قوله:
٢٥٧ - أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأَثَرْ وَالْفِقْهِ فِي قَبُوْلِ نَاقِلِ الْخَبَرْ [٥٨ - أ]
٢٥٨ - بِأنْ يَكُوْنَ ضَابِطًا مُعَدَّلاَ أيْ: يَقِظًا، وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلاَ
٢٥٩ - يَحْفَظُ إنْ حَدَّثَ حِفْظًا، يَحْوِيْ كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِيْ
٢٦٠ - يَعْلَمُ مَا فِي الَّلَفْظِ مِنْ إحِالَهْ إنْ يَرْوِ بالْمَعْنَى، وَفِي الْعَدَالَهْ
٢٦١ - بِأنْ يَكُوْنَ مُسْلِمًا ذَا عَقْلِ قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيْمَ الفِعْل
٢٦٢ - مِنْ فِسْقٍ اوْ خَرْمِ مُرُوْءَةٍ وَمَنْ زَكَّاهُ عَدلاَنِ، فَعَدْلٌ مُؤْتًمَنْ
٢٦٣ - وَصَحَّحَ اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْوَاحِدِ جَرْحًَا وَتَعْدِيْلًا خِلاَفَ الشَّاهِد
الشرح: هذا الطرف يتضمن الكلام في الإسناد، وما يتعلق به، والكلام فيه، في أنواعٍ استوفاها (ن)، فالنوع الأول فيه فصول:
الأول: أجمع جماهير أهل العلم بالحديث والفقه والأصول على أنه يُشْتَرَط فيمن يُحتج بحديثه العدالة والضبط.
فقوله «معدلًا» بفتح الدال.
وقوله: «يقظًا» راعى تقديم الضبط في نظمه على العدالة، فَقَدَّمَ شروطه على شروط العدالة، فالضبط أن يكون متيقظًا، حافظًا إن حدث من حفظه،
[ ١٧٦ ]
ضابطًا لكتابه إن حدث منه، عارفًا بما يُحيل المعنى إن رَوَى به.
وقد نَصَّ الشافعيُّ ﵁ على اعتبار هذه الأوصاف فيمن يُحتج بخبره في «الرسالة» التي أرسل بها إلى عبد الرحمن بن مهدي.
فقوله: «أي يقظًا» هو بفتح الياء المثناة تحت، وضم القاف وكسرها لغتان، وبعده ظاء مُشَالة.
وقوله: [٥٨ - ب] «ولم يكن مغفلًا» زيادة في البيان، وتقدم اشتراط ذلك في الشاهد في المذهب عندنا.
وقوله: «يحوي كتابه» أي: يحتوي عليه.
وقوله: «من إحالة» بكسر الهمزة، من أَحَال يُحيل إحالةً.
و«مِن» لبيان الإبهام في «ما» مِنْ قوله: «ما في اللفظ».
وقوله: «إن يَرْوِ» بفتح أوله (١) مجزومٌ بـ «إن» وجملة «يعلم» دليل على جواب «إن»، لا جواب «إن» على الصحيح.
وقوله: «وفي العدالة» (خ) إشارة إلى شروط العدالة، وهي خمسة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفِسق، وخُرم المروءة.
والفسق: ارتكاب كبيرة أو إصرارٌ على صغيرة.
وقوله: «ومن زَكَّاهُ» (خ) هذا الفصل الثاني من فصول النوع الأول، وهو بيان ما تثبُت به العدالة، فَتُعْرَف العدالة بتنصيص عدلَيْن عليها كما في الشهادة.
_________________
(١) أي: أول يَرْو.
[ ١٧٧ ]
وقوله: «وصَحَّح» (خ) هذا الفصل الثالث من فصول النوع الأول، وهو أنه هل يثبت الجرح والتعديل في الرواية بقول واحدٍ أو لا إلا باثنيين كما في الجرح والتعديل في الشهادة؟ قولان، والصحيح يثبت بالواحد.
قوله: «بالواحد»، يعني العَدْل، فتدخل المرأة العدل، والعبد العدل وفي تعديل المرأة خلاف فأكثر الفقهاء فيما حكاه القاضي أبو بكر من علمائنا من أهل المدينة وغيرهم أنها لا تُعَدِّل مطلقًا لا في الرواية ولا في الشهادة.
واختار القاضي أنه يُقبل مطلقًا فيهما إلا في الحكم الذي لا تقبل شهادتها فيه [٥٩ - أ]. وإن كان الإمام في «المحصول» أطلق القول بتزكيتها من غير تقييد بما نصه القاضي.
وفي تزكية العبد خلاف أيضًا.
قال الخطيب: والأصل في هذا الباب سؤال النبي ﷺ بَرِيرة في قصة الإفك عن حال عائشة وجوابها ﵂.
وقوله:
٢٦٤ - وَصَحَّحُوا استِغْنَاءَ ذِي الشُّهْرَةِ عَنْ تَزكِيَةٍ، كـ (مَالكٍ) نَجْمِ السُّنَنْ
٢٦٥ - و(لابنِ عَبْدِ البَرِّ) كُلُّ مَنْ عُنِي بِحَمْلِهِ العِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّن
٢٦٦ - فَإنَّهُ عَدْلٌ بِقَوْلِ المُصْطَفَى (يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ) لكِنْ خُوْلِفَا
الشرح: يعني أن العدالة تُعْرَفُ أيضًا بالاستفاضة فيمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو غيرهم من العلماء، أو شاع الثناء عليه بها، فإنه يُستغنى فيه بذلك عن بينة شاهدٍ بعدالته تنصيصًا.
[ ١٧٨ ]
قال ابن الصلاح: وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي ﵁، وعليه الاعتماد في أصول الفقه.
وقوله: «كمالكٍ» ﵁ (خ)، يعني: مثل مالكٍ، وكذا شعبة، والسفيانان، والليث، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد، ومن هو في ضَرْبهم ﵃.
وقوله: «نجم السنن» هكذا قال الشافعي: «إذا ذُكِر الأثر فمالكٌ النجم».
وقوله: «ولابن عبد البر» (خ) يعني: أن ابن عبد البر، وهو أبو عُمر حافظ المغرب. قال: كل حامل علم، معروف بالعناية [به] (١) محمولٌ على العدالة أبدًا حتى يتبين جرحه، واسْتَدَلَّ [٥٩ - ب] على ذلك بحديث أورده العقيلي في «الضعفاء» في ترجمة مُعَان بن رِفَاعة وقال: لا يُعْرَف إلا به. والحديث من رواية مُعَان السلامي، عن إبراهيم عن عبد الرحمن العُذْري، قال: قال رسول الله ﷺ: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ووقع في كتاب «العلل» للخلال أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه كلام موضوع. فقال: لا هو صحيح. فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد قيل له: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول عن مُعانٍ. قال أحمد: ومعان لا بأس به. ووثقه أيضًا ابن المديني، وفيه بحث يطول.
وقوله: «لكن خولفا» يعني ابن عبد البر خولف في اختياره هذا، وفي
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ١٧٩ ]
استدلاله بالحديث. أما اختياره وإن وافقه عليه من المتأخرين أبو عبد الله بن الموَّاق بفتح الميم، وتشديد الواو، وبعده ألف، فقاف، كذا تلقنته من (ن) رحمه الله تعالى في قراءتي عليه هذا الموطن من «النكت له على ابن الصلاح»، فإنه أعني ابن المواق نص في كتابه «بغية النقاد» على أن أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك.
قال ابن الصلاح: وفيما قاله يعني ابن عبد البر اتساع غير مرضي، وأما استدلاله بالحديث فلا يصح من وجهين:
أحدهما [٦٠ - أ]: إرساله وضعفه. والثاني: أن الاستدلال به موقوف على أن لو كان خبرًا، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة، فلم يبق له محمل، إلا على الأمر أي إنه أُمِرَ الثقات بحمل العلم، قالوا: ويدل على ذلك وقوعه في بعض طرق ابن أبي حاتم «ليحمل هذا العلم» بلام الأمر.
قلت: إن صحت هذه فظاهرٌ ما قالوا، وذكر التخلف (١) في كلام الصادق لا يصح لأنه ﷺ قصد المظنة، فاعرفه، والله تعالى أعلم.
وقوله:
٢٦٧ - وَمَنْ يُوَافِقْ غَالِبًا ذا الضَّبْطِ فَضَابِطٌ، أوْ نَادِرًا فَمُخْطِيْ
الشرح: يعني أن الذي يُعرف به ضبط الراوي أن يُعتبر حديثَه بحديث الثقات
_________________
(١) كذا.
[ ١٨٠ ]
الضابطين، فإن وافقهم في رواياتهم لفظًا أو معنىً ولو غالبًا أثبتنا (ح) (١) ضبطه، وإن غَلَبَ على حديثه المخالفة لهم وإن وافقهم فنادر، أثبتنا (ح) خطأه وعدم ضبطه والاحتجاج بحديثه.
وقوله:
٢٦٨ - وَصَحَّحُوا قَبُوْلَ تَعْدِيْلٍ بِلاَ ذِكْرٍ لأسْبَابٍ لَهُ، أنْ تَثْقُلاَ
٢٦٩ - وَلَمْ يَرَوْ قَبُوْلَ جَرْحٍ أُبْهِمَا؛ لِلْخُلْفِ في أسبَابِهِ، وَرُبَّمَا
٢٧٠ - اسْتُفْسِرَ الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ، كَمَا فَسَّرَهُ (شُعْبَةُ) بِالرَّكْضِ، فَمَا
٢٧١ - هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الأثَرْ كـ (شَيْخَيِ الصَّحِيْحِ) مَعْ أهْلِ النَّظَرْ [٦٠ - ب]
الشرح: هذا الفصل الرابع من فصول النوع الأول، وهو أنه يُقبل التعديل من غير ذكر سَبب؛ لأن أسبابه كثيرة فَثَقُل وشَقَّ ذكرُها؛ لأنه يُحْوِجُ أن يقول: ليس يفعل كذا، ولا كذا، عادًّا ما يجب تركه، ويفعل كذا، عادَّا ما يجب عليه فعله.
وقوله: «أن تثقُلا» هو بفتح الهمزة، وتخفيف النون، مصدرية منصوب على العلة، أي: لأجل الثقل.
وقوله: «ولم يروا» (خ) يعني: أن الجرح لا يُقبل إلا مفسرًا؛ لاختلاف الناس في موجبه، فربما يُطْلِقُ أحدُهم الجرح على معتقده، وليس كذلك في نفس
_________________
(١) أي: حينئذ.
[ ١٨١ ]
الأمر، فالبيان برفع ذلك حتى يظهر أهو قادح أم لا، وهذا هو المختار في التعديل والجرح.
وقوله: «وربما» (خ) يعني: أن الدليل على أن الجرح لا يقبل غير مفسر أنه ربما اسْتُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرح.
وروى الخطيب بإسناده إلى محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة لم تركت حديث فلانٍ؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَون، فتركت حديثه.
قلت: ويقرب من ذلك أن النسائي جَرَحَ أحمد بن صالح المصري، فأخذ الناس عليه ذلك، فقال ابن يونس: لم يكن أحمد عندنا كما قال النسائي، لم يكن له آفة غير الكِبْر، وتكلم فيه ابن معين فيما رواه معاوية بن صالح عنه، وفي كلامه ما [٦١ - أ] يشير إلى الكبر، فقال: كذابٌ يتفلسف، رأيته يَخْطر في جامع مصر فنسبته إلى الفلسفة، وأنه يخطر في مشيته انتهى.
وقوله: «فما» (خ) يعني فماذا يلزم من ركضه على برذون.
وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن السماع يكره ممن يقرأ بالألحان.
قلت: وقد نص الإمام مالك ﵁ في «المدونة» على أن القراءة في الصلاة بالألحان والترجيع تَرُدُّ الشهادة انتهى.
وقوله: «هذا» (خ) يعني أن هذه المسألة في ذكر سبب التجريح والتعديل انتهى الخلاف فيها إلى أقوالٍ أربعة، والقول الأول وهو المذكور هو الذي عليه حفاظ الأثر، ويستحق أن يُصَحَّح، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵁ وصَوَّبَهُ الخطيب، وصَحَّحَهُ: أن الجرح لا يُقْبَل إلا مفسرًا.
[ ١٨٢ ]
قال ابن الصلاح: وهو ظاهر مُقَرَّر في الفقه وأصوله.
وقوله:
٢٧٢ - فَإنْ يُقَلْ: (قَلَّ بَيَانُ مَنْ جَرَحْ) كَذَا إذَا قَالُوا: (لِمَتْنٍ لَمْ يَصِحْ)
٢٧٣ - وَأبْهَمُوا، فَالشَّيْخُ قَدْ أجَابَا أنْ يَجِبَ الوَقْفُ إذا اسْتَرَابا
٢٧٤ - حَتَّى يُبِيْنَ بَحْثُهُ قَبُوْلَهْ كَمَنْ أُوْلُو الصَّحِيْحِ خَرَّجُوا لَهْ
٢٧٥ - فَفي (البُخَارِيِّ) احتِجَاجًا (عِكْرِمَه) مَعَ (ابْنِ مَرْزُوْقٍ)، وَغَيْرِ تَرْجُمَهْ
٢٧٦ - وَاحْتَجَّ (مُسْلِمٌ) بِمَنْ قَدْ ضُعِّفَا نَحْوَ (سُوَيْدٍ) إذْ بِجَرْحٍ مَا اكتَفَى [٦١ - ب]
٢٧٧ - قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ (أبُو المَعَاليْ) واخْتَارَهُ تِلْمِيْذُهُ (الغَزَاليْ)
٢٧٨ - و(ابْنُ الخَطِيْبِ) الْحَقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا أطْلَقَهُ العَالِمْ بِأسْبَابِهِمَا
الشرح: لما قَرَّرَ أن الجرح لا يُقْبَل إلا مُفَسَّرًا، وكذلك الحديث الضعيف، أورد على ذلك سؤالًا سأله ابن الصلاح مُلَخَّصُهُ أن يُقال: وجدنا اعتماد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على كتب الجرح والتعديل، وقَلَّ أن يتعرضوا فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على قولهم: «فلانٌ ضعيف»، «ليس بشيء»، ونحو ذلك، أو: «هذا حديث ضعيف»، أو «غير ثابت»، ونحوه، فاشتراط بيان السبب مفضٍ إلى التعطيل، وسَدِّ باب الجرح غالبًا كثيرًا (١).
وقوله: «فالشيخ» (خ) يعني: أن ابن الصلاح أجاب عن ذلك، ملخصه بأنا
_________________
(١) كذا، وعبارة ابن الصلاح: في الأغلب الأكثر.
[ ١٨٣ ]
وإن [لم] (١) نعتمد ذلك في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن يُوقِفَنَا عن قَبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناءً على إيقاع ريبة عندنا فيهم قوية، يجب في مثلها التوقف.
وقوله: «حتى يبين بحثه» (خ) يعني: أنا نقف حتى تنزاح عنه الريبة بالبحث عن حاله فيظهر البحث عنه قبولَه والثقةَ بعدالته.
فقوله: «حتى يُبين» (خ) هو بضم أوله، من «أَبَان» رباعيًا، بمعنى يظهر. و«بحثُه» مرفوع على الفاعل ليُبين. و«قبوله» منصوب به على المفعول.
وقوله «كمن» (خ) يعني أن الخطيب لما نقل عن أئمة [٦٢ - أ] الحديث أن الجرح لا يُقبل إلا مفسرًا، قال: إن (خ) (٢) احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم، كعكرمة مولى ابن عباس في التابعين.
قلت: لكن روى له البخاري قليلًا مقرونًا بغيره، وأعرض عنه مالك إلا في حديث أو حديثين.
وقوله: «ففي البخاري» (خ) قلت: «احتجاجًا» منصوب على التفسير.
و«عكرمة» وما بعده خبرٌ عن قوله «ففي البخاري».
و«عِكرمة» بكسر العين، وإسكان الكاف، وبعده راء مكسورة، فميم، فهاء تأنيث.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) أي: البخاري.
[ ١٨٤ ]
هو أبو عبد الله مولى عبد الله بن عباس الهاشمي المدني، سمع: ابن عباس، والخدري، وأبا هريرة، وابن عمروٍ، وابن عمر، وعائشة، وتُكِلِّم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتُّهِمَ برأي الخوارج، ووثَّقَهُ جماعة، ومما أُنكر عليه ما حدثه حماد بن زيد في آخر يوم مات فيه فقال: أحدثكم بحديث لم أحدث به قط؛ لأني أكره أن ألقى الله تعالى ولم أحدث به: سمعت أيوب يحدث عن عكرمة قال: «إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به».
قال الذهبي في «الميزان»: ما أسوأها عبارة، وأخبثها، بل أنزله ليهدي به، وليضل به الفاسقين. انتهى.
وقول بعض المفسرين في قوله: ﴿لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨]، نقلًا عنه بسنده أنه سُئل عن رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق. قال: لا يجلد غلامه، ولا تَطْلُق امرأته، هذه من خطوات الشيطان. انتهى [٦٢ - ب].
و«ابن مرزوق» هو عمرو الباهلي البصري، يروي عن عكرمة بن (١) عمارٍ، وشعبة. وروى عنه (خ) (٢) لكن مقرونًا بآخر، و(د) (٣) والجمَحي أبو خليفة (٤) وعدة.
_________________
(١) في الأصل: ثم. خطأ.
(٢) أي: البخاري.
(٣) أي: أبو داود.
(٤) اسمه: الفضل بن الحباب.
[ ١٨٥ ]
قال القواريري: كان يحيى القطان لا يرضاه في الحديث.
وقال ابن حرب: جاء بما ليس عندهم فحسدوه.
وعن ابن المديني: اتركوا حديث العَمْرين: عمرو بن مرزوق، وعمرو بن حكام. ووثقه أبو حاتم، والإمام أحمد.
كان يحضر مجلسه عشرة آلاف رجلٍ، وأحصن ألفَ امرأة أو أكثر، لما سئل أتزوجت ألف امرأة؟ فقال: أو أكثر.
وأما عمرو بن مرزوق الواشحي فشيخ صدوق، لا مَطْعَنَ فيه، قد روى عنه الحَوْضي ومسلم، فكان حق شيخنا (ن) التنبيه عليه، فاعرفه. انتهى.
وقوله: «وغيرِ ترجمة».قلت: هو بجر «غير» عطفًا على المجرور بمع، والتقدير مع ابن مرزوق ومع جماعة أُخر لم تحطهم هنا ترجمة.
والترجمة: بفتح الجيم، مصدرية، ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر، ومنه الترجمان بفتح التاء، وضمها.
وقوله: «واحتج» (خ) يعني: وهكذا قول مسلم فإنه احتجَّ بسويد بن سعيدٍ، وجماعةٍ غيرهم، اشتهر عمن ينظر في حال الرواة الطعن عليهم، وقد سلك أبو داود هذه الطريقة وغير واحدٍ ممن بعده.
قلت: «وسويد» هذا هو: ابن سعيد، أبو محمد الهروي الأنباري. روى عنه البغوي [٦٣ - أ] وخلق، كان صاحب حديث وحفظ؛ إلا أنه عُمِّرَ وعَمِى فربما لُقِّن ما ليس من حديثه، وهو صادق في نفسه. وأما ابن معين فكذبه، وسَبَّهُ لما ذُكِرَ له حديثه فيمن عشق وعَفَّ وكتم، وقال: لو كان لي فرسٌ
[ ١٨٦ ]
ورمح لغزوت سويدًا. انتهى.
وأما سويد بن سعيد الدقاق فلا يكاد يُعْرَف، فكان حق شيخنا (ن) التنبيه عليه انتهى.
وقوله: «بجرح» يعني: بمطلق جرح؛ لأن سويدًا صدوقٌ في نفسه، كما نص عليه أبو حاتم وغيره، وقد ضعفه البخاري فقال: حديثه منكرٌ. والنسائي فقال: ضعيف. ولم يفسر الجرح، وإنما روى مسلم عن سويد لطلب العلو مهما صح عنده بنزول، ولم يخرِّج عنه ما تفرد به.
قال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلمٍ: كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح؟ قال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة؟ لأن مسلمًا لم يرو عن أحد ممن سمع من حفص في الصحيح إلا عن سويد فقط.
وقوله «قلت»: هذا من الزوائد على ابن الصلاح، وهو الرد على السؤال الذي ذكره؛ لأن إمام الحرمين نص في «البرهان» على أن الحق أن المزكِّي إن كان عالمًا بأسباب الجرح والتعديل كفانا إطلاقه، وإلا فلا، واختاره الغزالي، والإمام فخر الدين الرازي.
قوله: «تلميذه» [٦٣ - ب]. قلت: هو بالذال المعجمة، أدخله الجواليقي في «المُعَرَّب» وذكر أنه غلام الصَّاغة.
وقوله: «وابن الخطيب» هو الإمام فخر الدين الرازي.
وقوله:
٢٧٩ - وَقَدَّمُوا الجَرْحَ، وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ فَهْوَ المُعْتَبَرْ
[ ١٨٧ ]
الشرح: هذا فصل خامس من الفصول للنوع الأول، وهو أن يجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مُقَدَّم لزيادة العلم، ولو كان المعدِّلون أكثر، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء، وصححه ابن الصلاح، والأصوليون كالإمام فخر الدين والآمدي.
وقوله: «وقيل» (خ) هذا قول آخر في المسألة، وهو إن كان عدد المعدِّلين أكثر ورُجِّحَ التعديل، حكاه الخطيب في «الكفاية»، والإمام في «المحصول».
وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن الحاجب وأهمله (ن) لما كان كلام الخطيب يقتضي نفيه لقوله: اتفق أهل العلم على أن من جرحه الواحد والاثنان وعدَّله مثل عدد من جرحه فإن الجرح به أولى. فأنت ترى في هذه الصورة حكاية الإجماع على تقديم الجرح، خلاف ما حكاه ابن الحاجب (١).
وقوله: «الأكثر» هو بالنصب على الحال وعرف كما قرئ شذوذًا ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] على أن «يخرج» ثلاثي قاصرٍ، و«الأذل» حال.
وقوله:
٢٨٠ - وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ لَيْسَ يَكْتَفِيْ بِهِ (الخَطِيْبُ) والفَقِيْهُ (الصَّيْرَفِيْ)
الشرح: هذا الفصل السادس من فصول النوع الأول، وهو أن [٦٤ - أ]
_________________
(١) الذي حكاه ابن الحاجب هو أنه «يتعارض الجرح والتعديل فلا يرجح أحدهما إلا بمرجح».
[ ١٨٨ ]
التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدَّل لا يُكتفَى به في التوثيق، فلو قال: «حدثني الثقة» لم يكفِ، وبذلك قطع الخطيب والصَّيرفي أبو بكر، وأبو نصر بن الصباغ من الشافعية، وغيرهم، وهو الصحيح.
وقوله:
٢٨١ - وَقِيْلَ: يَكْفِي، نَحْوُ أنْ يُقالا: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، بَلْ لَوْ قَالاَ:
٢٨٢ - جَمِيْعُ أشْيَاخِي ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ أُسَمِّ، لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ
الشرح: في التعديل على الإبهام قولان آخران أحدهما: أنه يُقْبَل مطلقًا كما لو عينه لأنه مأمون في الحالتين وحكاه في «العدة» عن أبي حنيفة ﵁، وهو ماش على قول من يحتج بالمرسل وأولى بالقبول.
وقوله: «بل» (خ) يعني أن الخطيب زاد على القول الأول بأن قال: لو صَرَّح بأن جميع شيوخه ثقات ثم روى عَمَّن لم يُسَمِّه أنَّا لا نعمل بتزكيته له، نعم لو قال العالم: كل من أروي لكم عنه وأسميه فهو عَدْل رَضِيٌّ مقبول، كان تعديلًا لكل من روى عنه وسماه، جزم بذلك الخطيب، وقال: سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدي. قال البيهقي: ومالك بن أنس ﵁، وقد روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق لخفاء حاله عليه.
وقوله:
٢٨٣ - وَبَعْضُ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ عَالِمٍ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ
الشرح: هذا القول الثالث في التعديل على الإبهام، وحكاه ابن [٦٤ - ب] الصلاح عن اختيار بعض المحققين، وهو أنه إن كان القائل «حدثني الثقة»
[ ١٨٩ ]
عالمًا أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه، كقول مالك: «أخبرني الثقة»، وقول الشافعي ذلك في مواضع، وحدثني (١) بعض العلماء ما أبهما من ذلك باعتبار شيوخهما.
فحيث قال مالك: حدثني الثقة -عنده- عن بكير بن عبد الله بن الأشج، فالثقة مخرمة بن بكير. وحيث قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب، فقيل الثقة عبد الله بن وهب، وقيل الزهري. هكذا نص أبو عمر.
وإذا قال الشافعي في كتبه: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب، فهو ابن أبي فديك.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد، فهو يحيى بن حسان.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن صالح مولى التوأمة، فهو إبراهيم بن يحيى، نَصَّ على ذلك محمد بن الحسين الأبري السجستاني في «فضائل الشافعي» ﵁.
وقوله:
٢٨٤ - وَلَمْ يَرَوْا فُتْيَاهُ أوْ عَمَلَهُ -عَلَى وِفَاقِ المَتْنِ- تَصْحِيْحًَا لَهُ
٢٨٥ - وَلَيْسَ تَعْدِيلًا عَلَى الصَّحِيْحِ رِوَايَةُ العَدْلِ عَلَى التَّصْرِيْح
_________________
(١) كذا، ويظهر لي أن صوابها: «حدد» وعبارة الناظم في شرحه (١/ ٣٤٨): وقد بين بعض العلماء بعض ما أبهما
[ ١٩٠ ]
الشرح: يعني أنه ليس عمل العالم أو فتياه على وِفق حديث حُكمًا بصحته، ولا مخالفته له جرحًا فيه أو في راويه.
وقوله: «وليس» (خ) يعني أن العدل إذا روى عن شيخ بصريح اسمه فهل [٦٥ - أ] هو تعديل أم لا فيه أقوال ثلاثة:
أحدها: ليس بتعديل، وهو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم لجواز روايته عن غير عدلٍ.
والثاني: أنه تعديل مطلقًا حكاه الخطيب وغيره، وحكاه الصيرفي بأن الرواية تعريفٌ له، والعدالة بالخبرة. وأجاب الخطيب بأنه قد لا يَعْلم عدالته ولا جرحه.
والقول الثالث: إن كان لا يروي إلا عن عدلٍ كانت روايته تعديلًا وإلا فلا، واختاره السيف الآمدي، وابن الحاجب، وغيرهما.
قلت: وكذلك إذا حَكَمَ بشهادته حاكمٌ يَشْتَرِطُ العدالةَ في الشهادة فهو تعديل له، انتهى.
وقوله:
٢٨٦ - وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْبَلُ المَجْهُوْلُ؟ وَهْوَ -عَلَى ثَلاَثَةٍ- مَجْعُوْلُ
٢٨٧ - مَجْهُوْلُ عَيْنٍ: مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَطْ وَرَدَّهُ الاكْثَرُ، وَالقِسْمُ الوَسَطْ:
٢٨٨ - مَجْهُوْلُ حَالٍ بَاطِنٍ وَظَاهِرِ وَحُكْمُهُ: الرَّدُّ لَدَى الجَمَاهِرِ،
٢٨٩ - وَالثَّالِثُ: المَجْهُولُ لِلعَدالَهْ في بَاطِنٍ فَقَطْ. فَقَدْ رَأَى لَهْ
[ ١٩١ ]
٢٩٠ - حُجِّيَّةً -في الحُكْمِ-بَعْضُ مَنْ مَنَعْ مَا قَبْلَهُ، مِنْهُمْ (سُلَيْمٌ) فَقَطَعْ
٢٩١ - بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ: إنَّ العَمَلا يُشْبِهُ أنَّهُ عَلَى ذَا جُعِلا
٢٩٢ - في كُتُبٍ منَ الحَدِيْثِ اشْتَهَرَتْ خِبْرَةُ بَعْضِ مَنْ بِهَا تَعَذَّرَتْ
٢٩٣ - في بَاطِنِ الأمْرِ، وبَعْضٌ يَشْهَرُ ذَا القِسْمَ مَسْتُوْرًَا، وَفِيْهِ نَظَرُ
الشرح: هذا الفصل السابع من فصول النوع الأول وهو رواية المجهول هل تقبل أم لا؟
وقوله: «وهو» (خ) يعني أن المجهول [٦٥ - ب] أقسامه ثلاثة: مجهول العين، ومجهول الحال ظاهرًا أو باطنًا، ومجهول الحال باطنًا.
وقوله: «مجهول» (خ) هذا القسم الأول وهو مجهول العين فضَبَطَهُ (ن) بأنه من لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، وتبع في ذلك ابن عبد البر.
وقال الخطيب: هو كلُّ من لم تعرفه العلماء، ولم يُعْرَف حديثُهُ إلا من راوٍ واحد. وأهمله (ن) فما عرَّفه.
وقوله: «ورده» (خ) يعني أن هذا القسم فيه أقوال، والصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم أنه لا تقبل.
والثاني: يقبل مطلقًا.
والثالث: إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدلٍ كابن مهدي، واكتفينا في التعديل بالواحد، قُبل وإلا فلا.
[ ١٩٢ ]
والرابع: يُقْبَل إن اشتهر بالزهد أو النَّجدة [في] (١) غير العلم، واختاره أبو عمرو.
الخامس: إن زَكَّاهُ أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قُبِلَ وإلا فلا، واختاره أبو الحسن بن القَطَّان في «بيان الوهم والإيهام» له.
وقوله: «والقسم» (خ) هذا القسم الثاني، وهو مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا مع عرفان عينه برواية عدلين عنه. وفيه أقوال:
أحدها -وهو قول الجماهير-: لا تقبل روايته، وعليه اقتصر (ن).
وقوله: «والثالث» (خ) هذا القسم الثالث، وهو مجهول العدالة الباطنة، وهو عدل ظاهر (٢) [٦٦ - أ] فهذا يحتج به بعضُ من رد القسمين الأولين، وبه قطع من ذكره.
وقوله: «منهم سُليم». قلت: هو بضم السين، وهو الإمام ابن أيوب الرازي انتهى.
وقوله: «وقال الشيخ» (خ) يعني ابن الصلاح أن العمل على قول سُليم في أكثر كتب الحديث المشهورة فيمن تقادَم عهدُهم وتَعَذَّرَت معرفتهم، وأطلق الشافعي ﵁ كلامه في «اختلاف الحديث» قولَهُ: إنه لا يُحتج بالمجهول.
وحكى البيهقي في «المدخل» أن الشافعي لا يحتج بأحاديث المجهولين.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) كذا، ولعل صوابها العبارة وهو عدل في الظاهر.
[ ١٩٣ ]
وقوله: «وبعضٌ» (خ) يعني أن ابن الصلاح نقل عن بعض الأئمة أن هذا القسم الأخير هو المستور، وعَيَّنَ (ن) هذا البَعْض بأنه البَغَوي نَصَّ عليه بحُروف ما نقله ابن الصلاح في «التهذيب» (١) قال: وتبعه عليه الرافعي، وحكى الرافعي في الصوم وجهين في قبول رواية المستور من غير ترجيح، ثم قال: وصحح النووي في «شرح المهذب» قبول رواية المستور.
و«يَشْهَر» بفتح أوله وفتح الهاء من شهر الأمر يَشهَرُ شُهورًا.
وقوله: «وفيه نظر» من الزوائد على ابن الصلاح التي لم تتميز بقلت، ووجه النظر أن الشافعي في عبارته في اختلاف الحديث ما يقضي بأن ظاهري العدالة من يحكم الحاكمُ بشهادتهما، وعليه فلا يُقال لمن يكون عدلًا في الظاهر فقط مستور، ونقل الروياني [٦٦ - ب] في «البحر» نص الشافعي في «الأم» أنه لو حضر العقد رجلان مسلمان ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة انعقد النكاح بهما في الظاهر، قال: لأن الظاهر من المسلمين العدالة انتهى.
وقوله:
٢٩٤ - وَالخُلفُ في مُبْتَدِعٍ مَا كُفِّرَا قِيْلَ: يُرَدُّ مُطلَقًَا، وَاسْتُنْكِرَا
٢٩٥ - وَقْيِلَ: بَلْ إذا اسْتَحَلَّ الكَذِبَا نُصْرَةَ مَذْهَبٍ لَهُ، وَنُسِبَا
٢٩٦ - (لِلشَّافِعيِّ)، إذْ يَقُوْلُ: أقْبَلُ مِنْ غَيْرِ خَطَّابِيَّةٍ مَا نَقَلُوْا
_________________
(١) كذا وعبارة الناظم في شرحه (١/ ٣٥٥) وهذا الذي نقل-ابن الصلاح- كلامه آخرًا، ولم يسمه، هو البغوي، فهذا لفظه بحروفه في «التهذيب».
[ ١٩٤ ]
٢٩٧ - وَالأكْثَرُوْنَ - وَرَآهُ الأعْدَلاَ - رَدُّوَا دُعَاتَهُمْ فَقَطْ، وَنَقَلا
٢٩٨ - فِيهِ (ابْنُ حِبَّانَ) اتِّفَاقًَا، وَرَوَوْا عَنْ أهْلِ بِدْعٍ في الصَّحِيْحِ مَا دَعَوْا
الشرح: الفصل الثامن من فصول النوع الأول: رواية مُبتدع لم يُكَفَّر في بدعته، وفيه أقوال:
فقيل: يُرد مطلقًا لأنه فسق ببدعته وإن تأول، فيرد كالفاسق بغير تأويل، كما استوى الكافر متأولًا وغير متأول، وهو المروي عن مالك فيما نصه الخطيب عنه.
قلت: ونصوص «المدونة» في غير ما موطن تشهد له، انتهى.
وقوله: «واستنكرا» يعني أن ابن الصلاح استبعد هذا القول بأن كتب المحدثين ملأى بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة.
وقوله: «وقيل» (خ) هذا القول الثاني: أنه يُقبل إن لم يكن ممن يستحل الكذب لنصرة مذهبه، أو لأهل مذهبه، سواءً كان [٦٧ - أ] داعية أم لا، وإن كان ممن يستحل لم يُقبل.
وقوله: «ونسبا» (خ) يعني أن هذا القول نسبه الخطيبُ للشافعي، لقوله: أَقْبَل شهادة أهل الأهواء إلا الخطَّابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
وروى البيهقي في «المدخل» عن الشافعي أنه قال: ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة.
وقوله: «من غير خطابية». قلت: الخطَّابية بفتح الخاء المعجمة، وتشديد
[ ١٩٥ ]
الطاء المهملة، وبعده ألف، فباء موحدة، فياء مثناة تحت مشددة، نسبة إلى رئيسهم أبي الخطَّاب، وهم جماعة يزعمون أن الله حَلَّ في علي، ثم في الحسن، ثم في الحسين، ثم في زين العابدين، ثم في الباقر، ثم في الصادق، وتوجَّهوا هؤلاء إلى مكة في زمان جعفر الصادق وكانوا يعبدونه، فلما سمع الصادق بذلك لَعَنَهُم فبلغ ذلك أبا الخطاب فزعم أن الله قد انفصل عن جعفر وحلَّ فيه، ثم قُتل، لعنه الله، ولعن فريقه، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. انتهى.
وقوله: «والأكثرون» (خ) هذا قول ثالث، وهو: أنه إن كان داعيةً لمذهبه لم يُقبل، وإلا قُبِل، وهذا الذي عليه الأكثر، وإليه ذهب الإمام أحمد في نَصِّ الخطيب، ونَقَلَ ابنُ حبان في اتفاقَهُم عليه.
وقوله: [٦٧ - ب] «ونَقَلا فيه ابن حبان» (خ) يعني أن ابن حبان نقل اتفاق العلماء في رَدِّ رواية الدَّاعية، وفي قبول غير الداعية أيضًا، وإن كان ابن الصلاح قصر ذلك على الصورة الأولى دون الثانية، ويدلُّ على عموم نقل الاتفاق أن ابن حبان نَصَّ في «تاريخ الثقات» في ترجمة جعفر بن سليمان الضُّبَعي على أنه ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعةٌ ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره.
ونَقَلَ (ن) (١) في المسألة قولًا رابعًا زيادة على ابن الصلاح، وهو أنه تُقبل أخبارهم مطلقًا وإن كانوا كفارًا أو فساقًا بالتأويل، حكاه الخطيب عن
_________________
(١) (١/ ٣٥٩).
[ ١٩٦ ]
جماعة من النقلة والمتكلمين.
و«ابن حبان» هذا بكسر الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة.
وقوله: «رآه الأعدلا» جُمْلة لا محل لها لاعتراضها بين المبتدأ الذي هو «الأكثرون» وبين الخبر الذي هو «رَدُّوا».
وقوله: «وردوا» (خ) يعني أن في الصحيحين كثيرًا من أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجًا واستشهادًا كعمران بن حطَّان، وداود بن الحصين، وغيرهما.
ونص الحاكم في «تاريخ نيسابور» في ترجمة محمد بن الأخرم أن كتاب مسلم ملآن من الشيعة.
وقوله: «والُخلْفُ» (خ) احترز به عن المبتدع الذي كُفِّر ببدعته كالمجسمة إن قيل بتكفيرهم على الخلاف [٦٨ - أ] في ذلك، خلافًا لابن الصلاح.
وقوله:
٢٩٩ - وَ(لِلحُمَيْدِيْ) وَالإمَامِ (أحْمَدَا) بأنَّ مَنْ لِكَذِبٍ تَعَمَّدا
٣٠٠ - أيْ فِي الحَدِيْثِ، لَمْ نَعُدْ نَقْبَلُهُ وَإنْ يَتُبْ، وَ(الصَّيْرَفِيِّ) مِثْلُهُ
٣٠١ - وَأطْلَقَ الكِذْبَ، وَزَادَ: أنَّ مَنْ ضُعِّفَ نَقْلًا لَمْ يُقَوَّ بَعْدَ أنْ
٣٠٢ - وَلَيْسَ كَالشَّاهِدِ، وَ(السَّمْعَانِي أبُو المُظَفَّرِ) يَرَى فِي الجَانِي
٣٠٣ - بِكَذِبٍ فِي خَبَرٍ إسْقَاطَ مَا لَهُ مِنَ الحَدِيْثِ قَدْ تَقدَّمَا
الشرح: هذا الفصل التاسع من فصول النوع الأول، وهو: من تَعَمَّد الكذبَ
[ ١٩٧ ]
في حديث رسول الله ﷺ فإنه لا تُقبل روايته أبدًا، وإن تاب وحسنت توبته، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم، ومنهم الإمام أحمد، والحُميدي شيخ البخاري أبو بكر، بخلاف الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق فإنه تقبل رواية التائب منه.
وقوله: «والصيرفي» (خ) يعني أن الصيرفي نص في «شرح الرسالة» للشافعي على أن كلَّ من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نَعُد نقبله بتوبةٍ تظهر.
وقوله: «وزاد» (خ) يعني أن الصَّيرفي زاد أيضًا فقال: ومن ضَعَّفْنَا نقله لم نجعله قويًا بعد ذلك، وذكر أن ذلك فيما افترقت فيه الرواية والشهادة.
قال شيخنا (ن) ﵀ قلت: الظاهر أنه إنما أراد [٦٨ - ب] الكذب في حديث رسول الله ﷺ لا مطلقًا، بدليل قوله: «من أهل النقل» أي: الحديث، ويدل [على ذلك] (١) أنه قيده بالمحدث فيما رأيته في كتاب «الدلائل» و«الإعلام» له، فقال: وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول عمَدْتُ الكذب (خ) انتهى.
وقوله: «والصيرفي» هو بالجر عطفًا على «وللحميدي».
وقوله: «بعد أن» يعني: بعد أن ضُعِّفَ فحذفه لدلالة «ضُعِّفَ» المتقدم عليه.
وقوله: «وليس» (خ) يعني أن هذا مما افترق [فيه] (٢) الشاهد من الراوي.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) زيادة من عندي.
[ ١٩٨ ]
وقوله: «والسمعاني» (خ) يعني أن السمعاني ذكر أن من كذب في خبر واحدٍ وجَبَ إسقاط ما تَقَدَّمَ من حديثه.
قلت: «والسَّمعاني» بفتح السين المهملة، وإسكان الميم، وبعده عين مهملة، فألف، فنون مكسورة، نسبة إلى سَمْعَان بن تميم، انتسب إليه أبو سعد السمعاني وأهله.
قال أبو سعد: هكذا سمعت سَلَفي يذكرون ذلك، وهم جماعة أئمة علماء فقهاء محدثون، منهم الإمام أبو منصور محمد كان إمامًا في العربية وله فيها تصانيف مفيدة، وولده أبو المظفر وهو منصور الفقيه الإمام المشهور له تصانيف في الفقه وأصوله والحديث، وهو صاحب كتاب «الاصطلاح» وكان حنفيًا فصار شافعيًا سنة اثنين وستين وأربعمائة [٦٩ - أ] سمع أباه وغيره.
وقوله:
٣٠٤ - وَمَنْ رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَكَذَّبَهْ فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ
٣٠٥ - لاَ تُثْبِتَنْ بِقَوْلِ شَيْخِهِ، فَقَدْ كَذَّبَهُ الآخَرُ، وَارْدُدْ مَا جَحَدْ
٣٠٦ - وَإنْ يَرُدَّهُ بِـ (لاَ أذْكُرُ) أوْ مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ، فَقَدْ رَأوْا
٣٠٧ - الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ، وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِم
٣٠٨ - كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ إذْ نَسِيَهُ (سُهَيْلٌ) الَّذِي أُخِذْ
٣٠٩ - عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ (رَبِيْعَهْ) عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يَضِيْعَهْ
[ ١٩٩ ]
٣١٠ - وَ(الشَّافِعي) نَهَى (ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ) يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَم
الشرح: الفصل العاشر من فصول النوع الأول أن يروي ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا يكذبه المروي عنه صريحًا، كقوله: كذب علي، أو بنفي جازمٍ كقوله: ما رويت هذا له. فقد تعارض قولهما، ولا يكون ذلك قادحًا في عدالتهما وباقي رواياتهما.
وقوله: «ولكن» (خ) يعني: أنا نرد ما جحده الأصل؛ لأن الراوي عنه فرعه، ولا نثبت كذب فرعه بقول أصله له: «ما قاله» حتى يكون ذلك جرحًا له؛ لأنه أيضًا يكذب أصله الذي هو شيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما بأولى من الآخر فتساقطا.
و«كَذِبَه» بفتح الكاف، وكسر الذال مخففة، منصوب مفعولًا مقدمًا لقوله «لا» تُثبتن من أَثْبَتَ [٦٩ - ب] الرباعي.
وقوله: «واردُد» (خ) يعني اردُد من حديث الفرع إذا نفى أصله تحديثه للفرع به خاصة، ولا يُرَدّ من حديث الأصل نفسه إذا حدث به.
وقوله: «وإن يَرُدَّه» (خ) يعني أن الأصل إذا لم يُكَذِّب فرعه صريحًا، ولكن قال: لا أذكره، أو لا أعرفه، ونحوه مما يقتضي جواز كونه نسيه فذلك لا يقتضي رُدَّ رواية الفرع عنه.
وقوله: «فقد رأوا» (خ) يعني أنه مع ذلك اختلف هل الحكم للذاكر الذي هو الفرع، أو للأصل الناسي؟ فذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء والمتكلمين إلى قبول ذلك، وأن نسيان الأصل لا يُسْقِط العمل بما نسيه،
[ ٢٠٠ ]
وصححه ابن الصلاح.
وقوله: «وحُكِىَ» (خ) يعني أن بعضهم ذهب إلى إسقاطه بذلك، وحكاه ابن الصباغ في «العدة» عن أصحاب أبي حنيفة.
وقوله: «كقصة» (خ) هذا مثاله وهو الحديث الذي رواه (د) و(ت) و(ق) (١) من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد».
قال (د) في رواية: إن عبد العزيز الدراوردي قال: قد ذكرتُ ذلك لسهيل، فقال أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كانت أصابت سهيلًا عِلَّة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل [٧٠ - أ] بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه.
وقوله: «فكان بعدُ» هو بضم الدال مبنيًا.
وقوله: «لن يَضيعَه» هو بفتح أوله من ضاع يضيع.
وقوله: «والشافعي» (خ) يعني أنه روى عن الشافعي ﵁ أنه قال لابن عبد الحكم: إياك والرواية عن الأحياء.
وفي رواية البيهقي في «المدخل»: لا تُحَدِّث عن حي، فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان. قاله له حين روى عن الشافعي حكاية فأنكرها ثم ذكرها.
٣١١ - وَمَنْ رَوَى بأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ (إسْحَاقُ) و(الرَّازِيُّ) و(ابْنُ حَنْبَلِ)
_________________
(١) أي: ابن ماجه القزويني.
[ ٢٠١ ]
٣١٢ - وَهْوَ شَبيْهُ أُجْرَةِ القُرْآنِ يَخْرِمُ مِنْ مُرُوْءَةِ الإنْسَان
٣١٣ - لَكِنْ (أبُوْ نُعَيْمٍ الفَضْلُ) أَخَذْ وَغَيْرُهُ تَرَخُّصًَا، فإنْ نَبَذْ
٣١٤ - - شُغْلًا بِهِ - الكَسْبَ أجِزْ إرْفَاقَا، أفْتَى بِهِ الشَّيْخُ (أبُوْ إسْحَاقا)
الشرح: الحادي عشر من فصول النوع الأول وهو قبول رواية من يُحَدِّث بالأجر. فذهب الإمام أحمد، وإسحاق، وأبو حاتم الرازي إلى أنه لا يقبل.
وقوله: «وهو شبيه» (خ) هكذا قال ابن الصلاح أنه شبيه بأخذ الأجر على تعليم القرآن وغيره، إلا أن في هذا عرفًا الخُرْم للمروءة، والظن السيء بفاعله.
وقوله: «يَخْرِمُ». قلت: هو بفتح أوله، وبالخاء المعجمة، وبعدها راء مهملة مكسورة فميم، من خرم منه إذا نقص، ومعناه أن أخذ الأجر على التحديث لا على القرآن ينقص [٧٠ - ب] المروَّة، ويطرق التهمة.
وعلى هذا فيُعرب «وهو» مبتدأ، وقوله: «شبيه» خبره، وقوله «يخرم» خبرٌ بعد خبر.
وحكى السمعاني في «الذيل» عن أبي الغنائم محمد بن علي الدجاجي أنه كان ذا وجاهة وحالٍ واسعةٍ، كريمًا جوادًا، أحنى الزمان عليه، قال: وقصدته في جماعة من الطلبة المُبرين وهو موعوك في مرضه، فدخلنا عليه وهو على نارية مُحْرِقَة وعليه جُبَّة قد أكلت النار أكثرها، وليس في بيته ما يساوي درهمًا، فَحَمَل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شَرَهِ أصحاب الحديث، وأطلنا عليه وهو متحمل المشقة في إكرامنا وبسطنا، فلما خرجنا من داره،
[ ٢٠٢ ]
قلتُ: هل مع ساداتنا ما يصرفه في نفقة هذا الشيخ، فإنه واقعٌ مَوْقِعَه، ولا قربة أولى من ذلك، ولا أظن أنا نلقاه بعد فمال الجماعة إلى ذلك، وأخرج كلٌّ منهم ما تيسر، واجتمع خمسة مثاقيل، واحتشمته في تسليمها إليه، فلما دخلتُ عليه وسلمت إليه المبلغ وأعلمته وجه ذلك لطم على وجهه ونادى وافضيحتاه آخذ على حديث رسول الله ﷺ عوضًا لا والله لا والله ثلاثًا، ونهض حافيًا إلى خارج منزله ينادي خلفي بحرمة ما بيننا إلا رجعت، فعدتُ فبكى وقال: تفضحني مع أصحاب الحديث، الموت أهون من ذلك، وسَلَّمَهُ إليَّ فأعدته على الجماعة فلم يقبلوه، فنفد [٧١ - أ] إلى جامع الرَّصافة فَفُرِّق على الفقراء المقيمين به انتهى.
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن أبا نعيم الفضل بن دكين رخص في أخذ الأجرة على التحديث.
وقوله: «وغيره» (١).
وقوله: «فإن نَبْذ» (خ) قلت: «نبذ» بالنون، والباء الموحدة، والذال المعجمة، من نَبَذْتَ الشيء إذا ألقيته، ومعناه إن ألقى -لاشتغاله بالتحديث- الكسبَ لعياله.
فـ «شغلًا» منصوبٌ على العلة. والضمير المجرور بالباء يعود على التحديث.
و«الكسب» منصوبٌ على المفعول لنَبْذ.
وقوله: «أجز» جواب الشرط. ويعني أن هذا الذي يُحَدِّث بالأجر يَلْحَقه ما
_________________
(١) وقع في هذا الموضع بياض في الأصل المخطوط يقدر بخمسة سطور.
[ ٢٠٣ ]
ذكره إلا أن يقترن ذلك بِعُذْر ينفي ذلك عنه، مثل ما حَدَّث أبو المظفر السمعاني، عن أبيه الحافظ أبي سعد السمعاني: أن أبا الفضل محمد بن ناصر ذكر أن أبا الحسين بن النَّقُّور فعل ذلك؛ لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه [٧١ - ب] بجواز [أخذ] (١) الأجر على التحديث لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله.
وقوله:
٣١٥ - وَرُدَّ ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ كَالنَّوْمِ وَالأدَا كَلاَ مِنْ أصْلِ،
٣١٦ - أوْ قَبِلَ التَّلقِيْنَ، أوْ قَدْ وُصِفَا بِالمُنْكَرَاتِ كَثْرَةً، أوْ عُرِفَا
٣١٧ - بِكَثْرَةِ السَّهْوِ، وَمَا حَدَّثَ مِنْ أصْلٍ صَحِيْحٍ فَهْوَ رَدٌّ، ثُمَّ إنْ
٣١٨ - بُيِّنْ لَهُ غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ، سَقَطَ عِنْدَهُمْ حَدِيْثُهُ جُمَعْ
٣١٩ - كَذَا (الحُمَيْدِيُّ) مَعَ (ابْنِ حَنْبَلِ) و(ابْنِ المُبَارَكِ) رَأَوْا فِي العَمَل
٣٢٠ - قَالَ: وَفيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ إذَا كَانَ عِنَادًَا مِنْهُ مَا يُنْكَرُ ذَا
الشرح: الثاني عشر من فصول النوع الأول رواية من عُرِفَ بالتساهل في سماع الحديث وإسماعه، كمن ينام هو أو شيخه في حال السماع، ولا يبالي بذلك.
وكذلك رَدُّوا رواية من عُرِفَ [٧٢ - أ] بالتساهل في حالة الأداء للحديث، كأن يؤدي لا من أصلٍ صحيحٍ مقابَلٍ على أصله، أو أصل شيخه.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ٢٠٤ ]
وكذا رَدُّوا روايةَ من عُرِفَ بقبول التلقين في الحديث، وهو أن يُلَقَّن الشيء فيُحدِّث به من غير أن يعلم أنه من حديثه، كموسى بن دينار ونحوه.
وكذلك رَدُّوا حديث من كَثُرَت المناكير والشواذ في حديثه، كما قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ.
وكذلك رَدُّوا رواية من عُرِفَ بكثرة السَّهْو في رواياته إذا لم يُحَدِّث من أصل صحيح.
وقوله: «وما حدث» (خ) جملة في موضع نصب على الحال، أي: ورُدَّ حديث من عُرِف بكثرة السهو في حال كونه ما حَدَّثَهُ من أصلٍ صحيح، أما إذا حَدَّثَ من أصلٍ صحيحٍ فالسماع صحيح، وإن عرف بكثرة السهو؛ لأن اعتماد (ح) (١) على الأصل لا على حفظه.
قال الشافعي في «الرسالة»: من كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تقبل شهادته.
وقوله: «فهو رد» يعني: مردود.
وقوله: «ثم إن» (خ) يعني أَنَّ من أَصَرَّ على غلطه بعد البيان، فورد عن ابن المبارك وأحمد والحُميدي وغيرهم أَنّ من غَلط في حديثٍ وبُيِّنَ له غَلَطه فلم يرجع عنه وأَصَرَّ على رواية ذلك الحديث سَقَطَت رواياته ولم يكتب عنه.
_________________
(١) أي: حينئذ.
[ ٢٠٥ ]
وقوله: «قال» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: في هذا نظر، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك.
قال ابن حبان: مَنْ بُيِّنَ له خطؤه، وعَلِمَ فلم يرجع عنه، وتمادى في ذلك كان كذابًا بعلم صحيح.
٣٢١ - وَأعْرَضُوا فِي هَذِهِ الدُّهُوْرِ عَنِ اجتِمَاعِ هَذِهِ الأمُوْر
٣٢٢ - لِعُسْرِهَا، بَلْ يُكْتَفَى بِالعَاقِلِ المُسْلِمِ البَالِغِ، غَيْرِ الفَاعِل
٣٢٣ - لِلفِسْقِ ظَاهِرًَا، وَفِي الضَّبْطِ بأنْ يَثْبُتَ مَا رَوَى بِخَطٍّ مُؤْتَمَنْ [٧٢ - ب]
٣٢٤ - وَأنَّهُ يَرْوِي مِنَ اصْلٍ وَافَقَا لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا
٣٢٥ - لِنَحْوِ ذَاكَ (البَيْهَقِيُّ)، فَلَقَدْ آلَ السَّمَاعُ لِتَسَلْسُلِ السَّنَدْ
الشرح: الثالث عشر من فصول النوع الأول: أَعْرَضَ الناسُ في هذه الأعصار عن مجموع الشروط المذكورة لعُسْرِها وتَعَذُّرِ الوفاء بها، واكتفوا من عدالة الراوي بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق وما يخرم المروءة ومِنْ ضَبْطِه بوجود سماعه مثبتًا بخط ثقةٍ غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وقد سبق إلى نحو ذلك البيهقي لما ذكرَ تَوسَُّع من تَوَسَّع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يُقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءةُ عليهم من أصل سماعهم لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث.
وقوله: «فلقد» (خ) يعني أن القصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلًا بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خُصَّت بها هذه
[ ٢٠٦ ]
الأمة شرفًا لنبينا محمد ﷺ، فهذا هو الذي استقرَّ عليه العمل.
قال الذهبي في مقدمة «الميزان»: إن العُمْدَةَ في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدثين والمقتدين (١) الذين عُرِفَت عدالتُهُم وصدقُهُم في ضبط أسماء السامعين، ثم من المعلوم [٧٣ - أ] أنه لا بد من صون الراوي وستره. انتهى كلامه.
وقوله: «بأَن يثبت». قلت: هو بفتح الهمزة من «أن»، و«يثبت» إن قراءته ثلاثيًا (٢) فيكون قوله «ما روى» فاعلًا وإن قرأته رباعيًا (٣) فيكون «ما روى» مفعولًا.
وقوله: «مؤتمَن» بفتح الميم.
_________________
(١) في المصدر: المقيدين.
(٢) أي: يَثْبُتَ. من ثَبَتَ يَثْبُت.
(٣) أي: يُثْبِت. مِن أَثْبَتَ يُثْبِت.
[ ٢٠٧ ]
مَرَاتِبُ التَّعْدِيْلِ
قوله:
٣٢٦ - وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ قَدْ هَذَّبَهُ (إِبْنُ أبي حَاتِمِ) إِذْ رَتَّبَهُ
٣٢٧ - وَالشَّيْخُ زَادَ فِيْهِمَا، وَزِدْتُ مَا فِي كَلاَمِ أَهْلِهِ وَجَدْتُ
الشرح: الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل رَتَّبَهَا عبد الرحمن بن أبي حاتم في مقدمة كتابه «الجرح والتعديل» فأجاد وأحسن، وقد أوردها ابن الصلاح وزاد فيها ألفاظًا من كلام غيره، وزاد هنا (ن) عليها ألفاظًا من كلام أهل هذا الشأن غير متميز بـ «قلت».
فقوله «هذبه» بالذال المعجمة، أي: نَقَّاه، ومنه رجل مُهَذَّب أي: مُطَهَّر الأخلاق.
وقوله:
٣٢٨ - فَأَرْفَعُ التَّعْدِيلِ: مَا كَرَّرْتَهُ كَـ (ـثِقَةٍ) (ثَبْتٍ) وَلَوْ أَعَدْتَهُ
٣٢٩ - ثُمَّ يَلِيْهِ (ثِقَةٌ) أوْ (ثَبْتٌ) اوْ (مُتْقِنٌ) اوْ (حُجَّةٌ) اوْ إذا عَزَوْا
٣٣٠ - الحِفْظَ أَوْ ضَبْطًَا لِعَدْلٍ وَيَلِي (لَيْسَ بِهِ بَأسٌ) (صَدُوقٌ) وَصل
٣٣١ - بِذَاكَ (مَأَمُوْنًَا) (خِيَارًَا) وَتَلا (مَحَلُّهُ الصّدْقُ) رَوَوْا عَنْهُ إلى
٣٣٢ - الصِّدْقِ مَا هُوَ كذَا شَيْخٌ وَسَطْ أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ أَوْ شَيْخٌ فَقَطْ [٧٣ - ب]
[ ٢٠٨ ]
٣٣٣ - وَ(صَالِحُ الْحَدِيْثِ) أَوْ (مُقَارِبُهْ) (جَيِّدُهُ)، (حَسَنُهُ)، (مُقَارَبُهْ)
٣٣٤ - صُوَيْلِحٌ صَدُوْقٌ انْ شَاءَاللهْ أَرْجُوْ بِأَنْ (لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) عَرَاهُ
الشرح: مراتب التعديل أربع طبقات أو خمس، فالمرتبة الأولى العُليا من ألفاظ التعديل أهملها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، وهي إذا كَرَّرَ لفظَ التوثقة في هذه المرتبة الأولى، إما بالتباين نحو ثبت حجة، أو ثبتٌ حافظ، أو ثقة ثبت، أو ثقة متقن، ونحوه. وإما مع إعادة اللفظ الأول نحو: ثقة ثقة، وهو معنى قوله: «ولو أعدته».
وقوله: «ثم يليه» (خ) هذه المرتبة الثانية التي تلي الأولى، وهو أن يقال للواحد: ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حُجة. فَيُحْتَجُّ بحديثه.
وقوله: «أو إذا عَزَوا» (خ) يعني: وكذا إذا قيل في العدل: إنه حافظ، أو ضابط.
وقوله: «وَيَلي» (خ) هذه المرتبة الثالثة: قولهم: ليس به بأس، ولا بأس به، أو صدوق، أو مأمون، أو خِيار.
وقوله: «وتلا» (خ) هذه المرتبة الرابعة: قولهم: محله الصدق، أو رووا عنه، أو إلى الصدق ما هو، أو شيخ وسط، أو وسط، أو شيخ، أو صالح الحديث، أو مقارب الحديث بفتح الراء وكسرها على ما نصه ابن العربي في «العارضة على الترمذي»، أو جيد الحديث، أو حسن الحديث، أو صُوَيلح، أو صَدوق إن شاء الله تعالى، وأرجو أنه ليس به بأس.
وقوله: «عَرَاه» هو بالعين والراء المهملتين [٦٤ - أ] أي غَشِيَهُ، ومنه أَعْرَاني
[ ٢٠٩ ]
هذا الأمر واعتراني، إذا غشيك.
وقوله:
٣٣٥ - وَ(ابْنُ مَعِيْنٍ) قال: مَنْ أَقُوْلُ: (لاَ بَأْسَ بِهِ) فَثِقَةٌ وَنُقِلاَ
٣٣٦ - أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ: أَثِقَةٌ كَاَنَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ
٣٣٧ - كَانَ (صَدُوْقًا) (خَيِّرًا) (مَأْمُوْنَا) الثِّقَةُ (الثُّوْرِيُّ) لَوْ تَعُوْنَا
٣٣٨ - وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ضُعْفًا بِ (صَالِحِ الْحَدِيْثِ) إِذْ يَسِمْ
الشرح: يعني أن يحيى بن مَعين -بفتح الميم- ذكر أن قولهم: ثقة، وليس به بأس سواءً في التوثقة فيما نص عنه ابن أبي خيثمة في كلام جرى بينه وبينه، وتعقبه (ن) في (ش) (١) ووافق ابنُ دحيم ابن معين في التسوية بينهما. قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حَوْشَب الفَزاري؟ قال: لا بأس به، قال: قلت: ولمَ لا تقول ثقة، ولا نعلم إلا خيرًا؟ قال: قد قلتُ لك إنه ثقة.
وقوله: «ونُقِلا» (خ) يعني أن الدال على أن «ثقة» أرفع أن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا أبو خَلْدَة. فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خيرًا -وفي رواية: وكان خيارًا- الثقة شعبة وسفيان. فَوَصَفَ أبا خَلْدَة بما يقتضي القبول، ثم ذكر أن هذا اللفظ يقال لمثل شعبة والثوري.
قلت: «وأبو خَلْدَة» بفتح الخاء المعجمة، وإسكان اللام، وبعده دال مهملة،
_________________
(١) (١/ ٣٧٣).
[ ٢١٠ ]
فهاء تأنيث، هو خالد بن دينار [٧٤ - ب] التميمي السعدي البصري الخيَّاط تابعي من ثقات التابعين، روى عن أنس، وروى عنه يزيد بن زُرَيع ووكيع. انتهى.
وقوله: «لو تعونا» (خ) كَمَّل به وزن البيت، أي: لو تحفظون مراتب الرواة. وتعون من وَعَا يَعي وعيًا.
وقوله: «وربما» (خ) يعني: أن ابن مهدي كان ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث.
فقوله: «إذ يَسِم» بفتح الياء المثناة تحت، وكسر السين المهملة، وبعده ميم، من وَسَم بفتح السين: إذا أَثَّرَ فيه بِسِمَةٍ وكَيّ.
[ ٢١١ ]
مَرَاتِبُ الجَرْح (١)
قوله:
٣٣٩ - وَأَسْوَأُ التَّجْرِيْحِ: (كَذَّابٌ) (يَضَعْ) يَكْذِبُ وَضَّاعٌ وَدَجَّالٌ وَضَعْ
٣٤٠ - وَبْعَدَهَا مُتَّهَمٌ بَالْكَذِبِ وَ(سَاقِطٌ) وَ(هَالِكٌ) فَاجْتَنِب
٣٤١ - وَذَاهِبٌ مَتْرُوْكٌ اوْ فِيْهِ نَظَرْ وَ(سَكَتُوْا عَنْهُ) (بِهِ لاَ يُعْتَبَرْ)
٣٤٢ - وَ(لَيْسَ بِالثِّقَةِ) ثُمَّ (رُدَّا حَدِيْثُهُ) كَذَا (ضَعِيْفٌ جِدَّا)
٣٤٣ - (وَاهٍ بَمَرَّةٍ) وَ(هُمْ قَدْ طَرَحُوْا حَدِيْثَهُ) وَ(ارَمِ بِهِ مُطَرَّحُ)
٣٤٤ - (لَيْسَ بِشَيءٍ) (لاَ يُسَاوِي شَيْئًَا) ثُمَّ (ضَعِيْفٌ) وَكَذَا إِنْ جِيْئَا
٣٤٥ - بِمُنْكَرِ الْحَدِيْثِ أَوْ مُضْطَرِبِهْ (وَاهٍ) وَ(ضَعَّفُوهُ) (لاَ يُحْتَجُّ بِهْ)
٣٤٦ - وَبَعْدَهَا (فِيْهِ مَقَالٌ) (ضُعِّفْ) وَفِيْهِ ضَعفٌ تُنْكِرُ وَتَعْرِفْ
٣٤٧ - (لَيْسَ بِذَاكَ بالْمَتِيْنِ بِالْقَوِيِّ بِحُجَّةٍ بِعُمْدَةٍ بِالْمَرْضِيِّ) [٧٥ - أ]
٣٤٨ - لِلضَّعْفِ مَا هَوُ فيْهِ خُلْفٌ طَعَنُوْا فِيْهِ كَذَا (سَيِّئُ حِفْظٍ لَيِّنُ)
٣٤٩ - (تَكَلَّمُوا فِيْهِ) وَكُلُّ مَنْ ذُكِرْ مِنْ بَعْدُ شَيْئًَا بِحَدِيْثِهِ اعْتُبِرْ
الشرح: ألفاظ التجريح أيضًا مراتب خمس، وجعلها ابن أبي حاتم وابن
_________________
(١) كذا، والذي في نسخ الألفية: مراتب التجريح.
[ ٢١٢ ]
الصلاح تبعًا له أربعًا:
المرتبة الأولى: أسوأها أن يُقَال: كَذَّاب، أو يكذب، أو يضع الحديث، أو وَضَّاع، أو وضع حديثًا، أو دَجَّال.
وفرق (ن) بين بعض هذه الألفاظ تبعًا للذهبي.
وقوله: «وبعدها» (خ) هذه المرتبة الثانية: فلان متهم بالكذب والوضع، وساقط، وهالك، وذاهب، وذاهب الحديث، ومتروك، أو متروك الحديث، أو فيه نظر، أو سكتوا عنه.
وقوله: «وليس بالثقة» (خ) هذه المرتبة الثالثة: فلان رُدَّ حديثه، أو رَدُّوا حديثه، أو مردود الحديث، أو ضعيف جدًا، أو واهٍ بمرة، أو طَرَحُوا حديثه، أو مُطَّرح، أو مطرح الحديث، وارم به، أو ليس بشيء، أو لا شيء، أو لا يساوي شيئًا، ونحوه.
وقوله: «ثم ضعيف» (خ): هذه المرتبة الرابعة: فلان ضعيف منكر الحديث حديثه منكر، مضطرب الحديث، واه، ضعفوا، لا يحتج به.
وقوله: «وبعدها» (خ) هذه المرتبة الخامسة: فلان فيه مقال، ضُعِّف، في حديثه ضَعف، تَعرف وتُنكر، ليس بذاك القوي، ليس بالمتين، ليس بالقوي، ليس بحجة، ليس بعُمدة، ليس بالمرضي، للضعف ما هو، فيه خلف [٧٥ - ب]، طعنوا فيه، مطعون فيه، سيء الحفظ، لين، لين الحديث، فيه لين، تكلموا فيه.
وقوله: «وكل من ذُكر» (خ) يعني أن كل من ذَكَرَهُ من بعد قوله: «شيئًا» من قوله: «لا يساوي شيئًا» فإنه يُخَرَّج حديثه للاعتبار، وهو مَنْ ذُكر في المرتبة الرابعة والخامسة.
[ ٢١٣ ]
مَتَى يَصحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيْثِ أوْ يُسْتَحَبُّ؟
قوله:
٣٥٠ - وَقَبَلُوا مِنْ مُسْلِمٍ تَحَمُّلاَ فِي كُفْرِهِ كَذَا صَبِيٌّ حُمِّلاَ
٣٥١ - ثُمَّ رَوَى بَعْدَ الْبُلُوْغِ وَمَنَعْ قَوْمٌ هُنَا وَرُدَّ (كَالسِّبْطَيْنِ) مَعْ
٣٥٢ - إِحْضَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلصِّبْيَانِ ثُمّْ قَبُوْلُهُمْ مَا حَدَّثُوا بَعْدَ الْحُلُمْ
الشرح: هذا الطرف الثالث في تَحَمُّلِ الحديث، وطُرُق نقله، وضبطه، وروايته، وآداب ذلك وما يتعلق به، والكلام فيه، في أنواع:
النوع الأول: في أهلية التَّحَمُّل: يَصِحُّ التَّحَمُّل قبلَ الإسلام، ورَوَى بعده (١) قُبِلَ منه، لحديث جُبير بن مطعم المتفق على صحته: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وكان جاء في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم، وفي البخاري: «وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي».
وقوله: «كذا صبي» (خ) وكذا تقبل رواية من سمع قبل البلوغ، وروى بعده.
وقوله: «ومَنَع» (خ) يعني أن بعضهم منع ذلك في مسألة الصبي، وأخطأوا بذلك، لاتفاق الناس على قبول رواية [٧٦ - أ] الحسن، والحسين، وابني عباس، والزبير، والنعمان بن بشير، وغيرهم.
_________________
(١) أي أن من تحمل الحديث تحمله حال كفره ثم رواه بعد إسلامه.
[ ٢١٤ ]
وقوله: «كالسِّبْطين». قلت: هو تثنية سِبْط بكسر السين المهملة، وإسكان الباء الموحدة، وبعده طاء مهملة، وهو وَلَد الولد. انتهى.
وقوله: «مع إحضار» (خ) يعني أن أهل العلم كانوا يُحْضِرُون الصبيان مجالس الحديث، ويعتدُّون بروايتهم لذلك بعد البلوغ.
وقوله:
٣٥٣ - وَطَلَبُ الْحَدِيْثِ فِي الْعِشْرِيْنِ عِنْدَ (الزُّبَيْرِيِّ) أَحَبُّ حِيْن
٣٥٤ - وَهْوَ الَّذِي عَلَيْهِ (أَهْلُ الْكُوْفَهْ) وَالْعَشْرُ فِي (الْبَصْرَةِ) كَالْمَألُوْفَهْ
٣٥٥ - وَفِي الثَّلاَثِيْنَ (لأَهْلِ الشَّأْمِ) وَيَنْبَغِي تَقْيِيْدُهُ بِالْفَهْم
٣٥٦ - فَكَتْبُهُ بالضَّبْطِ، والسَّمَاعُ حَيْثُ يَصِحُّ، وَبِهِ نِزَاعُ
٣٥٧ - فَالْخَمْسُ لِلْجُمْهُورِ ثُمَّ الحُجَّهْ قِصَّةُ (مَحْمُوْدٍ) وَعَقْلُ الْمَجَّهْ
٣٥٨ - وَهْوَ ابْنُ خَمْسَةٍ، وَقِيْلَ أَرْبَعَهْ وَلَيْسَ فِيْهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ
٣٥٩ - بَلِ الصَّوَابُ فَهْمُهُ الْخِطَابَا مُمَيِّزًَا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
الشرح: قال أبو محمد بن خَلَّاد الرَّامَهُرمزي في «المحدث الفاصل» حكاية عن أبي عبد الله الزبيري: أنه يُسْتَحَبُّ كتب الحديث في العشرين؛ لأنها مُجْتَمَعُ العقل.
فقوله: «في العشرين» بكسر النون على حد قول الشاعر:
وقد جاوزته حد الأربعين
وقوله: «عند الزُّبَيْرِي». قلت: هو بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، هو أبو
[ ٢١٥ ]
عبد الله من الفقهاء الشافعية [٧٦ - ب]، واسمه الزبير بن أحمد.
وقوله: «وهو الذي» (خ) يعني أن أهل الكوفة كانوا لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارًا حتى يستكملوا عشرين سنة.
وقوله: «والعشر» (خ) يعني أن أهل البصرة يثبتون لعشر سنين.
وقوله: «وفي الثلاثين» (خ) يعني وأهل الشام لثلاثين سنة.
قلت: «والشَّأْم» بفتح الشين مقصور مهموز، ومعناه بالسريانية الطَّيِّب، سُميت بذلك لِطيبها وكَثْرَة خصبها، وقيل غير ذلك، ونَقَلَ ابنُ عبد البر أن العرب كانت تقول: «من خرج إلى الشام نقص عمره، وقَتَلَهُ نعيم الشام» وأنشد لثعلب:
إن الشَّأْمَ يَقْتُلُ أَهْلَهُ فمن لي إن لَمْ آتِه بخلود
وقوله: «وينبغي» (خ) يعني أن طلب الحديث، وكتابته بالضبط والسماع من حيثُ يَصِحّ.
وقوله: «فَكَتْبُهُ» هو بالرفع عطفًا بالفاء على تقييده. وكذا قوله: «والسماعُ» مرفوعٌ عطفًا على «فكتبُهُ».
وقوله: «وبه نزاع» يعني: أن في الوقت الذي يصح فيه السماع نزاعًا بين العلماء انتهى إلى أقوال أربعة:
أحدها: مذهب الجُمْهُور أن أقلَّه خمس سنين، وحكاه عياض في «الإلماع» عن أهل الصنعة قال ابن الصلاح: وهو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين.
[ ٢١٦ ]
وقوله: «ثم الحُجَّة» (خ) يعني أن حُجَّة الجمهور في ذلك ما رواه البخاري في «صحيحه» [٧٧ - أ]، والنسائي، وابن ماجه، من حديث محمود بن الرَّبيع قال: «عقلت من النبي ﷺ مَجَّةً مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين» وبوب عليه (خ) «باب متى يصح سماع الصغير».
وقوله: «وقيل أربعة» هو بالتاء، وكذا خمسة، قصد العام، وهو مُذَكَّر اقتداءً بالقرآن، (١)، ويعني أن سن محمود كان إذ ذاك أربعة، ويشير بذلك إلى قول الحافظ أبي عُمر: يُحفظ ذلك عن محمود وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين.
وقوله: «وليس» (خ) هذا هو القول الثاني من الأربعة أقوال: أنه يعتبر في صحة سماعه تمييزه، فمتى فهم الخطاب ورَدَّ الجواب صَحَّ سماعُه وإن كان أقل من ابن خمسة، وإن لم يكن كذلك لم يصح وإن زاد على الخمس، وهذا هو الصواب.
وقوله:
٣٦٠ - وَقِيْلَ: (لابْنِ حَنْبَلٍ) فَرَجُلُ قال: لِخَمْسَ عَشْرَةَ التَّحَمُّلُ
٣٦١ - يَجُوْزُ لاَ فِي دُوْنِهَا، فَغَلَّطَهْ قال: إذا عَقَلَهُ وَضَبَطَهْ
٣٦٢ - وَقِيْلَ: مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْبَقَرْ فَرَّقَ سَامِعٌ، وَمَنْ لاَ فَحَضَرْ
٣٦٣ - قال: بِهِ الَحْمَّالُ وابْنُ الْمُقْرِيْ سَمَّعَ لاِبْنِ أَرْبَعٍ ذِي ذُكْر
_________________
(١) عبارة لم تظهر لي ورسمت هكذا: نداولا بالغيب والبركة.
[ ٢١٧ ]
الشرح: يُستدل على اعتبار التمييز في صحة سماع الصبي بقول الإمام أحمد وسئل متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عَقل وضبط. فَذُكِرَ له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون [٧٧ - ب] له خمس عشرة سنة فأنكر قوله، وقال: بئس القول. وهذا هو القول الثالث.
وقوله: «إذا عقله». قلت: «عَقَله» بفتح العين المهملة والقاف، يُقال عَقَل يَعْقِلُ عَقْلًا. انتهى.
وقوله: «وقيل» (خ) هذا هو القول الرابع، وهو قول موسى بن هارون الحَمَّال وسُئل متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا فَرَّقَ بين البقرة والدابة، وفي رواية: بين البقرة والحمار.
قلت: والحمال بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم، وبعده ألف، فلام.
وقوله: «ومن لا فَحَضَر» يعني إن من لم يُفَرِّق بين البقرةِ والحمار يُكتب له على مذهب الحَمَّال حَضَرَ أو أُحْضِر، لا سَمِع.
وقوله: «وابن المقرئ» مبتدأ خبره «سَمَّع». ومعناه أن ابن المقرئ سَمَّع لابن أربع سنين، وهو القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن اللَّبَّان الأصبهاني.
قال الخطيب: سمعته يقول: حفظت القرآن ولي خمس سنين، وأُحْضِرَت عند أبي بكر بن المقرئ ولي أربع سنين، فأرادوا أن يُسَمِّعُوا لي فيما حَضَرْت قراءته، فقال بعضهم: إنه يصغر عن السماع. فقال لي ابنُ المقري: اقرأ سورة الكافرين. فقرأتها، فقال: اقرأ سورة التكوير فقرأتها، فقال لي غيره: اقرأ سورة
[ ٢١٨ ]
والمرسلات فقرأتها، ولم أَغْلَط فيها. فقال ابن المقرئ: سَمِّعُوا له والعُهْدَةُ عليَّ.
وقوله: «ذي ذُكر». قلت: هو بضم الذال المعجمة، وكسرها، لغتان، حكاهما الجوهري [٧٨ - أ] في «صِحَاحه». انتهى.
تنبيه على وَهْم: قول ابن الصلاح بلغنا عن الجوهري أنه قال: «رأيت صبيًا ابن أربع سنين حُمل إلى المأمون، قرأ القرآن، ونظر في الرَّأي، غير أنه إذا جاع يبكي».
قال شيخنا (ن): والذي يغلب على الظن عدم صحة هذه الحكاية، وقد رواها الخطيب في «الكفاية» بإسناده، وفي السند أحمد بن كامل القاضي، ومن (١) يعتمد على حفظه فيهم. وقال الدارقطني: كان متساهلًا.
_________________
(١) كذا، وفي المصدر: وكان
[ ٢١٩ ]
أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ، وأوَّلُهَا: سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ
قوله:
٣٦٤ - أَعْلَى وُجُوْهِ الأَخْذِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ وَهْيَ ثَمِانٍ: لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَم
٣٦٥ - كتَابًا او حِفْظًَا وَقُلْ: (حَدَّثَنَا) (سَمِعْتُ)، أَوْ (أَخْبَرَنَا)، (أَنْبَأَنَا)
٣٦٦ - وَقَدَّمَ (الْخَطِيْبُ) أَنْ يَقُوْلاَ: (سَمِعْتُ) إِذْ لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيْلاَ
٣٦٧ - وَبَعْدَهَا (حَدَّثَنَا)، (حَدَّثَنِي) وَبَعْدَ ذَا (أَخْبَرَنَا)، (أَخْبَرَنِي)
٣٦٨ - وَهْوَ كَثْيِرٌ وَ(يَزِيْدُ) اسْتَعْمَلَهْ وَغَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا قَدْ حَمَلَهْ
٣٦٩ - مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ، وَبَعْدَهُ تَلاَ: (أَنْبَأَنَا)، (نَبَّأَنَا) وَقَلَّلاَ
الشرح: هذا النوع الثاني في طُرُق تحمل الحديث، وهي ثمانية، على اتفاقٍ في بعضها، واختلافٍ في بعض.
الطريق الأول، وهو أرفعها وأعلاها عند الأكثرين: السماع من لفظ الشيخ، سواءً كان إملاءً أم تحديثًا من غير إملاء، وسواءً كان من حفظه أم من كتابه.
وقوله: [٧٨ - ب] «وقد» (خ) قال القاضي عياض لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه إذا روى: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان، وذَكَر لنا فلان.
وقوله: «وقَدَّم» (خ) يعني أن الخطيب قال: أرفع العبارات سمعتُ، ثم
[ ٢٢٠ ]
حدثنا، وحدثني، ثم أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال، ثم أنبأنا، ونبأنا، وهو قليل في الاستعمال.
وقوله: «إذ لا يَقْبَلُ التأويلا» يعني أن الخطيب استدلَّ على ترجيح «سمعت» بأن أحدًا لم يَقُلْها في الإجازة والمكاتبة والتدليس لما (١) لم يسمعه، واستعمل بعضهم «حدثنا» في الإجازة، ولقول الحسن: «حدثنا أبو هريرة».
قال ابن دقيق العيد: وهذا إذا لم يَقُم دليلٌ قاطع على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة لم يجز أن يصار إليه.
قلت: قال أبو زرعة وأبو حاتم: من قال عن الحسن: حدثنا أبو هريرة، فقد أخطأ. انتهى.
قال شيخنا: والذي عليه العمل أنه لم يسمع منه شيئًا فيما نصه أيوب، و(ت)، و(ن) (٢)، والخطيب، وغيرهم، بل قال يونس بن عبيد: ما رآه قط.
وفي «صحيح مسلم» في حديث الذي يقتله الدَّجَّال فيقول: «أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله ﷺ» دلالة على أن حدثنا ليست نصًا في سماع قائلها.
وقوله: «ويزيد» (خ) يعني أن يزيد بن هارون وغيره استعمل «أخبرنا» فيما سمعه من لفظ الشيخ، فإذا رأيت [٧٩ - أ] «حدثنا» فمن خطأ الكاتب، وممن كان يفعل ذلك فيما نصه الخطيب: ابنُ المبارك، وحمادُ بن سلمة، وجماعة.
_________________
(١) في الأصل: ما. وعبارة الناظم (١/ ٣٨٧): ولا في تدليس ما لم يسمعه.
(٢) أي: النسائي.
[ ٢٢١ ]
وقوله:
٣٧٠ - وَقَوْلُهُ: (قَالَ لَناَ) وَنَحْوُهَا كَقُوْلِهِ: (حَدَّثَنَا) لَكِنَّهَا
٣٧١ - الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا مُذَاكَرَهْ وَدُوُنَهَا (قَالَ) بِلاَ مُجَارَرَهْ
٣٧٢ - وَهْيَ عَلى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِيْ لاَ سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوْهُ فِي الْمُضِيْ
٣٧٣ - أنْ لاَ يَقُوْلَ ذَا بِغَيْرِ مَا سَمِعْ مِنْهُ (كَحَجَّاجٍ) وَلَكِنْ يَمْتَنِعْ
٣٧٤ - عُمُوْمُهُ عِنْدَ الْخَطيْبِ وَقُصِرْ ذَاكَ عَلى الَّذِي بِذَا الوَصْفِ اشْتُهِرْ
الشرح: يعني أن قول الراوي: قال لنا فلان، أو قال لي، أو ذَكَر لنا، أو ذكر، ونحوه، من قبيل حدثنا فلان في أنه متصل.
وقوله: «لكنها» (خ) يعني إلا أنهم كثيرًا ما يستعملون هذا فيما سمعوه حال المذاكرة.
وقوله: «ودونها [قال] (١) بلا مجاورة» هو بالجيم ورائين مهملتين، ومعناه: أن دون هذه العبارة قول الراوي: قال فلان، وذكر فلان، من غير ذكر الجار والمجرور، وهي أوضع العبارات، كما نَصَّه ابن الصلاح.
وقوله: «وهي على السماع» (خ) يعني أن هذه العبارة محمولة على السماع بالشرط في المعنعن، وهو أن يُعلم اللُّقي، ويَسْلَم الراوي من التدليس، لا سيما من عُرف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه كحجاج بن محمد الأعور فروى كتب ابن جريج بلفظ «قال ابن جريج» فحملها الناس عنه واحتجوا [٧٩ - ب]
_________________
(١) زيادة من الأبيات.
[ ٢٢٢ ]
بها.
وقوله: «ولكن يمتنع» (خ) يعني أن الخطيب خَصَّ ذلك لمن عُرِفَ من عادته مثل ذلك، فأما من لا يُعْرَف بذلك فلا يَحْمِلُه على السماع.
الثَّاْنِي: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ
قوله:
٣٧٥ - ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتَهَا مُعْظَمُهُمْ عَرْضًَا سَوَا قَرَأْتَهَا
٣٧٦ - مِنْ حِفْظٍ أو كِتَابٍ او سَمِعْتَا والشَّيْخُ حَافِظٌ لمِاَ عَرَضْتَا
٣٧٧ - أولاَ، وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ بِنَفْسِهِ، أو ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ
٣٧٨ - قُلْتُ: كَذَا إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ يَحْفَظُهُ مَعَ اسْتِماَعٍ فَاقْتَنِعْ
الشرح: الطريق الثاني من الطرق الثمانية في القراءة على الشيخ، ويسميها أكثر قدماء المحدثين «عرضًا»؛ لأن القارئ يعرضه على الشيخ، وسواءً قرأ هو على الشيخ من حفظه، أو من كتاب، أو سمع بقراءة غيره من كتاب، أو حفظه، وسواءً كان الشيخ يحفظه أم لا إذا كان يمسك أصله هو أو ثقة غيره.
وقوله: «قلت» من الزيادة على ابن الصلاح، وهو أن الأمر هكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما يُقْرَأ على الشَّيخ، والحافظ لذلك يستمع لما يُقرأ غير غافل عنه.
وقوله:
٣٧٩ - وَأَجْمَعوُا أَخْذًَا بِهَا، وَرَدُّوا نَقْلَ الخِلاَفِ، وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا
[ ٢٢٣ ]
٣٨٠ - وَالْخُلْفُ فِيْهَا هَلْ تُساوي الأوَّلاَ أو دُوْنَهُ أو فَوْقَهُ؟ فَنُقِلاَ
٣٨١ - عَنْ (مَالِكٍ) وَصَحبْهِ وَمُعْظَمِ (كُوْفَةَ) وَ(الحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ) [٨٠ - أ]
٣٨٢ - مَعَ (البُخَارِي) هُمَا سِيَّانِ وَ(ابْنُ أبِي ذِئْبٍ) مَعَ (النُّعْمَانِ)
٣٨٣ - قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ وَعَكْسُهُ أَصَحّْ وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) نَحْوَهُ جَنَحْ
الشرح: يعني أنهم أجمعوا على صِحَّة الرواية بالعرض، ورَدُّوا ما حُكي عن بعض من لا يُعتد بخلافه أنه كان لا يراها، وهو أبو عاصم النبيل، فيما رواه صاحب «المحدث» (١).
وروى الخطيب عن وكيع قال: ما أخذت حديثًا قط عرضًا، وأدرك عبد الرحمن بن سلام الجمحي مالكًا والناس يقرأون عليه فلم يكتف بالعرض، فقال مالك: أخرجوه عني.
والحقُّ صحة الرواية بالعرض، واستدلَّ البخاريُّ على ذلك بحديث ضِمام بن ثعلبة.
وقوله: «والخلف» (خ) يعني أنهم اختلفوا في تساوي هذين الطريقين والترجيح بينهما على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك وأصحابه ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري التسوية بينهما، وحكاه الصيرفي في «الدلائل» عن الشافعي.
_________________
(١) أي كتاب «المحدث الفاصل».
[ ٢٢٤ ]
وقوله: «وابن أبي ذئب» (خ) هذا القول الثاني، وهو ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، وإليه ذهب من ذَكَر (ن)، وحكاه ابن فارس عن مالك وغيره، وكذا رواه الخطيب عن مالك، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وجماعة عديدة من الأئمة.
قلت: وابن أبي ذئب بضم الذال المعجمة وفتح الهمزة (١) بعدها هو قبيصة. والنعمان هو أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.
وقوله: [٨٠ - ب] «وجُلّ أهل الشرق» (خ) هذا هو القول الثالث، وهو ترجيح السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه وهو الصحيح.
وقوله:
٣٨٤ - وَجَوَّدُوا فِيْهِ قَرَأْتُ أو قُرِىْ مَعْ وَ(أَنَا أَسْمَعُ) ثُمَّ عَبِّر
٣٨٥ - بِمَا مَضَى فِي أولٍ مُقَيَّدَا (قِرَاَءةً عَلَيْهِ) حَتَّى مُنْشِدَا
٣٨٦ - (أَنْشَدَنَا قِرَاَءةً عَلَيْهِ) لاَ (سَمِعْتُ) لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلاَ
٣٨٧ - وَمُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ وَالإِخْبَارِ مَنَعَهُ (أَحْمَدُ) ذُوْ الْمِقْدَار
٣٨٨ - (وَالنَّسَئِيُّ) وَ(التَّمِيْمِيُّ يَحْيَى) وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) الْحَمِيْدُ سَعْيَا
٣٨٩ - وَذَهَبَ (الزُّهْرِيُّ) وَ(الْقَطَّانُ) وَ(مَالِكٌ) وَبَعْدَهُ (سُفْيَانُ)
٣٩٠ - وَمُعْظَمُ (الْكُوْفَةِ) وَ(الْحِجَازِ) مَعَ (الْبُخَارِيِّ) إلى الْجَوَاز
_________________
(١) كذا قال!.
[ ٢٢٥ ]
٣٩١ - وَابْنُ جُرَيِجٍ وَكَذَا الأوزَاعِيْ مَعَ (ابْنِ وَهْبٍ) وَ(الإمَامُ الشَّافِعِيْ)
٣٩٢ - وَ(مُسْلِمٌ) وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْق
٣٩٣ - وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ (للنَّسَئي) مِنْ غَيْرِ مَا خِلاَف
٣٩٤ - وَالأَكْثَرِيْنَ وَهُوَ الَّذِي اشْتَهَرْ مُصْطَلَحًَا لأَهْلِهِ أَهْلِ الأَثَر
الشرح: هذا تفريع على الطريق الثاني الفرع الأول: إذا روى السامع بهذه الطريقة فله عبارات أحوطها وأجودها أن يقول: «قرأت على فلان» إن كان هو الذي قَرَأ، و«قرئ عليه وأنا أسمع» إذا سمع عليه بقراءة غيره.
فقوله: «وجودوا» أي: رأوه أَجْوَد [٨١ - أ].
وقوله: «ثم عَبر» (خ) يعني أنه يلي ذلك عبارات السماع من لفظ الشيخ مقيدةً بالقراءة عليه فيقول: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا قراءةً عليه، ونحوه، حتى إنهم استعملوا ذلك في الإنشاد فقالوا: أنشده فلان قراءةً عليه، أو بقراءتي.
قال السبكي تاج الدين رحمه الله تعالى: أنشدني شيخنا أبو حيان بقراءتي عليه:
عدَاتي لهم فَضْلٌ علي ومِنَّةٌ فلا أَذْهَبَ الرحمنُ عني الأعاديا
هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبتُ المعاليا
وقوله: «لا سمعت» (خ) يعني أنهم لم يستثنوا مما يجوز في الطريق الأول إلا لفظ «سمعت» فلم يجوزوها في العرض، وصرح بذلك أحمد بن صالح فقال لا يجوز أن يقول: «سمعت». قال الباقلَّاني: وهو الصحيح.
[ ٢٢٦ ]
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن بعضهم جَوَّزَه. قال عياض: وهو قول رُوِيَ عن مالكٍ، والثوري، وابن عيينة.
وقوله: «مطلق» (خ) يعني أن إطلاق «ثنا» و«أنا» من غير تقييد بقوله: «بقراءتي عليه»، أو «قراءةً عليه»، اختلفوا فيه على مذاهب؛ فذهب ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، والإمام أحمد، والنسائي، فيما حكاه عنه ابن الصلاح تبعًا لعياض، إلى منع إطلاقهما، وصحَّحَهُ الباقلاني.
وقوله: «الحميد سعيا» قلت: هو صفة لابن المبارك «في سعيه محمود»، فـ «سعيَا» منصوب على التفسير، ولا شك في ذلك، واجتمع جماعةٌ من أصحابه مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، ومحمد بن النضر [٨١ - ب]، فقالوا: تعالوا حتى نَعُدّ خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والشعر، والفَصَاحة، والوَرَع، والإنصات، وقيام الليل، والعبادة، والشِّدَّة في رأيه، وقِلَّة الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه.
وفي «الكمال» لعبد الغني بسنده إلى ابن القاسم قال: لما قدم الرشيد الرَّقَّة أشرفت أم ولد الرشيد من قصرٍ من خَشَب فرأت الغبرة قد ارتفعت، والنِّعَال قد انقطعت، وانحفل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم خراسان، يقال له عبد الله بن المبارك. قالت: هذا والله المُلْك لا مُلْك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب. انتهى.
فمن هو بهذه الصفات جدير أن يوصف بالحميد سعيًا فصدق شيخنا (ن) وبَرَّ، وتعدَّى الذهبي في «الكاشف» فقال: شيخ الإسلام. وشيخُ الإسلام
[ ٢٢٧ ]
إنما هو أبو بكر الصديق ﵁ الذي ثبت الزكاة، وقاتل أهل الردة، فاعرفْه، والله تعالى أعلم، وكان ابن المبارك كثيرًا ما يتمثل بقوله:
وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا ذا حياءٍ وعفاف وكرم
قوله للشيء: لا، إن قلتَ: لا وإذا قلت: نعم، قال نعم
رضي الله تعالى عنه، وأرضاه، ونفعنا بخيره، وعلومه، وبركاته.
وقوله: «وذهب الزهري» (خ) هذا المذهب الثاني في [٨٢ - أ] المسألة وهو جواز إطلاقهما، وإليه ذهب الزهري محمد بن شهاب، ومالك تلميذه، والثوري، وأبو حنيفة، وصاحباه، وابن عيينة، والقطان يحيى بن سعيد، ومن ذكره (ن) بعد، ومالك في أحد القولين عنه، وأحمد، وثعلب، والطحاوي، وصنف فيه جزءًا، يرويه بالإجازة عنه شيخنا (ن)، سمعه متصلًا، وغيرهم من العلماء.
وقوله: «وابن جريج» (خ) هذا المذهب الثالث في المسألة وهو الفرق بين اللفظين، فيجوز إطلاق «أخبرنا» ولا يجوز إطلاق «حدثنا»، وإليه ذهب من ذكره (ن).
وقوله: «وقد عزاه» (خ) يعني أن صاحب كتاب «الإنصاف» وهو محمد بن الحسن التميمي الجوهري عزاه للنسائي ولأكثر أصحاب الحديث.
وقوله: «وهو الذي» (خ) قلت: «هُو» بضم الهاء من «وهُوَ» في لغة أهل الحجاز يحركون الهاء من «هُو» بعد الواو، والفاء، وثُم، واللام. ولغة نجد التسكين، وتسكينها بعد همزة الاستفهام، وكاف الجر مخصوص بالشعر
[ ٢٢٨ ]
فيما نصه ابن مالك انتهى. يعني أن هذا هو الشائع الغالب على أهل الحديث كما نَصَّهُ ابن الصلاح.
وقوله: «وبعده سفيان» يريد ابن عُيينه لا الثوري؛ لأن الثوري تقدمت وفاتُه على مالك، وابن عيينة متأخر.
وقوله:
٣٩٥ - وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا أَعَادَا قِرَاءَةَ الصَّحِيْحِ حَتَّى عَادَا
٣٩٦ - فِي كُلِّ مَتْنٍ قَائِلًا: (أَخْبَرَكَا) إِذْ كَانَ قال أوَّلًا: (حَدَّثَكَا) [٨٢ - ب]
٣٩٧ - قُلْتُ وَذَا رَأْيُ الَّذِيْنَ اشْتَرَطُوا إِعادَةَ اْلإِسْنَادِ وَهْوَ شَطَطُ
الشرح: يعني أن بعض من قال بالفرق بين اللفظين وهو الهروي أبو حاتم محمد بن يعقوب في حكاية البرقاني عنه أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري «صحيح البخاري» وكان يقول له في كل حديث: «حدثكم الفربري»، فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه إنما سمع الكتاب من الفربري قراءةً عليه فأعاد قراءة الكتاب كله، وقال له في جميعه: «أخبركم الفربري».
وقوله: «قلت» (خ) من الزيادة على ابن الصلاح، يعني أن هذا الذي فعل ذلك لعله يرى أنه لا بد مِنْ ذكر السند في كل حديث، وإن كان الإسنادُ واحدًا إلى صاحب الكتاب وهو مذهب شَطَط في الرواية، والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادته في كل حديثٍ، والله تعالى أعلم.
[ ٢٢٩ ]
تَفْرِيْعَاتٌ
قوله:
٣٩٨ - وَاخْتَلَفُوا إِنْ أَمْسَكَ الأَصْلَ رِضَا وَالشَّيْخُ لاَ يَحْفَظُ مَا قَدْ عُرِضَا
٣٩٩ - فَبَعْضُ نُظَّارِ الأُصُوْلِ يُبْطِلُهْ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثْيِنَ يَقْبَلْهْ
٤٠٠ - وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ مُمْسِكُهُ فَذَلِكَ السَّمَاعُ رَدّْ
الشرح: يعني أن الشيخ إذا قُرئ عليه عَرْضًا لا يحفظ ذلك المقروء عليه، فإن كان أَصْلُهُ بيده صَحَّ السَّمَاع كما تقدم، وإن كان القارئ يقرأ في أصله فصحيح أيضًا، خلافًا لمن شَذَّ في [٨٣ - أ] الرواية.
وإن لم تكن القراءة من الأصل ولكن الأصل يمسكه أحد السامعين الثقات، فاختلفوا في صحة السماع؛ فحكي عياضٌ تردد الباقلاني فيه، وأن أكثر ميله إلى المنع، وإليه ذهب الجويني إمام الحرمين، وأجازه بعضهم، وصَحَّحَهُ وبه عمل كافة الشيوخ والمحدِّثون، واختاره ابن الصلاح.
وقوله: «فإن لم يُعْتَمَد» (خ) هو بضم أوله مبنيًا للمفعول، ويعني أن الممسك للأصل لا يُعتمد عليه، ولا يُوثق به، فالسماع مردودٌ لا يُعتد به.
وقوله:
٤٠١ - وَاخْتَلَفُوا إنْ سَكَتَ الشَّيْخُ وَلَمْ يُقِرَّ لَفْظًا، فَرآهُ الْمُعْظَمْ
[ ٢٣٠ ]
٤٠٢ - وَهْوَ الصَّحِيْحُ كَافِيًا، وَقَدْ مَنَعْ بَعْضُ أولي الظَّاهِرِ مِنْهُ، وَقَطَعْ
٤٠٣ - بِهِ (أبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ الرَّازِي) ثُمَّ (أبُو إِسْحَاقٍ الشِّيْرَازِيْ)
٤٠٤ - كَذَا (أبُو نَصْرٍ) وَقال: يُعْمَلُ بِهِ وَألْفَاظُ الأَدَاءِ الأَوَّلُ
الشرح: هذا الفرع الثاني من التفريعات، وهو إذا قُرِئ على الشيخ «أخبرك فلانٌ» وهو مُصْغٍ، فاهم، غير مُنكِر، ولا مكرَه، صَحَّ السماع، وجازت الرواية به، وإن لم ينطق الشيخ على الصحيح.
وقوله: «المعظم» بضم الميم، وفتح الظاء، ويعني به الجمهور من الفقهاء والمحدثين والنظار، كما نَصَّه عياضٌ.
وقوله: «وقد منع» (خ) يعني أن بعضهم شرط نُطْقَهُ، إليه مال بعضُ الظاهرية، وبه عمل جماعة من شيوخ المشرق [٨٣ - ب]، وبه قطع من الشافعية من ذكره (ن)، و«أبو نصرٍ» هو ابن الصَّبَّاغ.
تنبيه: وقوله: «وقد مَنَعَ بعضُ أولي الظاهر منه»، فيه الإشارة إلى أن الظاهرية على فرقتين ففرقةٌ تقول: لابد من النطق كما قررنا، وفرقة تقول: يشترط إقراره به عند تمام السماع. هكذا حَرَّرَهُ عنهم قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في «مختصره» لابن الصلاح.
وقوله: «أبو الفتح سليم». قلت: هو بضم السين مصغرًا.
وقوله: «وألفاظ» (خ) يعني أنه يُعَبَّرُ في الأداء بالرتبة الأولى من الأداء في العَرْض، وهو ما تَقَدَّم من قوله: «وجودوا فيه قرأت أو قرئ» هكذا نص ابن الصباغ، فقال: وله أن يعمل بما قرئ عليه، وإذا أراد روايته عنه فليس له أن
[ ٢٣١ ]
يقول: «حدثني» ولا «أخبرني»، بل يقول: «قرأتُ عليه» أو «قُرئَ عليه» وهو يسمع.
فإن أشار الشيخ برأسه أو أصبعه للإقرار به غير مُتَلَفِّظٍ، فجزم في «المحصول» أنه لا يقول في الأداء «حدثني» ولا «أخبرني» ولا «سمعت».
قال شيخنا (ن) (١): وفيه نظر.
وقوله:
٤٠٥ - وَالْحَاْكِمُ اخْتَارَ الَّذِي قَدْ عَهِدَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوْخِ فِي الأَدَا
٤٠٦ - حَدَّثَنِي فِي الْلَفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا وَاجْمَعْ ضَمِيْرَهُ إذا تَعَدَّدَا
٤٠٧ - وَالْعَرْضِ إِنْ تَسْمَعْ فَقُلْ أَخْبَرَنَا أو قَارِئًا (أَخْبَرَنِي) وَاسْتَحْسَنَا
٤٠٨ - وَنَحْوُهُ عَنْ (ابْنِ وَهْبٍ) رُوِيَا وَلَيْسَ بِالْوَاجِبِ لَكِنْ رَضِيَا [٨٤ - أ]
الشرح: هذا الفرع الثالث من التفريعات، وهو: أنه يستحب أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: «حدثني»، وفيما سمعه منه مع غيره: «حدثنا»، وفيما قرأه عليه بنفسه: «أخبرني»، وفيما قُرئ عليه وهو يسمع: «أخبرنا»، هذا الذي اختاره الحاكم، وحكاه عن أكثر مشايخه وأئمة عصره.
فقوله: «وأَجْمَع ضميره» (خ) يعني يقول: «حدثنا»، «أخبرنا».
وروي عن ابن وهب فيما رواه (ت) في «العِلَل» عنه قال: ما قلت: «حدثنا» فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت: «حدثني» فهو ما سمعت وحدي، وما
_________________
(١) (١/ ٤٠٢).
[ ٢٣٢ ]
قلت: «أخبرنا» فهو ما قُرِئَ على العالم وأنا شاهدٌ، وما قلت: «أخبرني» فهو ما قرأتُ على العالم. فهذا معنى قوله: «والعرض» (خ).
وقوله: «وليس بالواجب» (خ) يعني أن هذا التفصيل في الأداء لا يجب إلا أنه مستحبٌ كما قررنا أولًا.
وقوله:
٤٠٩ - وَالشَّكُ فِي الأَخْذِ أكَانَ وَحْدَهْ أو مَعْ سِوَاهُ؟ فَاعِتَبارُ الْوَحْدَهْ
٤١٠ - مُحْتَمَلٌ لَكِنْ رأى الْقَطَّانُ اَلْجَمْعَ فِيْمَا أوْ هَمَ الإِْنْسَانُ
٤١١ - فِي شَيْخِهِ مَا قَالَ وَالْوَحْدَةَ قَدْ اخْتَارَ فِي ذَا الْبَيْهَقِيُّ وَاعْتَمَدْ
الشرح: يعني أنه إن شَكَّ الراوي هل كان وحده حالة التحمل، فالمختار أن يقول: «حَدَّثَني»، و«أخبرني»، أو كان معه غيره فيقول: «حدثنا». [و] (١) محتمل أن يؤدي بلفظ الوحدة؛ لأن الأصل عدم غيره [٨٤ - ب].
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن يحيى بن سعيد القَطَّان رأى الإتيان بضمير الجمع.
وقوله: «فيما أَوْهَمَ» أي: شك. ومنه حديث الخدري: «إذا أوهم أحدكم في صلاته فلم يَرَ زاد أو نقص» (ح) (٢).
وقوله: «والوِحْدة» (خ) يعني أن البيهقي اختار أنه يُوَحِّد فيقول: «حدثني».
_________________
(١) زيادة من عندي.
(٢) أي الحديث.
[ ٢٣٣ ]
وقوله:
٤١٢ - وَقَالَ (أَحْمَدُ): اتَّبِعْ لَفْظًَا وَرَدْ لِلشَّيْخِ فِي أَدَائِهِ وَلاَ تَعَدْ
٤١٣ - وَمَنَعَ الإبْدَالَ فِيْمَا صُنِّفَا - الشَّيْخُ - لَكِنْ حَيْثُ رَاوٍ عُرِفَا
٤١٤ - بِأَنَّهُ سَوَّى فَفِيْهِ مَا جَرَى فِي النَّقْلِ باِلْمَعْنَى، وَمَعْ ذَا فَيَرَى
٤١٥ - بِأَنَّ ذَا فِيْمَا رَوَى ذُو الطَّلَبِ بِالْلَفْظِ لاَ مَا وَضَعُوا فِي الْكُتُب
الشرح: نَصَّ الإمامُ أحمد رضي الله تعالى عنه على اتباع لفظ الشيخ في قوله: «حدثنا»، و«حدثني»، و«سمعت»، و«أخبرنا» ولا تَعَدَّهُ.
فقوله: «ولا تَعَد» أي: لا تتعده، فَحَذَفَ إحدى التاءين حَذْفَهَا في «لا تحاسدوا».
وقوله: «ومنع» (خ) يعني أن ابن الصلاح مَنَعَ إبدال «أخبرنا» بـ «حدثنا» ونحوه في الكتب المصنَّفة.
وقوله: «لكن» (خ) يعني فإن عرفت أن قائل ذلك سَوَّى بينهما ففيه الخلاف في جواز الرواية بالمعنى.
وقوله: «ومع ذا» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: الذي نراه الامتناع من إجراء مثله فيما وُضِعَ في الكتب المصنَّفَة، وما ذكره يعني الخطيب من إجراء الخلاف محمولٌ عندنا على ما يسمعه الطالبُ [٨٥ - أ] من لفظ الشيخ، غير موضوع في كتابٍ مؤلَّفٍ. وفيه بحث للقشيري.
[ ٢٣٤ ]
وقوله:
٤١٦ - وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ مِنْ نَاسِخٍ، فَقَالَ بَامْتِنَاع
٤١٧ - (الإِسْفَرَاييِنِيْ) مَعَ (الْحَرْبِيْ) وِ (ابْنِ عَدِيٍّ) وَعَنِ (الصِّبْغِيْ)
٤١٨ - لاَ تَرْوِ تَحْدِيْثًَا وَإِخْبَارًَا، قُلِ حَضَرْتُ وَالرَّازِيُّ وَهْوَ الْحَنْظَلِيْ
٤١٩ - وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) كِلاَهُمَا كَتَبْ وَجَوَّزَ (الْحَمَّالُ) وَالشَّيْخُ ذَهَبْ
٤٢٠ - بِأَنَّ خَيْرًَا مِنْهُ أَنْ يُفَصِّلاَ فَحَيْثُ فَهْمٌ صَحَّ، أولاَ بَطَلاَ
٤٢١ - كَماَ جَرَى لِلدَّارَقُطْنِي حَيْثُ عَدْ إِمْلاَءَ (إِسْمَاعِيْلَ) عَدًَّا وَسَرَدْ
الشرح: هذا الفرع الرابع من التفريعات، وهو: إذا كان السامع أو المسمع ينسخ حال القراءة، ففي صحة سماعه خلافٌ، فذهب من ذَكَرَهُ (ن) وغير واحدٍ من الأئمة إلى مَنْعِ الصِّحَّة مطلقًا.
وقوله: «وعن الصِّبْغي» (خ) يعني: أن الصبغي ذهب إلى أنه لا يقول في الأداء: «حدثنا»، ولا «أخبرنا»، بل يقول: «حضرت».
وقوله: «والرازي» (خ) يعني أن الحَمَّال ذهب إلى الصِّحَّة مطلقًا، وقد كتب الرَّازي حالة السماع عند عارم، وعند عمرو بن مرزوق، وكتب أيضًا عبد الله بن المبارك وهو يَقْرَأ عليه شيئًا آخر غير ما يُقْرَأ عليه.
وقوله: «والشيخ» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: وخيرٌ من هذا الإطلاق التفصيل، فإن مَنَعَ النسخُ فَهْمَهُ للمقروء لم يصح، وإن فهمه صح.
وقوله: «كما جرى» (خ) [٨٥ - ب] يعني كقصة الدارقطني لما حَضَرَ في
[ ٢٣٥ ]
حداثته مجلسَ إسماعيل الصَّفَّار فجلس ينسخ جزءًا كان معه وإسماعيل يُملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعُك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك. ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ مِن حديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثًا، فعددتُ الأحاديث فوجدته كما قال بعددها، ومتونها، وأسانيدها، فتعجَّبَ منه.
وقوله: «الإسفرايني». قلت: هو بكسر الألف، وسكون السين المهملة، وفتح الفاء، والراء، وكسر الياء المثناة تحت، نسبةً إلى إسفرائين، بُلَيْدَة بنواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جُرْجَان، خرج منها جماعةٌ من العلماء في كل فن، ومنهم الأستاذ أبو إسحاق هذا إبراهيم الإمام المشهور.
وقوله: «مع الحربي». قلت: هو بفتح الحاء، وإسكان الراء المهملتين، وبعده باء موحدة، نسبةً إلى محلَّة ببغداد غربيِّها، بها جامع وسوق، وهو الإمام إبراهيم بن إسحاق، إمام فاضل، له تصانيف، يروي عن الإمام أحمد.
وقوله: «وابن عدي» هو بجر «ابن» عطفًا على «الحربي».
وقوله: «وعن الصِّبْغي» قلت: هو بكسر الصاد المهملة، وإسكان الباء الموحدة، وبعده غين معجمة، نسبةً إلى الصِّبغ والصباغ هو ما يُصْبَغ به من الألوان، ويُنْسَبُ إليه جماعةٌ، ومنهم الإمام أبو بكر [٨٦ - أ] أحمد بن إسحاق، أحد العلماء المشهورين، له رحلةٌ إلى العراق والحجاز وغيرهما.
وقوله: «وهو الحنظلي»، قلت: هو بفتح الحاء المهملة، وإسكان النون، وبعده ظاء مشالة، فلام، نسبةً إلى درب بالري يقال له: درب حنظلة، وهو الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، روى عنه صاحِبَا الشافعي يونس،
[ ٢٣٦ ]
والربيع المصريان.
وقوله: «للدارقطني». قلت: هو بفتح الدال، وبعده ألف، فراء مفتوحة، فقاف مضمومة، فطاء ساكنة مهملة، فنون نسبة، إلى دار القُطْن، محلَّة كبيرة ببغداد، نُسِبَ إليها الحافظ هذا وهو أبو الحسن علي بن عمر، ونسب إلى التشيع لحفظه في الدواوين ديوان السيد الحميري. انتهى.
وقوله:
٤٢٢ - وَذَاكَ يَجْرِي فِي الْكَلاَمِ أو إذا هَيْنَمَ حَتَّى خَفِيَ الْبَعْضُ، كَذَا
٤٢٣ - إِنْ بَعُدَ السَّامِعُ، ثُمَّ يُحْتَمَلْ فِي الظَّاهِرِ الْكَلِمَتَانِ أو أَقَلْ
الشرح: يعني أن هذا التفصيل جاز فيما إذا كان القارئ يُفْرِطُ في الإسراع، أو يُهَيْنِم، أو كان بعيدًا من القارئ بحيث لا يفهم كلامه، وما أشبه ذلك.
وقوله: «هَيْنَمَ» بفتح الهاء، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده نون فميم، من الهينمة، وهو الصوت الخفي.
وقوله: «ثم يُحْتَمَل» (خ) يعني أنه يُعْفَي في الظاهر في كل ذلك عن القدر اليسير، نحو الكلمة والكلمتين.
وقوله:
٤٢٤ - وَيَنْبَغِي لِلشَّيْخِ أَنْ يُجِيْزَ مَعْ إِسْمَاعِهِ جَبْرًَا لِنَقْصٍ إنْ يَقَعْ [٨٦ - ب]
٤٢٥ - قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَلاَ غِنَى عَنْ إِجَازَةٍ مَعَ السَّمَاعِ تُقْرَنْ
الشرح: يعني إذا عزب عن السامع الكلمة والكلمتان لعجلة القارئ أو
[ ٢٣٧ ]
هينمته ونحو ذلك، فيُسْتَحب للشيخ أن يجيز للسامعين رواية الكتاب أو الجزء الذي سمعوه وإن شمله السماع؛ لاحتمال وقوع شيء مما تقدم، فينجبر بذلك.
وكذلك ينبغي لكاتب السماع أن يكتب إجازة الشيخ عقيب كتابة السماع.
وأول من كتب الإجازة في طباق السماع الأنماطي أبو طاهر إسماعيل بن عبد المحسن فجزاه الله خيرًا فيما استسنَّه، فلقد حصل به نفعٌ كثير، ولقد انقطع بسبب ترك ذلك وإهماله اتصالُ بعض الكتب في بعض البلاد، بسبب كون بعضهم كان له فوتٌ ولم يُذْكَر في طبقة السماع إجازة الشيخ لهم، فاتفق أن كان بعض المفوتين آخر من بقي ممن سمع بعض ذلك الكتاب، فتعذَّر قراءة جميع الكتاب عليه، كأبي الحسن بن الصواف الشاطبي، رَوَى (١) غالب النسائي عن ابن باقا.
وقوله: «قال ابن عَتَّاب» (خ) يعني أن ابن عتاب قال: لا غِنَى في السماع عن الإجازة؛ لأنه قد يغلط القارئ، ويغفل الشيخ أو يغلط إن كان القارئ ويغفل القسامع فينجبر له ما فاته بالإجازة.
قلت: «وابن عَتَّاب» بفتح العين المهملة [٨٧ - أ]، وتشديد التاء المثناة فوق، وبعده ألف، فباء موحدة، هو الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب الجذامي القرطبي، أثنى عليه أبو علي الغَسَّاني في كتاب رجاله الذين لقيهم، فقال: كان من جلة الفقهاء، وأحد العلماء الأثبات، وممن عَنِىَ بالفقه وسماع الحديث
_________________
(١) في المصدر (١/ ٤١٠): راوي.
[ ٢٣٨ ]
دهره، وقيده فأتقنه، وكتب بخطه علمًا كثيرًا، وكان حسن الخط، جيد التقييد، وتقدم في المعرفة بالأحكام، وكان على سنن أهل الفضل، جزل الرأي، حصيف العقل (١)، على منهاج السلف المتقدم. انتهى.
وكان عالمًا بالوثائق ومدتها، مدققًا لمعانيها، لا يُجَارى فيها، وكتب الوثائق مدة حياته فلم يأخذ عليها من أحد أجرًا، وحُكي عنه أنه لم يكتبها حتى قرأ فيها أزيد من أربعين مؤلفًا، وكان يَهابُ الفتوى، ويَخَاف عاقبتها في الآخرة، ويقول: من يحسدني فيها جعله الله تعالى مفتيًا.
وله في المذهب أقاويل انفرد بها، منها: أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة إذا لم يسمع الإمام بالفاتحة، ومنها أنه كان إذا لم يسمع الخطبة في الجمعة والعيدين لبُعْدِه عن الإمام يُقْبِل على الذكر والدعاء والقراءة والاستغفار، ومنها: أنه كان يبدأ بالتكبير في العيدين من مساء ليلتهما إلى خروج الإمام وانقضاء الصلاة رحمه الله تعالى.
وقوله: [٨٧ - ب]
٤٢٦ - وَسُئِلَ (ابْنُ حنبلٍ) إِن حَرْفَا أدْغَمَهُ فَقَالَ: أَرْجُو يُعْفَى
٤٢٧ - لَكِنْ (أبو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ) مَنَعْ فِي الْحَرْفِ تَسْتَفْهِمُهُ فَلاَ يَسَعْ
٤٢٨ - إِلاَّ بَأَنْ يَرْوِيْ تِلْكَ الشَّارِدَهْ عَنْ مُفْهِمٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ (زَائِدَهْ)
الشرح: يعني أن الإمام سأله ابنه فقال: قلت لأبي: الحرف يدغمه الشيخ فلا يُفْهَم، وهو معروف، هل يروي ذلك عنه؟ فقال: أرجو أن لا يضيق هذا.
_________________
(١) حصيف العقل: سديده.
[ ٢٣٩ ]
وقوله: «لكن» (خ) يعني: وأما أبو نُعيم الفضل بن دُكين -بضم الدال المهملة، وفتح الكاف وإسكان المثناة تحته، وبعده نون- فكان يرى فيما سَقَطَ عنه من الحرف الواحد والاسم مما سمعه من سفيان والأعمش واستفهم من أصحابه، أن يرويه عن أصحابه، لا يرى غير ذلك واسعًا.
فقوله: «تلك الشاردة» أي: تلك الكلمة أو الحرف الذي شرد عنه فلم يفهمه عن شيخه، وإنما فَهِمَهُ عن الشيخ غيره، والشَّاردة بالشين المعجمة، والراء والدال المهملتين، من شَرَد البعير: إذا نَفَر.
وقوله: «ونحوه» (خ) يعني: أن زائدة بن قُدَامة جاء عنه هكذا، قال خلف بن تميم: سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلتُ لزائدة؟ فقال لي: لا تحدث منها إلا بما تحفظ بقلبك، وسمع أُذُنك. قال: فألقيتها.
وقوله:
٤٢٩ - وَ(خَلَفُ بْنُ سَاِلمٍ) قَدْ قال: نَا إِذْ فَاتَهُ حَدَّثَ مِنْ حَدَّثَنَا [٨٨ - أ]
٤٣٠ - مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ، وَسُفْيَانُ اكْتَفَى بِلَفْظِ مُسْتَمْلٍ عَنِ الْمُمْلِي اقْتَفَى
٤٣١ - كَذَاكَ (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أَفْتَى: إِسْتَفْهمِ الَّذِي يَلِيْكَ، حَتَّى
٤٣٢ - رَوُوْا عَنِ (الأَعْمَشِ): كُنَّا نَقْعُدُ (لِلنَّخَعِيْ) فَرُبَّمَا قَدْ يَبْعُدُ
٤٣٣ - البَعْضُ - لاَ يَسْمَعْهُ - فَيسأَلُ البَعْضَ عَنْهُ، ثَمَّ كُلٌّ يَنْقُلُ
٤٣٤ - وَكُلُّ ذَا تَسَاهُلٌ، وَقَوَْلُهُمْ: يَكْفِيِ مِنَ الْحَدِيْثِ شَمُّهُ، فَهُمْ
[ ٢٤٠ ]
٤٣٥ - عَنَوا إذا أَوَّلَ شَيءٍ سُئِلاَ عَرَفَهُ، وَمَا عَنَوْا تَسَهُّلاَ
الشرح: وهذا فرع آخر من التفريعات وهو أن الخطيب قال: بلغني عن خلف بن سالم المُخَرِّمي قال: سمعت ابن عيينة يقول: نا عمرو بن دينار، يريد: حدثنا، فإذا قيل له: قُل حدثنا عمرو، قال: لا أقول؛ لأني لم أسمع من قوله حدثنا ثلاثة أحرف لكثرة الزحام، وهي (ح د ث).
وقوله: «وسفيان» (خ) يعني أن سفيان بن عيينة قال له أبو مسلمٍ المُسْتَمْلي: إن الناس كثير لا يسمعون. قال: تسمع أنت؟ قال: نعم. قال: فأسْمِعْهم. وهذا هو الذي عليه العمل: أن من سمع المستملي دون سماعه لفظ المملي، يجوز له أن يرويه عن المملي كالعَرْض سواءً، إلا أن الأحوط أن يُبين ذلك حال الأداء: أن سماعه كذلك كما فعل ابن خزيمة وغيره من الأئمة.
وقال محمد بن عمار الموصلي: ما كتبتُ قط مِن فيِّ المستملي، ولا التفتُّ إليه، ولا أدري [أي] (١) شيء [٨٨ - ب] يقول، إنما كنت أكتب عن فيِّ المحدِّث.
وقوله: «كذاك» (خ) يعني أن قول حماد بن زيد لمن استفهمه: كيف قلت؟ فقال: استفهم الذي يليك. وقول الأعمش: كنا نجلس إلى إبراهيم النخعي فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه مَنْ تَنَحَّى عنه، فَيَسْأَل بعضُهم بعضًا عَمَّا قال، ثم يروونه عنه وما سمعوه منه، فهذا ونحوه تساهلٌ من فاعله.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ٢٤١ ]
وقوله: «وقولهم» (خ) يعني أن عبد الرحمن بن مهدي قال: يكفيك من الحديث شمه. فقال حمزة الكناني: يعني به: إذا سُئِل عن أول شيء عرفه، وليس يعني التساهل في السماع.
وقوله:
٤٣٦ - وَإِنْ يُحَدِّثْ مِنْ وَرَاءِ سِتْرِ - عَرَفْتَهُ بِصَوْتِهِ أو ذِي خُبْر
٤٣٧ - صَحَّ، وَعَنْ شُعْبَةَ لاَ تَرْوِ لَنَا إنَّ بِلاَلًا، وَحَدِيْثُ أُمِّنَا
الشرح: هذا فرع آخر من التفريعات، وهو: أنه يصح السماع مِنْ وراء حجاب إذا عرف صوت المحدث إن حدث بلفظه، أو اعتمد في معرفة صوته وحضوره على خبر ثقة من أهل الخبرة. هذا قول الجمهور.
وقوله: «وعن شعبة» (خ) يعني أن شعبة شَرَط رؤيته. وقال: إذا حدث المحدث فلم يُرَ وجهُه فلا ترووا عنه، فلعلَّه شيطان قد تصور في صورته، يقول: حدثنا وأخبرنا.
وقوله: «لنا» (خ) يعني أن الحجة لنا في صِحَّة السماع من وراء حجاب، [٨٩ - أ] حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليل» (ح) فأمر بالاعتماد على صوته مع غَيْبة شخصه عمن سمعه.
وكذلك حديث أم المؤمنين عائشة، وغيرها من أمهات المؤمنين، كُنَّ يحدثن مِنْ وراء حِجاب، ويَنْقُل عنهن مَنْ سمع ذلك، واحتجَّ به في الصحيح.
[ ٢٤٢ ]
وقوله:
٤٣٨ - وَلاَ يَضُرُّ سَامِعًَا أنْ يَمْنَعَهْ الشَّيْخُ أَنْ يَرْوِي مَا قَدْ سَمِعَهْ
٤٣٩ - كَذَلِكَ التَّخْصِيْصُ أو رَجَعْتُ مَاَ لمْ يَقُلْ: أَخْطَأْتُ أو شَكَكْتُ
الشرح: وهذا فرع آخر من التفريعات، وهو: إذا قال الشيخ بعد السماع: لا ترو عني، أو رجعتُ عن إخبارك به، أو نحو ذلك، ولم يسنده إلى خطأ أو شك أو نحوه، بل منعه جازمًا بأنه روايته، لم يمنع ذلك روايتَهُ.
وقوله: «كذلك» (خ) يعني: ولو خَصَّ بالسماع قومًا فَسَمِعَ غيرُهم بغير علمه جاز له أن يرويه عنه. قاله الأستاذ الإسفرايني أبو إسحاق.
[ ٢٤٣ ]
الثَّالِثُ: الإجَاْزَةُ
قوله:
٤٤٠ - ثُمَّ الإِجَازَةُ تَلىِ السَّمَاعَا وَنُوِّعَتْ لِتِسْعَةٍ أَنْوَاعَا
٤٤١ - ارْفَعُهَا بِحَيْثُ لاَ مُنَاولَهْ تَعْيِيْنُهُ الْمُجَازَ وَالْمُجْازَ لَهْ
٤٤٢ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَا، وَذَهَبَ (الْبَاجِيْ) إِلَى
٤٤٣ - نَفْي الْخِلاَفِ مُطْلَقًَا، وَهْوَ غَلَطْ قال: وَالاخْتِلاَفُ فِي الْعَمَلِ قَطْ [٨٩ - ب]
٤٤٤ - وَرَدَّهُ الشَّيْخُ بأَِنْ للشَّافِعِي قَوْلاَنِ فِيْهَا ثُمَّ بَعْضُ تَابِعي
٤٤٥ - مَذْهَبِهِ (الْقَاضِي حُسَيْنٌ) مَنَعَا وَصَاحِبُ (الْحَاوي) بِهِ قَدْ قَطَعَا
٤٤٦ - قَالاَ كَشُعْبَةٍ وَلَو جَازَتْ إِذَنْ لَبَطْلَتْ رِحْلَةُ طُلاَّبِ السُّنَنْ
٤٤٧ - وَعَنْ (أبي الشَّيْخِ) مَعَ (الْحَرْبِيِّ) إِبْطَالُهَا كَذَاكَ (لِلسِّجْزِيِّ)
٤٤٨ - لَكِنْ عَلى جَوَازِهَا اسْتَقَرَّا عَمَلُهُمْ، وَالأَكْثَرُوْنَ طُرَّا
٤٤٩ - قَالُوا بِهِ، كَذَا وُجُوْبُ الْعَمَلِ بِهَا، وَقِيْلَ: لاَ كَحُكْمِ الْمُرْسَل
الشرح: هذا الطريق الثالث من أقسام التحمُّل والأخذ: الإجازة المجرَّدة، وهي دون السماع.
وقوله: «ونُوِّعَت» (خ) يعني أنها على تسعة أنواعٍ، أرفعها وأعلاها إجازة
[ ٢٤٤ ]
معين لمعين، كأجزتُكَ البخاري مثلًا، أو أجزتُ فلانًا جميع ما اشتملت عليه فهرستي، ونحو ذلك، فهذا أعلى أنواع الإجازة المجرَّدة عن المناولة.
فقوله: «تعيينُه» مرفوعٌ على الخبر لقوله: «أرفعُهَا». وقوله: «المُجَاز» هو بضم الميم منصوبٌ بـ «تعيينه»، وكذا «المجاز له».
وقوله: «وبعضُهُم» (خ) يعني أن عياضًا حكى عن بعضهم الاتفاق على جواز الرواية بالإجازة.
وقوله: «وذَهَبَ» (خ) يعني أن الباجي نقل الاتفاق مطلقًا عن السلف والخلف، وادعى فيها الإجماع، ولم يُفَصِّل.
وقوله: «والاختلاف» (خ) يعني أن الباجي قَصَرَ الخلاف على العمل بها فقط، لا على جواز الرواية [٩٠ - أ] بها.
قلت: «والبَاجِي» بالباء الموحدة، وبعده ألف، فجيمٌ، نسبةً إلى باجَة مدينة بالأندلس، وهو أبو الوليد سليمان بن خَلف المالكي الحافظ الأديب الفقيه الشاعر المتكلم، رحل إلى المشرق، وسمع بمكة من أبي ذر الهروي، وبالعراق من جماعة أبي الطيب الطبري رئيس الشافعية، وأبي إسحاق الشيرازي، ودرس الكلام بالموصل على أبي جعفر السمناني عامًا كاملًا، فأقام بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا ثم رجع إلى الأندلس، فدرس وألَّف ونزل بسرقسطة على فقرٍ متقعٍ (١)، وخمول، وكان يكتب الشروط، ثم توسل إلى السلطان وعرفه وأقبل الناس عليه فكان يقول متعجبًا من حاله: عجبًا للناس
_________________
(١) كذا، ولعل صوابها: مدقع.
[ ٢٤٥ ]
كأنهم لم يعلموا أني من أهل العلم، فلما عرفني السلطان ونهض بي أقبلوا عليَّ، يَحِقُّ لكل عالمٍ أن يتعرف بالسلطان.
ولي القضاء في بعض الثغور بالأندلس ثم تضرَكَهُ، ومِنْ شعره:
إذا كنت أعلمُ علمًا يقينًا بأن جميع حياتي كساعه
فلِمَ لا أكون ضنينًا بها واجعلها في صلاح وطاعه
وقوله: «وهو غلط» يعني أن الباجي غُلِّطَ في ذلك، كما نص ابن الصلاح، وخالفه جماعاتٌ من المحدثين والفقهاء والأصوليين، فمنعوا الرواية بها، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي، وقطع به من أصحابه [٩٠ - ب] القاضيان حسين والماوردي، وعزاه في «الحاوي» إلى مذهب الشافعي، وقالا جميعًا كما قال شعبة: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة. وأَبْطَلَهَا من المحدثين: إبراهيم الحربي، وأبو الشيخ، والسِّجْزي، والدَّبَّاس أبو طاهر من الحنفية، والخُجَنْدي أبو بكر محمد من الشافعية، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن الذي استقرَّ عليه العمل، وقال به الجماهير من المحدثين وغيرهم: القول بجواز الإجازة، والرواية بها، ووجوب العمل بالمروي بها، خلافًا لبعض الظاهرية ومَنْ تابعهم فمنع العمل بها كالحديث المرسل، وأبطله ابن الصلاح.
فقوله: «ولو جازت إذن»، قلت: «إذن» بالنون مرسومة، هو مذهب المبرِّد والأكثرين، وفيها خلافٌ أشرنا إليه في كتابنا «الكافي المُغْنِى في شرح المغني» نفع الله تعالى به.
[ ٢٤٦ ]
قال أبو حيان: ووجد بخط الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى ما نصه: وجدتُ بخط عالي بن عثمان بن جني: حكى أبو جعفر النَّحَّاس قال: سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: أشتهي أن أكوي يَدَ مَنْ كَتَبَ «إذَن» بالألف؛ لأنها مثل «أن» و«لن»، ولا يدخل التنوين في الحروف. انتهى.
وقوله: «لبطلت رحلة». قلت: الرحلة بكسر الراء: الارتحال [٩١ - أ].
وقوله: «وعن أبي الشيخ» قلت هو بفتح الشين المعجمة، وإسكان المثناة تحته، وبعده خاء معجمة، وهو الإمام عبد الله بن محمد الأصبهاني.
وقوله: «مع الحربي» هو إبراهيم.
وقوله: «كذاك للسِّجْزي». قلت: هو بكسر السين المهملة، وإسكان الجيم، وبعده زاي، نسبةً إلى سجستان على غير قياسٍ، وهو أبو نصر الوائلي.
وقوله: «طُرًّا» قلت: هو بضم الطَّاء، وتشديد الراء المهملتين، أي: جميعًا.
وقوله:
٤٥٠ - وَالثَّانِ: أَنْ يُعَيِّنَ الْمُجَازَ لَهْ دُوْنَ الْمُجَازِ، وَهْوَ أَيْضًَا قَبِلَهْ
٤٥١ - جُمْهُوْرُهُمْ رِوَايَةً وَعَمَلاَ وَالْخُلْفُ أَقْوَى فِيْهِ مِمَّا قَدْ خَلاَ
الشرح: هذا النوع الثاني من أنواع الإجازة، وهو أن يُعَين الشخص المجاز له دون الكتاب المجاز، فيقول: أجزت لك جميع مسموعاتي، أو مروياتي، ونحوه.
[ ٢٤٧ ]
والجمهور على جواز الرواية بها، ووجوب العمل، ولكن الخُلْف في هذا النوع أقوى منه في النوع الأول.
وقوله:
٤٥٢ - وَالثَّالِثُ: التَّعْمِيْمُ فِي الْمُجَازِ لَهُ، وَقَدْ مَالَ إِلى الْجَوَاز
٤٥٣ - مُطْلَقًَا (الْخَطِيْبُ) (وَابْنُ مَنْدَهْ) ثُمَّ (أبو الْعَلاَءِ) أَيْضًَا بَعْدَهْ
٤٥٤ - وَجَازَ لِلْمَوْجُوْدِ عِنْدَ (الطَّبَرِيْ) وَالشَّيْخُ لِلإِْبْطَالِ مَالَ فَاحْذَر
الشرح: النوع الثالث من أنواع الإجازة إجازة العموم: كقولك: أجزتُ المسلمين، أو لمن أَدْرَكَ زماني، ونحوه.
واختلفوا في هذه [٩١ - ب]: فَجَوَّزَهَا الخطيبُ مطلقًا، وفَعَلَه ابنُ منده أبو عبد الله فقال: أجزتُ لمن قال: لا إله إلا الله. وحكى الحازمي عَمَّن أدركه من الحُفَّاظ كأبي العلاء الحسن بن أحمد العَطَّار الهَمْدَاني وغيره أنهم كانوا يميلون إلى الجواز.
وقوله: «وجاز» (خ) يعني: أن الطَّبَري أبا الطَّيِّب جَوَّزَهَا لجميع المسلمين مَنْ كان منهم موجودًا عند الإجازة.
وقوله: «والشيخ» (خ) يعني ابن الصلاح قال: لم نَرَ ولم نسمع عن أحدٍ ممن يُقْتَدَى به استعمل هذه الإجازة فروى بها، ولا عن الشِّرْذِمَة المتأخرة الذين سَوَّغُوها، والإجازة في أصلها ضعفٌ، وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتماله.
[ ٢٤٨ ]
قال ابن جماعة: وفيما قاله نظر. وجَّهَهُ شيخُنا (ن) فقال (١): أجازها جماعة منهم أبو الفضل بن خيرون البغدادي، والقاضي ابن رُشد من كبار علماء المذهب عند المالكية، والسِّلَفي، ورجحه ابنُ الحاجب، وصححه النووي من زياداته في «الروضة» قال: وأفردها بالتصنيف (٢) على حروف المعجم لكثرتهم الحافظُ أبو جعفر محمد بن أبي البدر الكاتب البغدادي، وحَدَّثَ بها ابنُ خيرٍ الحافظ الأشبيلي، وبأخَرَةٍ الدمياطي بإجازته العامة من المؤيد الطوسي.
وسمع بها من الحفاظ: المزي، والذهبي، والبرزالي أبو محمد على الركن الطَّاووسي بإجازته العامة من الصيدلاني أبي جعفر وغيره.
قال (٣): وقرأتُ بها عدة أجزاء [٩٢ - أ] على الوجيه عبد الرحمن العوفي بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القُبَّيْطي وآخرين من البغداديين والمصريين، وفي النفس من ذلك شيءٌ، وأنا أتوقفُ عن الرواية بها، وأهل الحديث يقولون: إذا كتبتَ فَقَمِّش، وإذا حدثتَ ففتش. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقوله:
٤٥٥ - وَمَا يَعُمُّ مَعَ وَصْفِ حَصْرِ كَالْعُلَمَا يَوْمَئِذٍ بِالثَّغْر
٤٥٦ - فَإِنَّهُ إِلى الْجَوَازِ أَقْرَبُ قُلْتُ (عِيَاضٌ) قالَ: لَسْتُ أَحْسِبُ
_________________
(١) (١/ ٤١٩).
(٢) أي: جمع من أجاز هذه الإجازة العامة في تصنيف مستقل.
(٣) أي الناظم في شرحه (١/ ٤٢٠).
[ ٢٤٩ ]
٤٥٧ - فِي ذَا اخْتِلاَفًَا بَيْنَهُمْ مِمَّنْ يَرَى إِجَازَةً لِكَوْنِهِ مُنْحَصِرَا
الشرح: يعني أن الإجازة العامة إذا قُيِّدَت بوصفٍ حاصرٍ فهذا إلى الجواز أقرب. كقوله: «أجزتُ لمن هو الآن من طَلَبَةِ العِلْم ببلدِ كَذَا، ولمَنْ قرأ علي قبل هذا».
قال عياض: فما أحسبهم اختلفوا في جوازه ممن تصح عنده الإجازة، ولا رأيت منعه لأحدٍ؛ لأنه محصورٌ موصوفٌ، كقوله: لأولاد فلان، أو أخوة فلان.
وقوله:
٤٥٨ - وَالرَّابعُ: الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيْزَ لَهْ أو مَا أُجِيْزَ كَأَجَزْتُ أَزْفَلَهْ
٤٥٩ - بَعْضَ سَمَاَعاِتي، كَذَا إِنْ سَمَّى كِتَابًا أو شَخْصًَا وَقَدْ تَسَمَّى
٤٦٠ - بِهِ سِوَاهُ ثُمَّ لَمَّا يَتَّضِحْ مُرَادُهُ مِنْ ذَاكَ فَهْوَ لاَ يَصِحْ
٤٦١ - أَمَّا الْمُسَمَّوْنَ مَعَ الْبَيَانِ فَلاَ يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَان
٤٦٢ - وَتَنْبَغِي الصِّحَّةُ إِنْ جَمَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ عَدٍّ وَتَصَفُّحٍ لَهُمْ [٩٢ - ب]
الشرح: النَّوْع الرابع من أنْوَاع الإجازة: الإجازة للمجهول أو بالمجهول، فالأول أن يقول أجزتُ لجماعةٍ من الناس مسموعاتي، والثاني: أجزتُ لك بعض مسموعاتي.
وقوله: «كأجزتُ» (خ) جَمَعَ في مثال واحد الجهل فيهما.
و«الأزفلة» بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، وفتح الفاء، وبعده لامٌ مفتوحة، فهاء تأنيث: الجماعة من الناس، ومنه إن عائشة أَرْسَلَت إلى أزفلة من الناس،
[ ٢٥٠ ]
في قصة خطبة عائشة في فضل أبيها.
وقوله: «كذا» (خ) من أمثلة هذا النوع أن يُسَمِّى شخصًا تسمى به غير واحد ذلك الوقت: كأجزت لمحمد بن خالدٍ الدمشقي، أو يُسمي كتابًا: كأجزتُ فلانًا كتاب «السُّنن» وهو يروي عِدَّة كتب تُعْرَف بالسُّنن ولم يَتَّضِح مراده في المسألتين، فهذه إجازة باطلة لا فائدة فيها.
وقوله: «أما المُسَمُّون» (خ) يعني إذا اتضح مرادَه بقرينة بأن قيل له: أجزتَ لمحمد بن خالد بن علي بن محمود الدمشقي؟ -مثلًا بحيث لا يلتبس-، فقال: أجزتُ لمحمد بن خالد الدمشقي. أو قيل له: أجزتَ لي رواية «السُّنَن» لأبي داود؟ فقال: أجزتُ لك روايةً السُّنَن. فالظاهر صحتها.
وكذا إذا سَمَّى الشيخ المسئول منه المجاز له مع البيان المزيل للاشتباه، إلا أن الشيخ لا يعرف المسئول له بل يجهل عينه، فلا يَضُرُّ ذلك والإجازة صحيحة.
وقوله: «وتنبغي» (خ) يعني أنه إذا سئل الشيخ الإجازة لجماعةٍ مسمَّين [٩٣ - أ] مع البيان في الاستدعاء جريًا للعادة، فأجاز لهم من غير معرفة بهم، ولم يعرف عددهم، ولا تصفح أسماءهم واحدًا واحدًا، فينبغي الصحة، كما يَصِحُّ سماعُ مَنْ سمع منه على هذا الوصف.
وقوله:
٤٦٣ - وَالْخَامِسُ: التَّعْلِيْقُ فِي الإِجَازَهْ بِمَنْ يَشَاؤُهَا الذَّيِ أَجَازَهْ
٤٦٤ - أو غَيْرُهُ مُعَيَّنًَا، وَالأُولَى أَكْثَرُ جَهْلًا، وَأَجَازَ الْكُلاَّ
[ ٢٥١ ]
٤٦٥ - مَعًا (أبو يَعْلَى) الإِمَامُ الْحَنْبَلِيْ مَعَ (ابْنِ عَمْرُوْسٍ) وَقَالاَ: يَنْجَلِي
٤٦٦ - الْجَهْلُ إِذْ يَشَاؤُهَا، وَالظَّاهِرُ بُطْلاَنُهَا أَفْتَى بِذَاك (طَاهِرُ)
٤٦٧ - قُلْتُ: وَجَدْتُ (ابنَ أبي خَيْثَمَةِ) أَجَازَ كَالَّثانِيَةِ الْمْبُهَمَة
٤٦٨ - وَإِنْ يَقُلْ: مَنْ شَاءَ يَرْوِي قَرُبَا وَنَحْوَهُ (الأَزْدِي) مُجِيْزًَا كَتَبَا
٤٦٩ - أَمَّا: أَجَزْتُ لِفُلاَنٍ إِنْ يُرِدْ فَالأَظْهَرُ الأَقْوَى الْجَوَازُ فَاعْتَمِدْ
الشرح: هذا النوع الخامس من أنواع الإجازة: الإجازة المعلقة بالمشيئة والتعليق قد يكون مع إبهام المجاز أو تعيينه، وقد يُعَلَّق بمشيئة المجاز أو بمشيئة غيره معينًا، وقد يكون لنفس الإجازة، وقد يكون للرواية بالإجازة.
فأما تعلقها بمشيئة المجاز مبهمًا كأن يقول: من شاء أن أجيز له فقد أجزت له.
وأما تعليقها بمشيئة غير المجاز فإن كان المعلق بمشيئته مبهمًا فهذه باطلة قطعًا، نحو: أجزتُ لمن شاء بعض الناس أن يروي عني. وإن [٩٣ - ب] كان معينًا كقوله: من شاء فلانٌ أن أجيز له فقد أجزته.
وقوله: «والأولى» (خ) يعني: أن التعليق بمشيئة المجاز مبهمًا أكثر في الجهل من التعليق بمشيئة غير المجاز معينًا.
وقوله: «وأجاز» (خ) يعني: من ذَكَرَ أجاز هذا النوع بأسره؛ لأن الجهالة ترتفع بالمشيئة.
وأبو يعلى هذا هو الإمام محمد بن الحسين بن الفراء.
[ ٢٥٢ ]
وابن عَمْرُوس بفتح العين المهملة، وإسكان الميم، وبعده راء مهملة مضمومة، فواوٌ ساكنةٌ، فسين مهملة، وهو أبو الفضل محمد بن عبيد الله بن عَمْرُوس المالكي، حدث عن المخلص وغيره، وكان إمامًا في المذهب، ومتقدِّمًا في علم الكلام على مذهب الأشعري، وقُبِلَت شهادته، انتهى.
وقوله: «والظاهر» (خ) قال ابن الصلاح: والظاهر أنه لا يَصِحُّ، وبذاك أفتى القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري لما سأله الخطيب عن ذلك، وعلل بأنه إجازةٌ لمجهول، كقوله: أجزت لبعض الناس.
وقوله: «قلت» (خ) هذا من الزيادة على ابن الصلاح، وهو أن جماعة من أئمة الحديث المتقدمين والمتأخرين استعملوا هذا، ومن المتقدمين: أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زُهير بن حرب صاحب ابن معين، وصاحب «التاريخ» فقال ابن الوَزَّان الإمام أبو الحسين محمد: ألفيتُ بِخَطِّ ابن أبي خيثمة: قد أجزتُ لأبي زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي [٩٤ - أ] عني ما أَحَبَّ من كتاب «التاريخ» الذي سمعه مِنِّي أبو محمد القاسم بن الأصبغ، ومحمد بن عبد الأعلى، كما سمعاه مِنِّي، فأذنت له في ذلك، ولمن أحب من أصحابه، فإن أحب أن تكون الإجازة لأحدٍ بعد هذا فأنا أجزتُ له ذلك بكتابي هذا، وكتب أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست وسبعين ومائتين.
وقوله: «وإن يقل» (خ) يعني: إذا كان المعلَّق هو الرواية، كقوله: أجزت لمن شاء الرواية عني أن يروي عني.
وقوله: «قَرُبَا» بضم الراء، معناه: قَرُب من التصريح بما يقتضيه الإطلاق والحكاية للحال، لا أنه تعليقٌ حقيقةً، وبَنى على هذا ابن الصلاح إجازة:
[ ٢٥٣ ]
بعتك هذا بكذا إن شئت. فيقول: قبلت.
وفَرَّقَ بينهما (ن) بتعيين المبتاع هنا، بخلافه في الإجازة، فإنه مبهمٌ ووِزَان الفرع في الإجازة أن يقول: أجزتُ لك أن تروي عني إن شئت الرواية عني، بخلاف المثال الذي ذكره، فالتعليق وإن لم يضره فالجهالة تبطله.
وقوله: «الأزدي» (خ) يعني أنه وُجِدَ بخط أبي الفتح الأزدي: أجزتُ رواية ذلك لجميع من أَحَبَّ أن يروي عني ذلك.
وقوله: «أما أجزت» (خ) يعني أن تعليق الرواية مع التصريح بالمجاز له وتعيينه كقوله: أجزتُ لك كذا وكذا إن شئت روايته عني، أو أجزت لك إن شئت أن تروي [٩٤ - ب] عني، ونحو ذلك، فالأظهر الأقوى جوازه.
فقوله: «إن يُرِد» أي: الرواية، لقوله قبل «من شاء يروي».
قال (ن) (١): ويجوز أن يُراد الأمران، أي: إن أراد الرواية أو الإجازة.
وقوله:
٤٧٠ - وَالسَّادِسُ: الإِذْنُ لِمَعْدُوْمٍ تَبَعْ كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ لِفُلاَنِ مَعْ
٤٧١ - أَوْلاَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهْ حَيْثُ أَتَوْا أَوْ خَصَّصَ الْمَعْدُوْمَ بِهْ
٤٧٢ - وَهْوَ أَوْهَى، وَأَجَازَ الأَوَّلاَ (ابْنُ أبي دَاوُدَ) وَهْوَ مُثِّلاَ
٤٧٣ - بِالْوَقْفِ، لَكِنْ (أَبَا الطَّيِّبِ) رَدْ كِلَيْهِمَا وَهْوَ الصَّحِيْحُ الْمُعْتَمَدْ
_________________
(١) (١/ ٤٢٥).
[ ٢٥٤ ]
٤٧٤ - كَذَا أبو نَصْرٍ. وَجَازَ مُطْلَقَا عِنْدَ الْخَطِيْبِ وَبِهِ قَدْ سُبِقَا
٤٧٥ - مِنِ ابْنِ عُمْرُوْسٍ مَعَ الْفَرَّاءِ وَقَدْ رَأَى الْحُكْمَ عَلى اسْتِوَاء
٤٧٦ - فِي الْوَقْفِ في صِحَّتِهِ مَنْ تَبِعَا أَبَا حَنِيْفَةَ وَمَالِكًَا مَعَا
الشرح: النوع السادس من أنواع الإجازة: الإجازة للمعدوم، وهي على قسمين:
الأول: كقوله: أجزتُ لمن يولد لفلانٍ، أو لفلان، ولولده، وعقبِهِ ما تناسلوا، ونحوه. وفَعَلَهُ أبو بكر عبد الله بن أبي داود و[قد] (١) سُئل الإجازة فقال: أجزت لك، ولأولادك، ولحبل الحبلة. يعني الذين لم يولدوا بعد.
وقوله: «أو خَصَّص» (خ) هذا القسم الثاني من قسمي هذا النوع، وهو: أن يخصَّص المعدوم بالإجازة من غير عطفٍ عل موجودٍ، كقوله: أجزت لمن يولد لفلان. وهو [٩٥ - أ] أضعف من الأول، والأول أقرب إلى الجواز، وشُبِّه بالوقف على المعدوم، وأجازه الشافعية في الأول دون الثاني.
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن الطبري فيما حكاه الخطيب عنه مَنَعَ صحة الإجازة للمعدوم مطلقًا.
وقوله: «كذا أبو نصرٍ» يعني أن ابن الصَّبَّاغ بَيَّنَ بطلانها.
وقوله: «وجاز مُطلقًا» (خ) يعني أن الخطيب أجازها مطلقًا، وحكاه عن أبي يعلى، وابن عمروس.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ٢٥٥ ]
قال القاضي عياض: وعليه مُعْظَم الشيوخ المتأخرين، وبه استمر عَمَلُهم بعدُ شرقًا وغربًا.
وقوله: «وقد» (خ) يعني أن الخطيب حكى عن مالك وأبي حنيفة جواز الوقف على المعدوم وإن لم يكن أصله موجودًا حال الإيقاف، كأن يقول: وقفت هذا على من يولد لفلان، وإن لم يكن وَقَفَهُ على فلان.
وقوله:
٤٧٧ - وَالسَّاِبعُ: الإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ لِلأَخْذِ عَنْهُ كَافِرٍ أو طِفْل
٤٧٨ - غَيْرِ مُمَيِزٍ وَذَا الأَخِيْرُ رَأَى (أبو الطَّيِّبِ) وَالْجُمْهُوْرُ
٤٧٩ - وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِرٍ نَقْلًا، بَلَى بِحَضْرَةِ (الْمِزِّيِّ) تَتْرَا فُعِلا
٤٨٠ - وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلِ أَيْضًَا نَقْلاَ وَهْوَ مِنَ الْمَعْدُوْمِ أولَى فِعْلاَ
٤٨١ - وَ(لِلْخَطِيْبِ) لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ قُلْتُ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهْ
٤٨٢ - مَعْ أبويْهِ فَأَجَازَ، وَلَعَلْ مَا اصَّفَّحَ الأَسماءَ فِيْهَا إِذْ فَعَلْ
٤٨٣ - وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلى مَا ذَكَرُوْا هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ [٩٥ - ب]
الشرح: هذا النوع السابع من أنواع الإجازة: الإجازة لمن ليس بأهل حين الإجازة للأداء والأخذ عنه.
وقوله: «كافرٍ» (خ) لم يذكر ابن الصلاح إلا الصبي، وزاد (ن) هنا الكافر.
فأما الصبي فلا يخلو إما أن يكون مميزًا أولًا، فإن كان فالإجازة صحيحة كسماعه، وإن كان الثاني فاختُلِف فيه، فذهب الجمهور والطبري أبو الطيب
[ ٢٥٦ ]
إلى الجواز، وحكى الخطيب عن بعض الشافعية المنع.
وقوله: «ولم أجد في كافر» (خ) يعني: أن الإجازة للكافر لم نَجِد فيها نقلًا وإن صَحَّ سماعه، إلا أن شخصًا (١) من الأطباء بدمشق ممن رأيته بدمشق ولم أسمع عليه يقال له: محمد بن عبد السيد بن الدَّيَّان، سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في طَبَقَة السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ المزي أبي الحجاج يوسف، وبعض السماع بقراءته وذلك في غير ما جزء، فلولا أن المزي يرى جواز ذلك ما أَقَرَّ عليه، ثُمَّ هدى الله اليهودي للإسلام، وحدث، وسمع منه أصحابنا.
وقوله: «لغير أهل» يدخل تحته الإجازة للمجنون وهي صحيحة، وللفاسق وللمبتدع والظاهر جوازها.
وقوله: «ولم أجد في الحمل» (خ) يعني: أن (ن) رحمه الله تعالى قال (٢): لم أجد أيضًا [٩٦ - أ] نقلًا في الإجازة للحَمْل غير أن الخطيب قال: لم نَرَهُم أجازوا لمن لم يكن مولودًا في الحال. ولم يتعرض لكونه إذا وقع يصح أو لا.
وقوله: «وهو» (خ) يعني: أنه أولى بالصحة من المعدوم، والخطيب يرى صحتها للمعدوم.
_________________
(١) هذا من كلام الناظم في شرحه (١/ ٤٢٩).
(٢) (١/ ٤٢٩).
[ ٢٥٧ ]
وقوله: «قلت» يعني أن (ن) قال (١): رأيت بعض شيوخنا المتأخرين سُئل الإجازة لحملٍ بعد ذكر أبويه قبله وجماعة معهم، فأجاز فيها، وهو الحافظ أبو سعيد العلائي.
وقوله: «ولعل» (خ) يعني أَنَّ من عَمَّمَ الإجازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن، إلا أنه يُقال: لعله ما اصَّفَّح أسماء الإجازة حتى يعلم هل فيها حمل أم لا، فقد جوزوا الإجازة ولو لم يتصفح الشيخ المجيز أسماء الجماعة المسئول لهم الإجازة.
وقوله: «وينبغي» يعني أنه ينبغي بناء الحكم في الإجازة للحمل على الخلاف في أن الحمل هل يُعْلَم أم لا، فإن قلنا: لا يُعْلَم، فكالإجازة للمعدوم، وفيه الخلاف، وإن قلنا: يُعْلَم، وهو الأصح -قال (٢): كما صَحَّحَهُ الرَّافعي- صَحَّت الإجازة.
قال: ومعنى «يُعْلَم» أن يُعامل معاملة المعلوم، قال (٣): وإلا فقد قال إمام الحرمين: لا خلاف أنه لا يُعْلَم، وجزم به الرافعي.
وقوله: «وهذا أظهر»، يعني: أن الحمل يُعْلَم.
وقوله:
٤٨٤ - وَالثَّامِنُ: الإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ، وَالصَّحِيْحُ أَنَّا نُبْطِلُهْ
_________________
(١) (١/ ٤٢٩).
(٢) (١/ ٤٣٠).
(٣) (١/ ٤٣٠).
[ ٢٥٨ ]
٤٨٥ - وبعضُ عَصْرِيِّ عِيَاضٍ بَذَلَهْ وَ(ابْنُ مُغِيْثٍ) لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلَهْ [٩٦ - ب]
٤٨٦ - وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ مَا صَحَّ لَهْ أو سَيَصِحُّ، فَصَحِيْحٌ عَمِلَهْ
٤٨٧ - (الدَّارَقُطْنِيُّ) وَسِواهُ أوحَذَفْ يَصِحُّ جَازَ الكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفْ
الشرح: النوع الثامن من أنواع الإجازة: إجازة ما سيحمله (١) المجيز مما لم يسمعه قبل ذلك ولم يتحمله، فيرويه المجاز له بعد أن يتحمله المجيز.
وقوله: «وبعض» (خ) يعني أن عياضًا قال في «الإلماع»: لم نر مَنْ تَكَلَّم عليه من المشايخ، ورأيت بعضَ المتأخرين والعَصْرِيين يصنعونه، إلا أني قرأت في «فهرست أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطُّبْنِي» قال: كنت عند القاضي بقرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث، فجاءه إنسانٌ فسألَهُ الإجازة له بجميع ما رواه إلى تاريخها، وما يرويه بعد، فلم يُجبه إلى ذلك، فَغَضِبَ السائلُ، فنظر إليَّ يونس، فقلت له: يا هذا يعطيك ما لم يأخذ؟ هذا محال. فقال يونس: هذا جوابي. قال عياض: وهذا هو الصحيح.
فقوله: «وابن مُغيث» قلت: هو بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة، فثاء مثلثة، هو مَنْ ذُكِر: قاضي الجماعة بقرطبة، وصاحب الصلاة والخطبة بجامعها، ويُعرف بابن الصفار، كَتَبَ إليه من المشرق الدارقطني وجماعة، وهو من أهل العلم بالحديث والفقه، كثير الرواية، وافر الخط من عِلْم اللغة والعربية، صَحِبَ الصَّالحين، من تَوَاليفه كتاب «التسلِّي عن [٩٧ - أ] الدنيا بتأمل خبر الآخرة»، ﵀، ونفع بعلومه.
_________________
(١) في الأصل: يستحمله. وما أثبتناه من المصدر.
[ ٢٥٩ ]
والخلاف في ذلك مبني على أن الإجازة هل الإخبار بالمجاز جملةً أو إذنٌ؟ فعلى الأول لا يَصِحُّ إذ لا يُخْبِر بما ليس عنده، وعلى الثاني فمبني على الإذن في الوكالة بما لم يملكه الآذنُ بعد.
قال (ن) (١): وأجازه بعض الشافعية، والصحيح البطلان، قال: وصوبه النووي.
وقوله: «وإن يَقُل» (خ) يعني إذا قال: أجزتُ له ما صَحَّ ويَصِحُّ عنده من مسموعاتي فصحيحة، وفعله الدارقطني وغيره.
وقوله: «أو حَذَف يصح» (خ) يعني أنه لو قال له: أجزتُ ما صح عنده من مسموعاتي، ولم يَقُل: «ويَصِحُّ» فله الرواية.
وقوله: «جاز الكل» أي: ما عُرِفَ حالة الأداء أنه سماعه.
وقوله: «بَذْلَهُ» هو بذال معجمة، أي: أعطاه لمن سأله.
وقوله:
٤٨٨ - وَالتَّاسِعُ: الإِذْنُ بِمَا أُجِيْزَا لِشَيْخِهِ، فَقِيْلَ: لَنْ يَجُوْزَا
٤٨٩ - وَرُدَّ، وَالصَّحِيْحُ: الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّاْدُ
٤٩٠ - أبو نُعَيْمٍ، وَكَذَا ابْنُ عُقْدَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَصْرٌ بَعْدَهْ
٤٩١ - وَالَى ثَلاَثًَا بإِجَازَةٍ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ وَالَى بِخَمْسٍ يُعْتَمَدْ
_________________
(١) (١/ ٤٣٢).
[ ٢٦٠ ]
٤٩٢ - وَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الإِجازَهْ فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أَجَاْزَهْ
٤٩٣ - بَلِفْظِ مَا صَحَّ لَدَيْهِ لَمْ يُخَطْ مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ مِنْهُ فَقَطْ
الشرح: النوع التاسع من أنواع الإجازة: إجازة المُجَاز مثل: أجزتُ [٩٧ - ب] لك مجازاتي ونحوه، فَمَنَعَ جوازه الحافظُ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي من شيوخ ابن الجوزي، وصَنَّفَ جزءًا في منع ذلك، وحكاه الحافظ أبو علي البَرَدَاني بفتح الموحدة، والدال المهملة، وبعده ألف، فنون، عن بعض منتحلي الحديث وما سَمَّاه.
وقوله: «ورُد» (خ) يعني القول بالمنع، والصحيح المعتمد عليه جوازه، وقطع به الدارقطني، وأبو نعيم، وابن عُقدة، وفعله الحاكم في «تاريخه».
وقوله: «ونَصْرٌ» (خ) هو بالرفع مبتدأ خبره «والى» أي بين ثلاث أجايز. ويجوز عطف «ونصرٌ» على «الدارقطني».
وقوله: «وقد رأيت» (خ) يعني أن (ن) قال (١): رأيتُ في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث الزيادة على ثلاث أجايز، فرووا بأربع أجايز متواليةٍ، وبخمس. وروى الحلبي عبد الكريم في «تاريخ مصر» عن عبد الغني بن سعيد الأزدي: خَمْسِ أجايز متوالية في عِدَّة مواضع.
وقوله: «وينبغي» (خ) يعني أنه ينبغي لمن يَرْوي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمَّل كيفيةَ إجازة شيخ شيخه لشيخه ومقتضاها، حتى لا يروي بها ما لم يندرج تحتها، فربما قَيَّدَهَا بعضهم بما صَحَّ عند المجاز، أو بما سمعه المجيز
_________________
(١) (١/ ٤٣٤).
[ ٢٦١ ]
فقط، أو بما حَدَّث من مسموعاته، أو غير ذلك.
وكان ابنُ دقيق العيد لا يجيز رواية سماعه، بل يُقيده بما حدث به من مسموعاته.
قال (ن) (١): هكذا [٩٨ - أ] رأيته بخطه في عِدَّة إجازات، ولم أر له إجازةً تشمل مسموعه، و[ذلك] (٢) أنه كان يَشُكُّ في بعض سماعاته فلم يُحَدِّث به، ولم يجزه، وهو سماعه على ابن المُقَيَّر فَمن حَدَّثَ عنه بإجازته منه بشيء مما حَدَّثَ به من مسمُوعاته فهو غير صحيح.
وقوله: «وابن عُقدة».
قلت: هو بضم العين المهملة، وإسكان القاف، وبعده دال مهملة، فهاء تأنيث، هو أبو العباس، يشتبه بعكب بن عُبْدَة بالباء الموحدة بدل القاف أحد شهود علي يوم الحكمين، انتهى.
وقوله: «ونصر». قلت: بفتح النون، وإسكان الصاد المهملة، هو الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، قال محمد بن طاهر: سمعته ببيت المقدس يروي بالإجازة عن الإجازة، وربما تابع بين ثلاث منها.
_________________
(١) ١/ ٤٣٦).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٢٦٢ ]
لَفْظُ الإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا
قوله:
٤٩٤ - أَجَزْتُهُ (ابْنُ فَارِسٍ) قَدْ نَقَلَهْ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوْفُ قَدْ أَجَزْتُ لَهْ
الشرح: قال ابن فارس: الإجازة في كلام العرب مأخوذة من جواز الماء الذي يُسْقَاه المال من الماشية والحرث، يقال: استجزتُ فلانًا فأجازني، إذا أسقاك ماءً لماشيتك أو أرضك، فكذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيز له، وعليه فيجوز أن تُعَدِّي الفعل بغير حرف الجر ولا ذكر «رواية» (١) فتقول: أجزتُ فلانًا مسموعاتي.
قلت: «وابن فارس» هو أبو الحسين أحمد بن فارس اللُّغَوي، وألف «المجمل [٩٨ - ب] في اللغة» مختصرًا جمع كثيرًا من اللغة، له رسائل أنيقة، ومسائل في اللغة يعاني (٢) منها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري في «المقامات» ذلك الأسلوب، ووضع المسائل الفقهية في المقامة الطيبية وهي مائة مسألة، ومن شعره:
اسمع مقالة ناصح جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تبيت من الثقات على ثقه
انتهى.
_________________
(١) أي دون ذكر لفظ: «رواية».
(٢) في الأصل: يعايي.
[ ٢٦٣ ]
وقوله: «وإنما المعروف» (خ) يعني أن الإجازة إن كانت بمعنى الإذن والإباحة وهو المعروف، فيقول: أجزت له رواية مسموعاتي. وإذا قال: أجزت له مسموعاتي فعلى حذف مضاف.
وقوله:
٤٩٥ - وَإِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ مِنْ عَالِمٍ بِهِ، وَمَنْ أَجَازَهْ
٤٩٦ - طَالِبَ عِلْمٍ (وَالْوَلِيْدُ) ذَا ذَكَرْ عَنْ (مَالِكٍ) شَرْطًا وَعَنْ (أبي عُمَرْ)
٤٩٧ - أَنَّ الصَّحِيْحَ أَنَّهَا لاَ تُقْبَلُ إِلاَّ لِمَاهِرٍ وَمَا لاَ يُشْكِلُ
٤٩٨ - وَالْلَفْظُ إِنْ تُجِزْ بِكَتْبٍ أَحْسَنُ أو دُوْنَ لَفْظٍ فَانْوِ وَهْوَ أَدْوَنُ
الشرح: يعني أن الإجازة تُستحسن إذا كان المجيز عالمًا بما يجيزه، والمجاز من أهل العلم؛ لأنها توسع يحتاج إليه أهل العلم.
وقوله: «والوليد» (خ) يعني: أن بعضهم بالغ في ذاك فجعله شرطًا فيها، وحكاه الوليد بن بكر المالكي عن مالك رحمه الله تعالى.
وقوله: «وعن أبي عمر» (خ) يعني أن ابنَ عبد البر أبا عمر قال: الصحيح أنها لا تجوز [٩٩ - أ] إلا لماهرٍ بالصناعة، وفي شيء معين لا يُشكل إسناده.
وقوله: «واللفظ» (خ) يعني أن الإجازة قد تكون باللفظ من الشيخ، أو بالخط، سواءً أجاز ابتداءً، أو كتب به على سؤال الإجازة كما جرت العادة، فإن كانت بالخط فالأحسن والأولى التَلَفُّظ بالإجازة، فإن اقتصر على الكتابة قاصدًا الإجازة صَحَّت؛ لأن الكتابةَ كنايةٌ، وهي دون الإجازة باللفظ في الرتبة، فإن لم ينو فالظاهر عدم الصحة.
[ ٢٦٤ ]
الرَّاْبِعُ: الْمُنَاوَلَةُ
قوله:
٤٩٩ - ثُمَّ الْمُنَاولاَتُ إِمَّا تَقْتَرِنْ بِالإِذْنِ أَوْ لاَ، فَالَّتِي فِيْهَا إِذِنْ
٥٠٠ - أَعْلَى الإْجَازَاتِ، وَأَعْلاَهَا إذا أَعْطَاهُ مِلْكًَا فَإِعَارَةً كَذَا
٥٠١ - أَنْ يَحْضُرَ الطَّالِبُ بِالْكِتَابِ لَهْ عَرْضًا وَهَذَا الْعَرْضُ لِلْمُنَاولَهْ
٥٠٢ - وَالشَّيْخُ ذُوْ مَعْرِفَةٍ فَيِنَظُرَهْ ثُمَّ يُنَاولَ الْكِتَابَ مُحْضِرَهْ
٥٠٣ - يقول: هَذَا مِنْ حَدِيْثِي فارْوِهِ وَقَدْ حَكَوْا عَنْ (مَالِكٍ) وَنَحْوِه
٥٠٤ - بِأَنَّهَا تُعَادِلُ السَّمَاعَا وَقَدْ أَبَى الْمُفْتُوْنَ ذَا امْتِنَاعَا
٥٠٥ - إِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيْ مَعَ النُّعْمَانِ وَالشَّافِعيْ وَأحْمَدُ الشَّيْبَانِيْ
٥٠٦ - وَ(ابْنِ الْمُبَارَكِ) وَغَيْرِهِمْ رَأوْا بِأَنَّهَا أَنْقَصُ، قُلْتُ: قَدْ حَكَوْا
٥٠٧ - إِجْمَاعَهُمْ بِأَنَّهَا صَحِيْحَهْ مُعْتَمَدًا، وَإِنْ تَكُنْ مَرْجُوْحَهْ
الشرح: الطريق الرابع من طرق الأخذ والتحمل: المناولة، وهي [٩٩ - ب] نوعان:
أحدهما: المقرونة بالإجازة، وهي أنواعٌ، أعلاها الإجازة (١) كما تقدم، ثم
_________________
(١) كذا، وهو خطأ، وعبارة الناظم (١/ ٤٣٩): وهي-أي الإجازة المقرونة بالمناولة- أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق.
[ ٢٦٥ ]
لها صور: أعلاها أن يناوله شيئًا من سماعه أصلًا أو فرعًا مقابَلًا به فيقول هذا سماعي، أو روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته، ثم يبقيه في يده تمليكًا، أو إلى أن ينسخه.
وقوله: «كذا» (خ) هذه الصورة الثانية: أن يُحْضِرَ الطالبُ الكتابَ -أصل الشيخ أو فرعه المقابل به- فيعرضه عليه، ويقول: هو حديثي، أو سماعي، أو روايتي، فاروه عني. وسماه غير واحدٍ من الأئمة عرضًا فيكون هذا عرض المناولة وذلك عرض القراءة.
وقوله: «والشيخ» (خ) يعني: إذا عرض الطالبُ الكتابَ على الشيخ، تَأَمَّله الشيخ، وهو عارف متيقظ، ثم يناوله الطالبَ ويقول له: هو روايتي أو من حديثي فاروه عني.
وقوله: «وقد حكوا» (خ) يعني: أن هذه المناولة المقرونة بالإجازة حَالَّة محل السماع عند بعضهم، كما حكاه الحاكم عن الزهري، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، في جماعةٍ من أهل المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، وخراسان، وحكاه ابن جماعة عن مجاهد، والشعبي، وعلقمة، وإبراهيم، وابن وهب، وابن القاسم.
وقوله: «وقد أبى» (خ) يعني أن الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يروه سماعًا، وبه قال الشافعي [١٠٠ - أ]، والأوزاعي، والبويطي، والمزني، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن المبارك.
[ ٢٦٦ ]
قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه نذهب.
قلت: «والشيباني» بالشين المعجمة؛ لأن في نسبه ذهل بن شيبان بن ثعلبة إلى عدنان، انتهى.
وقوله: «قلت» (خ) هذا من الزيادة على ابن الصلاح، وهو اتفاق أهل النقل هنا، لما حكى ابن الصلاح الخلاف المتقدم في الإجازة، ولم يحك هنا إلا كونها موازية للسماع أَولا، فزاد نقل الاتفاق على صحتها تبعًا لنقل عياض في «الإلماع».
وقوله: «مُحضْرَهُ». قلت: بضم الميم وكسر الضاد ونَصَبَهُ «يناول».
وقوله: «معتمدًا» ضبطه (ن) بفتح الميم، منصوب على التمييز، أي: اعتمادًا.
فقوله: «المفتون».قلت: واحده مفتي، اسم فاعل مِنْ أفتى رباعيًا، فلما جُمِع جَمْعَ تصحيح بالواو والنون التقى ساكنان الياء التي آخر الكلمة وواو الجمع، فحذفت الياء لالتقائهما، ومثله المُهْدُون ونحوه.
وقوله: «وغيرِهم» قلت: هو بالجر عطفًا على المجرور بـ «مع»، والله تعالى أعلم.
وقوله:
٥٠٨ - أَمَّا إذا نَاولَ وَاسْتَرَدَّا فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَالْمُجَازُ أَدَّى
٥٠٩ - مِنْ نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ وَهَذِهِ لَيْسَتْ لَهَا مَزِيَّهْ
[ ٢٦٧ ]
٥١٠ - عَلَى الذَّيِ عُيَّنَ فِي الاجَازَهْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ لَكِنْ مَازَهْ
٥١١ - أَهْلُ الْحَدِيْثِ آخِرًا وَقِدْمَا أَمَّا إذا مَا الشَّيْخُ لَمْ يَنْظُرْ مَا [١٠٠ - ب]
٥١٢ - أَحْضَرَهُ الطَّالِبُ لَكِنْ اعْتَمَدْ مَنْ أَحْضَرَ الْكِتَابَ وَهْوَ مُعْتَمَدْ
٥١٣ - صَحَّ وَإِلاَّ بَطَلَ اسْتِيْقَانَا وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا
٥١٤ - ذَا مِنْ حَدِيْثِي، فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ يُفِيْدُ حَيْثُ وَقَعَ التَّبَيُّنُ
الشرح: من صور المناولة المقرونة بالإجازة أن يناوله الشيخُ الكتابَ، ويجيز له روايته، ثم يرتجعه منه في الحال، فهي صحيحة، ولكنها دون الصورة المتقدمة لعدم احتواء الطالب عليه وغيبته عنه.
وقوله: «المجاز» (خ) يعني والمجاز له، وهو مبتدأ خبره «أَدَّى» أي: ومن تناول على هذه الصورة فله أن يؤدي من الأصل الذي نَاوَلَهُ الشيخُ واسترده إذا ظفر به، مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو من فَرْعٍ مُقَابَلٍ به كذاك، وهذا معنى قوله: «قد وافَقَت مَرْوِيَّه» أي: الكتاب الذي تناوله، إما بكونه من الكتاب المناول نفسه مع غلبة السلامة، أو من نسخة موافقة بمقابلته، أو إخبار ثقة بموافقتها، ونحو ذلك.
وقوله: «وهذه» أي: هذه الصورة من صور المناولة لا مَزِيَّةَ لها على الإجازة بكتابٍ مُعَيَّنٍ عند المحققين على ما نقله عياض، وبه رَدَّ على ابن الصلاح في حكايته ذلك عن غير أهل التحقيق من الفُقَهَاء والأصوليين.
وقوله: «لكن» (خ) يعني لكن قديمًا وحديثًا شيوخنا [١٠١ - أ] من أهل الحديث يرون لها مزية على الإجازة.
[ ٢٦٨ ]
وقوله: «أما» (خ) من صور المناولة: أن يُحْضِرَ الطالبُ الكتابَ للشيخ فيقول: هذا روايتك فناولنيه وأَجِزْ لي روايته، فلا ينظر فيه الشيخ، ولا يتحقق أنه روايته، ولكن اعتمد خَبَرَ الطالب، والطالب ثقة يعتمد على مثله، فأجابه إلى ذلك، صَحَّت المناولة والإجازة.
وقوله: «وإلا» (خ) يعني وإن لم يكن الطالبُ موثوقًا به بخبره ومعرفته، فإنه لا تجوز هذه المناولة ولا تَصِحُّ، ولا الإجازة.
وقوله: «وإن يَقُل» (خ) يعني: فإن ناولَهُ وأَجَازَه ثم تَبَيَّنَ بعد ذلك بخبر ثقة يعتمد عليه أن ذلك كان من سماع الشيخ أو من مروياته، فهل يحكم بصحة المناولة والإجازة السابقتين؟ خلافٌ، واستظهر (ن) الصحة؛ لأنه تبين بعدُ صحةُ سماع الشيخ لما ناوله وأجازه، وزال ما كان يُخْشَى من عدم ثقة المخبر.
وقوله:
٥١٥ - وإنْ خَلَتْ مِنْ إذْنِ المُنَاْولَهْ قِيْلَ: تَصِحُّ والأَصَحُّ بَاْطِلَهْ
الشرح: هذا النوع الثاني من نوعي المناولة، وهو المُجَرَّد عن الإجازة، كأن يناوله كتابًا، ويقول: «هذا سماعي» مقتصرًا عليه، ولا يقول له: اروه عني، ولا أجزت لك روايته، ونحوه.
وفيها خلافٌ، فحكى الخطيبُ عن طائفةٍ صحتَهَا، والرواية بها، وقال [١٠١ - ب] ابن الصلاح: عَابَهَا غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها.
وقوله: «والأصح» (خ) يعني: فلا يجوز الرواية بها.
[ ٢٦٩ ]
كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ؟
قوله:
٥١٦ - وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ رَوَى مَا نُوْوِلاَ (فَمَالِكٌ) وَ(ابْنُ شِهَابٍ) جَعَلاَ
٥١٧ - إِطْلاَقَهُ (حَدَّثَنَا) وَ(أَخْبَرَا) يَسُوْغُ وَهْوَ لاَئِقٌ بِمَنْ يَرَى
٥١٨ - الْعَرْضَ كَالسَّمَاعِ بَلْ أَجَازَه بَعْضُهُمُ في مُطْلَقِ الإِجَازَهْ
٥١٩ - وَ(الْمَرْزُبَانِيْ) وَ(أبو نُعَيْمِ) أَخْبَرَ، وَالصَّحِيْحُ عِنْدَ القَوْم
٥٢٠ - تَقْيِيْدُهُ بِمَا يُبيِنُ الْوَاقِعَا إِجَازَةً تَنَاولًا هُمَا مَعَا
٥٢١ - أَذِنَ لِي، أَطْلَقَ لِي، أَجَازَنِي سَوَّغَ لِي، أَبَاحَ لِي، نَاولَنِي
٥٢٢ - وَإِنْ أَبَاحَ الشَّيْخُ لِلْمُجَازِ إِطَلاَقَهُ لَمْ يَكْفِ فِي الْجَوَاز
الشرح: هذا كالتفريع على المناولة، وهو أنهم اختلفوا في عبارة الراوي لما تحمَّلَهُ بطريق المناولة.
فعن جماعة منهم الزهري، ومالك، إطلاق: «حدثنا» و«أخبرنا»، وهو مقتضى قول بقية مَنْ جَعَلَهُ سماعًا (١).
_________________
(١) وعبارة الناظم في «شرحه» (١/ ٤٤٥): وهو لائقٌ بمذهب من يرى عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعًا.
[ ٢٧٠ ]
وقوله: «بل» (خ) يعني أنه حُكِىَ عن قومٍ جواز إطلاق «حدثنا» و«أخبرنا» في الرواية بالإجازة مطلقًا، وحكاه عياضٌ عن ابن جُرَيج وجماعةٍ من المتقدمين، وحكى الوليد بن بكر أنه مذهب مالكٍ وأهل المدينة، وذَهَبَ إليه إمامُ الحرمين، وخالفه غيرُهُ [١٠٢ - أ] من الأصوليين.
وقوله: «والمرزباني» (خ) يعني أَنَّ من ذُكِرَ أطلق في الإجازة «أخبرنا» من غير بيان، وحكى الخطيبُ أن المرزباني عُيِّرَ بذلك.
فقوله: «أخبرا» أي: أطلقا لفظ أخبر في الإجازة.
وقوله: «والصحيح» (خ) يعني: أن الصحيح المختار الذي عليه الجمهور، واختاره أهل التحري والورع: المنع من إطلاق «حدثنا» و«أخبرنا» ونحوهما، في المناولة والإجازة، وتقييد ذلك بعبارة تبين الواقع في كيفية التحمل، وتُشْعِر به، كحدثنا إجازةً، أو مناولةً، أو إذنًا، أو أجازني، أو ناولني، ونحو ذلك.
وقوله: «وإن أباح» (خ) يعني إن أباح المجيز للمجاز إطلاق «أنا» أو «ثنا» في الإجازة أو المناولة، لم يَجُزْ له ذلك، كما يفعلُهُ بعض المشايخ على إجازتهم، فيقولون عَمَّن أجازوا له: إن شاء قال: «حدثنا»، وإن شاء قال: «أخبرنا».
قلت: «والمرزباني» بفتح الميم، وسكون الراء، وضم الزاي، وبعده باء موحدة، منسوب إلى المَرْزُبان، اسم جَدِّه، وهو محمد بن أحمد بن محبوب
[ ٢٧١ ]
بن فضيل المروزي، أحد رواة كتاب (ت) عن (ت) (١)، انتهى.
وقوله:
٥٢٣ - وَبَعْضُهُمْ أَتَى بِلَفَظٍ مُوْهِمْ (شَافَهَنِي) (كَتَبَ لِي) فَمَا سَلِمْ
٥٢٤ - وَقَدْ أَتَى بِـ (خَبَّرَ) الأوزَاعِيْ فِيْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنَ النِّزَاع
٥٢٥ - وَلَفْظُ «أَنْ» اخْتَارَهُ (الْخَطَّابي) وَهْوَ مَعَ الإِسْنَادِ ذُوْ اقْتِرَابِ [١٠٢ - ب]
٥٢٦ - وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ فِي الإِجَازَهْ (أَنْبَأَنَا) كَصَاحِبِ الْوِجَازَهْ
٥٢٧ - وَاخْتَارَهُ (الْحَاكِمُ) فِيْمَا شَافَهَهْ بِالإِذْنِ بَعْدَ عَرْضِهِ مُشَافَهَهْ
٥٢٨ - وَاسْتَحْسَنُوْا لِلْبَيَهْقَيْ مُصْطَلَحا (أَنْبَأَنَا) إِجَازَةً فَصَرَّحَا
٥٢٩ - وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ اسْتَعْمَلَ عَنْ إِجَازَةً، وَهْيَ قَرِيْبَةٌ لِمَنْ
٥٣٠ - سَمَاعُهُ مِنْ شَيْخِهِ فِيْهِ يَشُكّْ وَحَرْفُ (عَنْ) بَيْنَهُمَا فَمُشْتَرَكْ
٥٣١ - وَفِي الْبُخَارِيْ قَالَ لِي: فَجَعَلَهْ حِيْرِيُّهُمْ لِلْعَرْضِ وَالمُنَاولَهْ
الشرح: هذه ألفاظ استُعْمِلَت في الرواية بالإجازة، منها: «شافهني فلانٌ» أو «مشافهة»، إذا شافهه بالإجازة لفظًا، ومنها: «كتب لي» في الإجازة بالكتابة، أو إلى فلان، أو كتابه، أو في كتابه وهذه وإن استُعْمِلَت فلا يَسْلَمُ مَن استعملها من الإبهام، وطَرْفٍ من التدليس، وهو واضح.
وقوله: «وقد أتى» (خ) ومنها لفظ خَبَّرَنَا (٢) ورد عن الأوزاعي تخصيص
_________________
(١) أي أنه أحد رواة كتاب الترمذي عن مُصَنِّفه.
(٢) في الأصل: أخبرنا. خطأ.
[ ٢٧٢ ]
الإجازة بها، والقراءة بأخبرنا.
وقوله: «ولم يخل» (خ) يعني أن معنى خَبَّرَ وأَخْبَرَ واحدٌ لغةً واصطلاحًا متعارفًا بينهم.
وقوله: «ولفظ أن» (خ) ومنها لفظ «أنَّ»، يعني: بفتح الهمزة، وتشديد النون، فيقول في الرواية بالسماع عن الإجازة: «أخبرنا فلانٌ أن فلانًا حدثه»، أو أخبره، واختاره الخطَّابي أو حكاه.
وقوله: «وهو» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: إن هذا الذي [١٠٣ - أ] اختاره الخَطَّابي فيما إذا سَمِعَ منه الإسناد فحسب، وأجاز له ما رواه قريبٌ، لما كان فيها من الإشعار بوجود أصل الإخبار، وإن أجمل المخبر به.
وقوله: «وبعضهم» (خ) ومنها: «أنبأنا» في الإجازة، فهي عند المتقدِّمين بمنزلة «أخبرنا» وحكى عياضٌ عن شعبة أنه قال في الإجازة به (١) مرةً «أنبأنا» وأخرى «أخبرنا»، ومصطلحُ قومٍ من المتأخرين إطلاقها في الإجازة، واختاره صاحب «الوجازة».
وقوله: «واختاره» (خ) يعني أن الحاكم قال: الذي اختاره، وعهدتُ عليه أكبر مشايخي، وأئمة عصري، أن يقول فيما عُرِضَ على المحدِّث فأجازه شفاهًا: «أنبأني»، وكان البيهقي يقول في الإجازة: «أنبأنا إجازةً»، وفيه التصريح بالإجازة.
_________________
(١) كذا، وكأن [به] حشو.
[ ٢٧٣ ]
وقوله: «وبعض» (خ) ومنها لفظ «عن»، وكثيرًا يأتي بها بعض المتأخرين في مَوْضِع الإجازة.
وقوله: «وهي قريبةٌ» (خ) قال ابن الصلاح: وذلك قريبٌ فيما إذا كان سَمِعَ منه بإجازته من شيخه إن لم يكن سماعًا فإنه شاك.
و«حرف عن» مشترك بين السماع والإجازة صادق عليهما.
وقوله: «فمشترك». قلت: خبرٌ عن المبتدأ الذي هو «وحرف عن»، ودخلت الفاء على حد قوله: ويحدِّثُ ناسٌ والصغير فيكبر، وهو مذهب الأخفش خاصةً.
وقول (ن) في (ش) (١) على رأي الكسائي [١٠٣ - ب] لا أعرفه، ولعله من طُغْيَان القلم منه، أو من الناسخ، أو سهو، فاعرفه، والله تعالى أعلم.
وقوله: «وفي البخاري» (خ) ومنها «قال لي»، وكثيرًا يعبر بها (خ)، كما قال الحيري: كلما قال البخاري: «قال لي فلان» فهو عرضٌ ومناولة، وهي كأخبرنا، وكثيرًا تستعمل في المذاكرة، وجعلها بعضهم من التعليق، وابن منده جعلها إجازة.
وقوله: «حِيْرِتُهم». قلت: يعني به الحيري بكسر الحاء المهملة، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده راء مهملة، فياء مُشَدَّدة، نسبةً إلى الحِيَرة التي عند الكوفة، ومنها أبو عمروٍ محمد بن أحمد بن حمدان النيسابوري، روى عنه أبو عبد الله الحاكم.
_________________
(١) (١/ ٤٤٨).
[ ٢٧٤ ]
الْخَامِسُ: الْمُكَاتَبَةُ
قوله:
٥٣٢ - ثُمَّ الْكِتَابَةُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَوْ بِإِذْنِهِ عَنْهُ لِغَائِبٍ وَلَوْ
٥٣٣ - لِحَاضِرٍ فَإِنْ أَجَازَ مَعَهَا أَشْبَهَ مَا نَاوَلَ أَوْ جَرَّدَهَا
٥٣٤ - صَحَّ عَلى الصَّحِيْحِ وَالْمَشْهُوْرِ قَالَ بِهِ (أَيُّوْبُ) مَعْ (مَنْصُورِ)
٥٣٥ - وَالْلَيْثُ وَالسَّمْعَانِ قَدْ أَجَازَهْ وَعَدَّهُ أَقْوَى مِنَ الإِجَازَهْ
٥٣٦ - وَبَعْضُهُمْ صِحَّةَ ذَاكَ مَنَعَا وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ بِهِ قَدْ قَطَعَا
الشرح: هذه الطريق الخامس من طُرُق التحمل للحديث، وهو: المكاتبة، وهو: أن يكتبَ الشيخُ مسموعَه لغائبٍ، أو حاضرٍ [١٠٤ - أ] بخطِّه، أو بإذنه.
وهي أيضًا قسمان: الأول: الكتابة المقرونة بالإجازة، بأن يكتب إليه ويقول: «أجزت لك ما كتبته لك»، ونحوه، وهي في الصِّحَّة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة.
وقوله: «أو جَرَّدَها» (خ) هذا القسم الثاني من قِسْمَي الكتابة، وهي الكتابة المُجَرَّدة عن الإجازة، فهي صحيحة يجوز الرواية بها على الصحيح المشهور بين أهل الحديث، وقال به الكثير من المتقدمين والمتأخرين: السختياني، ومنصور، والليث، وغيرهم. ومنهم: السمعاني أبو المظفر، وجَعَلَهَا أقوى من
[ ٢٧٥ ]
الإجازة.
وفي الصحيح أحاديث من هذا النوع:
منها: حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص في مسلمٍ قال: كتبت إلى جابر بن سَمُرَة مع غلامي نافع: أن أَخْبِرْني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ. قال: فكتبَ إليَّ: سمعتُ رسول الله ﷺ يوم جمعةٍ، عَشِيَّة رُجِمَ الأَسْلَمي (ح).
وفي (خ) من كتاب الأيمان والنذور: كَتَبَ إليَّ محمد بن بشار.
وقوله: «وبعضهم» (خ) يعني أن قومًا آخرين منعوا صحة ذلك، وبه قطع الماوردي في «الحاوي».
وقوله:
٥٣٧ - وَيَكْتَفِي أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوْبُ لَهْ خَطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَهْ
٥٣٨ - قَوْمٌ لِلاشْتِبَاهِ لَكِنْ رُدَّا لِنُدْرَةِ اللَّبْسِ وَحَيْثُ أَدَّى
٥٣٩ - فَاللَّيْثُ مَعْ مَنْصُوْرٍ اسْتَجَازَا (أَخْبَرَنَا)، (حَدَّثَنَا) جَوَازَا [١٠٤ - ب]
٥٤٠ - وَصَحَّحُوْا التَّقْيِيْدَ بِالْكِتَابَهْ وَهْوَ الِذَّي يَلِيْقُ بِالنَّزَاهَهْ
الشرح: يعني أنه يكتفي في الرواية بالكتابة أن يعرف المكتوبُ له خَطَّ الكاتب، وإن لم تَقُم البينة عليه.
وقوله: «وأَبْطَلَه» (خ) يعني: أن منهم من قال: الخط يُشبه الخط فلا يجوز الاعتماد على ذلك.
[ ٢٧٦ ]
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن هذا القول غير مَرْضِي لنُّدرة الاشتباه، والظاهر أن خَطَّ الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه إلباس.
وقوله: «وحيث» (خ) يعني أنهم اختلفوا في اللفظ [الذي] (١) يؤدي به مَنْ تَحَمَّل الكتابة، فذهب غيرُ واحدٍ ومنهم الليث ومنصور إلى جواز إطلاق «حدثنا» و«أخبرنا».
وقوله: «وصححوا» (خ) يعني أن المختار الصحيح اللائق بمذاهب أهل التحري والنزاهة، أن يُقَيّد ذلك بالكتابة، فيقول حدثنا أو أخبرنا كتابةً، أو مكاتبةً ونحو ذلك.
قلت: «والنزاهة» بفتح النون، وبعده زاي، فألف، فهاء تأنيث (٢). قال في «الصحاح»: البُعد من السوء، انتهى.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) كذا، ولعله أراد: فهاء، فهاء تأنيث.
[ ٢٧٧ ]
السَّادِسُ: إِعْلاَمُ الشَّيْخِ
قوله:
٥٤١ - وَهَلْ لِمَنْ أَعْلَمَهُ الشَّيْخُ بِمَا يَرْوِيْهِ أَنْ يَرْوِيَهُ؟ فَجَزَمَا
٥٤٢ - بِمَنْعِهِ (الطُّوْسِيْ) وَذَا الْمُخْتَارُ وَعِدَّةٌ (كَابْنِ جُرَيْجٍ) صَارُوْا
٥٤٣ - إلى الْجَوَازِ وَ(ابْنُ بَكْرٍ) نَصَرَهْ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ جَزْمًا ذَكَرَهْ
٥٤٤ - بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ لَوْ مَنَعَهْ لَمْ يَمْتَنِعْ، كَمَا إذا قَدْ سَمِعَهْ [١٠٥ - أ]
٥٤٥ - وَرُدَّ كَاسْتِرْعَاءِ مَنْ يُحَمَّلُ لَكِنْ إذا صَحَّ، عَلَيْهِ الْعَمَلُ
الشرح: الطريق السادس من طرق [أخذ] (١) الحديث وتحمله: إعلام الشيخ للطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه من فلان، أو روايته، من غير أن يأذن له في روايته عنه.
وقد اختُلِف في جواز روايته له بمجرَّد ذلك؛ فذهب غير واحدٍ من المحدثين وغيرهم إلى المنع من ذلك، و[به] (٢) قطع أبو حامد الطوسي من الشافعية.
وقوله: «وعدَّة» (خ) يعني أنه ذهب الكثير ومنهم ابن جُرَيج إلى الجواز.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٢٧٨ ]
وقوله: «وابن بكر» (خ) يعني أن الجواز نصره ابن بكر الوليد الغَمْري -بفتح الغين المعجمة- في كتاب «الوجازة» له، وبه قطع ابن الصَّبَّاغ صاحب «الشامل»، وهو مذهب ابن حبيب من المالكية.
وقوله: «بل زاد» (خ) يعني أن بعضهم -وعنى به القاضي أبا محمد بن خلَّاد الرامهرمزي- زاد على هذا فقال: حتى لو قال له هذه روايتي لكن لا تروها عني، ولا أجيزه لك، لم يضره ذلك. قال عياض: وما قاله صحيح لا نظر سواه (١) كما تقدم في السماع.
وقوله: «ورُدَّ» (خ) يعني أن ابن الصلاح رَدَّ هذا قياسًا على الشاهد يَذْكُرُ في مجلس الحكم شهادته بشيء، فليس لمن سمعه أن يشهد على شهادته؛ لعدم الإذن له، ولم يُشْهِدْه على شهادته، وذلك عنده مما تساوت فيه الرواية والشهادة.
ورَدَّ ذلك عياضٌ وفَرَّقَ بينهما [١٠٥ - ب] بكون الشهادة لا تَصِح إلا مع الإشهاد والإذن في كل حالٍ، بخلاف الحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذنٍ باتفاق.
وقوله: «كاسترعاء» (خ) يعني أن مسألة استرعاء الشاهد لمن يُحَمِّلُهُ شهادتَه لا يكفي فيها إعلامَه، بل لابُد من الإذن أن يشهد على شهادته، إلا إذا سمعه يؤدي عند الحاكم، فهو نظيرُ ما إذا سمعه يُحَدِّث بالحديث، فحينئذٍ لا يحتاج إلى إذنه في أن يرويه عنه، ولا يَضُرُّه مَنْعُه إذا منعه.
_________________
(١) عبارة عياض التي نقلها الشارح (١/ ٤٥٤): لا يقتضي النظر سواه.
[ ٢٧٩ ]
وقوله: «لكن» (خ) يعني هذا كله في الرواية بإعلام الشيخ أما العمل بما أخبره الشيخ أنه سماعه فإنه يجب عليه إذا صح إسناده والله أعلم.
وقوله: «الطُّوسي»، قلت: هو بضم الطاء، وإسكان الواو، بعده سين مهملة، نسبة إلى طُوس قرية من قرى بُخارى والمراد به أبو حامد الغزالي، كذا قَرَّر (ن) (١) لوجود ذلك في نص «المستصفى».
قلت: ولد -﵀- بطُوس، وكان والده ﵀ يَغْزِلُ الصُّوفَ، ويبيعه في دكانه بطوس. قال ابن الصلاح: ومن غرائب الغزالي ما ذَكَرَهُ أخوه على رأس المنبر، قال: سمعت أخي حجة الإسلام يقول: إن الميت من حين يوضع في النعش يوقَف في أربعين موقف يُسَائِلُهُ رَبُّهُ ﷿. انتهى.
_________________
(١) (١/ ٤٥٣).
[ ٢٨٠ ]
السَّابِعُ: الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ
قوله: [١٠٦ - أ]
٥٤٦ - وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ لِلْمُوْصَى لَهُ بالْجُزْءِ مِنْ رَاوٍ قَضَى أَجَلَهُ
٥٤٧ - يَرْوِيْهِ أَوْ لِسَفَرٍ أَرَادَهْ وَرُدَّ مَا لَمْ يُرِدِ الْوِجَادَهْ
الشرح: هذا الطريق السابع من طُرُق الأخذ والتحمل: الوصية.
وهو: أن الراوي عند موته أو سفره يوصي لشخصٍ بكتاب يرويه، فهل له أن يروي عنه بتلك الوصية؟
فجوَّزَ بعضُ السلف الموصَى له رواية ذلك عن الموصي كالإعلام.
وروى الرامهرمزي من رواية حماد بن زيد عن أيوب قال: قلت لمحمد بن سيرين إن فلانًا أوصى لي بكتبه أفأحدث بها عنه؟ قال: نعم. ثم قال لي بَعْدَ ذلك: لا آمرك ولا أنهاك.
وقوله: «ورد» (خ) يعني: أن ابن الصلاح رد هذا بأنه إما زلة عالمٍ أو مؤول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة.
[ ٢٨١ ]
الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ
قوله:
٥٤٨ - ثُّمَ الوِجَادَةُ وَتِلْكَ مَصْدَرْ وَجَدْتُهُ مُوَلَّدًا لِيَظْهَرْ
٥٤٩ - تَغَايُرُ الْمَعْنَى، وَذَاكَ أَنْ تَجِدْ بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ أَوْ قَبْلُ عُهِدْ
٥٥٠ - مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ فَقُلْ: بِخَطِّهِ وَجَدْتُ، وَاحْتَرِزْ
٥٥١ - إِنْ لَمْ تَثِقْ بِالْخَطِّ قُلْ: وَجَدْتُ عَنْهُ، أَوْ اذْكُرْ (قِيْلَ) أَوْ (ظَنَنْتُ)
الشرح: الطريق الثامنة من طُرق أخذ الحديث ونقله: الوجادة بكسر الواو، وبعده جيم، فألف، فدال مهملة، فهاء تأنيث، مصدر [١٠٦ - ب] مُوَلّد لـ «وَجَدَ، يَجد»، وعن المعافى بن زكريا النَّهْرَواني: أن المولَّدين فَرَّعوا قولهم: «وجادة» فيما أُخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر «وَجَدَ» للتمييز بين المعاني المختلفة.
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وَجَدَ ضالتَهُ وِجْدَانًا، ومطلوبَهُ وجودًا، وفي الغضب مَوْجِدَةً، وفي الغِنَى: وجدًا، وفي الحب: وَجْدًا. وفيه بحث (ن) استوفاه في (ش) (١).
وقوله: «وذاك» (خ) يعني أن الوجادة: أن تجد بخط من عَاصَرْتَهُ لقيته أو لم
_________________
(١) (١/ ٤٥٧).
[ ٢٨٢ ]
تلقه، أو لم تعاصِرْه بل كان قبلك، أحاديث يرويها أو غير ذلك مما لم تسمعه منه، ولم يُجِزْهُ لك، فلك أن تقول: وجدتُ بخط فلان أخبرنا فلان، وتسوق الإسناد والمتن، أو ما وجدته بخطه ونحو ذلك، هذا إذا وثق بخطه، فإن لم يثق فليحترز عن جزم العبارة فيقول: بَلَغني عن فلان، أو وجدتُ عنه، أو وجدت بخط قيل إنه خط فلان، ونحوه من العبارات المفصحة بالمستَنَد في كونه خَطِّه.
وقوله:
٥٥٢ - وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ، وَالأَوَّلُ قَدْ شِيْبَ وَصْلًا مَا، وَقَدْ تَسَهَّلُوْا
٥٥٣ - فيْهِ (بِعَنْ)، قالَ: وَهَذَا دُلْسَهْ تَقْبُحُ إِنْ أَوْهَمَ أَنَّ نَفْسَهْ
٥٥٤ - حَدَّثَهُ بِهِ، وَبَعْضٌ أَدَّى (حَدَّثَنَا)، (أَخْبَرَنَا) وَرُدَّا [١٠٧ - أ]
٥٥٥ - وَقِيْلَ: فِي الْعَمَلِ إِنَّ الْمُعْظَمَا لَمْ يَرَهُ، وَبالْوُجُوْبِ جَزَمَا
٥٥٦ - بَعْضُ الْمَحُقِّقِيْنَ وَهْوَ الأَصْوَبُ وَ(لاِبْنِ إِدْرِيْسَ) الْجَوَازَ نَسَبُوْا
الشرح: يعني أن كل ما ذُكر مِن الرواية بالوجادة منقطع، سواءً وثق بأنه خط من وجده عنه أم لا.
وقوله: «والأول» (خ) يعني: أن الأول وهو ما إذا وثق بأنه خَطُّهُ أخذ شوبًا من الاتصال، بقوله: وجدت بخط فلان.
وقوله: «وقد تسهلوا» (خ) يعني أنه تسهل من أتى بلفظ «عن فلانٍ» في موضع الوجادة.
[ ٢٨٣ ]
قال ابن الصلاح: وذلك تدليسٌ قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه.
فقوله: «أنَّ نفسه» (خ) يعني نفس من وجد ذلك بخطه حدثه به.
وقوله: «وبعض» (خ) يعني: أن بعضهم جازف فأطلق في الوجادة حدثنا وأخبرنا، فانتُقِد عليه ذلك.
وقوله: «وقيل: في العمل» (خ) يعني: أن العمل بالوجادة لم يره المعظم من المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم هكذا حكاه عياض في «الإلماع».
وقوله: «وبالوجوب» (خ) يعني: أن بعض المحققين من أصحاب الشافعي في أصول الفقه جزموا بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، هكذا نقل ابنُ الصلاح عنهم.
وقوله: «ولابن إدريس» (خ) يعني أن محمد بن إدريس الشافعي -﵁- حُكِيَ عنه جواز العمل بها، وهو الذي نصره الجويني، واختاره غيره من المحققين كما قررنا.
وقوله: [١٠٧ - ب]
٥٥٧ - وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ خَطّهِ فَقُلْ: (قالَ) وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
٥٥٨ - بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوْقُ قُلْ: (بَلَغَنِيْ) وَالْجَزْمُ يُرْجَى حِلُّهُ لِلْفَطِن
الشرح: يعني أنك إذا نقلت شيئًا من كتاب مصنِّف، فإن كانت بخط المصنف ووثقت بأنه خطه، فقل: وجدت بخط فلان واحك كلامه كما تقدم، وإن كانت بغير خطه فإن وثقت بصحة النسخة، بأن قابلها المصنف، أو وثقه غيره بالأصل، أو بفرع مقابَل، فقل: قال فلان، أو ذَكَر، ونحوه من ألفاظ
[ ٢٨٤ ]
الجزم، وإن لم تَثِق فَقُل: بلغني عن فلانٍ ونحوه مما لا جَزْم فيه.
وقوله: «والجزم» (خ) قال ابن الصلاح: إن كان المطالع عالمًا فَطِنًا لا يخفَى عليه مواضع الإسقاط غالبًا والسقط، رجونا أن يُطْلِقَ اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك، واستروح إليه الكثير من المصنفين فيما نقلوه من كُتُبِ الناس والعلم عند الله تعالى.
[ ٢٨٥ ]