إذا زاد بعض الرواة راويا أو أكثر في الإسناد، وأسقطه بعضهم، فرواية من زاده راجحة، ورواية من أسقطه مرجوحة، ومردّ ذلك إلى السهولة والوعورة، فحذفه من الإسناد أسهل للحفظ، فمن ذكر الزيادة فقد حفظ، إذ سلوكه للطريق الوعرة يدل على حفظه.
فوجه ترجيح قبول الزيادة هو أن حذفها أسهل للحفظ، وذكرها يحتاج إلى مزيد حفظ وتيقظ. فمن ذكرها فروايته أرجح.
قال ابن القطان في تقرير ترجيح الزيادة في الإسناد: «المحدث إذا روى حديثا عن رجل قد عرف بالرواية عنه والسماع منه، ولم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وإنما جاء به بلفظة (عن)، فإنه يحمل حديثه على أنه متصل، إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس، فيكون له شأن آخر.
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعنا، غلب على الظن أن الأول منقطع، من حيث يبعد أن يكون
[ ٢ / ٢٢ ]
قد سمعه منه، ثم حدث به عن رجل عنه، وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله، وقيام الريب في ذلك.
ويكون هذا أبين في اثنين لم يعلم سماع أحدهما من الآخر، وإن كان الزمان قد جمعهما.
وعلى هذا المحدثون، وعليه وضعوا كتبهم، كمسلم في كتاب «التمييز»، والدارقطني في «علله»، والترمذي، وما يقع منه للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، تجدهم دائبين يقضون بانقطاع المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما، بخلاف ما لو قال في الأول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت …» (^١).
وقد يحكمون بقبول الزيادة وترجيحها، والحكم بالانقطاع، مع وجود التصريح بالتحديث، إذا قويت القرينة على ذلك.
ومن الأمثلة على استخدام النقاد لهذه القرينة، أن حجاجا الصواف روى عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى»، وفي بعض الروايات عن حجاج الصواف تصريح عكرمة بالتحديث عن الحجاج بن عمرو (^٢).
ورواه معاوية بن سلام، ومعمر، وسعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن
_________________
(١) «بيان الوهم والإيهام» ٢: ٤١٥.
(٢) «سنن أبي داود» حديث (١٨٦٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٤٠)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٦٠ - ٢٨٦١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٥٠.
[ ٢ / ٢٣ ]
أبي كثير، عن عكرمة، عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة، عن الحجاج بن عمرو، وفي بعض رواياته أن عبدالله بن رافع سأل الحجاج بن عمرو عمن حبس وهو محرم، فروى له الحديث (^١).
قال البخاري: «رواية معمر، ومعاوية بن سلام أصح» (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ - قال: «من حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بيت في الجنة».
فقال أبي: لهذا الحديث علة، روى ابن لهيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ -.
قال أبي: هذا دليل أن مكحولا لم يلق عنبسة، وقد أفسده رواية ابن لهيعة.
قلت لأبي: لم حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة حفظه» (^٣).
_________________
(١) «سنن أبي داود» حديث (١٨٦٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٤٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٨)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٦١٧)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٢٤٩، و«المعجم الكبير» حديث (٣٢١٤).
(٢) «العلل الكبير» ١: ٣٩٥، و«سنن الترمذي» حديث (٩٤٠).
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٧١، وكتب في حاشية إحدى نسخ الكتاب: «هذا فقه في التعليل»، وقد وقع مثل هذا الاختلاف بهذا الإسناد في حديث: «من صلى أربعا قبل الظهر حرمه الله على النار»، ينظر: «تحفة الأشراف» ١١: ٣١٣، و«إتحاف المهرة» ١٦: ٩٥١.
[ ٢ / ٢٤ ]