «الجذوة»، وابن بشكوال في «الصلة»، وقال: قَدِمَ [١٦٤ - أ] الأندلس من العراق في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وروى عن أبي محمد بن النحاس بمصر، وأبي حامد الإسفرائيني، وابن القصار، والجوهري أبي القاسم [ذكره الخولاني] (٢)، وقال: كان أديبًا نبيلًا ثبتًا صدوقًا، وذكر عنه بسنده إلى أبي بكر الهذلي، قال: سمعت
_________________
(١) (٢/ ٢٦٠).
(٢) زيادة من «الصلة».
[ ٤٢٠ ]
الزهري يتمثل بهذين البيتين:
النفس هاربة والموت يطلبها وكل عثرة رجل عندها زللُ
والمرء يسعى بما يسعى لوارثه والقبر وارث ما يسعى له الرجل
انتهى.
قال شيخنا: ووهم ابن الصلاح فأدخل الخليل بن محمد الأصبهاني، وزعم أنه ابن أحمد تبعًا لابن الجوزي، وأبي الفضل الهروي، فلذلك أسقطه (ن)، وجعل مكانه في (ش) (١) البصري الراوي عن عكرمة، وزاد (ن)، علي بن الصلاح في (ش) وهم (٢): البغدادي، والشاعر المصري (٣)، والجوسقي الصرصري.
وقوله:
٩٢٨ - وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَجَدُّهُ حَمْدَانُ هُمْ أَرْبَعَةٌ تَعُدُّهُ
الشرح: من القسم الثاني، وهو: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، مثل أحمد بن جعفر بن حمدان، وهم أربعة متعاصرون، كلٌّ منهم يروي عن من اسمه عبد الله.
الأول: القطيعي أبو بكر، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل «المسند».
والثاني: أبو بكر السَّقَطي، عن عبد الله بن أحمد الدَّوْرَقي، وجاوز المائة.
_________________
(١) (٢/ ٢٦١).
(٢) أي: والذين زادهم هم
(٣) في الأصل: البصري. خطأ، والتصحيح من المصدر.
[ ٤٢١ ]
والثالث: الدِّيْنَوَري، عن عبد الله بن محمد بن سنان.
والرابع: الطَّرَسوسي، عن عبد الله بن جبير (١) الطَّرَسوسي.
وقوله: [١٦٤ - ب]
٩٢٩ - وَلَهُمُ الجَوْنيْ أَبُوْ عِمْرانَا اثْنَانِ والآخِرُ مِنْ بَغْدَانَا
الشرح: القسم الثالث من اتفق (٢) كنيتهم ونسبتهم دون الاسم، مثل: أبي عمران الجوني اثنان:
عبد الملك التابعي البصري المشهور. وأبو عمران موسى بن سهل البصري، متأخر الطبقة سكن بغداد، و«بغدان» بالنون لغة فيه.
وقوله:
٩٣٠ - كَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ هُمَا مِنَ الأَنْصَارِ ذُوْ اشْتِبَاه
الشرح: القسم الرابع من اتفقت أسماؤهم، وأسماء آبائهم، ونسبتهم.
مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري، رجلان متقاربان في الطبقة، وهما: القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك من شيوخ البخاري، وصاحب الجزء المشهور.
وأبو سلمة محمد، ضعفه العقيلي، والحاكم، وابن حبان، وغيرهم، وجاوز المائة.
_________________
(١) في المصدر: جابر.
(٢) كذا.
[ ٤٢٢ ]
وقوله:
٩٣١ - ثُمَّ أَبُوْ بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ لَهُمْ ثَلاَثَةٌ قَدْ بَيَّنُوا مَحَلَّهُمْ
الشرح: القسم الخامس: من اتفقت كناهم، وأسماء آبائهم، وهم: أبو بكر بن عياش ثلاثة:
الأول: ابن سالم الأسدي المقري، راوي قراءة عاصم.
والثاني: الحمصي، ولم يوثق.
والثالث: السُّلَمي، واسمه حسين، يروي عن جعفر بن بُرْقَان، وكان فاضلًا أديبًا، وصنف في غريب الحديث.
وقوله:
٩٣٢ - وَصَالِحٌ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ ابْنُ أبي صَالِحٍ أتْبَاعُهُمْ
الشرح: القسم السادس عكس الذي قبله: أن تتفق أسماؤهم وكنى [١٦٥ - أ] آبائهم، مثل صالح بن أبي صالح، وهم أربعة:
الأول: مولى التوأمة، روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، وغيرهم من الصحابة، واختلف في الاحتجاج به.
والثاني: ابن السمان، يروي عن أنس، روى له (م) و(ت) (١) حديثًا واحدًا.
والثالث: السدوسي، يروي عن عائشة.
_________________
(١) أي: مسلم والترمذي.
[ ٤٢٣ ]
والرابع: مولى عمرو بن حُريث، يروي عن أبي هريرة، وذكر له (ت) حديثًا، ضعفه ابن معين، وجهله (ن) (١).
وقوله:
٩٣٣ - وَمِنْهُ مَا فِي اسْمٍ فَقَطْ وَيُشْكِلُ كَنَحْوِ حَمَّادٍ إذَا مَا يُهْمَلُ
٩٣٤ - فَإِنْ يَكُ ابْنُ حَرْبٍ اوْ عَارِمُ قَدْ أَأطْلَقَهُ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ أَوْ وَرَدْ
٩٣٥ - عَنِ التَّبُوْذَكِيِّ أَوْ عَفَّانِ أَوْ ابْنِ مِنْهَالٍ فَذَاكَ الثَّانِي
الشرح: القسم السابع: من اتفق في الاسم والكنية، وافترق عند الإطلاق، فمثاله في الاسم أن يطلق في الإسناد «حماد» من غير أن يُنسب، هل هو ابن زيد أو ابن سلمة؟ ويتميز ذلك بحسب من أَطْلَقَ الرواية عنه، فإن كان الذي أطلق الرواية عنه سُليمان بن حرب أو عارم فهو: ابن زيد، وإن كان أبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي فهو ابن سلمة، وكذا إن أطلقه عفان لرواية الذهلي محمد بن يحيى عن عفان أنه قال: إذا قلت لكم حدثنا حماد ولم أنسبه فهو ابن سلمة.
وكذا إذا أطلق ذلك حجَّاج بن منهال، فالمراد: ابن سلمة.
وقوله: «فذاك الثاني» يعني به حماد بن سلمة، وقيل له الثاني، يعني: في الذِّكر، لتقدم ابن زيد عليه قبله، وإلا فابن سلمة أقدم وفاةً من ابن زيد والتبوذكي [١٦٥ - ب].
_________________
(١) أي: النسائي.
[ ٤٢٤ ]
وقوله:
٩٣٦ - وَمِنْهُ مَا فِي نَسَبٍ كالْحَنَفِي قَبِيْلًا اوْ مَذْهَبًا او باليا صِف
الشرح: القسم الثامن منه (١): أن يتفقا في النسبة خاصة، وهو كثير، ولمحمد بن طاهر المقدسي في هذا القسم تصنيفٌ حسن، مثل: الحنفي والحنفي، فاللفظ واحد، وأحدهما منسوب إلى القبيلة، وهم بنو حنيفة، منهم: أبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد، وأخوه أبو علي عبيد الله، أخرج لهما الشيخان.
والثاني: منسوب إلى مذهب أبي حنيفة.
وقوله: «أو بالياء صف» يعني: إذا نَسَبْتَ إلى المذهب فزد ياءً، فقل «حنيفي»، تفرقةً بين المذهب والقبيلة، وعلى هذا جماعة من المحدثين، ومنهم محمد بن طاهر المقدسي.
قال ابن الصلاح: ولم أجد ذلك عن أحدٍ من النحويين إلا عن أبي بكر بن الأنباري نص عليه في «الكافي».
_________________
(١) في الأصل: من.
[ ٤٢٥ ]
تلخيص المتشابه
قوله:
٩٣٧ - وَلَهُمُ قِسْمٌ مِنَ النَّوْعَيْنِ مُرَكَّبٌ مُتَّفِقُ الَّلَفظَيْن
٩٣٨ - فِي الاسْمِ لَكِنَّ أَبَاهُ اخْتَلَفَا أَوْ عَكْسُهُ أوْ نَحْوُهُ وَصَنَّفَا
٩٣٩ - فِيْهِ الْخَطِيبُ نَحْوُ مُوسَى بنِ عليْ وَابْنِ عُلَيٍّ وَحَنَانَ الأَسَدِيْ
الشرح: هذا النوع مُرَكَّب من النوعين الذي قبله، وهو أن يتفق الاسمان في اللفظ والخط، ويفترقا في الشخص، ويأتلف أسماء أبويهما في الخط، ويختلفان في اللفظ، أو على العكس بأن يأتلف الاسمان خطًا، ويختلفا لفظًا، وتتفق أسماء أبويهما أو نحو ذلك، بأن يتفق الاسمان أو [١٦٦ - أ] الكنيتان لفظًا، وما أشبه ذلك (١)، وقد أفرد [في] (٢) ذلك الخطيب كتابه المسمى بـ «تلخيص المتشابه»، وهو من أحْسَن كتبه.
وقوله: «نحو موسى» (خ) هذا مثال الأول: وهو موسى بن عَلي، وموسى بن عُلَي، فالأول: بفتح العين مكبرًا وهم جماعة متأخرون، ليس في الكتب
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) كذا في الأصل، وإذا كان هذا كلام المصنف ولم يحدث فيه سقط، فهو اختصار مُخِلّ، حيث اقتصر على إيراد أربع صور فقط من الصور الست لهذا النوع التي ذكرها الناظم في الشرح، وبعض ما سيأتي من أمثلة متعلقٌ بالجزء المحذوف، فكان يلزمه ذكر باقي الصور هنا.
[ ٤٢٦ ]
منهم أحدٌ.
والثاني: بضم العين مُصَغَّرًا ابن رَبَاح اللَّخمي المصري، أمير مصر اشتهر بضم العين، وصحَّحَ البخاري وصاحب «المشارق» الفتح، ورويَ عنه أنه قال من قال لي موسى بن عُلَي لم أجعله في حل.
واختلف في سبب تصغيره، فقيل كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه «عَلي» قتلوه، فبلغ ذلك رباحًا فقال هو عُلَي.
وقال ابن حبان في «الثقات»: كان أهل الشام يجعلون كلَّ علي عندهم عُليًا لبغضهم عليًا رضي الله تعالى عنه.
وقوله: «أو عكسه»، يعني عكس الأول.
ومثاله: سُرَيج بن النعمان، وشريح بن النعمان، فالأول: اللؤلؤي البغدادي، روى عنه البخاري، وروى له أصحاب السنن الأربعة.
والثاني: الكوفي التابعي له في السنن الأربعة حديث واحد عن علي بن أبي طالب.
ومثال الثالث: محمد بن عبد الله المُخَرِّمي ومحمد بن عبد الله المَخْرَمي، فالأول بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة، وهو محمد بن عبد الله، قاضي حُلْوان، روى عنه البخاري و(د) و(ن) (١).
والثاني: بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، محمد بن
_________________
(١) أي: وأبو داود والنسائي.
[ ٤٢٧ ]
عبد الله، وروى عن الشافعي.
ومثال الرابع: أبو عمرو الشيباني [١٦٦ - ب] بالشين المعجمة، وبالسين المهملة (١).
فالأول جماعة منهم سعيد بن إياس الكوفي التابعي حديثه في الكتب الستة.
والثاني: زُرعة التابعي الشامي، عم الأوزاعي، له عند البخاري في كتاب «الأدب» حديث واحد موقوف على عقبة بن عامر.
وقوله: «وحَنَان» (خ)، هذا مثال الخامس، وهو حَنَان الأسدي، وحيان الأسدي، فالأول بفتح الحاء المهملة، وتخفيف النون، وآخره نون، البصري، يروي عن أبي عثمان النهدي حديثًا مرسلًا.
والثاني: بتشديد الياء المثناة تحت، وهو أبو الهيَّاج التابعي الكوفي، له في «صحيح مسلم» حديث عن علي في الجنائز.
ومثال السادس: أبو الرِّجال الأنصاري وأبو الرَّحَّال الأنصاري، فالأول بكسر الراء، [وتخفيف الجيم، اسمه محمد بن عبد الرحمن مدني، روى عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن وغيرها، حديثه في الصحيحين.
والثاني: بفتح الراء] (٢)، وتشديد الحاء المهملة بصري، واسمه محمد بن خالد، روى له (ت) حديثًا واحدًا عن أنس، وهو ضعيف.
_________________
(١) أي: وأبو عمرو السيباني.
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٤٢٨ ]
المشتبه المقلوب
قوله:
٩٤٠ - وَلَهُمُ المُشْتَبَهُ المَقْلُوْبُ صَنَّفَ فِيْهِ الحَافِظُ الخَطِيْبُ
٩٤١ - كابْنِ يَزِيْدَ الاسْوَدِ الرَّبَّانِيْ وَكَابْنِ الاسْوَدِ يَزِيْدَ اثْنَان
الشرح: هذا النوع في المتشابهين في الاسم واسم الأب المتمايزين في التقديم والتأخير فيقع الاشتباه فيه ذهنًا لا خَطًّا، وذلك أن يكون اسم أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطًا ولفظًا، واسم الآخر كاسم أبي الأول، فينقلب على بعض أهل الحديث، كما انقلب على البُخاري ترجمة مسلم بن الوليد المدني، فجعله الوليد بن مسلم [١٦٧ - أ] كالوليد بن مسلم الدمشقي المشهور، وخطأه ابن أبي حاتم في كتابه الذي صنفه في خطأ البخاري في «تاريخه» حكاه عن أبيه، وصنف فيه الخطيب «رافع الارتياب عن المقلوب من الأسماء والأنساب».
مثاله: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، فالأول النخعي المشهور، وخال إبراهيم النخعي، من كبار التابعين وعلمائهم، حديثه في الستة.
والثاني: يزيد بن الأسود الخزاعي، له صحبة، وله في السنن حديث واحد.
ويزيد بن الأسود الجُرَشي، تابعي مخضرم، يكنى أبا الأسود، سكن
[ ٤٢٩ ]
الشام، واستسقوا به فَسُقوا في الوقت، حتى كادوا لا يبلغون منازلهم.
فقوله: «الرباني» هو العالم العامل المعلم.
وقال في «الصِّحَاح»: المتأله والعارف بالله.
وكان الأسود يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وسافر ثمانين حجة وعمرة من الكوفة لم يجمع بينهما.
وقوله: «اثنان» يُريد أن يزيد اثنان، كما قررنا.
[ ٤٣٠ ]
من نُسِبَ إلى غير أبيه
قوله:
٩٤٢ - وَنَسَبُوا إِلَى سِوَى الآبَاءِ إمَّا لأُمٍّ كَبَنِيْ عَفْرَاء
٩٤٣ - وَجَدَّةٍ نَحْوُ ابنِ مُنْيَةٍ، وَجَدْ كَابْنِ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٍ وَقَدْ
٩٤٤ - يُنْسَبُ كَالمِقْدَادِ بالتَّبَنِّيْ فَلَيْسَ للأَسْوَدِ أَصْلًا بِابْن
الشرح: هذا النوع فيمن نُسِبَ إلى غير أبيه، وهو أنواع:
الأول: من نُسِبَ لأمه كبني عَفْرَاء: معاذ، ومُعَوِّذ، وعَوْذ بالذال المعجة، أو بالفاء (١)، وعفراء أمهم بنت عبيد بن ثعلبة من بني النجار، وأبوهم الحارث بن رفاعة [١٦٧ - ب] من بني النجار، وشهد بنو عفراء بدرًا، قتل منهم بها اثنان: عوف، ومعوذ، وبقي معاذ إلى زمن عثمان، وقيل إلى زمن علي، فقتل بصفين.
وفي ذلك من الصحابة: بلال بن حَمَامة.
وفي التابعين: محمد بن الحنفية.
وصنف فيه الحافظ علاء الدين مغلطاي تصنيفًا حسنًا.
_________________
(١) أي: عوف.
[ ٤٣١ ]
قال شيخنا (ن) (١): هو عندي بخطه في ثلاث وستين ورقة.
(و) قوله: «وجَدَّه» القسم الثاني: من نُسب إلى جَدَّتِه، دنيا كانت أو عُليا كيعلى بن مُنْيَة الصحابي المشهور، اسم أبيه أمية، و«مُنْيَة» بضم الميم، وإسكان النون، وفتح المثناة تحت، وبعده هاء، أم أبيه، وقيل أمه، ورجَّحه المزي، وذكر ابن وضَّاح أن منية أبوه وهو وهم فيما حكاه صاحب «المشارق».
ومثال الجدة العليا: بشير بن الخَصَاصية الصَّحابي، واسم أبيه معبدٌ، والخصاصية أُمُّ الثالث من أجداده، وقيل: هي أمه فيما نصه ابن الجوزي في «التلقيح».
ومن ذلك ابن تيمية مجد الدين صاحب «المنتقى»، فيقال أن جدته من وادي التَّيْم.
(و) قوله: «وجَد» القسم الثالث: مَن نُسِب إلى جده، كأبي عبيدة بن الجَرَّاح عامر بن عبد الله بن الجراح، وحَمَل بنُ النابغة [هو] (٢) ابن مالك من النابغة.
وفيالأئمة: ابن جُرَيج عبد الملك بن العزيز بن جُرَيج.
ومثله: ابن الماجشون، وجماعات: كابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن يونس صاحب «تاريخ مصر»، وابن مسكين بمصر اشتهروا ببني مسكين من زمن [١٦٨ - أ] النسائي إلى زمننا هذا، وجَدُّهم
_________________
(١) (٢/ ٢٨٣).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٤٣٢ ]
الحارث بن مسكين أحد شيوخ النسائي.
وأصل ذلك قول النبي ﷺ: «أنا (١) ابن عبد المطلب».
وقول الأعرابي في «الصحيح»: أيكم ابن عبد المطلب (٢).
وقوله: «وقد يُنسب» (خ) القسم الرابع: من نُسِبَ إلى غير أبيه نَسَب تبني ونحوه، كالمقداد بن الأسود، ليس هو بابن الأسود، إنما كان في حجره وتَبَنَّاه فنُسِبَ إليه، واسم أبيه عمرو بن ثعلبة الكندي.
_________________
(١) في الأصل: «في ابن عبد المطلب».
(٢) وقعت بعد هذا الموضع من الأصل عبارة مقحمة لا تعلق لها بهذا الباب بل بباب معرفة الثقات والضعفاء بيت رقم (٩٨٤).
[ ٤٣٣ ]
المنسوبون إلى خلاف الظاهر
قوله:
٩٤٥ - وَنَسَبُوا لِعَارِضٍ كَالْبَدْرِيْ نَزَلَ بَدْرًا عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو
٩٤٦ - كَذَلِكَ التَّيْمِيْ سُلَيْمَانُ نَزَلْ تَيْمًا، وَخَالِدٌ بِحَذَّاءٍ جُعِلْ
٩٤٧ - جُلُوْسُهُ، وَمِقْسَمٌ لَمَّا لَزِمْ مَجْلِسَ عَبْدِ اللهِ مَوْلاَهُ وُسِمْ
الشرح: هذا النوع وهو أن يُنْسَب الراوي إلى مكان، أو وقعة به، أو قبيلة، أو صنعة، وليس الظاهر تلك النسبة مرادًا (١) بل لعارض عَرَض [من] (٢) نزوله ذلك المكان، أو تلك القبيلة، أو نحو ذلك.
مثاله: أبو مسعود البدري ليس ببدري (٣) فنُسب إليها ولم يشهد وقعتها عند الأكثرين، وعدَّهُ البخاري [١٦٨ - أ] ممن شهدها، وروى في «صحيحه» حديث عروة بن الزبير: «أخَّرَ المغيرة بن شعبة » الحديث.
وقوله: «كذلك» من ذلك أيضًاَ سليمان التيمي، نزل فيهم وليس منهم.
_________________
(١) كذا، ولعل صوابها: وليس ظاهر تلك النسبة مرادًا. وعبارة الناظم (٢/ ٢٨٥): وليس الظاهر الذي يسبق إلى الفهم من تلك النسبة مرادًا.
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) في الأصل: ليس ببدر.
[ ٤٣٤ ]
وقوله: «وخالد» (خ) يعني: أنه يقرب من ذلك خالد الحذَّاء، وهو خالد بن مهران، واختُلف في سبب انتسابه لذلك، فقيل -كما نَصَّهُ البخاري في «التاريخ» -: ما حذا نَعْلًا قط، إنما كان يجلس إلى حذَّاء فنسب إليه.
قلت: والحذاء: بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة، أظنه ممدود، انتهى.
وقوله: «ومِقْسَم» (خ) يعني ومن ذلك: مقسم مولى ابن عباس، هو مولى عبيد الله بن الحارث ونسب إلى ابن عباس لملازمته إياه.
[ ٤٣٥ ]
المبهمات
قوله:
٩٤٨ - وَمُبْهَمُ الْرُّوَاةِ مَا لَمْ يُسْمَى كَامْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ وَهْيَ أَسْمَا
٩٤٩ - وَمَنْ رَقَى سَيِّدَ ذَاكَ الحَيِّ رَاقٍ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيّ
٩٥٠ - وَمِنْهُ نَحْوُ ابْنِ فُلاَنٍ، عَمِّهِ عَمَّتِهِ، زَوْجَتِهِ، ابْنِ أُمِّه
الشرح: من أنواع الحديث: مَعْرِفَة الأسماء المبهمة في الحديث، أو الإسناد، من الرجال والنساء، وصنف فيه جماعة من الحفاظ، ومنهم عبد الغني، والخطيب، [وأبو القاسم] (١) ابن بشكوال، وهو أكبر كتاب فيه، جَمَعَ فيه ثلاثمائة حديث [و] (٢) واحدًا وعشرين حديثًا، ولم يرتب، ورتب الخطيب كتابه على الحروف في الشخص المبهم، وجملةُ ما فيه مائة وأحد وسبعون حديثًا اختصره [١٦٩ - أ] النووي ورتبه على الحروف في راوي الحديث، وهو أسهل للكشف، وزاد فيه بعض أسماء، وهذا النوع يعرف بوروده مسمىً في بعض الروايات، أو بتنصيص أهل السير على كثير منهم، وهو أقسام:
الأول: أبهمها رجل أو امرأة، ومنه: حديث عائشة: «أن امرأة سألت النبي
_________________
(١) العبارة في الأصل: وهو ابن بشكوال. خطأ، والتصحيح من المصدر.
(٢) العبارة في الأصل: ثلاثمائة حديث من واحدًا وعشرين حديثًا. خطأ، والتصحيح من المصدر.
[ ٤٣٦ ]
ﷺ عن غسلها من الحيض فقال: حدي» الحديث. فهذه المرأة اسمها أسماء، والحجة في ذلك سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض الحديث.
واختلف من صنف المبهمات في أسماء هذه فقال الخطيب: هي بنت يزيد بن السكن الأنصارية.
وقال ابن بشكوال: بنت شكل، وصوبه شيخنا (ن) لما ثبت ذلك في بعض طرق الحديث.
وفي مسلم قال النووي في «مختصر المبهمات»: ويجوز أن تكون القصة جرت للمرأتين في مجلس أو مجلسين.
وقوله: «ومن رقي» (خ) يعني: أن من ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء العرب الحديث، وفيه: «فقال رجلٌ منهم: نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل».
فقال الخطيب: الراقي أبو سعيد الخدري راوي الحديث، وتبعه ابن الصلاح.
قال شيخنا (ن): وفيه نظر إذ في بعض طرقه عند مسلم من حديث أبي سعيد فقام معها رجل منا يحسنُ رقيةً فقلنا: أكنت تحسن رقيه فقال: ما رقيته إلا بفاتحة [١٦٩ - ب] الكتاب، وهذا ظاهر في أنه غيره، إلا أن يقال وقع ذلك مرتين مرة له ومرة لغيره.
[ ٤٣٧ ]
وقوله: «ومنه» (خ) من ذلك أيضًا: ابن فلان مبهم، كرواية أصحاب السنن الأربعة من حديث يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مِرْبَع الأنصاري، ونحن بعرفة، فقال: إني رسول الله ﷺ الحديث، فقوله: ابن مربع: بكسر الميم، وإسكان الراء، وبعده موحدة مفتوحة، فعين مهملة، هو يزيد أو زيد أو عبد الله خلاف.
وقوله: «عمِّه» (خ) من ذلك: عم فلان، كرواية (ن) (١) من رواية علي بن يحيى بن خَلَّاد عن أبيه، عن عَمٍّ له بدري، في حديث المسيء صلاته، العم هو رفاعة بن رافع الزرقي، كما وقع ذلك مُصَرَّحًا في سنن (د) وغيرها.
وفي الصحيح حديث رافع بن خَديج عن بعض عمومته في النهي عن المخابرة، واسمه ظُهَيْر.
وقوله: «عَمَّتِهِ» مثاله ما رواه (ن) من رواية حصين بن مِحْصَن عن عَمَّةٍ له أنها أتت النبي ﷺ لحاجة الحديث، اسم عمته هذه أسماء فيما نَصَّهُ ابن السكن، والأمير، وابن بشكوال.
وقوله: «زوجته» مثاله: حديث عقبة بن الحارث، قال: تزوجت امرأةً فجاءتنا امرأةٌ سوداء الحديث. فقال ابن بشكوال: هي غُنية بنت أبي إهاب.
وقوله: «ابن أمه» مثاله: حديث أم هاني أنها قالت: زعم ابن أمي الحديث، ابن أمها: علي بن أبي طالب، كما صُرِّح بذلك في رواية مالك في «الموطأ».
_________________
(١) أي: النسائي.
[ ٤٣٨ ]
تأريخ الرواة والوفيات
قوله: [١٧٠ - أ]
٩٥١ - وَوَضَعُوا التَّارِيْخَ لَمَّا كَذَبَا ذَوُوْهُ حَتَّى بَانَ لَمَّا حُسِبَا
٩٥٢ - فَاسْتَكْمَلَ النَّبِيُّ والصِّدِّيْقُ كَذَا عَلِيٌّ وَكَذَا الفَارُوْقُ
٩٥٣ - ثَلاَثَةَ الأَعْوَامِ والسِّتِّينَا وَفِي رَبِيْعٍ قَدْ قَضَى يَقِيْنَا
٩٥٤ - سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةٍ، وَقُبِضَا عَامَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ التَّالِي الرِّضَى
٩٥٥ - وَلِثَلاَثٍ بَعْدَ عِشْرِيْنَ عُمَرْ وَخَمْسَةٍ بَعْدَ ثَلاَثِيْنَ غَدَرْ
٩٥٦ - عَادٍ بِعُثْمَانَ، كَذَاكَ بِعَلِيْ فِي الأرْبَعِيْنَ ذُوْ الشَّقَاءِ الأزَلِيْ
الشرح: هذا النوع فنٌّ مهمٌّ في علوم الحديث، به يُعْرَف اتصال الحديث وانقطاعه، وادَّعَى قومٌ روايةً عن أُناس، فَنُظِرَ في التاريخ، فَظَهَرَ أنهم زعموا الرواية عنهم بعد سنين (١)، كإبراهيم بن يزيد في روايته عن الأوزاعي (٢).
قال الثوري (٣): «فلما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ».
وعن حفص بن غياث القاضي: «إذا اتهمتم الشيخُ فحاسبوه بالسِّنَّيْن -بفتح
_________________
(١) كذا، ويظهر أن صواب العبارة: بعد سنين من وفاتهم.
(٢) كذا، ولم يُمَثِّل الناظم بهذا.
(٣) في الأصل: النووي. خطأ.
[ ٤٣٩ ]
النون المشددة، تثنية، سنٍ وهو العمر- يريد: احسبوا سِنَّهُ وسِنَّ من كَتَبَ عنه.
وعن الحميدي أبي عبد الله قال: ثلاثة أشياء من علم الحديث يجب تقديم العناية بها: العلل، وأحسن مصنَّف فيها الدارقطني، والمؤتلف، وأحسن كتاب فيه كتاب الأمير، ووفيات الشيوخ وليس فيه كتاب يستوعبه، وصنف فيه ابن زَبْر وابن قانع، وذَيَّلَ قومٌ على ابن زَبْر إلى زمننا، فذيل عليه الحافظ الكتاني عبد العزيز، وعلى الكتاني الأكفانيُّ أبو محمد هبة الله ذيلًا [١٧٠ - ب] صغيرًا، وعلى الأكفاني الحافظ ابن المفضل، وعليه المنذري ذيلًا كبيرًا مفيدًا، وعليه الشريف عز الدين بن الحسيني، وعليه بن أَيْبَك الدمياطي إلى الطاعون، سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وعليه شيخنا (ن).
وأول من وَضَعَ التاريخ الإسلامي الهجري عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سنة ست عشرة أو سنة عشرين.
وقوله: «ذَوُوهُ» يعني: الكذب.
وقوله: «فاستكمل النبيُّ» (خ) يعني أن سِنَّ سيدِنا رسول الله ﷺ وسن أبي بكر، وعُمَر، وعَلي، ثلاث وستون سنة، وهذا هو الصحيح من خلافٍ أُشير إليه في (ش) (١) وفي غيره.
وقوله: «وفي ربيع» (خ) يعني أن تاريح وفياتهم: أنه ﷺ توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ولا خلاف بين أهل السير في الشهر، ولا خلاف أنه كان يوم الاثنين، ضُحى.
_________________
(١) (٢/ ٢٩٦).
[ ٤٤٠ ]
وقوله: «وقُبِضًا» (خ) يعني: أنه تُوِفِّى الصديق أبو بكر سنة ثلاث عشرة في جمادى الأولى في قول الواقدي وغيره، وقيل غير ذلك، وتوفي عُمَر في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
وقوله: «وخمسةٍ» (خ) يعني: وتوفي عثمان رضي الله تعالى عنه مقتولًا شهيدًا سنة خمس وثلاثين، في ذي الحجة، يوم الجمعة، الثامن عشر منه، وادعى ابن ناصر الإجماع عليه.
قال شيخنا (ن) (١): وليس بجيد، فقد قيل إنه يوم التروية لثمان خلت منه.
وقوله: «غَدَر» (خ) يعني: أن قاتله عادٍ، واختلف فيه فقيل: جبلة، وقيل: سودان، وقيل: رومان [١٧١ - أ]، وقيل: غير ذاك.
وقوله: «كذاك بعلى» (خ) يعني: وتُوفي علي رضي الله تعالى عنه مقتولًا شهيدًا، من شهر رمضان، سنة أربعين، وقتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي، أشقى الآخرين، كما في حديث صهيب.
وذكر (ن) (٢) من حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنه قال: «لعل أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا -ووضعَ يده على رأسه- حتى تخضب هذه -يعني لحيته-».
_________________
(١) (٢/ ٣٠٣).
(٢) (٢/ ٣٠٥).
[ ٤٤١ ]
وقوله:
٩٥٧ - وَطَلْحَةٌ مَعَ الزُّبَيْرِ جُمِعَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ مَعَا
الشرح: يعني أنه توفي طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، في سنة واحدة، سنة ست وثلاثين، في شهر واحد، في يوم واحد، كلاهما في وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة.
وقوله:
٩٥٨ - وَعَامَ خَمْسَةٍ وَخَمْسِيْنَ قَضَى سَعْدٌ، وقَبْلَهُ سَعِيْدٌ فَمَضَى
٩٥٩ - سَنَةَ إحْدَى بَعْدَ خَمْسِيْنَ وَفِي عَامِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ تَفِي
٩٦٠ - قَضى ابْنُ عَوْفٍ، والأَمِيْنُ سَبَقَهْ عَامَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مُحَقَّقَهْ
الشرح: توفي سعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين، وشهره المزِّي (١).
وتوفي سعيد بن زيد سنة إحدى، شهد سعد جنازته، ونزل في حُفْرَته.
وقوله: «وفي عام» (خ) وتوفي عبد الرحمن بن عوف سنة اثنتين وثلاثين.
وقوله: «الأمين» (خ) توفي أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر، سنة ثماني عشرة [١٧١ - ب] في طاعون عمواس.
وقوله:
٩٦١ - وَعَاشَ حَسَّانُ كَذَا حَكِيْمُ عِشْرِيْنَ بَعْدَ مِائَةٍ تَقُوْمُ
_________________
(١) أي ذكر أن هذا هو المشهور.
[ ٤٤٢ ]
٩٦٢ - سِتُّوْنَ فِي الإِسْلاَمِ ثُمَّ حَضَرَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ خَلَتْ
٩٦٣ - وَفَوْقَ حَسَّانَ ثَلاَثَةٌ، كَذَا عَاشُوْا، وَمَا لِغَيْرِهِمْ يُعْرَفُ ذَا
٩٦٤ - قُلْتُ: حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى مَعَ ابْنِ يَرْبُوْعٍ سَعِيْدٍ يُعْزَى
٩٦٥ - هَذَانِ مَعْ حَمْنَنَ وابْنُ نَوْفَلِ كُلٌّ إلى وَصْفٍ حَكِيْمٍ فَاحْمِل
٩٦٦ - وفِي الصِّحَابِ سِتَّةٌ قَدْ عَمَّرُوا كَذَاكَ في المُعَمِّرِيْنِ ذُكِرُوا
الشرح: ذكر في هذه الأبيات مَنْ عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وهما شَخْصان: حكيم بن حِزام، وحَسَّان بن ثابت بن المنذر.
وقوله: «سنة أربعٍ» (خ) يعني أنهما ماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين.
وقوله: «ثلاثة» (خ) يعني أن ثلاثة فوق حسان عاشوا مائة وعشرين سنة: أبوه ثابت، والمنذر أبوه، وحَرَام أبوه.
قال أبو نعيم: ولا يعرف في العرب مثل ذلك لغيرهم.
وقوله: «قلت» يعني أن شيخنا (ن) (١) زاد علي بن الصلاح أربعة اشتركوا معهما في ذلك، فصاروا سِتَّة يشتركون في هذا الوصف.
فالأول: حسان بن ثابت الأنصاري، فعاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وقيل: إن أباه وجده وقع لهم أن عاشوا مائة وعشرين سنة.
_________________
(١) (٢/ ٣١١ - ٣١٣).
[ ٤٤٣ ]
والثاني: [١٧٢ - أ] حكيم بن حزام بن خويلد، بن أخي خديجة بنت خويلد، أسلم في الفتح، وعاش ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، فيما نَصَّهُ البخاري.
والثالث: حُوَيطب بن عبد العُزَّى القرشي العامري من مُسْلِمَة الفتح، فروى الواقديُّ عن إبراهيم بن جعفر بن محمود، عن أبيه، قال: كان حُويطب قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.
والرابع: سعيد بن يربوع القرشي، من مسلمة الفتح.
والخامس: حَمْنَن بن عوف القرشي الزهري، أخو عبد الرحمن بن عوف، وحمنن: بفتح الحاء المهملة، وإسكان الميم، وبعده نون مفتوحة، فنون.
قال الدارقطني في كتاب «الأخوة والأخوات»: أسلم، ولم يهاجر إلى المدينة، وعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة.
والسادس: مخرمة بن نَوْفَل القرشي الزهري، والد المِسْوَر بن مخرمة، من مُسْلِمَة الفتح، عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، جزم بذلك ابن منده في جزء جمع فيه من عاش مائة وعشرين من الصحابة.
وقوله: «وفي الصحاب» (خ) يعني ابن مندة، فذكر في هذا الجزء جماعة أُخر من الصحابة عاشوا مائة وعشرين، لكن لم يُعْلم كون نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، لتقدم وفاتهم على المذكورين، أو تأخرها، أو عدم معرفة التاريخ لموتهم، وهم ستة كما قال.
[ ٤٤٤ ]
الأول: عاصم بن عدي العجلاني، صاحب عويمر العجلاني في قصة اللِّعان [١٧٢ - ب].
والثاني: المنتجع جَدُّ ناجية.
والثالث: اللَّجْلَاج العامري.
والرابع: سعد بن جُنادة العوفي الأنصاري.
والخامس: عدي بن حاتم الطائي.
والسادس: نافع أبو سليمان العبدي.
وقوله:
٩٦٧ - وَقُبِضَ الثَّوْرِيُّ عَامَ إحْدَى مِنْ بَعْدِ سِتِّيْنَ وَقَرْنٍ عُدَّا
٩٦٨ - وَبَعْدُ في تِسْعٍ تَلِي سَبْعِيْنَا وَفَاةُ مَالِكٍ، وَفي الخَمْسِيْنَا
٩٦٩ - وَمِائَةٍ أَبُو حَنِيْفَةٍ قَضَى والشَّافِعِيُّ بَعْدَ قَرْنَيْنِ مَضَى
٩٧٠ - لأَرْبَعٍ ثُمَّ قَضَى مَأمُوْنَا أحْمَدُ في إحْدَى وأَرْبَعِيْنَا
الشرح: ذكر أصحاب المذاهب الخمسة، فقد كان سفيان الثوري معدودًا فيهم، قَلَّدَهُ جماعة إلى بعد القرن الخامس، وممن ذَكَرَهُ معهم الغزالي في «الإحياء»، فتوفى أبو عبد الله سفيان الثوري سنة إحدى وستين ومائة بالبصرة، فيما نصه الطيالسي أبو داود، وابن معين، وابن سعد، مدعيًا الاتفاق عليه، وقيل غير ذلك.
وقوله: «وبَعْدُ» (خ) يعني أنه توفي مالك بن أنس بالمدينة سنة تسع
[ ٤٤٥ ]
وسبعين ومائة، فيما نصه الواقدي وغيره، ومولده سنة تسعين وقيل غير ذلك.
وقوله: «وفي الخمسينا» (خ) يعني أنه توفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة -وهو المحفوظ- ببغداد، ومولده سنة ثمانين.
وقوله: «والشافعي» (خ) يعني أنه توفي الشافعي سنة أربع ومائتين، آخر يوم من رجب، وقيل غير ذلك، ومولده [١٧٣ - أ] سنة خمسين ومائة، فعاش أربعًا وخمسين سنة.
وقوله: «ثم قضى» (خ) يعني أنه توفي الإمام أحمد ببغداد أيضًا، سنة إحدى وأربعين ومائتين على الصحيح المشهور، وفي الشهر الذي مات فيه خلاف، ومولده في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.
وقوله:
٩٧١ - ثُمَّ البُخَارِيْ لَيْلَةَ الفِطْرِ لَدَى سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ بِخَرْتَنْكَ رَدَى
٩٧٢ - وَمُسْلِمٌ سَنَةَ إحْدَى في رَجَبْ مِنْ بَعْدِ قَرْنَيْنِ وَسِتِّيْنَ ذَهَبْ
٩٧٣ - ثُمَّ لِخَمْسٍ بَعْدَ سَبْعِيْنَ أبُو دَاوُدَ، ثُمَّ التِّرْمِذِيُّ يَعْقُبُ
٩٧٤ - سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَهَا وَذُو نَسَا رَابِعَ قَرْنٍ لِثَلاَثٍ رُفِسَا
الشرح: ذكر أصحاب الكتب الخمسة، فذكر أن البخاري توفي ليلة السبت، عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، سنة ست وخمسين، ومولده يوم الجمعة، بعد الصلاة، لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت وفاته بخَرْتَنْك.
[ ٤٤٦ ]
وقوله: «ومسلم» (خ) يعني: أن مسلمًا توفي عَشِيَّة يوم الأحد من رجب، سنة إحدى وستين ومائتين، وفي سِنِّهِ خلاف، فقيل: خمس وخمسون، وبه جزم ابن الصلاح، وقيل: ستون وبه جزم الذهبي في «العبر».
وقوله: «ثم لخمس» (خ) يعني: أن أبا داود توفي بالبصرة يوم الجمعة، سادس عشر شوال، سنة خمس وسبعين ومائتين.
وقوله: «ثم الترمذي» يعني: أن الترمذي توفي ليلة الاثنين، لثلاث عشرة [١٧٣ - ب] ليلة مَضَت من رجب، سنة تسع وسبعين ومائتين.
وقوله: «وذو نَسَا» (خ) يعني: أن النسائي توفي بفلسطين في صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودُفِنَ ببيت المقدس، وذكر أبو عبد الله بن مندة عن مشائخه أنه مات بمكة.
فقوله: «بِخَرْتَنْك»: هو بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الراء المهملة، وفتح المثناة فوق، وبعده نون ساكنة، فكاف، وذكر ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» أنها بكسر الخاء والمعروف فتحها، وكذا ذكر السمعاني.
وما ذُكِرَ أنه مات بها هو المعروف الذي جزم به السمعاني وغيره، وذكر ابن يونس في «تاريخ الغُرباء» أنه مات بمصر بعد الخمسين ومائتين.
قال شيخنا (ن) (١): ولم أره لغيره والظاهر أنه وهم، انتهى.
وخرتنك: قرية بقرب سمرقند.
_________________
(١) (٢/ ٣١٩).
[ ٤٤٧ ]
وقوله: «رَدَى». قلت: هو بفتح الراء، والدال المهملتين، أي: ذَهَب، ويقال فيه بمعنى الهلاك بكسر الدال.
وقوله: «نَسَا».قلت: هو بفتح النون من كور نيسابور، وقيل من أرض فارس، والقياس النَّسَوي.
وقوله: «رُفِسَا». قلت: هو بضم الراء المهملة، وكسر الفاء، وبعده سين مهملة، معناه: أن سبب موته فيما حكاه ابن منده عن مشائخه أنه سُئِل بدمشق عن معاوية، وما روي عن فضائله؟ فقال: ألا يرضى معاوية رأسًا برأسٍ حتى يُفَضَّل، فما زالوا يرفسونه في خصييه حتى أُخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة ومات بها، وذكر [١٧٤ - أ] الدارقطني أن ذلك بالرملة، وعاش ثمانيًا وثمانين سنة.
وأما ابن ماجه فأغفله (ن) تبعًا لابن الصلاح، وهو في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وقيل غير ذلك، على ما أشرنا إليه في كتابنا «التيسير والتقريب مختصر الترغيب والترهيب» للمنذري، نفع الله تعالى به.
وقوله:
٩٧٥ - ثُمَّ لِخَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ تَفِي الدَّارَقُطْنِيْ، ثُمَّتَ الحَاكِمُ فِيْ
٩٧٦ - خَامِسِ قَرْنٍ عَامَ خَمْسَةٍ فَنِي وَبَعْدَهُ بِأرْبَعٍ عَبْدُ الغَنِيْ
٩٧٧ - فَفِي الثَّلاَثِيْنَ: أبُوْ نُعَيْمِ وَلِثَمَانٍ بَيْهَقِيُّ القَوْم
٩٧٨ - مِنْ بَعْدِ خَمْسِيْنَ وَبَعْدَ خَمْسَةِ خَطِيْبُهُمْ والنَّمَرِيْ في سَنَة
الشرح: ذكر أصحاب التصانيف بعد الكتب الخمسة، قال ابن الصلاح:
[ ٤٤٨ ]
وهم سبعة أحسنوا التصنيف بعدهم فانتُفِع بها، وهم:
أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي، توفي بها يوم الأربعاء، لثمان خلون من ذي القعدة، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فعاش ثمانين سنة.
ثم الحاكم أبو عبد الله صاحب «المستدرك»، توفي سنة خمس وأربعمائة.
ثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري، توفي لسبع خلون من صفر، سنة تسع وأربعمائة.
ثم أبو نعيم أحمد الأصبهاني صاحب «الحلية»، توفي بكرة يوم الاثنين، العشرون من المحرم، سنة ثلاث وأربعمائة.
ثم أبو بكر أحمد البيهقي، توفي بنيسابور، عاشر جمادى الأولى، سنة [١٧٤ - ب] ثمان وخمسين وأربعمائة، ونُقِلَ تابوته إلى بيهق سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
ثم الخطيب أبو بكر أحمد البغدادي، توفي بها في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وقيل غير ذلك.
وقوله: «والنمري» (خ) يعني: أن الحافظ ابن عبد البر توفي في السنة التي توفي بها الخطيب بشاطبة من الأندليس، عن خمس وتسعين سنة.
فقوله: «بيهقي القوم». قلت: البيهقي: نسبةً إلى بَيْهَق بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة تحت، وبعده هاء مفتوحة، فقاف، وهي قُرَى مجتمعة بنواحي نيسابور، على عشرين فرسخًا منها، وكانت قصبتها خسروجرد، فصارت سبزور، انتهى.
[ ٤٤٩ ]
وقوله: «والنَّمَري». قلت: بفتح النون، والميم، نسبةً إلى النَّمِر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وإلى النمر بن عثمان بن نضر (١) بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نضر (٢) بن الأزد، وإلى النمر بن ثعلب بن حلوان بن عمران (٣) بن قضاعة، وهذه النسبة من شواذ النسب التي تحفظ ولا يُقاس عليها، ومن ذلك النسبة إلى أُمَية بضم الهمزة: أموي بفتحها. انتهى.
_________________
(١) كذا، وفي «أنساب» السمعاني (٥/ ٥٢٥) وغيره من كتب الأنساب: نصر.
(٢) كذا، وفي كتب الأنساب: نصر.
(٣) بياض في الأصل.
[ ٤٥٠ ]
معرفة الثقات والضعفاء
قوله:
٩٧٩ - وَاعْنِ بِعِلْمِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ فَإِنَّهُ المَرْقَاةُ لِلتَّفْضِيْل
٩٨٠ - بَيْنَ الصَّحِيْحِ وَالسَّقِيْمِ وَاحْذَرِ مِنْ غَرَضٍ، فَالجَرْحُ أَيُّ خَطَرِ [١٧٥ - أ]
٩٨١ - وَمَعَ ذَا فَالنُّصْحُ حَقٌّ وَلَقَدْ أَحْسَنَ يَحْيَى فِي جَوَابِهِ وَسَدْ
٩٨٢ - لأَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبْ مِنْ كَوْنِ خَصْمِي المُصْطَفَى إذْ لَمْ أَذُبْ
٩٨٣ - وَرُبَّمَا رُدَّ كَلاَمُ الجَارِحِ كَالنَّسَئِي فِي أَحْمَدَ بنِ صَالِح
٩٨٤ - فَرُبَّمَا كَانَ لِجَرْحٍ مَخْرَجُ غَطَّى عَلَيْهِ السُّخْطُ حِيْنَ يُحْرَجُ
الشرح: هذا النوع من أَجَلِّ أنواع علوم الحديث، وأهمها، وبه يُعْرَف الصحيح والضعيف، وفيه لِأَئِمَّةِ الحديث تصانيف كثيرة، منها ما أُفرد في الضعفاء، وأفرده البخاري، والنسائي، والعُقَيلي، والساجي، وابن حبان، والدارقطني، والأزدي، وابن عدي، إلا أنه ذكر في كتابه «الكامل» من تُكلم فيه وإن كان ثقة، وتبعه على ذلك الذهبي في «الميزان»، إلا أنه لم يذكر أحدًا من الصحابة والأئمة المتبوعين، وفاته جماعة ذَيَّل عليه بذلك ذيلًا في مجلد شيخُنا (ن).
ومنها ما أُفْرِد في الثقات، ولابن حبان، وابن شاهين، وابن أيبك السَّرُوجي
[ ٤٥١ ]
من المتأخرين فيه مصنف.
ومنها ما جُمع فيه بين الثقات والضعفاء، كـ «تاريخ البخاري» و«تاريخ ابن أبي خيثمة» وهو كثير الفوائد، و«الطبقات» لابن سعد، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم.
وقوله: «فإنه المرقاة».قلت: المرقاة بفتح الميم، وإسكان الراء المهملة، وبعده قاف، فألف، فهاء تأنيث.
قال الجوهري في «الصِّحاح»: والمرقاة بالفتح الدَّرَجة [١٧٥ - ب]، ومن كَسَرَهَا شَبَّهها بالآلة التي يعمل بها، ومن فتح قال: هذا موضع يُفْعَل فيه فجعله بفتح الميم، مخالفًا، عن يعقوب، انتهى.
وقوله: «واحذَرِ» (خ) يعني: المتصدي إلى ذلك يحذر الغرض في جانب التوثيق والجرح فالمقام خطر، وأحسن القشيري رحمه الله تعالى في قوله: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحُكَّام.
وقوله: «ومع ذا» (خ) يعني: ومع كون الجرح خطر فَتُطلب النصيحة في الدين، وقيل: إن النخشبي قال لأحمد: لا تغتاب العلماء. فقال له أحمد: ويحك هذا نصيحة، وليس غيبة.
وقد أوجب اللهُ تعالى الكشفَ والتبيينَ عند خبر الفاسق بقوله: ﴿إن جاءكم فاسق الآية﴾ وقال النبي ﷺ: «بئس أخو العشيرة» وقال: «إن عبد الله رجلٌ صالح».
[ ٤٥٢ ]
وقوله: «ولقد» (خ) يعني: أن يحيى بن سعيد القطان أحسن إذ قال له أبو بكر بن خَلَّاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركتَ حديثَهم خصماءَك عند الله تعالى يوم القيامة؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي، أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول لي: لِمَ لَمْ تَذُب الكذبَ عن حديثي؟
وقوله: «إذ لم أَذُب». قلت: هو بفتح الهمزة، وضم الذال المعجمة، وبعده باء موحدة، مِنْ ذَبَبْتُ عنه إذا منعته ودفعته، ومنه المَذَبّ لما يُذَبُّ به الذباب، انتهى.
وقوله: «وربما رُدَّ» (خ) يعني [١٧٦ - أ]: أن الجارح وإن كان إمامًا معتمدًا في ذلك فربما أخطأ فيه، كما جَرح النسائي أحمدَ بن صالح المصري بقوله: «غير ثقة ولا مأمون»، وهو ثقةٌ إمامٌ حافظٌ، احتجَّ به البخاريُّ في «صحيحه»، وقال: ثقة، ما رأيت أحدًا تكلم فيه بحُجة، وكذا وثقه الرازي، والعجلي، وآخرون.
قال الخليلي: اتفق الحفاظ على أن كلام النسائي فيه تحامُل، ولا يقدح كلام أمثاله فيه.
وبيَّن ابنُ عدي سبب كلام النسائي فيه فقال: سمعت محمد بن هارون البرقي يقول: حضرتُ مجلس أحمد، فطرده من مجلسه، فحمله ذلك على أن يتكلم فيه.
قال في «الميزان»: آذى النسائيُّ نفسه بكلامه فيه.
[ ٤٥٣ ]
قال ابن يونس: لم يكن لأحمد عندنا كما قال النسائي، لم يكن له آفة غير الكبر، وتكلم فيه ابن معين فأشار إلى الكبر، فقال: كذاب يتفلسف، رأيته يخطر في جامع مصر في مشيته. فنَسَبَه إلى الفلسفة وأنه يخطر، ولعلَّ ابن معين لا يدري الفلسفة، فإنه ليس من أهلها.
وقوله: «فربما» (خ) هذا جواب عن سؤالُ مُقَدَّر، وهو: أنه إذا نسب مثل النسائي وهو إمام حجة في الجرح والتعديل إلى مثل هذا فكيف يوثق بقوله في ذلك؟ فأجاب ابنُ الصلاح: بأن عين السُّخْط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة يعتمي عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدًا لقدحٍ يُعْلَم بُطلانه.
[ ٤٥٤ ]
معرفة من اختلط من الثقات
قوله:
٩٨٥ - وَفِي الثِّقَاتِ مَنْ أخِيْرًا اخْتَلَطْ فَمَا رَوَى فِيْهِ أَوِ ابْهَمَ سَقَطْ [١٧٦ - ب]
٩٨٦ - نَحْوُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ السَّائبِ وَكَالْجُرَيْرِي سَعِيْدٍ، وَأَبِي
٩٨٧ - إِسْحَاقَ، ثُمَّ ابْنِ أبِي عَرُوبَةِ ثُمَّ الرَّقَاشِيِّ أَبِي قِلاَبة
الشرح: هذا فنٌّ مهم لا يُعْرَف فيه تصنيفٌ مفرد به، وهو جدير بذلك، كذا قال ابن الصلاح، ولأجله أفرده بالتصنيف الشيخ صلاح الدين العلائي في جزء.
قال شيخنا (ن) (١): حدثنا به، ولكنه اختصره ولم يبسط الكلام فيه، ورتبهم على حروف المعجم.
وقوله: «وفي الثقات» (خ) يعني أن الحكم فيمن اخْتَلَط أنه لا يُقبل من حديثه ما حَدَّث به حال الاختلاط، وكذا ما أُبهم أمره وأُشكل فلم يُدرَ حَدَّثه قبل الاختلاط أو بعده، وما حَدَّث به قبله يُقبل.
ويَتميز ذلك باعتبار الراوة عنهم، فمنهم من سمع منهم قبل الاختلاط فقط، ومنهم من سمع بعده فقط، ومنهم من سمع في الحالين ولم يتميز.
_________________
(١) (٢/ ٣٢٩).
[ ٤٥٥ ]
فممن اختلط آخر عمره: عطاء بن السائب ولم يفحش خطأه، وسمع منه قبل الاختلاط: شعبة وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان.
وممن اختلط أخيرًا: أبو مسعود سعيد بن إياس الجريري، سمع منه قبل [التغير] (١): شعبة، والثوري، وجماعة. وسمع منه بعده: محمد بن أبي عدي، وإسحاق (٢) بن الأزرق، والقطان.
وقوله: «وأبي إسحاق»: ممن اختلط أخيرًا (٣): أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بعد، احتج به الشيخان، لكن لم [١٧٨ - أ] يخرج له من رواية بن عيينة عنه شيئًا إنما أخرج له من طريقة الترمذي والنسائي في «عمل اليوم والليلة».
وأنكر في «الميزان» اختلاطه فقال: شَاخ ونَسي ولم يختلط.
وقوله: «ثم ابن أبي عروبة»، ومنهم: سعيد بن أبي عروبة، واسم أبي عَرُوبة -بفتح العين- مِهْرَان -بكسر الميم-، وسعيد ثقة، احتج به الشيخان إلا أنه اختلط وطالت مدة اختلاطه فوق العشر سنين، فسمع منه قبل اختلاطه ابن المبارك وجماعة وسمع منه فيه (٤) جماعة منهم: أبو نعيم الفضل بن دكين.
وقوله: «ثم الرقاشي» (خ) يعني أن منهم أبو قِلَابة الرقاشي، واسمه عبد الملك، أحد شيوخ ابنِ خُزَيمة.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) في الأصل: [بن] إسحاق. خطأ.
(٣) في الأصل: آخر.
(٤) أي: في اختلاطه.
[ ٤٥٦ ]
وقوله:
٩٨٨ - كَذَا حُصَيْنُ السُّلَمِيُّ الكُوْفِيْ وعَارِمٌ مُحَمَّدٌ والثَّقَفِي
٩٨٩ - كَذَا ابْنُ هَمَّامٍ بِصَنْعَا إذْ عَمِي وَالرَّأيُ فِيْمَا زَعَمُوا والتَّوْأمِي
٩٩٠ - وَابْنُ عُيَيْنَةَ مَعَ المَسْعُودِي وَآخِرًا حَكَوْهُ فِي الحَفِيْد
٩٩١ - ابنُ خُزَيْمَةَ مَعَ الغِطْرِيْفِي مَعَ القَطِيْعِي أَحْمَدَ المَعْرُوْف
الشرح: هذا ما زاده (ن) على ابن الصلاح فيمن اختلط فذكر جماعة منهم: حُصَيْن بن عبد الرحمن السُّلَمي الكوفي، أحد الثقات الأثبات، احتجَّ به الشيخان، وَثَّقَهُ أحمد وغيره.
قلت: وحُصَيْن هذا بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين، وبعده مُثناة تحت ساكنة، فنون.
ومنهم: عارم محمد بن الفضل، أبو النعمان السَّدوسي، أحد الثقات الأثبات، روى عنه [١٧٨ - ب] البخاري في «صحيحه» ومسلم بواسطةٍ.
قال البخاري: تغير آخر عمره فسمع منه قبل اختلاطه: الإمام أحمد وغيره، وبعده: أبو زرعة الرازي، وعمرة.
قلت: «وعارم» بالعين والراء المهملتين مكسورة، وبعده ألف، فميم، لقب عليه انتهى.
ومنهم: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أحد الثقات الذين احتج بهم الشيخان، اختلط آخر عمره.
[ ٤٥٧ ]
ومنهم: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، احتج به الشيخان.
قال أحمد: أتيناه قبل المائتين وهو صحيح البصر، من سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، وكان يلقن بعد ما عمي، وسمع منه قبل اختلاطه: أحمد وغيره، وبعده جماعة منهم: يحيى بن أحمد الظهراني.
ومنهم -فيما زعموا- ربيعة الرأي شيخ مالك، وهو ربيعة بن عبد الرحمن أحد الأئمة الثقات، احتج به الشيخان.
قال شيخنا (ن): ولم أر من ذكره بالاختلاط إلا ابن الصلاح، ولذا قال فيما زعموا.
ومنهم: صالح مولى التؤمة، اختلف في الاحتجاج به. قال الإمام أحمد: أدركه الإمام مالك وقد اختلط وهو كبير، وما أعلم به بأسًا من سمع منه قديمًا فقد روى عنه أكابر أهل المدينة.
وممن سمع منه بعد الاختلاط: مالك، والسفيانان.
ومنهم: سفيان بن عيينة، أحد الأئمة الثقات، قال القطان: أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين فمن سمع منه هذه السنة وبعد [١٧٩ - أ] هذا فسماعه لا شيء، كذا حكاه عن القطان عنه الموصلي، يحيى بن عبد الله بن عمار.
قال في «الميزان»: وأنا أستبعده وأعده غلطًا من ابن عمار، فإن القطان مات في صفر سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحدثهم عن أخبار الحجاز، فمتى يمكن القطان من ابن الصلاح، سمع اختلاط سفيان لم يشهد يشهد بذلك والموت قد نزل به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك أثناء سنة سبع.
[ ٤٥٨ ]
ومنهم: المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عيينة بن عبد الله بن مسعود، وثقه ابن سعد إلا أنه اختلط آخر عمره، وسمع منه زمان المهدي فليس سماعه بشيء، ومن سمع منه زمان أبي جعفر المنصور فهو صحيح السماع.
قال شيخنا (ن): توفي المنصور بمكة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين فكانت مدة اختلاطه كما نص أبو حاتم قبل موته بسنة أو سنتين، فإن المسعودي مات سنة ستين ومائة ببغداد، ونص ابن حبان على أنه اختلط حديثه فلم يتميز، فاستحق الترك.
قال (ن): فميز الأئمة عن جماعة ممن سمع منه في الصحة أو الاختلاط فممن سمع منه قديمًا قبله وكيعٌ وأبو نعيم الفضل بن دكين، فيما نصه الإمام أحمد، وممن سمع منه أخيرًا بعد الاختلاط: أبو النضر هاشم، وعاصم بن علي فيما نصه الإمام أحمد أيضًا، وقيل: إن الطيالسي سمع منه بعد [١٧٩ - ب] ما تغير.
وقوله: «وآخِرًا» (خ) يعني: أن من اختلط من المتأخرين جماعة، منهم أبو الطاهر محمد بن الفضل بن خُزَيمة حفيد الحافظ أبي بكر بن خزيمة، وكذلك أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين الغِطْرِيفي.
وكذلك الجرجاني أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (١) الذي روى «مسند الإمام أحمد» و«الزُّهْد» له.
قلت: والغِطْريفي بكسر الغين المعجمة، وإسكان الطاء المهملة، وكسر
_________________
(١) في الأصل: الغطريفي. خطأ.
[ ٤٥٩ ]
الراء، وبعده مثناة تحت ساكنة، ففاء، نسبةً إلى الغِطْرِيف، وهو جَدُّ المنتسِب إليه، واشتهر بهذه النسبة جماعة، منهم أبو أحمد هذا وكان إمامًا فاضلًا يكتب (١) المسند الصحيح على كتاب البخاري، وروى عنه جماعة منهم القاضي أبو الطيب الطبري، وهو آخر من حَدَّثَ عنه، وروى عنه أبو بكر الإسماعيلي فقال مرة: حدثنا محمد بن أبي حامد النيسابوري، ومرة محمد بن أحمد العَبْقَسي، ومرة محمد بن أحمد الوردي، وانفرد الغطريفي هذا عن ابن سريج الشافعي بأحاديث لم يروها عنه غيره، وتوفي بجرجان في رجب سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
والقَطيعي: بفتح القاف، وكسر الطاء المهملة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة، فعين مهملة، نسبةً إلى القَطيعة، وهو اسم لعدة محالٍ ببغداد، منها قطيعة الربيع مولى المنصور نسب إليه لأن المنصور أقطعه هذا الموضع، ومن هذه جماعة منهم أبو بكر هذا يروي عن إسحاق [١٨٠ - أ] وإبراهيم الحربيين، وعبد الله بن الإمام أحمد، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الحافظ، وكان مُكثرًا، مات في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
قال شيخنا (ن) (٢): واعلم أن ما كان من هذا القبيل صحيحًا بروايته في الصحيحين أو أحدهما، فإنا نعرف جملةً أنَّ ذلك مما تَمَيَّز، وكان مأخوذًا عنه قبل الاختلاط. انتهى.
_________________
(١) كذا.
(٢) (٢/ ٣٤٢)، وهذه العبارة إنما نقلها عن ابن الصلاح.
[ ٤٦٠ ]
طبقات الرواة
قوله:
٩٩٢ - وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ، وَكَمْ مُصَنِّفُ
٩٩٣ - يَغْلَطُ فِيْهَا، وَابْنُ سَعْدٍ صَنَّفَا فِيْهَا وَلَكِنْ كَمْ رَوَى عَنْ ضُعَفَا
الشرح: من المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه ربما يَتَّفِق اسمان لفظًا فَيُظَن أن أحدهما الآخَر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طَبَقَتَين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما يُشكل الأمر، وربما يعرف بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الاسم لا يروي عن من روى عنه الآخر، فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روى عنهما فيشتد الإشكال، فيميزه من لديه حفظ ومعرفة.
ويعرف كون الراويين أو الرواة من طبقة واحدة بتقاربهم في السن، وفي الشيوخ الآخذين عنهم، إما بكون شيوخ هذا [هم شيوم هذا] (١)، أو (٢) تقارب شيوخ هذا من شيوخ هذا في الأخذ، كما نَصَّ عليه في رواية الأقران [١٨٠ - ب]، فإنَّ مدلول الطبقة لغةً: القوم المتشابهون، واصطلاحًا: التشابه في الأنساب والإسناد، وربما اكتفوا بالمتشابه في الإسناد.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) في الأصل: و. وما أثبتناه من المصدر.
[ ٤٦١ ]
وقوله: «وكم مُصَنِّف» (خ) يعني أنه غلط غير واحد من المصنفين بمعرفة الطبقات، فربما زاد راويًا آخر غيره.
وقوله: «وابن سعد» (خ) يعني أنه أفرد الطبقات بالتصنيف جماعة منهم: محمد بن سعد في «الطبقات الكبرى»، وله في ذلك ثلاث تصانيف، وكتابه الكبير جليل كثير الفائدة، وابن سعد وثقه (١) جماعة، إلا أنه يكثر الرواية في الكتاب عن الضعفاء كمحمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، ويقتصر كثيرًا على اسمه واسم أبيه من غير نسب، وكهاشم بن محمد بن السائب الكلبي، وغيرهما.
_________________
(١) في الأصل: من ثقة. خطأ.
[ ٤٦٢ ]
الموالي من العلماء والرواة
قوله:
٩٩٤ - وَرُبَّمَا إلَى القَبِيْلِ يُنْسَبُ مَوْلَى عَتَاقَةٍ وَهَذَا الأغْلَبُ
٩٩٥ - أَوْ لِوَلاَءِ الحِلْفِ كَالتَّيْمِيِّ مَالِكٍ اوْ لِلدِّيْنِ كَالْجُعْفِيّ
٩٩٦ - وَرُبَّمَا يُنْسَبُ مَوْلَى المَوْلَى نَحْوُ سَعِيْدِ بنِ يَسَارٍ أَصْلاَ
الشرح: من المهمات عرفان الموالي من العلماء والرواة، وأهمّ ذلك أن يُنْسَب إلى القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب، فربما ظن أنه منهم صَليبَةً بحُكم ظاهر الإطلاق، وربما وقع من ذلك خلل في الأحكام الشرعية في الأمور المشترط فيها النَّسَب كالإمامة العظمى [١٨١ - أ]، والكفاءة في النكاح، ونحو ذلك.
وقد أفرد الموالي بالتصنيف الكندي أبو عُمر، ولكن بالنسبة إلى المصريين لا مطلقًا.
فالموالي المنسوبون إلى القبائل منهم من يكون المراد به إلى العتاقة، وهذا هو الأغلب كأبي البَخْتري الطائي، والليث بن سعد الفهمي، وعبد الله بن المبارك الحنظلي، وعبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث.
ومنهم من يكون المراد به ولاء الحِلف، كالإمام مالك فهو أصبحيٌّ صلبية، وقيل له التيمي لأن نفره أصبح موالي لتيم قريش بالحلف، أو لأن جده مالك
[ ٤٦٣ ]
بن أبي عامر كان أجيرًا لطلحة بن عبيد الله التيمي، وطلحة مختلف بالتجارة.
ومنهم من أريد به ولاء الإسلام، كالبخاري، فقيل له الجُعفي لأن جده كان مجوسيًا فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي.
وقوله: «وربما» (خ) يعني أنه ربما نُسِبَ إلى القبيلة مولى مولاها كأبي الحباب سعيد بن يسار، قيل له الهاشمي لأنه مولى شُقْرَان مولى رسول الله ﷺ، وقيل إنه مولى ميمونة زوج النبي ﷺ.
ومن ذلك عبد الله بن وهب القرشي الفهري المصري، فإنه مولى يزيد بن رمانة، وابن رمانة مولى يزيد بن أنس الفهري.
[ ٤٦٤ ]
أوطان الرواة وبلدانهم
قوله:
٩٩٧ - وَضَاعَتِ الأَنْسَابُ في البُلْدَانِ فَنُسِبَ الأَكْثَرُ لِلأَوْطَانِ [١٨١ - ب]
٩٩٨ - وَإنْ يَكُنْ في بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا فَابْدَأْ بِالاوْلَى وَبِثُمَّ حَسُنَا
٩٩٩ - وَإنْ يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ يُنْسَبْ لِكُلٍّ وَإلَى النَّاحِيَة
الشرح: من المحتاج إليه في هذا الفن العرفان بأوطان الرواة وبلدانهم، فإنه ربما مَيَّزَ بين الاسمين المتفقين لفظًا، فَيُنْظَر في شيخه وتلميذه الذي روى عنه، فربما كانا أو أحدهما من بلد أحد المتفقين في الاسم، فيغلب على الظن أن بلديهما هو المذكور في السند، لا سيما إذا لم يُعرف له سماع بغير بلده.
وربما يُستدل بذكر وطن الشيخ، أو ذكر مكان السماع، على الإرسال بين الروايتين إذا لم يُعرف لهما اجتماع، عند من لا يَكْتفي بالمعاصرة.
قال شيخنا (ن) (١): وسمعت شيخنا الحافظ أبا محمد عبد الله بن محمد بن أبي القرشي يقول غير مَرَّة: كنت أسمعُ بقراءة الحافظ أبي الحجَّاج المزي من كتاب عمل اليوم والليلة للحسن بن علي بن شبيب المعمري، فَمَرَّ حديث من
_________________
(١) (٢/ ٣٤٧).
[ ٤٦٥ ]
رواية يونس بن محمد المؤدب (١)، عن الليث بن سعد، فقلت للمزي: في (٢) أين سمع يونس من الليث؟ (٣) فقال: لعله سمع منه في الحج، ثم استمر في القراءة، ثم قال: لا الليث ذهب في الرُّسَيْلة إلى بغداد فسمع هناك، انتهى.
وإنما حدث للعرب الانتساب إلى البلاد والأوطان لما غلب عليها سُكنى القري والمدن، وضاع كثير من أنسابها، فلم يبق لها غير الانتساب إلى البلدان [١٨٢ - أ]، وكانت العرب تُنْسَب قبل ذلك إلى القبائل.
فَمَن سَكَن في بلدتين وأراد الانتساب إليهما، فليبدأ بالتي سكنها أولًا، ثم الثانية التي انتقل إليها، ويحسن أن يأتي بلفظ «ثُم» في النسب إلى البلدة الثانية، فيقول: مثلًا المصري [ثم] (٤) الدمشقي.
وقوله: «ومن يكن» (٥) (خ) يعني من كان من أهل قرية من قرى بلدةٍ، فجائز أن يُنسب إلى القرية، وإلى البلدة أيضًا، وإلى الناحية التي منها تلك البلدة، فمن هو من أهل داريًا مثلًا، نقول له في نَسَبه: الدَّاري، والدمشقي، والشامي، فإن أراد الجمع بينهما فليبدأ بالأعم فيقول الشامي، الدِّمَشقي، الداري.
_________________
(١) قوله: بن محمد المؤدب. تأخر في الأصل عن موضعه.
(٢) كذا.
(٣) في الأصل: الليث من يونس. وهو قلب.
(٤) زيادة من المصدر.
(٥) كذا، والذي في الألفية: «وإن يكن».
[ ٤٦٦ ]
وقوله:
١٠٠٠ - وَكَمَلَتْ بِطِيْبَةَ المَيْمُوْنَهْ فَبَرَزَتْ مِنْ خِدْرِهَا مَصُوْنَهْ
١٠٠١ - فَرَبُّنَا المَحْمُودُ وَالمَشْكُوْرُ إِلَيْهِ مِنَّا تَرْجِعُ الأُمُوْرُ
١٠٠٢ - وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى النَّبِيِّ سَيِّدِ الأَنَام
الشرح: أشار إلى أن هذه الأرجوزة تمت بطَيْبَة مدينة رسول الله ﷺ، وبها برزت إلى الخارج.
وقوله: «كَمَلت»، يقال: بفتح الميم في الأفصح، وبكسرها وضمها، وهذا مما جاء فيه، «فَعَل» بفتح العين، وكسرها، وضمها باتفاق المعنى.
وقوله: «بطَيْبة» هو بفتح الطاء، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده باء موحدة، فهاء تأنيث، اسم من أسماء المدينة، وتُسَمَّى طَابَة بطاء، فألف، فباء موحدة، فهاء تأنيث، [١٨٢ - ب] لقوله ﷺ: «إن الله تعالى سمَّى المدينة طَابَة» (١)، وسمَّاها النبي ﷺ طَيْبَة من الطِّيب الذي هو الرائحة الحسنة، والطَّاب والطيب لغتان.
قال النووي في «شرح مسلم» (٢): وقيل من الطَّيِّب بفتح الطاء وتشديد الياء وهو الطاهر لخلوصها من الشرك، وطهارتها، وقيل: من طيب [العيش] (٣) بها، انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم ٣٤٢٣).
(٢) (٩/ ١٥٤ ط. دار إحياء التراث).
(٣) زيادة من المصدر.
[ ٤٦٧ ]
وللمدينة أسماء كثيرة استوفاها ابن المنجم في «أخبار النواحي» له، اقتصر البكري منها في كتابه «معجم البلاد» على أربعة عشر اسمًا ذكرتها مستوفاة في كتابي «غاية الإلهام شرحي لعمدة الأحكام» نفع الله تعالى به، وأعلاها: طابة وطيبة كما تلفظ المؤلف لحسن لفظهما، وكان النبي ﷺ يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وفي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ كان يكتب لعماله: «إذا أبردتم لي بريدًا فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم» (١)، ويستحب لمن لجأ إلى الله تعالى متوسلًا إليه بالصادق الحبيب الأمين في قصة نثرية أو نظمية (٢) يرسلها إلى الموضع الشريف الذي ضَمَّ أعضاءه الشريفة (٣) ﷺ أن يلقبه بطيبة، تفاؤلًا بخلوصه مما وقع فيه وبحصول مطلبه ومراده، كما أنشدني بلفظه بالثغر المحروس الإسكندرية عام واحد وتسعين وسبعمائة شيخنا الرحلة والمعمر بهاء الدين [١٨٣ - أ] عبد الله المخزومي الدماميني من قصيدة يمدح فيها رسول الله ﷺ ويشكو له من ظَلَمَه مطلعها:
فؤاد لأطلال المحصَّب شائقٌ ونفس لها منه شهيد وسائق
إلى أن قال:
أقمت به جذلان ستون حجةً وعشرون عامًا بالشكاية ناطقُ
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده (ص٢٤٢ - زوائده) وصححه الألباني. السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٦٠).
(٢) كذا.
(٣) لا شك أن هذا من المخالفات العقدية الظاهرة، كما هو مشهور مُبَيَّن في كتب العقيدة.
[ ٤٦٨ ]
ذ ذ
فلم أر إلاَّ محسنًا متصدقًا يصدقني في مقولي ويصادقُ
صحتُ بشيخ دونهم فاستشرته وقلت بأن الشيخ بالرأي صادقُ
وصرَّحت بالشكوى وقلت له أشِرْه عليَّ فقد ضاقت على الطرائق
فأخبرني أن الشفاء بطيبةٍ وسيف رسول الله للبغي ماحقُ
فقمتُ مُجدًا وامتطيتُ بشمله تخدُ وخلفي فتية وأيانقُ
إلى أن بدا من جانب القبر شارق تبلج منه أفقه والشوارق
مرغت به شيبي وعفرتُ وجنتي فقيرًا لأبواب النبوة طارقُ
قرعت بذلي بابه قرع حاجةٍ أطوف وأشكو ظالمي وأحاققُ
وأبديت بالأبواب ما أنا كاتمٌ ولا (١) فيها ولا الباب غالقُ
وقمت بجاه القبر يسمعني الذي له نسب في ذروة المجد شاهق
وقلت أغثني يا أماني فإنني بنصرك قلبي في البرية واثقُ
وقد ذهب الأعداء إلَّا بما له وباطلها في جنب حقك زاهقُ [١٨٣ - ب]
جعلتك قصدي والمهيمن حاكمٌ وأنت شفيع الخلق والله رازقُ
وقلت لخصمي إذ تجردت شاكيًا تأنَّى فقد حقت لدينا الحقائقُ
تأنَّى فهذا منزلٌ منزلٌ فيه حاكمٌ عن الله عن جبريل بالحق ناطقُ
شكوت ولا شك بانك ناصرٌ ولا شك بين الناس أني صادقُ
ومن يك بالباب المعظم لائذٌ يدور عليه من حلاه المناطق
إلى أن قال:
_________________
(١) بياض في الأصل.
[ ٤٦٩ ]
أتيت رسول الله خاتم رسله لواؤك في الدارين فوقك خافقُ
لك البدر في أفق السماء مشققٌ يشاهده جمهوره والخلائقُ
لك الشمس من غيبوبة رجعت كما لفقدك حن الجدع والجذع شائقُ
لك انقادت الأشجار لما دعوتها تُخَدُّ عُذُوقًا لم تعقها العوائق
بكفك روَّيت الجيوش من الظمأ وصمُّ الحصا في الذكر بالكف ناطقُ
وألفًا بصاعٍ من شعيرة اكتفوا وأنت به في حالة الري باصق
وفي بيتك الأملاك تنزل خدمةً ودون مقامات الحبيب السرادقُ
لك ألقاب نزل والتقرب منزلٌ لدى نظرٍ دون البرية صادق ذذ
بعينيك قد شاهدت ربك جهرةً حكاه ابن عباس حديثٌ مطابق
تباشرت الآفاق إذ قمت منذرٌ (١)
الأعظم في الشكوى وحصول المراد تبركًا بذكره [١٨٤ - أ] الشريف، واستغاثةً به ﷺ أن الله تعالى يبلغني مقصودي ومرادي ويغفر لي ويميتني بطيبة المشرفة.
وحامل الهوى تعب يستفزه الطرب.
وقوله: «الميمونة» يعني: المباركة؛ لقوله ﷺ: «اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مُدِّهم» (٢) فقيل: المراد بالبركة الدينية فيما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكوات
_________________
(١) كذا لم يكمل البيت.
(٢) الحديث أخرجه البخاري (٢٠٢٣)، ومسلم (٣٣٩١).
[ ٤٧٠ ]
والكفارات، وقيل الدنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكي من غيره في غير المدينة، والذي يظهر لي والله تعالى أعلم، والشاهد به قائمٌ معايَن: عموم البركة دنيا وأخرى، وفي القدر في الأكيال، وفي التصرف بها في التجارات وأرباحها، وفي كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، وفيما يُكَال بها لإشباع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسع عليهم من فضله لهم، ومَلَّكَهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها، حتى كَثُرَ الحملُ إليها، واتَّسَعَ عيشهم، حتى صارت هذه البركة في الكَيْل نفسه، فزاد مُدُّهم.
ومن تأمل ما يحمله الحجيج خصوصًا زمن الموسم من اليمن إلى جميع أقطار البلاد شرقيها وغربيها بحيث يفوق [١٨٤ - ب] غلات الأمصار، وما يفضل لهم عن ذلك مما يقوم بهم إلى زمن التَمْرِ يجد مصداق ذلك، وكل ذلك من ظهور إجابة دعوته ﷺ وقبولها.
وقوله: «فبرزت» أي: خَرَجت.
وقوله: «من خِدْرِها» هو بكسر الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة، وبعدها واو مهملة.
قال في «الصحاح»: الخِدْرِ: السِّتْر، وجارية مخدرة: إذا لزمت الخدر، انتهى.
وقوله: «مَصُونة» هو بفتح الميم، وضم الصاد المهملة، وإسكان الواو، وبعده نون، فهاء تأنيث، ولعله -والميمونة- من أسماء المدينة، وكانت مصونة
[ ٤٧١ ]
لأن الله تعالى صانها ممن يريد بها سوءًا لقوله ﷺ: «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوءٍ إلا أذابه الله تعالى في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» (١).
وقد شوهد من أرادها بسوءٍ أَنَّ الله لا يُمْهِلُه، ولا يمكِّن له سلطانًا، بل قد يذهبه عن قريب، كما انقضى من حاربها أيام بني أمية كمَسْلَمة بن عقبة، فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلاك يزيد بن معاوية الذي أرسله بأثر ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما.
وكفى بذلك ما نصه محمد بن إسحاق عن تُبَّع الآخر وهو أسعد بن كرب حين أقبل من المشرق مَرَّ على المدينة ولم يهج أهلها وخلف عندهم ابنًا له فَقُتِلَ غيلةً، فجاء مجمعًا بخرابها واستئصال [١٨٥ - أ] أهلها، فأجمع هذا الحي من الأنصار على قتاله، ورئيسهم عمرو بن الطلة أخو بني النجار، وكان رجل من بني النجار قد قَتَلَ قبل ذلك رجلًا من صحابة تبع، وجده يخدُّ عرقًا له، فزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك ويقول: إن قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة مِن أعلم أهل زمانهما فقالا: أيها الملك لا تقاتلهم، فإنا لا نأمن عليك العقوبة، فإنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان هي داره وقراره، فكف عنهم ثم دعواه إلى دينهما فاتبعهما، وقال:
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه رقم (٣٣٨٥).
[ ٤٧٢ ]
ولقد هبطنا يثربًا وصدورنا تغلي بلابلها بقتل محصد
فعفوت عنهم عفو غير مترب وتركتهم لعقاب يوم سرمد
نفرًا يكون النصر في أعقابهم أرجو بذاك ثواب رب محمد (١)
ورجع إلى اليمن، انتهى.
لا جرم أنَّ رسول الله ﷺ رَغَّبَ في سكناها وقال: «لا يدعها أحدٌ رغبة عنها إلا أبدله الله فيها من هو خير منه» (٢) وهذا عامٌّ في حياته وبعده ﷺ على الأصح فيما صرح به النووي في «شرح مسلم» تبعًا لعياض.
ولما قدم المهدي بعث إلى مالك بألفي دينار [١٨٥ - ب] أو بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: إن أمير المؤمنين يحب أن تعادله إلى مدينة السلام، فقال له مالك، قال رسول الله ﷺ: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (٣) والمال عندي على حاله.
وقوله: «فربنا» (خ). قلت: فَصَدقَ لا يحمد إلا الله، ولا يُشكر إلا الله، وهذا بعين الحقيقة، وأما بعين المجاز فشكر المنعم واجب لحديث: «لا يشكر الله
_________________
(١) البيت قبله: ولقد تركت بها له من قومنا نفرًا أولي حسب وبأس يحمد
(٢) أخرجه مسلم (رقم٣٣٨٤).
(٣) هو جزء من الحديث السابق.
[ ٤٧٣ ]
من لا يشكر الناس» (١) وفي الحديث: «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد: هل شكرت فلانًا؟ فيقول يا رب علمت أنك المنعم فشكرتك، فيقول الله تعالى: لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريت ذلك على يديه، من لم يحمد من استحق الحمد فقد عَيَّ وحسد، ومن حمد من لم يستحق الحمد فقد ملق» وفي الحديث: «الثناء من غير استحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عيٌّ وحسد».
وقوله: «إليه منا ترجع الأمور».
قلت: أشار بذلك أن مرجعنا وأعمالنا إلى الله حسب ما نطق بذلك السماع القرآني، والسماع السني، والشاهد المعاين من خلق السماوات وما فيهن، والأرضين وما فيهن، يؤيد ذلك، لا يعاند ذلك إلا شقي مسلوب من العقل والعاقلة، والله يعيذنا وذريتنا من ذلك إنه على كل شيء قدير [١٨٦ - أ]، وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، كل ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
[وهذا آخر ما لخصناه بحمد الله تعالى وفضله وحوله وقوته من شرح شيخنا الناظم لهذه الأرجوزة المباركة النافعة وأسأل الله العظيم أن ينفع بذلك، وما ألفته، وما ألفه ولدي، والمسلمين، أنصفوا أو لم ينصفوا.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نجزت بحمد الله تعالى وعونه وعز توفيقه على يد فقير رحمة الله
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٨١٣) وصححه الألباني.
[ ٤٧٤ ]
محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن محمد الدالاصي الأنصاري المالكي غفر الله تعالى له ولوالديه ولمن دعا له بالرحمة والمغفرة ولجميع المسلمين والحمد لله وحده.
وذلك في تاسع شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة أربع وثلاثين [] من الهجرة النبوية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم] [١٨٦ - ب]
[ ٤٧٥ ]