الشيخ/ عبد الكريم الخضير
﴿نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [(١٦٣) سورة النساء] يعني نوح داخل في النبيين، هذا من ذكر العام بعد الخاص للاهتمام بشأن نوح والعناية به، وعكسه أيضًا وهو وارد النصوص كثيرًا، المقصود أن الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- يعتني بمثل هذه المسائل الأصولية، مما يجعله كتابًا نفيسًا ينبغي أن يعض عليه بالنواجذ، إذا اقترن بذلك خلوه من المخالفات العقدية، استطرد في ذلك قال: "وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافًا لما حكي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم، فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتربة لقب واللقب مختلف في ثبوت المفهوم له" لا شك أن مفهوم اللقب لا يعتد به عند جماهير العلماء؛ لأن القول به له لوازم باطلة، كما هو معروف، الأمثلة على ذلك كثيرة والفوائد لا يمكن حصرها بالنسبة لهذا الكتاب، لكن مما يستطرف أنه قال في صفحة (١١) في حديث ذكره قال: "أول من اتخذ الكعب العالي نساء بني إسرائيل يتطاولن بها في المساجد، ليس باللفظ، لكن هو ذكر عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: "إنما سلطت الحيضة على نساء بني إسرائيل؛ لأنهن كن اتخذن أرجلًا من خشب يتطاولن بها في المساجد"، فعلى هذا استعمال هذا الكعب العالي سنة بني إسرائيل.
[ ٢ / ١ ]
أيضًا المفاضلة بين الشافعي وأحمد وابن قتيبة والخطابي في غريب الحديث لفتة من الحافظ ابن رجب -﵀- يقول: إذا اختلف مثلًا الشافعي وأحمد في جهة، إذا كان الشافعي وأحمد في جهة وابن قتيبة والخطابي في جهةٍ أخرى مثلًا، يقول: "وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة"، نعم اللفظة الواحدة يكون لها معاني في اللغة كثيرة، فقد ينتقي مثل ابن قتيبة والخطابي معنىً من المعاني ينزع به ويرجحه فيظن أنه هو المراد في الحديث أو في الآية، لكن إذا وجد من يجمع بين اللغة وبين الفن المخصوص كالسنة مثلًا لا شك أن اختيار الإمام أحمد لبعض الألفاظ دون بعض، أو الإمام الشافعي لما تحتمله اللغة من معاني لا شك أنه يكون أرجح مما يختاره الذي علمه خاص باللغة.
محمد بن سلام شيخ الإمام البخاري يقول: الصواب بالتشديد معروف عند أهل المصطلح قاطبةً أن كل ما جاء في الصحيحين من سلام فهو بالتشديد إلا خمسة، فذكروا منهم هذا أنه بالتخفيف، ذكروا منهم محمد بن سلام وعبد الله والد عبد الله بن سلام قالوا: أنهما بالتخفيف ومعهم ثلاثة، لكن ابن رجب -رحمه الله تعالى-يصوب التشديد، وله فيه مصنف في رسالةٍ خاصة.
يقول: "لا يجوز تفسير الحديث إلا بما قاله أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم" .. إلى غير ذلك من الفوائد التي لا يمكن استيفاؤها واستقصاؤها، والكتاب مطبوع في عشرة أجزاء في إحدى طبعتيه، والأخرى في سبعة، والطبعة الثانية، طبعة المجموعة ثمانية أشخاص قاموا بتحقيقه طبعة جيدة لا بأس بها، الطبعة الأخرى طبعة طارق عوض الله أنا ما اطلعت عليها، إنما رأيتها لكن لم أعتنِ بها لسبق هذه فقرأتها كلها هذه، وعرفت قيمتها، وأنها جيدة في الجملة، وإن كان طارق عوض الله له يد في هذا الشأن، وهو من أهل التحري في التحقيق.
شرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري):
[ ٢ / ٢ ]
بعد هذا شرح الكرماني، مؤلفه شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني المتوفى سنة ستٍ وثمانين وسبعمائة، سماه كما نص على ذلك في نهاية المقدمة (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) الكرماني بكسر الكاف، وإن كان الدارج على ألسنة الكثير، وقاله النووي وغيره أنه بفتح الكاف الكَرماني، لكن الكِرماني نفسه ضبطها بكسر الكاف، ولما ورد ذكر كِرمان في الجزء التاسع صفحة (١٥٩) قال: "كرمان بكسر الكاف، وقال النووي: بفتحها، أقول: هو بلدنا وأهل البلد أعلم ببلدهم من غيرهم، وهم متفقون على كسرها"، وفي الجزء الرابع والعشرين صفحة (٢٠٥) قال: "المشهور عند المحدثين بفتح الكاف، لكن أهلها يقولون: بالكسر، وأهل مكة أدرى بشعابها".
على كلٍ شرح الكرماني شرح متوسط ليس بالطويل مثل فتح الباري وعمدة القاري ولا بمختصر مثل شرح الخطابي، شرح متوسط مشهور بالقول يعني يأتي باللفظة المراد شرحها فيقول: قوله، وهو جامع لفرائد الفوائد، وزوائد الفرائد، افتتحه بمقدمةٍ أشاد فيها بعلم الحديث وأهله، وأن صحيح البخاري أجلّ الكتب الصحيحة نقلًا وروايةً وفهمًا ودراية، وأكثرها تعديلًا وتصحيحًا وضبطًا وتنقيحًا واستنباطًا واحتياطًا، قال: وفي الجملة هو أصح الكتب المؤلفة فيه على الإطلاق.
[ ٢ / ٣ ]
ثم تحدث باختصار عن الشروح السابقة كابن بطال والخطابي ومغلطاي، ثم ذكر منهجه في كتابه، وأنه يشرح المفردات، الألفاظ غير الواضحة، ويوجه الإعرابات النحوية غير اللائحة، يتعرض لبيان خواص التراكيب بحسب علوم البلاغة، ثم يذكر ما يستفاد وما يتعلق بالحديث من المسائل الكلامية على حد زعمه، ثم يذكر ما يتعلق بأصول الفقه من الخاص والعام والمجمل والمبين وأنواع الأقيسة، ثم يذكر ما يتعلق بالمسائل الفقهية والمباحث الفروعية، ثم يذكر ما يتعلق بالآداب والدقائق، ثم ما يتعلق بعلوم الحديث واصطلاحات المحدثين، ثم يذكر اختلاف النسخ، فيرجح بعضها على بعض ثم يتعرض لأسماء الرجال، ثم يوضح الملتبس ويكشف المشتبه، ويبين المختلف والمؤتلف من الأسماء والأنساب وغيرها، ثم بعد ذلك يؤلف بين الأحاديث المتعارضة حسب الظاهر، ثم يبين مناسبة الأحاديث التي في كل باب، ثم بعد ذلكم ذكر في المقدمة رواة الصحيح كالسرخسي والكشميهني وأبي ذر الهروي وترجم لهم، ثم ترجم للإمام البخاري ترجمةً متوسطة، ثم ختم المقدمة بموضوع علم الحديث وحده، وعدد كتب الجامع وأحاديثه.
[ ٢ / ٤ ]
الكتاب لا شك أنه جيد ومفيد في الجملة، واشتمل على غالب ما يحتاج قارئ الصحيح بأسلوبٍ واضح شيق، يهتم بالرواة فيذكر اسم الراوي كاملًا وما يستطرف من أخباره بإيجاز، يعني الشرح لا شك أنه ممتع، يذكر من أخبار الرواة ما يستطرف بإيجاز ليس مثل انتقاء وانتخاب النووي لا، لكنه فيه طرافة، ينبه على لطائف الأسانيد كالعلو والنزول وأوطان الرواة وصيغ الأداء وغير ذلك، يقول الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "هو شرح مفيد على أوهامٍ فيه في النقل؛ لأنه لم يأخذه إلا من الصحف"، يقول العيني بعد أن تعقب الكرماني في الجزء الأول صفحة (١٠١) قال: "وهذا إنما نشأ منه لعدم تحريره في النقل، واعتماده من هذا الفن على العقل"، ولا شك أن الكتاب عمدة لمن جاء بعده من الشراح، لا تكاد تخلو صفحة واحدة من فتح الباري أو عمدة القاري أو إرشاد الساري من نقل عن هذا الكتاب، الكتاب عمدة بالنسبة لمن جاء بعد الكرماني، الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- نقل عنه كثيرًا في مئات المواضع، وتعقبه أيضًا في كثير من المواطن، وأوهام الكرماني نبه عليها الحافظ لا سيما ما يتعلق بعلم الحديث وما يتعلق بالصحيح نفسه، لكنه لم يتعقبه فيما يتعلق بالعقيدة؛ لأن الحافظ أيضًا منتقد في هذا الباب على ما سيأتي، من انتقادات الحافظ، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى- في الجزء الأول صفحة (٥٧): "الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي جوز أن يكون تعليقًا أو معطوفًا على قتادة فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئًا من علم الإسناد" نعم هذا كلام الحافظ بعد أن نقل عن الكرماني وتعقبه بهذا.
[ ٢ / ٥ ]
في الفتح أيضًا في الجزء الأول صفحة (٧٩ و٨٠) قال: "هذا تعقب مردود" ثم بيّن وجه رده، وفي صفحة (٨٢) قال: "هذا ليس بطائل" ثم ذكر علة قوله، وفي الفتح صفحة (١٩٣) من الجزء الأول قال: "هذا مردود لأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا لا لهذا الحديث ولا لغيره"، لكن أكثر الهفوات أو كثير منها وقع من الكرماني في الربط بين الحديث والترجمة، وقد تهجّم الكرماني على البخاري في مواضع، الكرماني في الجزء الثاني صفحة (١٨٣) يقول: "البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد"، البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد.
[ ٢ / ٦ ]
يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "العجب من دعوى الكرماني أن البخاري لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحدٍ من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في تراجمه"، هناك هفوة من الكرماني، قال في الجزء العاشر صفحة (١٨٣) يقصد كلام الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يقول: "لا يخفى ما في هذا التركيب من التعجرف"، يقول الحافظ في الجزء الرابع صفحة (٤٨٥): "التعجرف من عدم فهم المراد"، إذا قصر الفهم ولم يعترف صاحبه بالقصور نشأ عنه مشاكل، حينما يقصر فهم الكرماني عن إدراك الرابط بين الحديث والترجمة يقول: لا يحسن ترتيب الأبواب، أو يقول: هذا تعجرف؟ لا شك أن سببه القصور، وقد أبدى العلماء من المناسبات ما يبهر العقول وألفت في تراجم البخاري الكتب المستقلة في بيان الرابط بين الحديث والترجمة في كل باب، وأحيانًا في ذكر الرابط قد يخفى حتى على ابن حجر والعيني ومن جاء بعدهم، وأحيانًا يقولون: المناسبة ظاهرة، وهي في الحقيقة ليست بظاهرة، وأخشى أن يكون هذا من التخلص، الشارح مع كل ما ذكر من هذه الملاحظات، وما قيل قبل ذلك من أن هذا الشرح نفيس، ولا يستغنى عنه، واعتمد عليه من جاء بعده من الشراح أيضًا الشارح في باب الاعتقاد جرى على طريقة الأشاعرة، ونكب عن طريقة السلف، قال في الحادي عشر صفحة (٧٢): "إطلاق الغضب على الله تعالى من باب المجاز، إذ المراد لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب"، وقال في الثاني عشر صفحة (١٢٣): "فإن قلت: ما معنى الضحك ها هنا؟ قلت: أمثال هذه الألفاظ إذا أطلقت على الله يراد بها لوازمها مجازًا، ولازم الضحك الرضا"، وقال في الجزء (٢٢) صفحة (١٢٤): "والاعتراف بالصفات السبع التي هي الصفات الوجودية" ثم ذكرها، والصفات السبع المراد بها ما يثبته الأشاعرة من صفات الله -﷾- وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر.
[ ٢ / ٧ ]
أيضًا هو في توحيد العبادة عنده شيء من الخلل، يقول في الثاني والعشرين صفحة (١٤٩): "وقد كنت متشرفًا عند شرح هذا الباب بابتداء مجاورة قبره المبارك -يعني قبر ابن عباس- بالحرم المحرم بوج الطائف"، نقل عن الأشعرية في مواضع مقرًا لأقوالهم ففي صفحة (١٩٧) من الجزء الأول وصفحة (٨٨) من الجزء الثاني والعشرين، صفحة (١٠٦) من الجزء الرابع والعشرين يقول: "يجوز أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس ولا يرى ما حولها".
على كلٍ الكلام في الكتاب كثير جدًا، أيضًا من الناحية الاصطلاحية قرر أن شرط البخاري في صحيحه أن لا يروي إلا ما رواه اثنان عن اثنين .. إلى آخره، تابعًا في ذلك الحاكم فيما يفهم من كلامه والبيهقي وغيرهم، من العرب أيضًا زعموا أن شرط البخاري أنه لا يقبل رواية الواحد، بل لا بد من التعدد في الرواية؛ لكن لا شك أن هذا جهل بالكتاب الذي يشرحه، أول حديث في الصحيح من رواية فرد عن فرد عن فرد .. الخ، فيه أربع من طبقات، حديث (الأعمال بالنيات) تفرد به عمر -﵁- في بروايته عن النبي -﵊-، ثم تفرد به عنه علقمة بن وقاص، ثم تفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي، ثم تفرد به عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومثله آخر حديث في الصحيح، حديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان» .. الخ، تفرد به أبو هريرة، وعنه أبو زرعة ابن عمرو بن جرير البجلي، وعنه عمارة بن القعقاع وعنه محمد بن فضيل، وعن محمد بن فضيل انتشر الحديث، كما أن الحديث الأول انتشر عن يحيى بن سعيد، المقصود أنهما من الغرائب التي لم يروها إلا الواحد عن الواحد، وهما كفيلان بالرد على من يزعم أن العدد شرط للصحة مطلقًا، أو شرط للبخاري في صحيحه، وغير ذلك من المسائل التي يمكن مناقشته فيها، ولو ذهبنا نستطرد ونذكر كلما لوحظ على الكتاب لطال بنا المقام جدًا.
ونقف على فتح الباري للحافظ ابن حجر ومعه أيضًا عمدة القاري مع ذكر ما بينهما من المناقشات الطويلة والردود، ثم نختم الكلام بالنسبة لما يتعلق بصحيح البخاري بإرشاد الساري غدًا -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ٨ ]
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا السائل يقول: ما المقصود بقولكم: بالربط بين الحديث والترجمة؟
الرابط بين الحديث والترجمة المراد به المناسبة والعلاقة بين الحديث والترجمة، قد يكون الرابط بينهما والعلاقة واضحة، كقوله: "بعض قول الرجل: ما صلينا" فجاء في الحديث ما وقع في غزوة الخندق من قوله -﵊-: «وأنا والله ما صليتها» هذه ظاهرة، علاقة ظاهرة، لكن مثل باب القسامة في الجاهلية، ثم ذكر تحت هذه الترجمة القصة التي ذكرها عمرو بن ميمون من أن قردةً في الجاهلية زنت فاجتمع عليها قردة فرجموها، القسامة في الجاهلية، الرابط لا يكاد يدرك في مثل هذا.
يقول: ذكر أحد المختصين في علوم الحديث أن فتح الباري لابن رجب -رحمه الله تعالى- والمطبوع بتحقيق ثمانية من المحققين يوجد فيها سقط في عدة مواضع.
نعم المطبوع من فتح الباري فيه سقط بلا شك، فيه خروم في أثنائه، اعتمدوا على نسخ وتتفق هذه النسخ على كثيرٍ من المواضع التي فيها الخروم، أما أنه يقول: يوجد فيها سقط في عدة مواضع مع العلم بأن المخطوط لا سقط فيه.
هذا الكلام ليس بصحيح، جميع النسخ الموجودة الآن فيها خروم.
موسوعة الأطراف لزغلول تحيل على الفتح، يقول: فما الرأي بطريقة زغلول بالإحالة عليه؟
أولًا: الفتح لنعرف كما سيأتي قريبًا أنه ليس فيه متن، الحافظ لم يذكر المتن، والمتن المطبوع معه ملفق كما ستأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى-.
يقول: يحتج بعض الأخوة عندما ينصحون بدراسة علم مصطلح الحديث بأنه من علوم الآلة لا من العلوم الأساسية التي يحتاجها الفرد؟
نعم، هو من الوسائل التي تخدم هذا العلم العظيم، فالهدف من مصطلح الحديث معرفة المقبول والمردود من السنة، ووسيلة إلى معرفة ما يقبل وما يرد من السن، لكن كيف نعرف المقبول لنعمل به والمردود لنجتنبه إلا بواسطة هذا العلم؟! فهو من أهم المهمات، يقاربه مصطلح أو قواعد التفسير أو أصول الفقه كذلك، كلها تخدم وإن كانت من علوم الآلة ومثلها علوم العربية بفروعها، إلا أنها مما يضطر إليه طالب العلم.
[ ٢ / ٩ ]
يقول: الرجاء ذكر ما تميّز به كل شرح من شروح البخاري عن غيره، فمن المعلوم أن هناك من تميّز بضبط أسماء الرواة وآخر في الأحكام وآخر في جمع الطرق .. الخ؟
هذا هو المقصود من هذه المحاضرات ومن هذه الدروس، وما تقدم بُيّن ووضّح، الكتب التي عرضت سابقًا بيّن فيها ما يمتاز بها كل كتاب، وكذلك الكتب اللاحقة، واليوم عن ثلاثة كتب هي في الحقيقة أهم شروح البخاري، ولعل الوقت يسعف بإكمال الحديث عنها.
شرح ابن حجر (فتح الباري شرح صحيح البخاري):
فأولها: (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للإمام الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، هذا الكتاب هو أعظم شروح البخاري، اللهم إلا أنه لو كمل شرح ابن رجب لكان منافسًا له، يقع الكتاب في ثلاثة عشر مجلدًا كبارًا إضافةً إلى مقدمةً وافية في مجلد كبير أسماها مؤلفها (هدي الساري) المقدمة مرتبة على عشرة فصول.
الأول: في بيان السبب الباعث على تنصيف البخاري لكتابه.
والثاني: في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه، والكلام على تحقيق شرطه، وتقرير كونه من أصح الكتب المصنفة في الحديث، ويلتحق بذلك الكلام على تراجمه البديعة المنال، المنيعة المثال التي انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه، واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه.
الثالث: في بيان الحكمة في تقطيعه للحديث واقتصاره وفائدة إعادته للحديث وتكراره.
المعذرةً للإخوان يمكن يصير في السرد شيء من السرعة؛ لأن الكلام طويل، وهذه الكتب إن لم تكن هي بيت القصيد فهي من أهم المهمات.
الرابع: في بيان السبب في إيراده الحديث أو الأحاديث المعلقة والآثار الموقوفة مع أنها تباين أصل موضوع الكتاب، نعم أصل موضوع الكتاب للأحاديث المرفوعة لا للآثار الموصولة، لا للمعلقة ولا المقطوعة، المقصود أن هذا أصل موضوع الكتاب؛ لكن أردف ما جاء في أصله بما أثبته تبعًا لذلك من الموقوفات والمعلقات.
الخامس: في ضبط الغريب الواقع في متونه، مرتبًا له على حروف المعجم بألخص عبارة وأخلص إشارة، لتسهل مراجعته ويخف تكراره.
السادس: في ضبط الأسماء المشكلة التي فيه، وكذا الكنى والأنساب.
[ ٢ / ١٠ ]
السابع: في تعريف شيوخه الذين أهمل نسبهم إذا كانت يكثر اشتراكها كمحمد، لا من يقل الاشتراك فيه كمسدد، وفيه الكلام على جميع ما فيه من مهملٍ ومبهمٍ على سياق الكتاب مختصرًا.
الثامن: في سياق الأحاديث التي انتقدها عليها حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني، والجواب عنها حديثًا حديثًا وإيضاح أنه ليس فيها ما يخل بشرطه الذي حققناه.
التاسع: في سياق جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعض من يقوى جانب القدح فيه، إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه.
العاشر: في سياق فهرسة الكتاب بابًا بابًا، وعدة ما في كل باب من الحديث، ومنه تظهر عدة أحاديثه بالمكرر أوردته تبعًا للنووي، أورده الحافظ تبعًا للنووي، والعيني أورده تبعًا للنووي، وكلهم يقولون: تبركًا به، ومعلوم ما في هذي الكلمة من المخالفة، يقول: ثم أضفت إليه مناسبة ذلك مما استفدته من شيخ الإسلام أبي حفصٍ البلقيني، ثم أردفته بسياق أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم كتابه من غير تكرير، ثم ختمت المقدمة بترجمةٍ كاشفة عن خصائص الإمام البخاري ومناقبه جامعةً لمآثره ليكون ذكره واسطة عقد نظامها، وسر مسك ختامها.
[ ٢ / ١١ ]
هذه الفصول العشرة التي اشتملت عليها مقدمة فتح الباري، ويمكن للطالب في الأسفار أن يقتصر على هذه المقدمة لطول الكتاب، فإذا قرأ في المتن ومرّ عليه اسم مهمل يحتاج إلى تمييز يرجع إلى هذه المقدمة، مر عليه حديث مقدوح فيه يرجع إلى هذه المقدمة، مرّ عليه راوٍ متكلم فيه يرجع إلى هذه المقدمة، فهي كالشرح المختصر أفردها الحافظ -رحمه الله تعالى- لأهمية مباحثها، ثم في آخر المقدمة ذكر الحافظ منهجه في شرح أحاديث الكتاب فقال: "أسوق الباب وحديثه أولًا"، يذكر الترجمة ثم يذكر الحديث، وهذا عدل عنه على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، يقول: "ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتماتٍ وزيادات وكشف غامضٍ وفصيح مدلسٍ بسماعٍ ومتابعة سامعٍ من شيخٍ اختلط قبل ذلك، منتزعًا ذلك كله من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك" يعني الحافظ إذا أورد حديثًا في الشرح وسكت عليه، ولم يتعقبه بضعف شرطه في ذلك الصحة أو الحسن، وسيأتي ما يخل بهذا الشرط، "ثالثًا: أصل ما انقطع من معلقاته وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد"، يقول: "أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماءً وأوصافًا مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية، تنبيه على النكت البيانية ونحو ذلك، أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعية"، يقول: "مقتصر على الراجح من ذلك متحريًا للواضح دون المستغلق في تلك المسالك، مع الاعتناء بالجمع بينما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على المنسوخ بناسخه، والعام بمخصصه والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه، والظاهر بمؤوله، والإشارة إلى نكتٍ من القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية، ونخبٍ من الخلافات المذهبية، بحسب ما اتصل بي من كلام الأئمة، واتسع له فهمي من المقاصد المهمة، وأراعي في هذا الأسلوب -إن شاء الله تعالى- في كل باب، فإن تكرر المتن في بابٍ بعينه غير باب تقدم نبهت على حكمة التكرار، من غير إعادة له؛ إلا أن يتغاير لفظه
[ ٢ / ١٢ ]
أو معناه فأنبه على المواضع المغايرة أو على الموضع المغاير خاصةً، فإن تكرر في بابٍ آخر اقتصرت فيه بعد الأول على المناسبة شارحًا لما لم يتقدم له ذكر، منبهًا على الموضع الذي تقدم بسط القول فيه"، يقول: "فإن كانت الدلالة لا تظهر في الباب المقدم إلا على بُعد غيرت هذا الاصطلاح بالاقتصار في الأول على المناسبة، وفي الثاني على سياق الأساليب المتعاقبة، مراعيًا في جميعها مصلحة الاختصار، دون الهذر والإكثار، والله أسأل أن يمنّ عليّ بالعون على إكماله بكرمه ومنّه".
هذا الكلام الذي سمعتموه مسرودًا موجود حقيقةً في مقدمة فتح الباري؛ لكن هنا مسائل:
الأولى: ما ذكره أولًا من سوق الحديث، معروف أنه عدل عنه، قد قال في مقدمة المجلد الأول في صفحة (٥) يقول: "وقد كنت عزمت على أن أسوق حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ثم رأيت ذلك مما يطول به الكتاب جدًا" يعني لو تصورنا أن البخاري في أربعة مجلدات إضافةً إلى هذه الثلاثة عشر مجلدًا يطول الكتاب بلا شك، على هذا البخاري -رحمه الله تعالى- أخلى الكتاب من المتن، بينما يشرح الحديث مباشرةً، قوله: باب كذا، يشرح الترجمة ثم قوله يشرح الحديث لفظةً لفظة.
[ ٢ / ١٣ ]
الذي رقّم الكتاب وخدمه وطبعه -جزاهم الله خير- اجتهدوا، ففي التعليق على صفحة (٥) قال المعلق محمد فؤاد عبد الباقي: "ونحن قد حققنا ذلك في هذه الطبعة، فسقنا حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ليكون ذلك أعون على فهم الشرح والإلمام بمراميه"، أولًا: الحافظ -﵀- عن قصد حذف الأحاديث، فإدخال الأحاديث في الكتاب في صلب الكتاب لا شك أنه تصرف في الكتاب وزيادة في الكتاب، قصد المؤلف حذفها، فهذا التصرف لا ينبغي، نعم لو جعلوه في حاشية، في أعلى الصفحة وفصلوا بينه وبين الشرح بخط لا بأس، يقول: ونحن قد حققنا ذلك -لو كانت أمنية للحافظ تقول: حققنا هذه الأمنية-، لكن الحافظ عدل عنها قصدًا وليت الحافظ حققها بنفسه، لسلمنا من كثير من الاعتراضات الواردة على المتن الموجود في الشرح الذي تصرف الطابع وأدخله فيه، يقول: ونحن قد حققنا ذلك في هذه الطبعة فسقنا حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ليكون ذلك أعون على فهم الشرح والإلمام بمراميه وأشرنا بالأرقام إلى أطراف كل حديث، وهي أجزاء متفرقة في مواضع أخرى من صحيح البخاري.
أقول: وليته إذ تصرف على خلاف مراد المؤلف انتقى من روايات الصحيح ما اعتمده الحافظ في شرحه، وهي رواية أبي ذر الهروي، المتن المطبوع مع فتح الباري متن ملفق من روايات متعددة، لا يوافق رواية واحدة من الروايات، ليت هؤلاء الذين تصرفوا وأدخلوا الكتاب في هذا الشرح العظيم انتقوا من الروايات ما يناسب الشرح، ولذا يوجد في المتن المقحم من الألفاظ ما لا يوجد في الشرح والعكس، وهذا كثير جدًا، كثيرًا ما نجد الحافظ يقول: قوله: كذا، ثم يشرح، هذا اللفظ الذي شرحه الحافظ لا تجده في المتن المقحم، هذا كثير جدًا.
[ ٢ / ١٤ ]
ونقل عن القسطلاني بالنسبة لفتح الباري: يقول: شهرته وانفراده بما اشتمل عليه الفوائد الحديثية والنكات الأدبية، والفوائد الفقهية، تغني عن وصفه، لا سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التي ربما يتبين من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضعٍ ما يتعلق بمقصد البخاري من ذكره، ويحيل بباقي شرحه على مكان المشروح فيه، وهذه ميزة امتاز بها فتح الباري، يعني تجد الكتاب متناسب من أوله إلى آخره، يشرح آخر حديث في الكتاب بنفس الطريقة والمنهج الذي شرح فيه أول حديث في الكتاب، بخلاف غالب المؤلفين من الشراح والمفسرين وغيرهم، تجده في أول الكتاب يجلب بجميع ما عنده، ثم تفتر همته أو ينتهي ما عنده فيختصر ويوجز، هذا غالب الشروح هكذا، تأتي الإشارة إلى شيءٍ من هذا في عمدة القاري -إن شاء الله تعالى-.
كان الحافظ -رحمه الله تعالى- يتمنى ويود أن لو تتبع الإحالات التي تقع له فيه؛ لأن الكتاب طويل، والكتاب كان تأليفه فيما يقارب ربع قرن لطوله وتحريره وتنقيحه، مكث فيه أكثر من ربع قرن، أنهاه في خمسة وعشرين سنة، لكنه ما زال يحرر وينقح، ويضيف إلى وفاته -﵀-.
بعض الإحالات يحصل فيها ما لا يوجد في موضعه، تجد الحافظ يقول: وسنتكلم على هذا الحديث، أو تأتي الإشارة إلى كذا في موضع كذا ثم تأتي، يحيل مرةً ثانية، تأتي الإحالة، الكتاب بحر محيط، كتاب كبير جدًا، لا يبعد أن يقع فيه مثل هذه الأشياء، لكن الحافظ تمنى وودّ أن لو تتبعت هذه الحوالات، يقول: فإن لم يكن المحال به مذكورًا أو ذكر في مكانٍ آخر غير المحال عليه ليقع إصلاحه فما فعل ذلك، والكمال لله -﷾-.
[ ٢ / ١٥ ]
يقول: وكذا ربما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع ثم يرجح في موضعٍ آخر غيره إلى غير ذلك مما لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير من الأئمة المعتمدين، هذا يدل على أن الحافظ مستمر في البحث، لم يقف اجتهاده عند حدّ، وتغير الاجتهاد عند أهل العلم معروف، يتحرر له في مسألةٍ ما، في وقتٍ ما، ثم يتبين له في وقتٍ آخر غيره، المقصود أن تغير الاجتهاد أمر معروف عند أهل العلم، ولذا تجدون الحافظ في أوائل الكتاب أو في مواضع من الكتاب يرجح شيء ثم يعدل عنه في مواضع أخرى.
[ ٢ / ١٦ ]
الحافظ -رحمه الله تعالى- ابتدأ تأليف الكتاب في أوائل سنة سبعة عشرة وثمانمائة على طريق الإملاء، يملي إملاءً، يمليه إملاءً، يعني في الجزء الثامن صفحة (٤٦٣) يقول: "وقد كنت أمليت في أوائل كتاب الوضوء أن قصة الإفك وقعت قبل نزول الحجاب" وقد كنت أمليت، هذا يدل على أن الكتاب ألف بطريق الإملاء، ثم قال: "وهو سهو والصواب أنه بعد نزول الحجاب فليصلح هناك"، ابتدأ الحافظ -رحمه الله تعالى- تأليف الكتاب في أوائل سنة سبع عشرة وثمانمائة على طريق الإملاء، بعد أن كملت مقدمته في مجلدٍ ضخم في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وسبق منه الوعد للشرح ثم صار يكتب بخطه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكراسة، ثم يكتبها جماعة من الأئمة، يمليها على جماعة من الأئمة لتراجع وتنقّح، ثم يكتبها جماعة من الأئمة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يومٍ من الأسبوع، وذلك بقراءة البرهان بن خضر، فصار السفر -يعني المجلد- لا يكمل منه إلا وقد قوبل وحرر إلى أن انتهى، بهذه الطريقة يملي الكراسة على جمع من الأئمة المعتبرين، يمليها عليهم ليراجعوها وينظروا فيها، ثم تقابل وتعارض بالأصل، ثم في يومٍ من الأسبوع تحصل المباحثة والمناقشة حول ما كتب، وهذا هو السر في تحرير هذا الكتاب وتنقيحه وضبطه وإتقانه، يقول: إلى أن انتهى في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سوى ما ألحقه فيه بعد ذلك فلم ينتهي إلا قبيل وفاته، ولما تمّ عمل مصنفه وليمةً عظيمة لم يتخلف فيها من وجوه المسلمين إلا نادرًا، في يوم السبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وقرئ في المجلس الأخير، وهناك حضره الأئمة كالقاياتي والونائي والسعد الديري وغيرهم، يقول: وكان المصروف في الوليمة المذكورة نحو (٥٠٠) دينار، فطلبه ملوك الأطراف بالاستكتاب واشتري بنحو ثلاثمائة دينار، وانتشر بالآفاق، الكتاب طويل لكن مملوء بالفوائد، واختصاره يخل به، وإن حصل من بعض العلماء أنهم اختصروه، فمختصر للشيخ أبي الفتح محمد بن حسين المراغي المتوفى سنة تسع وخمسين وثمانمائة، والشيخ فيصل بن عبد العزيز بن المبارك العالم النجدي المعروف قاضي الجوف له مختصر أسماه (لذة القاري مختصر صحيح البخاري) وله أيضًا
[ ٢ / ١٧ ]
مختصر جديد موجود في الأسواق، المقصود أن الكتاب لا يقبل الاختصار، كله فوائد.
من فوائد الفتح: أنا انتقيت كم فائدة، ففي الجزء الأول صفحة (٥٩) أشار إلى عدم اعتناء البخاري بالتنبيه على ما بين الرواة من فروق، وإنما همّ البخاري مراعاة الأصول دون الألفاظ بخلاف مسلم، في الجزء الأول صفحة (١٦) والحادي عشر صفحة (٣٤٠) يقول: "جملة ما كرره البخاري بسنده ومتنه نحو عشرين"، عشرين حديثًا، المكررات في البخاري تزيد على خمسة آلاف حديث، التكرار فيه، لكن ما يمكن أن يكرر بالسند والمتن ويخلي المكرر من الفائدة سواء كانت في متنه أو في إسناده أو على أقل الأحوال في صيغ الأداء يقول: إلا في نحو عشرين موضعًا، هذا ذكره الحافظ في الجزء الأول صفحة (١٦) وفي الحادي عشر صفحة (٣٤٠).
من فوائده وقواعده وضوابطه التي ذكرها يقول: "وقد ظهر بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري أنه إذا أورد حديثًا عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير" يعني إذا كان الحديث مخرج في الصحيح عن أكثر من واحد فاللفظ للأخير، إذا قال البخاري: حدثنا فلان وفلان، فصاحب اللفظ هو الأخير، يقول: "وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحدٍ فإن اللفظ يكون للأخير" هذا في الجزء الأول صفحة (٤٣٦) ظهر بالاستقرار لكنها قاعدة أغلبية وليست كلية؛ لأنه يوجد ما يخالف هذه القاعدة، مثلًا في صفحة (٣٠) يقول: "أخبرنا يونس ومعمر" من صاحب اللفظ على القاعدة؟ على القاعدة معمر، يقول الحافظ: "أما باللفظ فعن يونس، وأما بالمعنى فعن معمر" هذا خرج عن القاعدة، في أمثلة ليست يسيرة من هذا النوع، لكن مثلما قال الحافظ -رحمه الله تعالى- بالاستقراء والتتبع القاعدة شبه مطردة إلا في مواضع يسيرة، فالقاعدة حينئذٍ تكون أغلبية وليست كلية.
[ ٢ / ١٨ ]
في التاسع صفحة (٣٧٤) يقول: "في مواضع الاختلاف -يعني في المسائل المختلف فيها، المسائل الفقهية المختلف فيها- مهما صدر به البخاري من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره"، يعني إذا أردت أن تستخرج فقه البخاري واختياراته تنظر في الترجمة في الباب، إذا صدر البخاري الترجمة بقول واحد، إما بحديث أو بقول واحد من الصحابة أو من التابعين فهو اختياره، يقول: "في مواضع الاختلاف مهما صدر به البخاري من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره".
في التاسع صفحة (٤٢٠) يقول: "جرت عادة البخاري أن دليل الحكم إذا كان محتملًا لا يجزم بالحكم، بل يورده مورد الاستفهام" ما يقول البخاري باب وجوب كذا، أو باب استحباب كذا إذا كان الدليل محتمل، لا، إنما يورده بلفظ الاستفهام، هل كذا أو هل كذا؟ ما يجزم بهذا إلا إذا كان الدليل نص في الموضوع.
في العاشر صفحة (١١، ٥٢، ٥٤) يقول: "من قال: إن البخاري لا يستعمل (قال) إلا في المذاكرة لا مستند له" هذه شاعت بين الشراح، وبين العلماء، يتناقلونه، يقولون: البخاري إذا قال: حدثنا فلان قال فلان فإنما يكون البخاري قد أخذ الحديث عن هذا الشيخ مذاكرة، وليس على طريق التحديث، ومعلوم ما بين المذاكرة والتحديث من فرق، يقول: "من قال إن البخاري لا يستعمل (قال) إلا في المذاكرة لا مستند له".
الحافظ له اختيار في تكفير المصائب للذنوب في الجزء العاشرة صفحة (١٠٥ و١١٠) يقول: "حصول التكفير للمصاب وإن لم يرضَ ولم يصبر" هذه من الغرائب؛ لكن يرى أن التكفير بمجرد المصيبة، والرضا والصبر أجره قدر زائد على ذلك، وهذا رأي استقل به، وهو محتمل.
في العاشر صفحة (٣٣٢) يقول: "هيئة اللباس تختلف باختلاف عادة كل بلد".
في الحادي عشر صفحة (٢٠٩) يقول: "لا يشترط في الذاكر استحضار معناه" يعني لو كان الذكر يعني على غفلة اعتاد الإنسان في أذكاره في الصباح والمساء، وفي غيرها، الذكر يجري على اللسان يقول: "لا يشترط استحضار معناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه".
في الحادي عشر صفحة (٢٦٨) وفي مواضع أخرى يقول: "أبو الفتح الأزدي غير مرضي في كلامه على الرجال".
في الحادي عشر صفحة (٤٤١) يقول: "يحيى القطان متعنّت في الرجال".
[ ٢ / ١٩ ]
في الثاني عشر صفحة (٢١٤) يقول: "طريقة بعض السلف عند الاختلاف الأخذ برأي الأكثر".
فوائد كثيرة جدًا جدًا، الكتاب مملوء ومشحون بالفوائد؛ لكن الوقت ما يحتمل أكثر من هذا.
الحافظ -رحمه الله تعالى- كما سمعنا اشترط في مقدمة الكتاب أنه لا يورد من الأحاديث إلا ما كان صحيحًا أو حسنًا، لكن الكمال لله -﷾- أورد أحاديث فيها كلام، وفيها ضعف، ولم ينبه عليها.
في الجزء الأول صفحة (٣٠٧) يقول: "وعند أحمد من طريقٍ أخرى عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به -يعني النبي -﵊- أخذه المغيرة من أعرابية صبت له من قربة كانت جلدة ميتة، وأن النبي -ﷺ- قال له: «سلها فإن كانت دبغتها فهو طهور» حديث في المسند في الرابع (٢٥٤) وهو ضعيف، وإن لم يتعقبه الحافظ، ففيه أكثر من راوٍ ضعيف.
في صفحة (٦٧) من الجزء الأول قال عن حديث في إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "رجاله ثقات" وحال عمرو بن شعيب معروفة عند أهل العلم لا سيما عند الحافظ يرى أنه صدوق، ومع ذلك يقول: "رجاله ثقات".
في الجزء الثالث صفحة (٤٨٩) يقول: "روى الإمام أحمد بإسنادٍ حسن عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا نطوف ونمسح الركن في الفاتحة والخاتمة" والحديث في المسند، وفي إسناده ابن لهيعة، وقد نص الحافظ في الفتح في الجزء الأول صفحة (٢٣) على ضعفه، الحافظ نفسه نص على ضعف ابن لهيعة ويقول: "بإسنادٍ حسن".
في مسائل الاعتقاد منهجه مضطرب، الحافظ منهجه في العقيدة ليس على طريقةٍ واحدة، إنما هو نقال في هذا الباب، ينقل أقوال السلف والأئمة المقتدين بهم، ممن يثبت لله -﷾- ما أثبته لنفسه، وينقل أقوال الخلف من المخالفين لعقيدة السلف، ولا يتعقب شيئًا من ذلك.
وفي صفحة (١٤٥) من الجزء السادس و(٦٣٢) من الجزء الثامن، و(٤٤٤) من الجزء الحادي عشر أوّل صفحة (العجب) في عجب الله -﷾- من قوم، أو عجب الله -﷾- من قوم أوّل ذلك بالرضا يعني على طريقة الخطابي وغيره ممن تقدم ذكرهم، على كلٍ هذا خلل في الكتاب، يعني لو مرّ على الكتاب كله، وعلق على هذه المسائل التي خالف فيها لكان جيدًا.
[ ٢ / ٢٠ ]
والكتاب يحتاج إلى زمن طويل لنشر محاسنه ومزاياه؛ لكن هذا ما يحتمله الوقت.
بعد هذا (عمدة القاري في شرح صحيح البخاري) لبدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة.
طالب: الطبعة المعتمدة لفتح الباري؟
يسأل عن الطبعة، أفضل الطبعات بالنسبة لفتح الباري، هذه إن تيسرت طبعة بولاق فهي أجود الطبعات على الإطلاق؛ لأن الذين طبعوها، المطبعة السلفية، نعم الشيخ -﵀- راجع مجلدين وشيء من الثالث؛ لكن بقية الكتاب طبع بحروفه بطبعة بولاق، طبعة بولاق هي الأصل التي أخذت منها الطبعة السلفية، إن لم تتيسر فالطبعة السلفية الأولى، وليست الثانية ولا الثالثة، الطبعة الثانية فيها أسقاط كثيرة وأوهام، والثالثة فرع عنها، مصورة عنها، وإن سموها طبعة ثالثة، لكن الطبعة السلفية الأولى متقنة إلى حدٍ ما.
طالب: المتقنة الأولى أو الثالثة؟
الأولى الأولى، الثانية لا شيء، فيها أسقاط وأسطر أحيانًا، لا لا الطبعة السلفية الأولى، وهي تكاد أن تكون صورة لطبعة بولاق؛ لكن فيها بعض الأخطاء اليسيرة، هنا حتى في بعض التعليقات أشياء في تصويب بعض الكلمات مثل هنا يقول: "فينبغي الاضطراب" في هذه الطبعة، السلفية الأولى، "فينبغي الاضطراب" علق الشيخ -﵀-، قال: "فينبغي أن لا اضطراب" لأن الحافظ نفى الاضطراب عن الحديث؛ لكن لا هذا ولا ذاك: "فينتفي الاضطراب" الحافظ في الفتح يقول: "فينبغي الاضطراب" فعلق الشيخ -﵀- فقال: "ينبغي أن لا اضطراب" صواب العبارة: "فينتفي الاضطراب" يعني بعد كلام وتقرير الحافظ ابن حجر نفى فيه الاضطراب، على كلٍ البشر هذا ما ودع فيهم، من يعرى من الخطأ والنسيان.
شرح العيني (عمدة القاري):
[ ٢ / ٢١ ]
(عمدة القاري) لبدر الدين العيني شرع في تأليفه مؤلفه كما قال القسطلاني في أواخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وفرغ منه في آخر الثلث الأول من ليلة السبت خامس شهر جمادى الأولى سنة سبعٍ وأربعين وثمانمائة، يعني بدأ بعد الحافظ بأربع سنوات، وفرغ بعده بخمس سنوات، ذكر في مقدمته أنه لما رحل إلى البلاد الشمالية قبل الثمانمائة مستصحبًا صحيح البخاري لنشر فضله عن ذوي الألباب ظفر هناك من بعض مشايخه بغرائب النوادر مما يتعلق باستخراج ما في الصحيح من الكنوز، ثم لما عاد إلى الديار المصرية ندبه إلى شرح الكتاب أمور:
الأول: يقول: "أن يعلم أن في الزوايا خبايا، وأن العلم من منايح الله -﷿- ومن أفضل العطايا.
الثاني: إظهار ما منحه الله من فضله الغزير، وإقداره إياه على أخذ شيءٍ من علمه الكثير، يقول: "والشكر مما يزيد النعمة، ومن الشكر إظهار العلم للأمة".
الثالث: كثرة دعاء بعض الأصحاب للتصدي لشرح الكتاب، يقول: أنه طلب منه بإلحاح أن يتصدى لشرح الكتاب، ثم أجاب هذه الدعوة فشرح الكتاب.
[ ٢ / ٢٢ ]
افتتح الكتاب بمقدمة مختصرة، مقدمة لا تعدو عشرة صفحات، قريبة جدًا من مقدمة النووي، افتتح المقدمة بذكر أسانيده إلى الإمام البخاري، ثم فوائد في اسم الصحيح وسبب تأليفه، وترجيح الصحيح على غيره، في شرطه، وعدد الأحاديث المسندة في صحيح البخاري، في فهرس أبواب البخاري مع عدد أحاديث كل كتاب، طبقات شيوخ البخاري، من تكلم فيه من رجال الصحيح، الفرق بين الاعتبار والمتابعة والشاهد، ضبط الأسماء المتكررة، معلقات الصحيح، ثم عرف بموضوع علم الحديث ومبادئه ومسائله، موضوع علم الحديث ومبادئه أخذها من شرح الكرماني، ولذا وقع فيما وقع فيه الكرماني، قال: "موضوع علم الحديث ذات رسول الله -ﷺ-"، هذا الكرماني قاله قبل، ثم العيني من بعده، ولذا يقول السيوطي في مقدمة التدريب: "ما زال شيخنا محي الدين الكافيجي يتعجب من قول الكرماني أن موضوع علم الحديث ذات الرسول -﵊- يقول: لأن ذاته موضوع علم الطب وليس موضوع علم الحديث"، ذاته، بدنه، شخصه، المقصود أن التقليد يوقع في مثل هذا، كل هذا المسائل التي ذكرها لا تزيد على عشر صفحات، نعم المباحث التي أودعها الحافظ في مقدمته موجودة في ثنايا هذا الكتاب، كل مبحث في موضعه، وإن كان ليس بصورة جلية وواضحة كما فعل الحافظ -رحمه الله تعالى-.
[ ٢ / ٢٣ ]
شرع بعد ذلكم في شرح الكتاب على ترتيبٍ جميل منظم، يشوّق القارئ، يبدأ أولًا: بمناسبة الحديث للترجمة، ثم يتحدث عن رجال رواة الحديث، ثم في ضبط أسماء الرجال ثم الأنساب، يعنون عناوين، مناسبة الحديث للترجمة: ثم إذا انتهى قال: رواة الحديث، ثم ضبط أسماء الرجال، ثم ضبط الأنساب، ثم يذكر فوائد تتعلق بالرجال، ثم لطائف الإسناد، قد يوجد مثل هذه في فتح الباري لكنها غير معنونة، ثم يبين نوع الحديث إن كان الحديث متميزًا بنوعٍ خاص من العزة والغرابة والتواتر، يقول: نوع الحديث، ثم يذكر مواضع الحديث من صحيح البخاري، ثم يذكر من أخرجه غير البخاري، ثم يبين اختلاف لفظه في المواضع، ثم يقول: بيان اللغة، عنوان، ثم بعد ذلكم بيان الإعراب، ثم بيان المعاني، عناوين هذه، بيان البيان، بيان البديع، ثم بعد ذلكم يقول: الأسئلة والأجوبة، يورد إشكالات في الحديث ثم يجيب عنها، ثم سبب الحديث إن كان له سبب، ثم استنباط الأحكام، وهو في كل ذلكم يطيل ويغرب في النقول والردود والمناقشات، ينقل من الشراح، وينقض أقوالهم، المقصود أن الشرح منظم ومرتب لو كان على وتيرةٍ واحدة، لكنه في هذا الترتيب وهذا التنظيم في أوائله لأنه اعتمد على أشياء انقطعت فانقطع معها على ما سيأتي ذكره.
ينقل ممن سبقه من الشراح كالخطابي والكرماني وابن بطال والنووي وغيرهم، وينقل كثيرًا من فتح الباري، أحيانًا ينقل المقطع الكبير من فتح الباري ويبهم المؤلف يقول: قال بعضهم، ولا يسمي، لا يسمي ابن حجر وإن كان ينقل منه واستفاد منه كثيرًا، ثم بعد ذلكم يتعقبه كثيرًا.
[ ٢ / ٢٤ ]
يقول القسطلاني: "واستمد فيه من فتح الباري"، يقول: "كان فيما قيل يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مصنفه"، القدر الذي يفرغ منه الحافظ يستعيره العيني من البرهان من خضر بإذن ابن حجر، ما في بأس أن يطلع على الكلام ويناقش ويرد عليه ما في إشكال؛ لأن قصد الجمع الوصول إلى الحقيقة، بإذن مصنفه وتعقبه في مواضع، وطوله بما تعمد الحافظ ابن حجر في الفتح حذفه، من سياق الحديث بتمامه وإفراد كل من تراجم الرواة بالكلام، وبيان الأنساب واللغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الحديث والأسئلة والأجوبة إلى غير ذلك، يقول: "وقد حكي أن بعض الفضلاء ذكر للحافظ ابن حجر ترجيح شرح العيني بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهةً: "هذا شيء نقله من شرح لركن الدين -يعني أحمد بن محمد القريني هذا له شرح على البخاري، قطعة، شرح أوائل البخاري وجد فيها مثل هذا الترتيب وهذا التنظيم، والكلام على الحديث من حيث اللغة والإعرابات والبيان والمعاني والبديع إلى غير ذلك، يقول: "هذا شيء نقله من شرحٍ لركن الدين، وكنت -يقول الحافظ- قد وقفت عليه قبله، ولكن تركت النقل عنه؛ لكونه لم يتم، إنما كتبت منه قطعة وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال"، يقول: إن أردت الاستمرار في هذا الترتيب لا شك أنه متعب، متعب جدًا، الاسترسال في بيان ما في كل حديث من هذه المباحث متعب، يقول: "وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا المهيع، ولذا لم يتكلم البدر العيني بعد تلك القطعة بشيءٍ من ذلك"، هذا الترتيب البديع الذي مشى عليه شيء يسير بالنسبة لعمدة القاري، يعني مشى فيه قرابة جزأين من الخمسة والعشرين، ممكن أن نقول: عشر الكتاب أو أقل، ثم بعد ذلك ترك كثير من هذه المباحث، نعم مشى على الترتيب، يمشي على تراجم الرواة، والرابط والاستنباط والأسئلة والأجوبة؛ لكن ما يتعلق بغرائب اللغة من النقول وما يتعلق به البيان والبديع وغير ذلك لما انتهى شرح ركن الدين انتهى العيني من ذلك.
[ ٢ / ٢٥ ]
ولا شك أن شرح العيني شرح موسع ومطول، وشرح حافل لا سيما في ثلثه الأول، والسبب في ذلكم أنه لم يفرق شرح الأحاديث على المواضع المتعددة، ويتحدث عن كل حديث في الموضع المناسب له، لا، أجلب بكل ما عنده في أول الكتاب، ثم في النهاية اختصر جدًا، ميزة فتح الباري كما ذكرنا سابقًا التوازن في الشرح، حيث شرح آخر حديث في الكتاب بنفس المنهج والطريقة التي سار عليها في أوله، ثم بعد ذلكم العيني كما هو معروف حنفي المذهب، يتعصب لمذهبه، وهذا مما يحط من قيمة الكتاب، وابن حجر وإن كان شافعيًا إلا أنه قد يخرج عن مذهبه لموافقة الحديث على أن المخالفة بين الكتاب المشروح، أحاديث الكتاب المشروح وبين مذهب الشافعي ليست كبيرة، بينهما تقارب كثير، ولذا لا يظهر التعصب بالنسبة لمن شرح الكتاب حينما يكون شافعيًا أو يكون حنبليًا مثلًا، لكن حينما يكون الشارح حنفي، وكثير من الكتاب من أحاديث الكتاب تخالف مذهبه، الفجوة كبيرة، بخلاف الهوة التي بين الأحاديث التي في الصحيح وبين مذهب الحنابلة مثلًا أو مذهب الشافعية، الكرماني وابن حجر في مواضع ذكروا أن البخاري إذا قال: قال بعض الناس فمراده الحنفية، هذا يدل على أن فيه اختلاف كبير بين الإمام البخاري وبين مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-.
طالب:. . . . . . . . .
كلاهما، الكرماني (٢٤، ٦٦) وفتح الباري (١٢، ٣٢٠) وغيرهم، يقولون: إذا قال البخاري: قال بعض الناس فمراده الحنفية، هذا يبين لنا سبب ظهور التعصب في شرح العيني وخفاؤه في شرح ابن حجر، هذا الأمر ينبغي أن يتنبه له، يقال: يحمل النصوص على غير مراد مؤلفها؟ نعم فرق كبير بين ما يراه البخاري واختياراته ومذهب أبي حنيفة -﵀-، لا شك أن مذهب أبي حنيفة مذهب متبوع، وله أصوله من الكتاب والسنة، نعم يختلفون في بعض الأصول؛ لكن القدر المشترك من الأصول والأقطاب التي يعتمد عليها في الاستنباط والاستدلال متقارب؛ لكن بعض الأصول التي يعتمدها الحنفية قد توجد بعض الفجوة بينهم وبين غيرهم.
[ ٢ / ٢٦ ]
العيني يقصد في نقوله عن الحافظ هو لا يسميه، يبهمه، قال بعضهم، قال بعض الشراح، زعم بعضهم، ثم يتعقبه في مواطن كثيرة جدًا، الكتاب مملوء من النقول عن ابن حجر والتعقبات والاستدراكات عليه، أجاب الحافظ ابن حجر عن هذه الاعتراضات وهذه الانتقادات بكتابٍ أسماه (انتقاض الاعتراض) وهو مطبوع في مجلدين، قال القسطلاني: "لكنه لم يجب عن أكثرها، ولعله كان يكتب الاعتراضات ويبيض لها ليجيب عنها فاخترمته المنية"، وله أيضًا -أي لابن حجر- (الاستنصار على الطاعن المعثار) وهو صورة فتيا عما وقع في خطبة شرح البخاري للعيني.
أيضًا هناك كتاب وهو نفيس ومؤلفه متأخر اسمه عبد الرحمن البوصيري المتوفى سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمائة وألف، اسمه (مبتكرات اللآلئ والدرر في المحاكمة بين العيني وابن حجر) مجلد واحد، يذكر قول ابن حجر ثم يذكر رد العيني واعتراضه، ثم يحكم بما يراه صوابًا، والكتاب جيدًا، إلا أن الموضوع نفسه يحتمل أكثر من ذلك، يعني ثلاثمائة وثلاث وأربعين محاكمة بينهما في هذا الكتاب، والمحاكمات أكثر من ذلك، فيحتاج إلى تكميل وتتميم.
شرح القسطلاني (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري):
بقي عندنا شرح من أهم الشروح وهو (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري) مؤلفه أحمد بن محمد بن أبي بكر شهاب الدين القسطلاني الشافعي المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، شرح كبير ممزوج، يعني شرح تحليلي في عشرة مجلدات كبار، افتتحه -﵀- بمقدمة تتضمن فصولًا:
الفصل الأول: في فضيلة أهل الحديث وشرفه في القديم والحديث.
الفصل الثاني: في ذكر أول من دوّن الحديث والسنن، ومن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السنن.
الفصل الثالث: في ذكر نبذة لطيفة جامعة لفرائد فوائد مصطلح الحديث عن أهله وتقسيم أنواعه.
الفصل الرابع: فيما يتعلق بالبخاري وصحيحه من تقرير شرطه وتحريره وضبطه وترجيحه على غيره. الفصل الخامس: في ذكر نسب البخاري ونسبته ومولده، وبدء أمره ونشأته وطلبه للعلم، ثم بعد ذلكم ذكر رواة الجامع الصحيح، وهو مرجع حقيقةً في ذكر الرواة وضبطهم وتشعب رواياتهم، ثم ذكر شروح الجامع الصحيح.
[ ٢ / ٢٧ ]
من منهج القسطلاني -﵀- في كتابه هذا العناية بتراجم الرواة، وضبط أسماءهم وكناهم وأنسابهم باختصار، يعني ما يفعل مثل ما يفعله غيره من إطالة كالعيني أو غيره أو النووي، لا، كل هذا باختصار، ويكرر ذلك في كل موضع، نعم الاختصار يزيد كلما زاد التكرار؛ لكنه يهتم بهذا، يعتني بذلك عناية فائقة، ولذا الذي يقرأ هذا الشرح لن ينتهي منه حتى يتقن الرواة إتقانًا لا مزيد عليه، فينصح بقراءة هذا الكتاب، ثانيًا: العناية بذكر فروق الروايات بدقة، معتمدًا في ذلك على اليونيني فلا يترك فرقًا إلا ويشير إليه سواء كان ذلك في الأسانيد وصيغ الأداء أو المتون، وسواء كان الفرق مما يترتب عليه فائدة أم لا.
ثالثًا: يشرح الغريب من الألفاظ فالكتاب حقيقته شرح تحليلي، يعني يمكن أن يستغنى به عن غيره، ولا يستغنى بغيره عنه، يعني قد يعوزك شرح كلمة أردتها من شرح العيني أو شرح ابن حجر؛ لكن لا يمكن أن يعوزك شيء قد تتطلب مزيد إيضاح؛ لكن لا بد أن يتكلم عليها؛ لأنه اعتمد تحليل كل كلمة، يذكر في ثنايا الشرح ما في الكلمة من اختلاف من حيث المعنى والإعراب وغير ذلك، يعنى بالتوفيق بين الأحاديث المتعارضة باختصار، يعنى بالاستنباط من الأحاديث وذكر المذاهب من غير إطالة، يخرج الحديث من المصادر المعتمدة في نهاية الشرح، ويذكر مواضع الحديث من الصحيح، يعنى بذكر لطائف الإسناد، يعتمد في كثيرٍ من بحوثه على الشروح السابقة كالكرماني والعيني وابن حجر فهو ملخص لهذه الكتب، هو فيه جمع لهذه الكتب لا سيما الشرحين الكبيرين، العيني وابن حجر، خلاصة لهذين الشرحين.
[ ٢ / ٢٨ ]
مذهبه في مسائل العقيدة التأويل غالبًا على طريقة المتأخرين من الأشاعرة، في صفحة (٩٦) قال: "والذي نفسي بيده أي بقدرته أو هو من المتشابه المفوض علمه إلى الله، والأول أعلم والثاني أسلم" هذه مقالة كثير ممن ينتسب إلى علم الكلام أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكن هذا الكلام ليس بصحيح لأن الأحكم هو الأسلم، كل هذا على سبيل الاختصار والمقام يقتضي بسط أكثر من هذا لا سيما في هذه الكتب، لا سيما في الأخير منها، الأخير منها يحتاج إلى كشف وإشهار بين طلبة العلم؛ لأنه كتاب يكاد يكون مجهول عند كثير من الطلبة؛ ولأهميته طبع الكتاب أضعاف مضاعفة عما طبع غيره، يعني الكتاب طبع في بولاق سبع مرات، بينما العيني ما طبع ولا مرة في بولاق، فتح الباري طبع مرة واحدة، لكن إرشاد الساري طبع سبع مرات، وفي الميمنية طبع مرتين، وغير ذلك من الطبعات، طبعات كثيرة لهذا الكتاب لأهميته، ومثل ما ذكرت المقام يحتمل أطول من ذلك؛ لكن ضيق الوقت يجعلنا نختصر هذا الاختصار الشديد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
السائل يقول: هل صحيح أن الحافظ لا يعتني بالأبواب التي اعتمدها البخاري؟
الحافظ يشرح كلام البخاري، الحافظ -﵀- يشرح كلام البخاري، البخاري وضع التراجم بنفسه فليس للحافظ أن يغير أو يعدل خلافًا لشراح مسلم نظرًا لكون صحيح مسلم خلا عن التراجم، كل شارح من الشراح له اجتهاد في هذه التراجم، أما الحافظ فقد اقتفى أثر البخاري بتراجمه.
يقول: لا يعتني بالأبواب التي اعتنى بها البخاري؟
هذا الكلام ليس بصحيح، نعم قد يوجد في المتن المطبوع مع الفتح كما نبهنا بالأمس ترجمة هي غير موجودة بالراوية التي اعتمدها الحافظ أو العكس يوجد في الرواية التي اعتمدها الحافظ ترجمة لا توجد في الطبعة التي أقحمها طابع الكتاب، فيمكن من هذه الحيثية يوجد اختلاف بين المتن المطبوع مع الفتح، وبين الفتح نفسه.
يقول: كلام ركيك لكن مفاده يقول: هل علم ابن حجر أن بدر العيني ينقل عنه؟
[ ٢ / ٢٩ ]
نعم، العيني ينقل عن ابن حجر على علمٍ منه، فكان يستعير الكتاب كل ما صدر منه مجلد استعاره من البرهان بن خضر برضا الحافظ -رحمه الله تعالى-، واطلع الحافظ -﵀- على انتقادات العيني وأجاب عنها في كتابٍ سماه (انتقاض الاعتراض) وأحضرناه بالأمس، وتكلمنا عنه.
يقول: ما هي الطريقة المناسبة في قراءة فتح الباري شرح صحيح البخاري؟
الطريقة المناسبة أن يختار له وقت مناسب، وأن يعتنى بالمتن أولًا ويكرر، ويحاول الطالب فهم المتن ويشرحه من تلقاء نفسه، ثم يراجع عليه الشرح لينظر هل فهمه للحديث ولعلاقة الحديث بالترجمة صحيح؟ مطابق لفهم الحافظ أو أنه أبعد النجعة في الربط بينهما وفي فهم الحديث؟ وهكذا في سائر المتون، ينبغي أن يعتني الطالب أولًا بالمتون فيحفظها إن كانت مما يستحق الحفظ، ثم يحاول أن يفهم هذا المتن، ويشرح المتن ويعلق عليه من تلقاء نفسه، ثم يراجع عليه الشروح لينظر مدى مطابقة فهمه لفهم أهل العلم.
يقول: هل تنصحون بحفظ صحيح البخاري وهو لم يحفظ عمدة الأحكام وبلوغ المرام؟
معروف أن التدرج في العلوم أمر مطلوب، فيبدأ بحفظ الأربعين ثم العمدة ثم البلوغ ثم ما شاء من الكتب، ثم إذا بدأ بصحيح البخاري كان أفضل؛ لأنه العمدة في هذا الباب، وما عداه كالمستخرجات عليه.
يقول: هناك كتاب لأحد مشايخ الهند عن إحالات ابن حجر في الفتح؟
ذكر لكنه لم يستوعب، طبع في –أظن- تحفة القاري أو ما أشبه ذلك مجلد لطيف؛ لكنه لم يستوعب، هو كتاب جيد في الجملة إلا أنه مثل ما ذكرت.
يقول: ما هي المتون التي ينصح بها طالب العلم المبتدي، وكذلك ما هي أهم الشروح المختصرة التي يستفيد منها طالب العلم المبتدئ؟
أولًا: المتون التي ينصح بها الطالب المبتدي، صغار العلم كما يقول أهل العلم المتون المختصرة جدًا في كل فن من الفنون، ثم يترقى ويتدرج إلى ما هو أكبر منه، كما هو معروف عند أهل العلم.
يقول: ذكرت بالأمس أن كتاب الكرماني بالراء وكسر الكاف كتاب جيد وممتع لكن ذكرت عن منهجه أنه منهج الأشاعرة، هل من توجيهٍ حول ذلك؟
[ ٢ / ٣٠ ]
نعم يستفاد من الكتاب فيما يفيده وفيما يعتني به، ولو اقتصرنا على الكتب السالمة الخالية من جميع الملاحظات ما صفى لنا إلا الشيء اليسير، سواء في كتب التفاسير أو شروح الحديث، نعم يصفو لنا تفسير الطبري، تفسير البغوي، تفسير ابن كثير؛ لكن بقية الكتب لا تسلم إلا في القليل النادر، الشروح أيضًا إن صفى لنا شرح ابن رجب ما صفا لنا غيره، كلها فيها ملاحظات، ويأتي في شروح مسلم بيان ذلك وتقريره.
يقول: لو ذكرتم أي طبعةٍ لصحيح البخاري توافق شرح الحافظ بن حجر في الفتح؟
الرواية الموافقة لشرح ابن حجر هي رواية أبي ذر الهروي؛ لأن الحافظ اعتمدها وأشار إلى ما سواها عند الحاجة، والرواية هذه لم تطبع بكاملها الآن، لكن طبعة بولاق التي اعتنى بها وبإثبات فروقها الحافظ اليونيني مناسبة إلى حدٍ كبير، يعني مع ما في حواشيها.
ودرس اليوم عن صحيح مسلم وشروحه، وإن كان الوقت لا يفي ولا يكفي، إلا أنه لا بد أن ننهي ما يتعلق بصحيح مسلم اليوم.
طالب:. . . . . . . . .
هو يعزو كثيرًا، وابن الملقن له شرح على البخاري أيضًا.
طالب:. . . . . . . . .
طريقتهم العلم إذا كان مشتهر ومستفيض لا ينسب، المسائل كما ذكر النووي وغيره أن المسائل المشتهرة المستفيضة وإن نقلت عن شخص لا تنسب؛ لأن العلم ليس بملكٍ لأحد، نعم ما يستغرب من الكلام وما ينتقى من أبكار الأفكار ينسب لقائله، الحافظ مشحون بالعزو.
صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين، ثاني كتب السنة بعد صحيح البخاري عند جمهور العلماء، وأشرنا سابقًا إلى أن من أهل العلم من فضله على البخاري، لكنه قول ضعيف، ووجوه الترجيح بينهما تؤخذ من مظانها، وهي كثيرة، إن كان وجه التفضيل كما قال بعض المغاربة أنه ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد فهذا صحيح، يعني ما فيه معلقات إلا نادرًا، معلقاته أربعة عشر حديثًا، حذف الواسطة بينه وبين راويها، وهذه المعلقات كلها موصولة في الصحيح نفسه إلا واحد موصول في صحيح البخاري، أيضًا الآثار والأخبار الموقوفة والمقطوعة عن الصحابة والتابعين نادرة جدًا، وإلا موجودة؛ لكنها نادرة ليست بنفس النسبة التي توجد في صحيح البخاري، إذا كان هذا المقصود هذا وجه الترجيح، فلا بأس هذا كلام صحيح
[ ٢ / ٣١ ]