وذكر ابن رجب حديثا اختلف في رفعه ووقفه على أبي هريرة، ثم قال: «وليس وقف هذا الحديث مما يضر، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا ولا يرفعها، والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها» (^١).
ومن دقائق جوانب الترجيح بين الرواة أن يعرف عن الراوي أنه يخطئ في جهة ما في الإسناد أو المتن، فإذا خالف غيره وأتى بضد ما كان يعرف به من الخطأ ترجحت روايته حينئذ، كأن يعرف بوصل المراسيل، أو برفع الموقوفات، فإذا أرسل هو أو وقف ترجحت روايته.
روى بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: «قال علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت …» الحديث (^٢).
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه بشر بن بكر …، قال أبي: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد، قال: قال علي …، قال أبي: لم يذكر عبيد بن عمير، قال أبي: تدل رواية الوليد على أن الصحيح كما رواه، بلا عبيد بن عمير، لأن الوليد رفاع.
قلت: فإذا لم يوصله الوليد فهو مرسل أشبه، بلا عبيد بن عمير؟ قال: نعم» (^٣).
_________________
(١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٠٠.
(٢) «سنن البيهقي» ٥: ٢١.
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٨. وقد وصف الوليد بن مسلم بأنه كان رفاعا أيضا أحمد، انظر: «تهذيب الكمال» ٣١: ٩٦، و«تهذيب التهذيب» ١١: ١٥٥.
[ ١ / ٥٤٦ ]
القرائن الأربع ترجع إلى أمرين: العدد، والقوة
هذا ما ظهر لي من قرائن في الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي أربع قرائن، ذكرتها على سبيل الإجمال، ليسهل تصورها وفهمها، مع أن بعضها يمكن تفصيله -كما أسلفت- فتكثر هذه القرائن، والخطب سهل.
والقرائن الأربع واحدة منها ترجع إلى العدد، أي عدد من روى هذا الوجه، وعدد من روى الوجه الآخر، وثلاث منها ترجع إلى القوة، وهي: الحفظ، والمرتبة في الشيخ المختلف عليه، وما في الراوي من جوانب القوة والضعف.
* * *
[ ١ / ٥٤٧ ]
سلسلة نقد المرويات (٣)
بقلم
إبراهيم بن عبد الله اللاحم
الجزء الثاني
مؤسسة الريان ناشرون
[ ٢ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ٢ ]
[ ٢ / ٣ ]
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
[ ٢ / ٤ ]
استخدم النقاد قرائن كثيرة في صفة الرواية ترجع إلى ثلاث قرائن
المبحث الثالث
القرائن في أوجه الاختلاف
يقوم الناظر في الحديث الذي وقع فيه اختلاف بإنعام النظر في صفة رواية كل وجه من وجوه الاختلاف فوق المدار، فربما يقف على قرائن تساعده في الموازنة والنظر، يضمها إلى ما وجده من قرائن في المدار نفسه، وفي الرواة المختلفين.
والمتأمل في صنيع النقاد يراهم استخدموا قرائن كثيرة في صفة الرواية، سأجتهد في عرضها بأمثلتها التوضيحية، على الطريقة السابقة في المبحثين اللذين قبل هذا، وهي ضم النظير إلى النظير، وإجمال ما يمكن إجماله في قرينة واحدة، تحتها قرائن فرعية تعود إليها، ما أمكن ذلك، والقرائن في صفة الأوجه إجمالا ترجع إلى ثلاث قرائن، وهي:
القرينة الأولى: السهولة والوعورة:
إذا اختلف الرواة على شيخهم، ورأى الناظر أن أحد الوجهين أسهل في الحفظ من الوجه الآخر، فإن رواية من روى الوجه السهل تعد مرجوحة، ورواية من روى الوجه الذي فيه وعورة راجحة، فوعورة الإسناد تدل على ضبط الراوي وحفظه، واعتنائه بروايته، وأما السهولة فعكس ذلك.
وهذه قرينة ضخمة جدا في باب الموازنة بين الروايات حين وقوع الاختلاف، يكثر استخدامها عند النقاد، وتتفرع فروعا كثيرة، كلها ترجع إلى هذا الأصل
[ ٢ / ٥ ]