هم الأشهر بالرواية عنه - ﷺ -، ولهذا يعد بعض العلماء مجرد رفع الحديث سلوكا للجادة، ووقفه تركا لها، فالقاعدة العامة تقديم من وقف على من رفع هي من هذا الباب (^١)، وهكذا يقال في الوصل والإرسال.
وقد أكثر النقاد جدا من استخدام هذه القرينة، بالتصريح أو الإشارة، ويعدها بعض الباحثين أكثر القرائن تداولا واستخداما.
وعبارات النقاد في استخدامها متعددة، فيقولون عن الراوي بالإضافة إلى تعبيرهم بأنه سلك الجادة: أخذ طريق المجرة، أو لزم الطريق، أو سلك المحجة، أو هذا أهون عليه، أو أسهل عليه، ونحو هذه العبارات، وفي الأغلب الأعم أنهم يرجحون بها دون النص عليها.
هذه ملامح عامة لهذه القرينة، يزيدها إيضاحا عرض أقوال النقاد في تقريرها، وتطبيقاتهم لها.
فمن ذلك أن يحيى بن سعيد القطان، وأبا أسامة حماد بن أسامة، وعلي بن مسهر، ومحمد بن بشر، وخالد بن الحارث، رووا عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن زيد بن عبدالله بن عمر، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، إلا أن خالد بن الحارث قال: عن بعض أزواج النبي - ﷺ - (^٢).
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦١٠.
(٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٦٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٨٧٢) و«مسند أحمد» ٦: ٣٠٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٢٠٩، و«المعجم الكبير» ٢٣: حديث (٩٢٦)، و«تحفة الأشراف» ١٣: ٢٠.
[ ٢ / ٨ ]
قال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد القطان: «كنت إذا أخطأت قال لي سفيان الثوري: أخطأت يا يحيى، فحدث يوما عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، فقلت: أخطأت يا أبا عبدالله، هذا أهون عليك، قال: فكيف هو يا يحيى؟ قلت: حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن زيد بن عبدالله، عن عبدالله بن عبدالرحمن، عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - …، فقال لي: صدقت يا يحيى» (^١).
وقد سلك بهذا الحديث الجادة أيضا حماد بن سلمة، فرواه عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وخطأه في ذلك أبو زرعة، وأبو حاتم (^٢).
وروى يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن بشر، وعبدة بن سليمان، وإبراهيم بن طهمان، وعبيدة بن حميد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» ١٤: ١٣٦.
(٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦.
(٣) «سنن أبي داود» حديث (٢٥٥٤)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٢٧، ٤٢٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٢: ٢٢٨، و«المعجم الكبير» ٢٣: حديث (٤٧٦)، و«علل الدارقطني» ١٥: ٢٨٢. ورواية عبيدة بن حميد في «مسند أحمد» ٦: ٤٢٦، ليس فيها سالم، وقد أوردها ابن حجر في «أطراف المسند» ٩: ٣٧٦، و«إتحاف المهرة» ١٦: ٩٥٨، بذكر سالم.
[ ٢ / ٩ ]
قال أبو بكر بن خلاد: «سمعت يحيى بن سعيد قال: حدث سفيان، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس»، قال: فقلت له: تعست (أي: عثرت) يا أبا عبدالله، قال لي: كيف هو؟ قلت: حدثني عبيدالله، قال: حدثني نافع، عن سالم، عن أبي الجراح، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ -، قال: صدقت» (^١).
وروى سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن امرأة يقال لها: أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة الفهرية، عن أبيها، عن النبي - ﷺ - قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة -وأشار سفيان بأصبعيه-» (^٢).
قال الحميدي: «قيل لسفيان: فإن عبدالرحمن بن مهدي يقول: إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك، قال سفيان: وما يدريه؟ أدرك صفوان؟ فقالوا: لا، ولكنه قال: إن مالكا قاله عن صفوان، عن عطاء بن يسار، وقاله سفيان، عن أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة، عن أبيها، فمن أين جاء بهذا الإسناد؟ فقال سفيان: ما أحسن ما قال، لو قال لنا صفوان: عن عطاء بن يسار، كان أهون علينا من أن يجيء بهذا الإسناد الشديد» (^٣).
_________________
(١) «مسند أحمد» ٦: ٤٢٦.
(٢) «مسند الحميدي» حديث (٨٣٨)، و«الأدب المفرد» حديث (١٣٣)، و«المعجم الكبير» ٢٠: حديث (٧٥٨).
(٣) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٠٦، و«سنن البيهقي» ٦: ٢٨٣. وقد ذكر رواية مالك هكذا أيضا ابن أبي حاتم في «علل الحديث» ٢: ١٧٧، والذي في «الموطأ» ٢: ٩٤٨، رواية مالك، عن صفوان بن سليم، أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث، فالظاهر أن مالكا يرويه على وجهين.
[ ٢ / ١٠ ]
وروى سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، أنه سمع أبا بكر وهو واقف على قزح، وهو يقول: «أيها الناس أصبحوا …» الحديث (^١).
ورواه المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.
قال أحمد: «قالوا لسفيان: إن منكدرا يقول: عن أبيه، عن جابر، قال: فمن أين أقع على: سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح …»؟»، ثم قال أحمد: «وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع» (^٢).
وقال الحميدي: «قال سفيان: لما قدم منكدر بن محمد المنكدر قلت: لأنظرن حفظه، فأتيته فقلت: كيف تحفظ حديث أبيك …، قال: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح»؟ قال: حدثني أبي، عن جابر، فقلت: هذا كان أهون عليه» (^٣).
_________________
(١) «حديث سفيان بن عيينة برواية المروزي» حديث (١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٣٠، و«سنن البيهقي» ٥: ١٢٥. وفي «حديث سفيان»: عبدالرحمن بن يربوع، بدل سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع.
(٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٩٢، ومراد أحمد أن الصواب في اسم شيخ محمد بن المنكدر: عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع، وليس سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، وانظر: «طبقات ابن سعد» ٥: ٥.
(٣) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٠١، وانظر: «الجرح والتعديل» ١: ٤٠، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٢٥٤، و«إكمال تهذيب الكمال» ١١: ٣٧٧.
[ ٢ / ١١ ]
وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، قال: «صلى عمر بن الخطاب الصبح بمكة …» الحديث.
ورواه جماعة من أصحاب الزهري، عنه، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري.
فروى ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبدالأعلى، عن الشافعي قوله في نقده لرواية ابن عيينة: «اتبع سفيان بن عيينة في قوله: عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن: المجرة -يريد: لزم الطريق-».
قال ابن أبي حاتم معلقا على كلام الشافعي: «وذلك أن مالكا، ويونس بن يزيد، وغيرهما، رووا عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، …، عن عمر، فأراد الشافعي أن ابن عيينة وهم، وأن الصحيح ما رواه مالك» (^١).
وقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «أن النبي - ﷺ - رأى رجلا ثائر الشعر، فقال: أما وجد هذا ما يسكن به شعره، ورأى رجلا وسخ الثياب …»، فقال: ما أنكره من حديث، ليس إنسان يرويه -يعني عن ابن المنكدر- غير حسان، قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلا صالحا، وكان يعرف بجابر، مثل ثابت، عن أنس،
_________________
(١) «آداب الشافعي ومناقبه» ص ٢٧٧، و«سنن البيهقي» ٢: ٤٦٣، و«معرفة السنن والآثار» ٥: ١٥٦. وقد تقدم تخريج هذا الحديث في المبحث الذي قبل هذا.
[ ٢ / ١٢ ]