وذكر أبو علي الجياني، وابن القطان، أن الترمذي في «العلل» نقل عن البخاري كلاما في حديث عقبة بن عامر الجهني مرفوعا: «ما من أحد يتوضأ …» الحديث (^١).
ولا يوجد هذان النصان في المطبوع من «ترتيب العلل الكبير» للقاضي أبي طالب (^٢).
بل قد يوجد في بعض الروايات أو النسخ جزء من النص المطبوع والنص بتمامه في رواية أو نسخة أخرى، كما في كلام النسائي على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في قصة المرأة التي جاءت وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب.
ومن الإشكالات الكبيرة في نصوص النقاد ما يواجه الباحث من اضطراب في النص، كأن يجد الباحث الترجيح مقلوبا، ففي مصدر ينسب إلى الناقد ترجيح وجه، وفي مصدر ينسب إليه ترجيح مقابله، ولا يمكن حمله على تغير الاجتهاد، أو يجد السؤال موجها إلى ناقد، والجواب لناقد آخر، أو يقع النص خطأ، إما بسبب سهو المؤلف، أو بسبب وقوع السقط والتحريف في النسخ.
فمن ذلك أن زيد بن أبي أنيسة، روى عن أبي إسحاق، عن جرير بن
_________________
(١) «تقييد المهمل» ٣: ٧٨٩، و«بيان الوهم والإيهام» ٢: ٣٨٢. والحديث أخرجه مسلم حديث (٢٣٤)، وأبو داود حديث (١٦٩)، (٩٠٦)، والنسائي حديث (١٤٨)، وابن ماجه حديث (٤٧٠)، وأحمد ٤: ١٤٥، ١٥٣.
(٢) وانظر أيضًا: «معالم السنن» ١: ٨٦، و«سنن البيهقي» ١: ٣٩٠.
[ ٢ / ٤٦١ ]
عبدالله مرفوعا حديث صيام أيام البيض (^١).
ورواه مغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن جرير موقوفا.
ونقل ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة ترجيح المرفوع، وعلل ذلك بأن زيدا أحفظ من مغيرة (^٢)، وهكذا نقل ابن الملقن عن ابن أبي حاتم أن أبا زرعة رجح المرفوع (^٣).
وذكر ابن حجر نقلا عن ابن أبي حاتم عكس هذا، فقال: «رواه ابن أبي حاتم في «العلل»، عن جرير مرفوعا، وصحح عن أبي زرعة وقفه» (^٤).
وروى العباس بن محمد الدوري، عن روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عُرَيْن، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، قال: «زجر النبي - ﷺ - صبياننا عن أكل الجراد»، ثم قال الدوري: «سمعت يحيى يقول: أخطأ فيه روح، إنما هي زينب بنت مُنَخَّل، قال يحيى: هذا الحديث ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» (^٥).
_________________
(١) «سنن النسائي» حديث (٢٤١٩).
(٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٦.
(٣) «البدر المنير» ٥: ٧٥٤.
(٤) «التلخيص الحبير» ٢: ٢٢٧.
(٥) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٢٧٩، ٢: ١٦٨، ٤: ٣٢٦، وقد وقع في المواضع الثلاثة في رواية روح: «منخل» فيما صوبه ابن معين: «منجل»، وهو خطأ مطبعي، والصواب عكسه، انظر: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني: ٤: ٢١٩٤، و«الإكمال» ٧: ٢٩٧، و«تهذيب مستمر الأوهام» ص ٣٢٨.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
كذا في النسخة، وفي النص اضطراب، فقوله: «ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» يعارضه أن روح بن عبادة قد أسنده كما رواه الدوري عنه، وأيضا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم يقفانه على عائشة، قال الدارقطني: «يرويه عثمان بن غياث، واختلف عنه، فرواه روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عرين، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، وخالفه سعيد، وابن أبي عدي، روياه عن عثمان بن غياث، لم يذكرا رسول الله - ﷺ -، موقوفا، وهو الصواب» (^١).
فالظاهر أن صواب العبارة: «هذا الحديث لم يسنده ابن أبي عدي، وابن أبي مريم».
وأخرج الترمذي عن أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، «أن النبي - ﷺ - مسح أعلى الخف وأسفله».
ثم قال الترمذي: «هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة، ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء بن حيوة، قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل، عن النبي - ﷺ -، ولم يذكر المغيرة» (^٢).
_________________
(١) «علل الدارقطني» ١٤: ٤٤٦.
(٢) «سنن الترمذي» حديث (٩٧)، و«تحفة الأشراف» ٩: ٤٩٧.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
كذا نقل الترمذي هنا عن هذين الإمامين، وفيه قلب، فثور بن يزيد هو الذي يقول: حدثت عن رجاء بن حيوة، وليس رجاء بن حيوة هو الذي يقول: حدثت عن كاتب المغيرة، وقد نقله الترمذي في «العلل» عن أبي زرعة والبخاري، على الصواب (^١)، وكذا ذكره عن ابن المبارك جماعة آخرون من النقاد، كما تقدم ذكر هذا في «الاتصال والانقطاع» (^٢).
وروى عبدالحميد بن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه …» الحديث (^٣).
قال الترمذي بعد أن أخرجه في «السنن»: «حديث أبي هريرة قد خولف عبدالحميد بن سليمان في هذا الحديث، ورواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، مرسلا، قال محمد: وحديث الليث أشبه، ولم يعد حديث عبدالحميد محفوظا» (^٤).
كذا قال الترمذي في هذا الموضع، جعل رواية الليث عن أبي هريرة، وهو سبق نظر وقلم، انتقل إليه من الإسناد الموصول، وقد ذكر النص عن البخاري في «العلل» على الصواب، وفيه: «رواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عبدالله
_________________
(١) «العلل الكبير» ١: ١٨٠.
(٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٧٥.
(٣) «سنن الترمذي» حديث (١٠٨٤)، و«العلل الكبير» ١: ٤٢٥.
(٤) «سنن الترمذي» حديث (١٠٨٤)، و«تحفة الأشراف» ١١: ٩٩.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
بن هرمز، عن النبي، مرسلا …» (^١).
ورواية الليث أخرجها أبو داود في «المراسيل» عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عبدالله بن هرمز اليماني (^٢).
وقد ذكر أحد الباحثين كلام الترمذي في الموضعين، فخطأ الصواب، وصوب الخطأ (^٣).
ونقل ابن حجر «في النكت» كلام النسائي على ما رواه عن يزيد بن سنان، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - …»، ووقعت العبارة في النسخة هكذا: «هذا حديث مفصل، لا أعلم من رواه غير مكي، لا بأس به، لا أدري من أنبأني» (^٤).
وقد تقدمت العبارة على الصواب في الفصل الأول من الباب الثاني، حيث ذكرت الحديث هناك لمناسبة أخرى.
والباحث متى وجد اضطرابا في النص فهو ملزم بالنظر فيه ومعالجته، ولا يصح له أن ينقله كما هو، وهو حين نقله إلى بحثه متحمل لعهدة الخطأ والاضطراب في النص، وإذا نظر فيه وفحصه ولم يستطع تصويبه فلينبه قارئه،
_________________
(١) «العلل الكبير» ١: ٤٢٦.
(٢) «المراسيل» حديث (٢٢٥)، و«تحفة الأشراف» ٩: ١٤١، ١٣: ٢٦٦.
(٣) وانظر مواضع أخرى وقع فيها إشكال في كلام الترمذي، بسبب السقط والتحريف في النسخ: «العلل الكبير» ١: ٤٠٥، ٥٦٨، وفي طبعة السامرائي ص ١٤٤، ٢١٥.
(٤) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٥٧٦.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
ليشاركه النظر فيه، فقد يراه مستقيما، وقد يكون لديه معلومات إضافية تساعد على حلِّ إشكاله.
ومن أمثلة ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه موسى بن داود، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل: «أن النبي - ﷺ - صلى في ثواب واحد».
قال أبي: هذا خطأ، إنما هو ما حدثنا به عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل: «أن النبي - ﷺ - …»،» (^١).
فهذا الجواب للسؤال فيه إشكال، وهو يتعارض مع جواب سابق لأبي حاتم، وأبي زرعة، عن السؤال عينه، قال ابن أبي حاتم: «قالا: هذا خطأ، قال أبو زرعة: إنما هو على ما رواه الثوري، ومعتمر، عن حميد، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: «أنه صلى في ثوب واحد» فقط، دخل لموسى حديث في حديث، يحتمل أن يكون عنده حديث عبدالعزيز قال: ذكر لي عن أم الفضل: «أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالمرسلات»، وكان بجنبه: عن حميد، عن أنس، (يعني بحديث الصلاة في الثوب الواحد)، فدخل له حديث في حديث، والصحيح: حميد، عن أنس …
قال أبي: ومما يبين خطأ هذا الحديث ما حدثنا به كاتب الليث (هو عبدالله بن صالح)، عن عبدالعزيز الماجشون (وهو عبدالعزيز بن أبي سلمة)، عن حميد، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - صلى في ثوب واحد»، قال عبدالعزيز: وذكر لي عن أم الفضل:
_________________
(١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦١.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
الخامس: طبقات الأئمة في علم العلل
«أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالمرسلات، وكان هذا آخر صلاة النبي - ﷺ - حتى قبض»، فجعل موسى الحديث كله عن أم الفضل» (^١).
فهذا الجواب يوضح أن الجواب في الموضع الثاني فيه إشكال، لا يستقيم كما هو، وقد مَرَّ عدد من الباحثين على الإسناد الوارد في الجواب، وهو: عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل، ولم يذكروا مصدرا لتخريجه، فالذي يظهر لي أن النسخ من «علل ابن أبي حاتم» وقع فيها خلل في هذا الموضع (^٢).
الأمر الخامس: الأئمة المشهورون بالكلام في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، وهو ما يعرف بعلم العلل، هم بعض أئمة الجرح والتعديل، وقد تقدم هناك في «الجرح والتعديل» (^٣) من الكلام عن تصنيفهم من جهة طبقاتهم الزمانية، ومن جهة كثرة وقلة ما ورد عنهم من الجرح والتعديل، وكذلك أقسامهم من جهة التشدد والتساهل.
أما ما يختص بعلم العلل فكذلك هم على طبقات، أولاها فيها شعبة، وسفيان الثوري.
ثم تلامذتهما، كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي.
_________________
(١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٤.
(٢) وانظر أمثلة أخرى لنصوص فيها إشكال فيما يظهر لي: «العلل ومعرفة الرجال» (٢٠١٢)، و«مسائل أبي داود» (١٩٤٥)، و«مسائل إسحاق بن هانئ» (٢١٧٨)، و«علل ابن أبي حاتم» (٣٠٢)، (١٦٨٧).
(٣) «الجرح والتعديل» ص ٣٧٥ - ٤٠١.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
ثم بعد هؤلاء أحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو بن علي الفلاس.
ثم طبقة محمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويعقوب بن شيبة، والدارمي، وخلق كثير في هذه الطبقة.
ثم طبقة الترمذي، وعبدالله بن أحمد، وأبي بكر البرديجي، والنسائي، والبزار، والساجي، وموسى بن هارون، وعلي بن الحسين بن الجنيد.
ثم طبقة ابن خزيمة، ويحيى بن صاعد، وابن المنذر.
ثم طبقة العقيلي، وأبي بكر النيسابوري، وابن أبي حاتم.
ثم طبقة، ابن حبان، وابن عدي، وأبي علي النيسابوري، والإسماعلي.
ثم طبقة الدارقطني، وابن منده، والحاكم.
ثم طبقة البرقاني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي نعيم الأصبهاني.
ثم طبقة الخليلي، والعتيقي.
ثم طبقة البيهقي، والخطيب، وابن عبدالبر.
ثم بعد ذلك لم تخل طبقة من متكلم في علل الأحاديث، وإن كان قد تناقص هذا الأمر.
ولا شك أن أهل الطبقتين الأولى، والثانية، هم الذين وضعوا أسس هذا العلم كعلم مستقل، وإن كانت تطبيقاتها موجودة أيضا عند من قبلهم.
وكذلك فإن الطبقات الثالثة، والرابعة، والخامسة، هي أزهى طبقات
[ ٢ / ٤٦٨ ]
النقد، لكثرتهم، وكثرة ما نقل عنهم وتمكنهم في هذا العلم.
وأما من جاء بعدهم فهو متمم لعملهم، يعتمد كثيرا على ما نقل عنهم في الأحاديث التي تكلموا فيها، وهم مع ذلك أصل في أحاديث وأسانيد ظهرت أو وقع الغلط فيها بعد تلك الطبقات.
وللعلماء كلام في تصنيف أصحاب هذه الطبقات الثلاث من جهة التمكن في هذا العلم، مثل قول الذهبي في حديثه عن النسائي: «لم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة» (^١).
وقال الذهبي أيضا في أبي حاتم الرازي: «هو من نظراء البخاري، ومن طبقته» (^٢).
فهاتان درجتان، إحداهما فيها البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والأخرى فيها مسلم، وأبو داود، والترمذي، ويظهر أن هناك درجة عنده فوق هاتين، وفيها: أحمد، وابن المديني، وابن معين.
وللعلماء كلام كثير في المفاضلة بين أصحاب الدرجة الأولى وهم أحمد، وابن المديني، وابن معين، وربما جرى ذكر غيرهم من طبقتهم والطبقة التي تليهم، فقد كانت هاتان الطبقتان مليئتين بالحفاظ النقاد غير هؤلاء، كإسحاق بن راهويه،
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» ١٤: ١٣٣.
(٢) «سير أعلام النبلاء» ١٣: ٢٤٧.
[ ٢ / ٤٦٩ ]