المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
«ونشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين» (١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوْتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ﴾.
آل عمران: ١٠٢.
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُوْنَ بهِ وَالأَرْحَامِ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبًا﴾. النساء: ١.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُوْلُوا قَوْلًا سَدِيْدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا﴾. الأحزاب: ٧٠ - ٧١.
أما بعد:
فقد اصطفى الله تعالى هذه الأمة، وشرّفها إذ اختار لها هذا الدين القويم، وجعل أساسها المشيد وركنها الركين «كتابه العزيز»، وهيَّأ هذه الأمة لتضطلع بتلك المهمة، ألا وهي حفظ هذا الكتاب الذي تعهد الله ﵎ سلفًا بحفظه، فقال:
﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. الحجر: ٩، فرزقها جودة الفهم وقوة الحافظة، ووفور الذهن، فلم يتمكن أحد - بحمد الله - من أن يجرأ فيزيد أو ينقص حرفًا أو حركةً منه.
_________________
(١) من مقدمة زاد المعاد ١/ ٣٤ للعلامة ابن القيم.
[ ٥ ]
ولما تعهَّد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، كان مما احتواه هذا العهد ضمنًا حفظ سنة رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك حفظ أحاديث المصطفى - ﷺ - بأسانيدها فكان الإسناد أحد الخصائص التي اختص الله تعالى بها أمة صفيِّه - ﷺ -.
ولقد أدرك الصدر الأول أهمية ذلك، فروى الإمام مسلم (١) وغيره عن محمد ابن سيرين أنه قَالَ: «إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم» وروى (٢) عنه أنه قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».
ومن ثَمَّ افتقر الأمر إلى معرفة ضبط الراوي وصدقه، فكانت الحاجة ماسة إلى استكمال هذا الأمر، فكان نشوء «علم الجرح والتعديل» أو «علم الرجال».
وعلى الرغم من أن هذا العلم لم يكن فجائي الظهور، إلا أنه لا مناص من القول بأنه كان مبكر الظهور جدًا، وينجلي ذلك مما نقلناه سالفًا عن ابن سيرين، وقد كان المسلمون مطمئنين إلى أن الله تعالى يهيئ لهذا الأمر من يقوم به ويتحمل أعباء هذه المهمة الجسيمة، فقد أسند ابن عدي في مقدمة " الكامل " (٣)، وابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " (٤) أنه قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فَقَالَ: تعيش لها الجهابذة، ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾.
وعلم الحديث دراية ورواية من أشرف العلوم وأجلِّها، بل هو أجلها عَلَى الإطلاق بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعضه يستقل بالتشريع، وكثير منه شارح لكتاب الله تَعَالَى مبين له قال تَعَالَى: ﴿وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥) وعلم الحديث تتفرع تحته علوم كثيرة ومن تلك العلوم: علم مصطلح الحديث وهو العلم الذي
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٤ طبعة عبد الباقي.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٥.
(٣) ١/ ١٩٢.
(٤) ١/ ٤٦.
(٥) النحل: ٤٤
[ ٦ ]
يكشف عن مصطلحات المحدِّثين التي يتداولونها في مصنفاتهم ودروسهم، وكتاب ابن الصلاح هذا كان واحدًا من أحسن الكُتُب التي أُلِّفَتْ في علم مصطلح الحديث. قال الحافظ العراقي: «أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح» (١)، وربما كان ذَلِكَ لما حبا الله به ابن الصلاح من فطنة عالية، وجودة ذهن، وحسن قريحة، وسلاسة أسلوب، واستفادته من لَمِّ شتات كتب من سبقه بهذا الباب، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «من أول من صنف في ذَلِكَ (٢) القاضي أبو مُحَمَّد الرامهرمزي كتابه " الْمُحَدِّث الفاصل " لكنه لَمْ يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، لكنه لَمْ يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، فعمل عَلَى كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء للمتعقب. ثُمَّ جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، فصنف في قوانين الرواية كتابًا سماه " الجامع لآداب الشَّيْخ والسامع ، ثُمَّ جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب: فجمع القاضي عياضٌ كتابًا لطيفًا سماه " الإلماع " وأبو حفص الميانجي جزءًا سماه " مالايسع الْمُحَدِّث جهله " وأمثال ذَلِكَ من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمان الشهرزوري نزيل دمشق - فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية - كتابه المشهور، فهذَّب فنونه وأملاه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لَمْ يحصل ترتيبه عَلَى الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع شتات مقاصدها وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر» (٣).
ونحن نكتفي بقول الحافظ ابن حجر عن سوق أقوال أئمة آخرين في بيان أهمية وجودة هذا الكتاب، وعَلَى الرغم من نفاسة هذا الكتاب وأهميته البالغة فإنه لم يطبع
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ١١.
(٢) يعني: المصطلح.
(٣) نزهة النظر: ٤٦ - ٥١، تحقيق: علي الحلبي.
[ ٧ ]
طبعة علمية محققة تتجلى من خلالها نصوص الكتاب، وتضبط بالشكل، ويتكلم في إيضاح مسائله وغوامضه والتنكيت والتعقيب على بعض ما انتقد عَلَى المصنف. من هنا شمّرنا عن ساعد الجدِّ في تحقيق نص الكتاب وضبطه وضبط نص الكتاب عَلَى ثلاث نسخ خطية مع الإفادة من الطبعات المتداولة، وكان من أفضل الطبعات السابقة لهذا الكتاب:
أولًا: طبعة الدكتور الفاضل نور الدين عتر: سنة ١٩٦٦، نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، وهي طبعة جيدة قياسًا عَلَى سوابقها، لكن مع الجهد الذي قام به الدكتور الفاضل إلاَّ أنَّهُ حصل في نشرته بعض سقط وزيادات وتصحيفات وراجع عَلَى سبيل المثال تعليقنا على الصفحات الآتية:
٧١، ٧٣، ٧٤، ٧٦، ٩٥، ٢٣٢، ٢٤٤، ٢٥٠، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٧١، ٢٨٦، ٢٩٠، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣١٣، ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣١، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٧، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٧، ٣٥١، ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٦٧، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٥، ٤٠١.
ثانيًا: طبعة الدكتورة الفاضلة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ): فقد حققت الدكتورة الفاضلة عائشة كتاب "محاسن الاصطلاح" للبلقيني سنة ١٩٧٤ م، وطبعت معه كتاب "معرفة أنواع علم الحديث" لابن الصلاح، وجعلته متنًا في الأعلى وجعلت المحاسن في الحاشية، وهذه الطبعة دون الطبعة السابقة، وقد حصل فيها كسابقتها بعض سقط وتصحيف وزيادات، راجع على سبيل المثال الصفحات الآتية:
٧١، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٢، ٨٥، ٨٧، ٩٧، ٢٤٢، ٢٤٦، ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٦٢، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٧١، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٧، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣١١، ٣١٢، ٣١٤، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٢، ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣٢، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٤٥، ٣٤٨، ٣٥٢، ٣٦٢، ٣٦٥، ٣٦٧، ٣٦٩، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٥، ٣٧٧، ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٨٩، ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠١، ٤٠٩.
[ ٨ ]
كان هذا وأمثاله هو الدافع الوحيد الذي جعلنا نعيد تحقيق الكتاب عَلَى أحسن الطرق العصرية في تحقيق النص وضبطه مزدانًا بالشكل التام للكلمات مع التخريج الوافر والتعليق النافع مع تتبع من عقَّب ونكَّت على ابن الصلاح، بالإضافة إلى تحلية الكتاب بالفهارس المتنوعة المتقنة.
وقد رأينا أن نقدَّم لهذا الكتاب بدراسة متوسطة دالة على سيرة ابن الصلاح ومنهجه في هذا الكتاب، وقد جعلناها في أربعة فصول:
تكلمنا في الفصل الأول عن سيرته، وتناولنا في الفصل الثاني ثقافته، وذكرنا في الفصل الثالث دراسة وافية عن الكتاب، وختمناه بالفصل الرابع الذي تكلمنا فيه عن تحقيق الكتاب والمنهج الذي سرنا عليه.
وبعد:
فهذا كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " لابن الصلاح، نقدمه لمحبي المصطفى - ﷺ - السائرين على هديه الراجين شفاعته يوم القيامة، قد خدمناه الخدمة التي توازي تعلقنا بسيدنا المصطفى - ﷺ -، بذلنا فيه ما وسعنا من جهد ومال ووقت، ولم نبخل عليه
بشيء، وكان الوقت الذي قضّيناه فيه كله مباركًا.
وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
المحققان
١/ ٩ / ٢٠٠١
[ ٩ ]
الفصل الأول: سيرته
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته
هو تقي الدين أبو عمرو عثمان بن صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمان بن عثمان ابن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشرخاني الشهرزوري الأصل، الموصلي النشأة، الدمشقي الموطن والوفاة، الشافعي المذهب (١).
والنَّصْري: بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة أيضًا؛ نسبة إلى جدِّه «أبي نصر» (٢).
والشَّرَخاني: بفتح الشين المعجمة والراء المهملة والخاء المعجمة؛ نسبة إلى
«شرخان» قرية من قرى شهرزور (٣).
والشَّهْرَزُوري: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء وضم الزاي وسكون الواو وفي آخرها راء مهملة. وهي كورة واسعة بين إربل وهمدان، تنسب إلى بانيها
(زور بن الضحاك) (٤).
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، والعبر ٥/ ١٧٧، ومرآة الجنان ٤/ ٨٤ - ٨٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، وطبقات الحفاظ: ٤٩٩، والدارس ١/ ١٦، وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٧٧، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢٠، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢١، والأعلام ٤/ ٤٠٧.
(٢) انظر: اللباب ٣/ ٣١١، ووفيات الأعيان ٣/ ٢٤٥.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٥.
(٤) انظر: اللباب ٢/ ٢١٦، ومعجم البلدان ٣/ ٣٧٥، ومراصد الاطلاع ٢/ ٨٢٢.
[ ١١ ]
المبحث الثاني: مولده
اتفق كل مَنْ ترجم لابن الصلاح على أن مولده كان سنة (٥٧٧ هـ) (١)، لا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف كان في مكان ولادته، فالجمهور على أن ولادته كانت في مدينة «شهرزور» (٢).
وانفرد تلميذه ابن خلّكان (٣) بالقول أن مولده كان في «شرخان»، وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف ليس بذي بالٍ في إظهار خلافٍ ما، إلاَّ أن هذا الاختلاف - على تقدير وجوده - لا يلبث أن يزول إذا ما علمنا أن «شرخان» قرية تابعة إلى «شهرزور»، فمَنْ نَسَبَ إلى الأول فقد دقق، ومَنْ نَسَبَ إلى الثاني فقد اكتفى بذكر القطر الأعم، والله أعلم.
المبحث الثالث: أسرته ونشأته وطلبه للعلم
لَمْ توفّر المصادر التي بين أيادينا مادة علمية عن أفراد أسرة مترجمنا، بل قصارى ما عرفناه عنهم: ما كان يتبؤه والده من المكانة الاجتماعية والمركز العلمي المرموق. ولا ضير في أن نتعرض لترجمة مقتضبة لوالده فنقول: لَمْ يكن والده صلاح الدين أبو القاسم عبد الرحمان يعرف تاريخ مولده على وجه الدقة، بل كان يخمن أنه ولد سنة
(٥٣٩ هـ) (٤)، وطلب العلم لاسيما الفقه، وبرع فيه حتَّى «كان من جلة مشايخ
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٢٤، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، والعبر ٥/ ١٧٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، والدارس ١/ ١٦، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢١.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤، وتابعه الزركلي في الأعلام ٤/ ٢٠٧.
(٤) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ١٢ ]
الأكراد المشار إليهم» (١)، ومن ثَمَّ تقلبت به صروف الدهر ما بين موطنه والموصل، حتَّى استقر به الأمر في حلب (٢)، فتولَّى هناك التدريس في المدرسة الأسدية (٣)، حَتَّى تُوفِّي بحلب في ذي القعدة سنة (٦١٨هـ) (٤).
ولقد رعى الوالد ولده وأحسن تربيته، فلقَّن ابنه - الذي ظهرت عليه مخايل النباهة وعلوُّ الهمة وعظيم النشاط - الفقه، ومما يدل على ذلك ما روي عنه أنه أعاد قراءة كتاب " المهذب " على والده أكثر من مرة ولم يختط شاربه بعد (٥).
والذي يبدو لنا: أن الوالد لما أحسَّ بنهم ولده للعلم، اكتفى بأن أعطاه مبادئ العلوم الأولية، ومن ثم ترك لولده مهمة اختيار طبيعة دروسه، فلم يهمل الولد تنويع مصادر معرفته، فطلب على مشايخ بلده الذين كان غالبهم من الأكراد (٦).
وبعد أن أدرك أبو القاسم أن تطلّعات ولده تسمو به عن أن يفي بها معلمو قريته الصغيرة، فسافر به إلى مدينة الموصل (٧) - إحدى أكبر حواضر الإسلام - ولم يطل المقام به كثيرًا فيها (٨)، فما هو إلاَّ أن اشتدَّ عوده وقوي على تحمّل أعباء الحياة، حَتَّى يمَّم وجهه صوب قبلة العلم وجوهرة الشرق دار السلام "بغداد" (٩)، التي كانت آنذاك تعجّ بمظاهر العِلْم، وصنوف أرباب المعرفة وطلابهم، فوردها تقي الدين وسمع بها من جملة من
_________________
(١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣.
(٢) انظر: تاريخ الإسلام وفيات (٦١٨ هـ) ص: ٣٦٤، الترجمة (٥٣٢).
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٤٨. وهذه المدرسة منسوبة إلى بانيها أسد الدين شيركوه بن شاذي. ولم يبقَ منها اليوم سوى قبلتها وقبة، وقد رمّمت فيها سنة (١٣١٦هـ) ثماني حجرات. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وخطط الشام ٦/ ١٠٤.
(٤) انظر: تاريخ الإسلام وفيات (٦١٨ هـ)، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٤٨.
(٥) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣.
(٦) انظر: مقدمتنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١.
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠.
(٨) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٩) انظر: الدارس ١/ ١٦، وتاريخ علماء بغداد: ١٤٠.
[ ١٣ ]
المشايخ (١)، ثُمَّ بعد أن أحسَّ أن الرحلة سنة من يطلب هذا الشأن (الحديث)، شدَّ رحاله إلى بلاد العجم، ولزم فيها الإمام الرافعي (٢) وبه تفقه وبرع في مذهب الشافعي (٣).
ثُمَّ أجاب أبو عمرو داعي العلم في خراسان حيث الأسانيد العالية التي يرغب فيها أهل الحديث، فدخل نيسابور، ومرو، وهمذان، إلاَّ أن أبرز مَنْ لَقِيَ من المشايخ هناك: الإمام أبا الْمُظَفَّر السمعاني (٤)، وبعد أن سمع وحصّل «الكثير بالموصل وبغداد ودنيسر (٥) ونيسابور ومرو وهمذان ودمشق وحران» (٦)، وتأهّل لأن يكون إمامًا يشار إليه بالبنان. عاد أدراجه بعد رحلة طويلة جال فيها أهم مراكز العلم في بلاد المشرق الإسلامي، فدخل دمشق وقد ناهز السادسة والثلاثين من عمره الذي كانت عدد سنواته (ستة وستين عامًا)، وكان ذلك في حوالي سنة (٦١٣ هـ) (٧).
ثُمَّ قصد القدس فأقام بها (٨)، ودرَّس في المدرسة الصلاحية وتسمى الناصرية أيضًا (٩)، ثُمَّ لما أمر الملك المعظم بهدم سور القدس (١٠)، نزح إلى دمشق مستقرًّا بها (١١)، وذلك في حدود سنة (٦٣٠ هـ) (١٢).
ولا نُغْفِل أن أبا عمرٍو سافر إلى الحرمين حاجًّا، - قَبْلَ استقراره في دمشق وبعدها - وهو لَمْ يعدم في سفرته هذه علمًا يضيفه إلى مخزون علمه (١٣).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٢) ستأتي ترجمته في مبحث: شيوخه.
(٣) انظر: طبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢١.
(٤) ستأتي ترجمته في مبحث: شيوخه.
(٥) بضم أوله: بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة، وتدعى: قوج حصار. معجم البلدان ٢/ ٤٧٨.
(٦) طبقات الشافعية للإسنوي: ٢/ ١١٣.
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٢.
(٨) انظر: الأنس الجليل ٢/ ١٠٤.
(٩) انظر: مرآة الجنان ٤/ ٨٥، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢.
(١٠) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(١١) انظر: شذرات الذهب ٥/ ٢٢١.
(١٢) انظر: طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣.
(١٣) انظر: مقدمتنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢.
[ ١٤ ]
المبحث الرابع: وفاته
بعد ستة وستين من الأعوام، جاءت سكرة الموت بالحق، فاختار الله تعالى ابن الصلاح إلى جواره الكريم، ففاضت روحه في صباح (١) يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر (٢).
وقيل: ستة وعشرون (٣)، في حين اكتفى بعض المؤرخين بذكر الشهر من غير تعيين يوم منه (٤).
وعلى كل التقديرات فإنهم متّفقون على أن وفاته كانت سنة (٦٤٣ هـ) (٥)، وكثر التأسف عليه وحمل نعشه على رؤوس الناس، وازدحم على سريره الخلق، وكان على جنازته هيبة وخشوع، فَصُلِّي عليه بجامع دمشق بعد الظهر، وشُيِّع إلى داخل باب الفرج وصُلِّي عليه هناك ثانية، ولم يقدر الناس على الخروج لدفنه؛ لأن دمشق كانت محاصرة من الخوارزمية (٦)، وَلَمْ يخرج مَعَهُ إلاَّ نحو عشرة أَنْفُس مخاطرين حَتَّى دفنوه في مقابر الصوفية خارج باب النصر (٧)، فرحمه الله (٨).
_________________
(١) وقال الذهبي: «في السحر». سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٣، وقال ابن كثير: «ليلة الأربعاء». البداية والنهاية ١٣/ ١٤٢.
(٢) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣١، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٧، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٤، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢، وطبقات الحفاظ: ٥٠٣، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢١، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢٢.
(٣) انظر: الذيل على الروضتين: ١٧٥، والعبر ٥/ ١٧٨، والدارس ١/ ١٧.
(٤) انظر: مرآة الجنان ٤/ ٨٥، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١١٥، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤.
(٥) انظر: المصادر السابقة جميعها.
(٦) هم أقوام ينسبون إلى «خوارزم»، وهي سلطنة نشأة في القرون الوسطى، وكان دخولهم إلى الإسلام بواسطة السلاجقة الأتراك، وقد استعان بهم الملك الصالح أيوب صاحب مصر لأخذ دمشق من يد عمِّهِ الملك الصالح إسماعيل. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٣، ومرآة الجنان ٤/ ٨٣ - ٨٤.
(٧) قال السبكي: «قبره على الطريق في طرفها الغربي، ظاهر يزار ويتبرك به». طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٨. قال شعيب الأرناؤوط: «وقد درست، وقام مكانها عمائر ومستشفى ومسجد». هامش سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٣.
(٨) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٣، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣١ والعبر ٥/ ١٧٨، ومرآة الجنان ٤/ ٨٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٧، وطبقات الشافعية = =للإسنوي ٢/ ١٣٤، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١١٥، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، وطبقات الحفاظ: ٥٠٣، والدارس ١/ ١٧، وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٧٧، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢١، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢٢، والأعلام ٤/ ٢٠٧.
[ ١٥ ]
الفصل الثاني: ثقافته
المبحث الأول: شيوخه
حرص المترجَم على أن يتلقى العلم من أفواه الرجال على ما جرت به عادة أهل الإسلام، فرحل في سبيل ذلك - كما قدّمنا - إلى كثير من الأقطار، فبعد إقامته بالموصل «دخل بغداد، وطاف البلاد، وسمع من خلق كثير وجمٍّ غفير ببغداد، وهمذان، ونيسابور، ومرو، وحران، وغير ذلك، ودخل الشام مرتين» (١).
لذا رأينا أن نذكرهم على حسب بلدانهم التي سمع فيها منهم المترْجَم:
الموصل:
١. عماد الدين أبو حامد مُحَمَّد بن يونس بن منعة الإربلي ثُمَّ الموصلي الفقيه الشافعي، ت (٦٠٨ هـ) (٢).
٢. أبو جعفر عبيد الله بن أحمد المشهور بـ: ابن السَّمين (٣)، ت (٥٨٨ هـ) (٤)، وهو أقدم شيخ له (٥).
٣. نصر بن سلامة الهيتي (٦).
_________________
(١) مرآة الجنان ٤/ ٨٥ - ٨٦، وانظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١١٣، والدارس ١/ ١٦.
(٢) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، وترجمته في: الكامل لابن الأثير ١٢/ ١٤٣، والتكملة لوفيات النقلة ترجمة (١١٩٨)، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٥٣، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٩٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٤٥، والبداية والنهاية ١٣/ ٦٢.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٢٩.
(٥) انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦.
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦.
[ ١٦ ]
٤. محمود بن علي الموصلي (١).
٥. عبد المحسن بن الطوسي (٢).
٦. أبو الْمُظَفَّر بن البرني (٣).
بغداد:
٧. أبو أحمد ضياء الدين عبد الوهاب بن أبي منصور علي بن عبيد الله بن سكينة البغدادي الصوفي الشافعي (٤)، شيخ الشيوخ الإمام العالم الفقيه المحدِّث الثقة المعمر القدوة الكبير شيخ الإسلام مفخرة العراق، ت (٦٠٧ هـ) (٥).
٨. أبو حفص عمر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن أحمد البغدادي الدارقزي المؤدب المشهور بـ: ابن طَبَرْزَذ (٦) الشَّيْخ المسند الكبير الرحلة، ت (٦٠٧ هـ) (٧).
بلاد العجم:
٩. أبو القاسم عبد الكريم بن أبي الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين الرافعي القزويني (٨) شيخ الشافعية عالم العجم والعرب إمام الدين، ت (٦٢٣ هـ) (٩).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦.
(٢) انظر: المصدرين السابقين.
(٣) انظر: ما سبق.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٥) ترجمته في: الكامل ١٢/ ١٢٢، والتكملة (١١٤٦)، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٥٠٢، والبداية والنهاية ١٣/ ٦١.
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٧) ترجمته في: الكامل ١٢/ ١٢٢، والتكملة (١١٥٨)، ووفيات الأعيان ٣/ ٤٥٢، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٥٠٧، والبداية والنهاية ١٣/ ٦١، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٠١، وشذرات الذهب ٥/ ٢٦.
(٨) انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٢٨٣.
(٩) ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦٤، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٥٢، والعبر ٥/ ٩٤، وفوات الوفيات ٢/ ٧، ومرآة الجنان ٤/ ٤٥، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٦٦.
[ ١٧ ]
مرو:
١٠. أبو الْمُظَفَّر فخر الدين عبد الرحيم بن الحافظ الكبير أبي سعد عبد الكريم بن محمد ابن منصور السمعاني المروزي الشافعي (١) الشَّيْخ الإمام العلاَّمة المفتي المحدِّث،
ت (٦١٧ هـ) أو (٦١٨ هـ) (٢).
١١. محمد بن عمر المسعودي (٣).
١٢. مُحَمَّد بن إسماعيل الموسوي (٤).
١٣. أبو جعفر مُحَمَّد بن مُحَمَّد السنجي (٥).
نيسابور:
١٤. أبو بكر، وأبو الفتح، وأبو القاسم: منصور بن مسند وقته أبي المعالي عبد المنعم ابن المحدِّث أبي البركات عبد الله بن فقيه الحرم أبي عبد الله مُحَمَّد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفراوي ثُمَّ النيسابوري (٦). الشَّيْخ الجليل العدل المسند، ت (٦٠٨ هـ) (٧).
١٥. رضي الدين أبو الحسن المؤيد بن مُحَمَّد بن علي بن حسن الطُّوسي ثُمَّ النيسابوري (٨) الشَّيْخ الإمام المقرئ الْمُعَمَّر مسند خراسان، ت (٦١٧ هـ) (٩).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤ من هذه الطبعة.
(٢) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠٧، والعبر ٥/ ٦٨، وميزان الاعتدال ٢/ ٦٠٦، ولسان الميزان ٤/ ٦، وشذرات الذهب ٥/ ٧٥.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٢، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٢.
(٥) انظر: المصدر السابق.
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠ - ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٧) ترجمته في: التكملة (١٢٠٢)، وتاريخ الإسلام وفيات (٦٠٨)، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٩٤، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٠٤، وشذرات الذهب ٥/ ٣٤.
(٨) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠ - ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، وتاريخ الإسلام وفيات (٦١٧).
(٩) ترجمته في: التكملة (١٧٦٥)، ووفيات الأعيان ٥/ ٣٤٥، وتاريخ الإسلام وفيات
(١٠) ، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠٤ - ١٠٥، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٥١، وشذرات الذهب ٥/ ٧٨.
[ ١٨ ]
١٦. حُرَّة ناز أم المؤيد زينب بنت أبي القاسم عبد الرحمان بن الحسن بن أَحْمَد الجرجانية الأصل النيسابورية الشعرية (١) الشيخة الجليلة مسندة خراسان،
ت (٦١٥ هـ) (٢).
١٧. شهاب الدين أبو بكر القاسم بن الشَّيْخ أبي سعد عبد الله بن الفقيه عمر بن أَحْمَد النيسابوري ابن الصفَّار (٣) الإمام الفقيه الشافعي المسند الجليل مفتي خراسان،
ت (٦١٨ هـ) (٤).
١٨. مُحَمَّد بن الحسن الصرَّام (٥).
١٩. أبو المعالي بن ناصر الأنصاري (٦).
٢٠. إسماعيل بن عثمان بن إسماعيل بن أبي القاسم بن أبي بكر (٧)، أبو النجيب القارئ النيسابوري، ت (٦١٧ هـ) أو (٦١٨ هـ) (٨).
همذان:
٢١. أبو الفضل عبد الرحمان بن عبد الوهاب بن أبي زيد الْمُعَزِّم الهمذاني
الفقيه (٩)، ت (٦٠٩ هـ) (١٠).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٢) ترجمتها في: التكملة (١٦٤٨)، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٤٤، وتاريخ الإسلام وفيات
(٣) ، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٨٥، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٢٦، وشذرات الذهب ٥/ ٦٣.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٥) ترجمته في: التكملة (١٨٦٠)، وتاريخ الإسلام وفيات (٦١٨)، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠٩، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٤٨، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٥٣، وشذرات الذهب ٥/ ٨١ - ٨٢.
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٧) انظر: المصدرين السابقين.
(٨) انظر: المصدرين نفسيهما.
(٩) ترجمته في تاريخ الإسلام وفيات (٦١٧ هـ)، ص: ٢٩٧ - ٢٩٨ الترجمة (٤٣٧).
(١٠) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٧٧.
(١١) ترجمته في: التكملة (١٢٣٦)، وتاريخ الإسلام وفيات (٦٠٩ هـ)، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٠، وشذرات الذهب ٥/ ٣٧.
[ ١٩ ]
حران:
٢٢. أبو مُحَمَّد عبد القادر بن عبد الله بن عبد الرحمان الرُّهاوي الحنبلي السفار (١) الإمام الحافظ المحدِّث الرَّحَّال الجوَّال محدِّث الجزيرة، ت (٦١٢هـ) (٢).
دمشق:
٢٣. فخر الدين أبو منصور عبد الرحمان بن مُحَمَّد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي (٣) بن عساكر، الشَّيْخ الإمام العالم القدوة المفتي شيخ الشافعية، ت (٦٢٠ هـ) (٤).
٢٤. موفق الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن أحمد بن مُحَمَّد بن قدامة المقدسي الجَمَّاعيلي ثُمَّ الدمشقي الصالحي الحنبلي (٥)، الشَّيْخ الإمام القدوة العلاَّمة المجتهد شيخ الإسلام، ت (٦٢٠ هـ) (٦).
٢٥. جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن مُحَمَّد بن أبي الفضل بن علي الأنصاري الدمشقي الشافعي ابن الحرستاني (٧)، الشَّيْخ الإمام العالم المفتي المعمَّر الصالح مسند الشام شيخ الإسلام قاضي القضاة، ت (٦٢٤ هـ) (٨).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٢) ترجمته في: التكملة (١٣٩٩)، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٨٧، وتاريخ الإسلام وفيات (٦١٢ هـ)، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٧١، والبداية والنهاية ١٣/ ٦٩، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٨٢ - ٨٦، وشذرات الذهب ٥/ ٥٠ - ٥١.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٤) ترجمته في: الكامل ١٢/ ١٧٢، والتكملة لوفيات النقلة (١٩٣٥)، ووفيات الأعيان ٣/ ١٣٥، وتاريخ الإسلام وفيات (٦٢٠ هـ)، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٨٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٦٦، والبداية والنهاية ١٣/ ١٠١.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٦) ترجمته في: معجم البلدان ٢/ ١١٣، والتكملة (١٩٤٤)، وتاريخ الإسلام وفيات
(٧) ، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٥، والبداية والنهاية ١٣/ ٩٩، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٣، وشذرات الذهب ٥/ ٨٨.
(٨) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٩) ترجمته في: معجم البلدان ٢/ ٢٤١، والتكملة (١٥٦٨)، وتاريخ الإسلام وفيات
(١٠) ، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٨٠، والبداية والنهاية ١٣/ ٧٨، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٢٠، وشذرات الذهب ٥/ ٦٠.
[ ٢٠ ]
حلب:
٢٦. زين الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرحمان بن عبد الله بن علوان الأسدي الشافعي (١) الشهير بـ: ابن الأستاذ، قاضي حلب. ت (٦٣٥ هـ) (٢). وغيرهم أعرضنا عن ذكرهم اختصارًا للمقام.
المبحث الثاني: تلامذته
ما كاد ابن الصلاح يلقي عصا ترحاله مستقرًا بالقدس أوَّلًا، ثُمَّ دمشق ثانيًا، حَتَّى تقاطر عليه طلبة العلم من كل صوب، يحدوهم أمل أن يفوزوا بالتَّتلمذ على يديه، والاغتراف من معين علمه. وما كان ابن الصلاح ليتمتَّع بهذا الفضل الذي يشهد به العدو قبل الصديق، والفضل ما شهدت به الأعداء - كما يقولون - لولا صفات أهَّلته لأن يكون مَوْئِل الباحثين عن الحقيقة الناشدين عن المعرفة؛ فبات من العسير علينا أن نحصيَ تلامذة إمام بهذا المستوى؛ لذا ارتأينا الاقتصار عَلَى أشهرهم، وهم:
١. شمس الدين أبو العباس أَحْمَد بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي الإربلي الشَّافِعِيّ (٣) قاضي القضاة، ت (٦٨١ هـ) صاحب الكِتَاب المَشْهُوْر
" وفيات الأعيان " (٤).
٢. عبد الرحمان بن نوح بن مُحَمَّد شمس الدين التركماني المقدسي ثُمَّ الدمشقي، أخذ عن ابن الصلاح (٥)، وكان أعرف تلاميذه بمذهب الشافعي، مولده سنة (٥٩٧ هـ)، سمع الكثير من الحديث، ودرَّس بالرواحية، وكان ذا هيبة ووقار وسمت حسن وخشوع، توفي سنة (٦٥٤ هـ)، وكان قد بلغ الخمسة والثمانين عامًا (٦).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٢) ترجمته في: تاريخ الإسلام وفيات (٦٣٥ هـ)، ص: ٢٢٠ - ٢٢١، الترجمة (٣٣٣).
(٣) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣.
(٤) ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٦٦، والبداية والنهاية ١٣/ ٣٨، والنجوم الزاهرة ٧/ ٣٥٣.
(٥) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧١.
(٦) ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٨٨، والبداية والنهاية ١٣/ ١٩٥، والدارس ١/ ٤٩، وشذرات الذهب ٥/ ٢٦٥.
[ ٢١ ]
٣. كمال الدين أبو الفضائل سلار بن الحسن بن عمر الإربلي، أخذ عن ابن الصلاح (١)، قال النووي: «هو شيخنا المجمع على إمامته وجلالته وتقدمه في علم المذهب عَلَى أهل عصره، والمرجع إليه في حلِّ مشكلاته» (٢). كان مفتي الشام، وتوفي سنة (٦٧٠ هـ) عن بضع وستين سنة (٣).
٤. كمال الدين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثُمَّ المقدسي، أخذ العلم عن الفخر بن عساكر ثُمَّ عن ابن الصلاح (٤)، وأعاد بعد ابن الصلاح بالرواحية عشرين سنة، توفي سنة (٦٥٠ هـ)، ودفن إلى جانب ابن الصلاح (٥).
٥. أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر التفليسي الشافعي القاضي، أخذ عن ابن الصلاح (٦)، وسمع الحديث وتفقه في مذهب الشافعي وبرع فيه، ولي قضاء دمشق نيابة، ثُمَّ ترك الشام وتوجه إلى مصر فأدركته المنية هناك سنة (٦٧٢ هـ) (٧).
٦. شمس الدين أحمد بن علي بن الزبير بن سليمان القاضي الجيلي الدمشقي الشافعي الشاهد الصوفي، سمع عَلَى ابن الصلاح (٨)، توفي سنة (٧٢٤ هـ) (٩).
٧. رشيد الدين إسماعيل بن عثمان بن مُحَمَّد بن عبد الكريم الحنفي، المعروف بـ: ابن المعلّم، كَانَ فاضلًا في مذهب الحنفية، سَمِعَ ابن الصَّلاَح (١٠) قَالَ الذهبي: كَانَ ديِّنًا
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣١.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨، وانظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٤٩.
(٣) ترجمته في: العبر ٥/ ٢٩٣، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٤٩، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١٣٢، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨، وشذرات الذهب ٥/ ٣٣١.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٥) ترجمته في: العبر ٥/ ٢٢٧، وطبقات الشافعية الكبرىللإسنوي ١/ ١٤١ - ١٤٢، والبداية والنهاية ١٣/ ٢١٣، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١٠٢.
(٦) انظر: شذرات الذهب ٥/ ٣٣٧.
(٧) ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٠٩، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٦٧، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١٤٣، وشذرات الذهب ٥/ ٣٣٧.
(٨) انظر: الدرر الكامنة ١/ ٢٠٩.
(٩) ترجمته في: الدرر الكامنة ١/ ٢٠٩، وشذرات الذهب ٣/ ٦٣.
(١٠) انظر: الدرر الكامنة ١/ ٤٦٩.
[ ٢٢ ]
مقتصدًا في لباسه متزهِّدًا، غادر دمشق ودخل القاهرة وظل فِيْهَا حَتَّى توفي سنة (٧١٤ هـ) (١).
٨. زين الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فيروز الفارقي خطيب دمشق وشيخ دار الحديث، سمع ابن الصلاح (٢)، قال الذهبي: «كان فصيحًا متقنًا متحرّيًا لديه فضيلة جيدة مع دين وصيانة وقوة في الحق»، توفي سنة (٧٠٣ هـ) (٣).
٩. ناصر الدين مُحَمَّد بن يوسف بن مُحَمَّد بن عبد الله المصري الأصل الدمشقي، المشهور بـ: ابن المهتار، سَمِعَ ابن الصَّلاَح (٤)، توفي سنة (٧١٥ هـ) (٥).
١٠. عماد الدين يَحْيَى بن أَحْمَد بن يوسف بن كامل الحسيني البصروي، سَمِعَ ابن الصَّلاَح (٦)، وكان خيّرًا متواضعًا سنيًّا شافعيًّا، توفي سنة (٧٠٥هـ) (٧). وغيرهم كثير.
المبحث الثالث: نشره للعلم
مرَّ بنا أن ابن الصلاح استوطن أولًا القدس، ومن ثم نزح إلى دمشق متخذًا مِنْهَا مستقرًّا وموطنًا، وكان المترْجَم منذ نعومة أظفاره قد تعوّد الدرس والتدريس، فعندما كان في مقتبل عمره ولا يزال غضّ العود طري البنية، وفي أول سفر له إلى الموصل،
_________________
(١) ترجمته في: الدرر الكامنة ١/ ٤٦٩.
(٢) انظر: الدرر الكامنة ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٣) ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٤٤، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٢١٥، والدرر الكامنة ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وشذرات الذهب ٣/ ٨.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٥) ترجمته في: الدرر الكامنة ٤/ ٣١٣.
(٦) انظر: الدرر الكامنة ٤/ ٤١٣.
(٧) ترجمته في: المصدر السابق.
[ ٢٣ ]
ولاَّه شيخه عماد الدين بن يونس الإعادة في درسه (١)، ثُمَّ لما اشتدّ عوده وصلب وبعد أن جمع شتات العلوم وأصبح علمًا يشار إليه، أسندت إليه مهمة التدريس في المدارس التي كانت بمثابة جامعات تُخَرِّج علماء في مختلف التخصصات، ومن تلك المدارس التي درَّس فيها أبو عمرو هي:
١. المدرسة الصلاحية (٢): وتسمَّى الناصرية أيضًا (٣)، تقع في القدس وتنسب إلى بانيها السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو الْمُظَفَّر يوسف بن أيوب ابن شاذي الدويني الكردي الأصل التكريتي المولد (٤)، وكان إنشاؤها سنة (٥٨٣ هـ) للشافعية، وكانت كنيسة فهدمها وبناها مدرسة (٥)، وهي الآن كنيسة للنصارى (٦).
٢. المدرسة الرواحية (٧): وتنسب إلى بانيها زكي الدين أبي القاسم هبة الله ابن مُحَمَّد بن رواحة الحموي التاجر المعدَّل، ت (٦٢٢ هـ) (٨)، وابن الصلاح أوَّل مَنْ درَّس فيها (٩)، وتقع شرقي مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقه، شمالي جيرون، وغربي الدولعية، وقبلي السيفية الحنبلية (١٠)، وهي الآن دار (١١).
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٢) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤، والدارس ١/ ٢٥١.
(٣) انظر: البداية والنهاية ١٢/ ٢٨٩، وفي المطبوع من شذرات الذهب ٥/ ٢٢١: «النظامية»، وهو خطأ طباعي.
(٤) انظر: العبر ٤/ ٢٧٠.
(٥) انظر: البداية والنهاية ١٢/ ٢٨٩.
(٦) انظر: خطط الشام ٦/ ١٢١.
(٧) انظر: طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والدارس ١/ ٢١.
(٨) انظر: الدارس ١/ ٢٦٥، وترجمته في: العبر ٥/ ٩٢، وتاريخ الإسلام وفيات (٦٢٢ هـ) ص: ١٢٦، الترجمة (١٤٨).
(٩) انظر: طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والدارس ١/ ٢١.
(١٠) انظر: الدارس ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(١١) انظر: خطط الشام ٦/ ٧٩.
[ ٢٤ ]
٣. دار الحديث الأشرفية (١): تقع بجوار باب القلعة الشرقي غربي المدرسة العصرونية وشمالي المدرسة القايمازية (٢)، تنسب إلى بانيها الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل بن أيوب، ت (٦٣٥ هـ)، وافتتحت سنة (٦٣٠هـ)، بعد أن استغرق بناؤها سنتين، ووقف عليها أوقافًا، وأول من ولي مشيختها أبو عمرو بن الصلاح، وبقي فيها ثلاث عشرة سنة (٣)، وهي لا تزال مدرسة حَتَّى اليوم (٤).
٤. مدرسة ست الشام زمرد خاتون (٥): وتسمَّى الشامية الجوَّانية (٦) والشامية الصغرى (٧)، وتقع قبلي المارستان النوري، تنسب إلى منشئتها ست الشام زمرد خاتون بنت نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، ت (٦١٦هـ) (٨)، قال مُحَمَّد كرد علي: «وقد خربت هذه المدرسة ولم يبقَ فيها سوى بابها وواجهتها الحجرية واتخذت دارًا» (٩).
المبحث الرابع: آثاره العلمية
على الرغم من كل الظروف العصيبة والمهمات العديدة التي كانت تقع على عاتق ابن الصلاح؛ فإنه قد ترك لنا ثروة علمية لا يستهان بها، يمكن من خلالها أن نتصور ما كان يتمتع به هذا الإمام من عقلية صلبة وفكر فسيح، خصب الزرع وارق النتاج. ولم يكن لمشاغله المتعددة بَيْنَ تدريس في المدارس الثلاث والإفتاء ومراعاة أحوال الناس عائق
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٢) انظر: الدارس ١/ ١٩.
(٣) انظر: العبر ٥/ ١٧٨، طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والدارس ١/ ٢١.
(٤) انظر: خطط الشام ٦/ ٧٢.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٦) انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٧، والبداية والنهاية ١٣/ ١٦٨، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٤٤٥.
(٧) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١، وطبقات المفسرين ١/ ٣٧٧.
(٨) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤، والدارس ١/ ٣٠١.
(٩) خطط الشام ٦/ ٧٩.
[ ٢٥ ]
في وجه شلال فكره الهادر، فكانت ثماره عظيمة أغنت المكتبة الإسلامية ببحوث إن لَمْ تكن مستوفية، فإنها كانت ذات جدة وأصالة في أكثر موضوعاتها، ففتحت الباب لمن جاء بعده لتكون تلك الآثار محور تدور في فلكه كثير من المؤلفات.
واستطعنا أن نقف له على ما يربو على العشرين مؤلفًا، هي:
١. أحاديث في فضل الإسكندرية وعسقلان (١).
٢. الأحاديث الكلية (٢).
٣. أدب المفتي والمستفتي (٣).
٤. الأمالي (٤).
٥. حديث الرحمة (٥).
٦. حكم صلاة الرغائب (٦).
٧. حلية الإمام الشافعي (٧).
٨. شرح معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري (٨).
٩. شرح الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه (٩).
١٠. صلة الناسك في صفة المناسك (١٠).
١١. صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط (١١).
_________________
(١) توجد منه نسخة خطية في برلين برقم (؟؟؟؟؟؟ spr). انظر: الفهرس الشامل للتراث الإسلامي (قسم الحديث) ٣/ ١٤٥٧.
(٢) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم: ٣.
(٣) طبع بتحقيق الدكتور: موفق بن عبد الله بن عبد القادر.
(٤) منه نسخة في المكتبة الأزهرية برقم [(٣٧٤٩) ٩٠٣٠]. انظر: الفهرس الشامل ١/ ٢٤١.
(٥) انظر: صلة الخلف بموصول السلف: ٣٩٨.
(٦) انظر: صلة الخلف بموصول السلف: ٢١٥.
(٧) منه نسخة خطية في الظاهرية (مجموع ٥٩). انظر: الفهرس الشامل ١/ ٦٣٣.
(٨) ملء العيبة ٣/ ٢١٨.
(٩) توجد منه نسخ خطية. انظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٦/ ٢١١.
(١٠) منه نسخة خطية في دار الكتب المصرية برقم (٢١٩ م مجاميع). انظر: الفهرس الشامل ٢/ ١٠٥٢.
(١١) طبع بتحقيق الدكتور: موفق بن عبد الله بن عبد القادر.
[ ٢٦ ]
١٢. طبقات فقهاء الشافعية (١).
١٣. معرفة أنواع علم الحديث (٢).
١٤. الفتاوى (٣).
١٥. فوائد الرحلة (٤).
١٦. مختصر في أحاديث الأحكام (٥).
١٧. مشكل الوسيط (٦).
١٨. مشكلات البخاري (٧).
١٨. المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال (٨).
١٩. النكت على المهذب (٩).
٢٠. وصل بلاغات الموطأ (١٠).
٢١. وقف دار الحديث الأشرفية (١١).
_________________
(١) فُقِدَ ولم يبقَ سوى مختصره للنووي.
(٢) وهو كتابنا هذا، وسنفصل القول فيه فيما يأتي.
(٣) طبع بتحقيق الطبيب: عبد المعطي أمين قلعجي، وكان قد طبع من قبل في إدارة المطبعة المنيرية ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.
(٤) انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٧، والتقييد والإيضاح: ٣٩، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٥٧٣.
(٥) توجد نسخته الخطية في مكتبة راغب باشا برقم (١٤٧٠ مجاميع). انظر: الفهرس الشامل ٣/ ١٤٠٨.
(٦) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٢.
(٧) منه نسخة خطية فريدة في مكتبة جلبي عبد الله أفندي برقم (٧٦). انظر: الفهرس الشامل ٣/ ١٤٨٦.
(٨) توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية برقم (عام ٦٨٩٧). انظر: الفهرس الشامل ٣/ ١٥٤٠.
(٩) انظر: طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٤، والأنس الجليل ٢/ ١٠١.
(١٠) وهو مطبوع بعناية أبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري. وطبع مرة أخرى في آخر توجيه النظر مع تعليقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - يرحمه الله -.
(١١) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ١٦٨.
[ ٢٧ ]
المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
أطنب العلماء في الثناء عَلَى ابن الصلاح ثناءً منقطع النظير، يدل على ما تمتع به هذا الرجل من مكانة في قلوب الناس، وما تبوَّأه من المكانة المرموقة عندهم. ويتضح هذا جليًّا من أقوالهم التي نوردها، ومنها:
١. قول أبي عمرو بن الحاجب: «إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حَتَّى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة» (١).
٢. وقول شمس الدين بن خلكان: «كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسددة» (٢).
٣. وثناء صفي الدين المراغي بقوله: «أحد الأئمة المشهورين، والعلماء العاملين، والحفاظ المذكورين، جمع بَيْنَ علوم متعددة: علم الفقه وعلم أصوله وعلم الحديث وعلم العربية، مع ما أوتي من التحري والإتقان، مضافًا إلى سلوك طريقة السلف، معظمًا عند الخاص والعام» (٣).
٤. وأطنب الذهبي في مدحه فقال: «الإمام الحافظ العلاّمة شيخ الإسلام كان ذا جلالة عجيبة ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة، سلفي الجُمْلة، صحيح النحلة، كافًا عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمنًا بالله وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، معظَّمًا عند السلطان وكان مع تبحّره في
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٢.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣.
(٣) تاريخ علماء بغداد: ١٣٢.
[ ٢٨ ]
الفقه مجوِّدًا لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفنّنًا في الحديث، متصونًا مُكِبًا على العلم، عديم النظير في زمانه» (١).
٥. ونقل اليافعي عن بعضهم أنه قال فيه: «كان إمامًا بارعًا حجة متبحرًا في العلوم الدينية بصيرًا بالمذهب وأصوله وفروعه، له يد طولى في العربية والحديث والتفسير، مع عبادة وتهجد وورع ونسك وتعبد، وملازمة للخير على طريقة السلف في الاعتقاد» (٢).
٦. وقال السبكي: «الشَّيْخ العلاّمة تقي الدين أحد أئمة المسلمين علمًا ودينًا وتفقه عليه خلائق، وكان إمامًا كبيرًا فقيهًا محدِّثًا زاهدًا ورعا، مفيدًا معلمًا استوطن دمشق يعيد زمان السالفين ورعا، ويزيد بهجتها بروضة علم جنى كل طالب جناها ورعا، ويفيد أهلها فما مِنْهُم إلاَّ من اغترف من بحره واعترف بدُرِّهِ وحفظ جانب مثله
ورعا» (٣).
٧. واختصر الإسنوي وصفه فقال: «كان إمامًا في الفقه والحديث، عارفًا بالتفسير والأصول والنحو، ورعًا زاهدًا، ملازمًا لطريقة السلف الصالح» (٤).
٨. وقال ابن كثير: «الإمام العلاّمة مفتي الشام ومحدّثها وكان ديّنًا زاهدًا ورعًا ناسكًا، على طريقة السلف الصالح، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدِّثين مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة، ولم يزل على طريقة جيدة حَتَّى كانت وفاته» (٥).
٩. وقال ابن قاضي شهبة: «الإمام العلاّمة مفتي الإسلام الإمام
البارع» (٦).
١٠. وقال السيوطي: «الإمام الحافظ شيخ الإسلام يضرب به المثل، سلفيًا زاهدًا حسن الاعتقاد وافر الجلالة» (٧).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠ - ١٤٢.
(٢) مرآة الجنان ٤/ ٨٥.
(٣) طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٤) طبقات الشافعية ٢/ ١٣٣.
(٥) البداية والنهاية ١٣/ ١٤٢.
(٦) طبقات الشافعية ٢/ ١١٣.
(٧) طبقات الحفاظ: ٥٠٣.
[ ٢٩ ]
الفصل الثالث: دراسة الكتاب
المبحث الأول: أهمية الكتاب
لَمْ تعد أهمية كتاب ابن الصلاح أمرًا خافيًا أو شيئًا غامضًا يحتاج إلى إيضاح وتفصيل، ولنا أن نجزم بأن كتابه هو المحور الذي دارت في فلكه تصانيف كل مَنْ أتى بعده، وأنه واسطةُ عقدِها، ومصدر ما تفرع عنها. ولم يكن لمن بعده سوى إعادة الترتيب في بعض الأحيان، أو التسهيل عن طريق الاختصار أو النظم، أو إيضاح بعض مقاصده التي قد تخفى عَلَى بعض المطالعين عن طريق التنكيت.
وقد رزق الله تَعَالَى كتاب ابن الصلاح القبول بَيْنَ الناس، حَتَّى صار مدرس مَنْ يروم الدخول في هذا الشأن، ولا يتوصّل إليه إلاَّ عن طريقه، فهو الفاتح لما أغلق من معانيه والشارح بما أجمل من مبانيه.
ولم تقتصر قيمة الكتاب العلمية عَلَى جانب تفرده في مصطلح الحديث وبيان مبادئه، وإنما عُدّت من بدايات الكتابات في علمٍ نعتقد أنه ظهر عند الغرب في وقت متأخر، ألاَ وهو علم تحقيق النصوص وتوثيق المرويات، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إنه لا يزال متفردًا بخصائصه التي تتصل بهذا الموضوع. وما دام تخصصه قد امتدَّ إلى هذا الباب فليس غريبًا أن تكون له مباحثات فيما يتصل بعلم التاريخ.
ولعل المؤلف ابن الصلاح عنى ذلك بقوله: «فحينَ كادَ الباحثُ عنْ مُشْكلِهِ لا يُلْفِي لهُ كاشفًا، والسائلُ عنْ علمِهِ لا يَلْقى بهِ عارفًا، مَنَّ اللهُ الكريمُ - ﵎ - عليَّ - ولَهُ الحمدُ - أجمعُ بكتابٍ " معرفةَ أنواعِ علمِ الحديثِ "، هذا الذي باحَ بأسرارهِ الخفيَّةِ، وكشفَ عَنْ مشكلاتِهِ الأبيَّةِ، وأحكمَ معاقدَهُ، وقعَّدَ قواعدَهُ، وأنارَ معالِمَهُ، وبيَّنَ أحكامَهُ، وفصَّلَ أقسامَهُ، وأوضحَ أصولَهُ، وشرحَ فروعَهُ وفصولَهُ، وجمعَ شتاتَ علومِهِ وفوائدَهُ، وقنصَ شواردَ نُكتِهِ وفرائدَهُ» (١).
_________________
(١) انظر: ٧٤ من طبعتنا هذه.
[ ٣٠ ]
ومما يجلِّي الأمر أكثر ويجعلنا أمام صورة واضحة عن أهمية هذا التصنيف أن ننقل جملة من أقوال العلماء فيه:
١. فقد قال الإمام النووي (ت٦٧٦هـ): «هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد، قد نبَّه المصنِّف -﵀- في مواضع من الكتاب وغيره، عَلَى عظم شأنه، وزيادة حسنه وبيانه، وكفى بالمشاهدة دليلًا قاطعًا، وبرهانًا صادعًا» (١).
٢. وقال الخويي (٢) (ت ٦٩٣ هـ) في منظومته (٣):
وخير ما صنف فيها واشتهر كتاب شيخنا الإمام المعتبر
وهو الذي بابن الصلاح يعرف فليس من مثله مصنف (٤)
٣. وقال ابن رشيد (ت ٧٢١ هـ):
«الذي وقفت عليه وتحصل عندي من تصانيف هذا الإمام الأوحد أبي عمرو ابن الصلاح - ﵀ - كتابه البارع في معرفة أنواع علم الحديث وإنّه كلّما كتبت عليه متمثلًا:
لكل أناس جوهر متنافس وأنت طراز الآنسات الملائح» (٥)
٤. وقال ابن جماعة (ت٧٣٣ هـ):
«واقتفى آثارهم الشَّيْخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه
الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع» (٦).
_________________
(١) إرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٠٨.
(٢) نسبة إلى خوي، بلدة من بلاد أذربيجان. انظر: الأنساب ٢/ ٤٧٩، والمراصد ١/ ٤٩٣.
(٣) انظر: مقدمتنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١.
(٤) نقلا عن مقدمة محاسن الاصطلاح: ٣٣.
(٥) ملء العيبة ٣/ ٢١١.
(٦) المنهل الروي: ٢٦.
[ ٣١ ]
٥. قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ):
«ولما كان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشَّيْخ الإمام العلاَّمة أبو عمرو بن الصلاح - تغمَّده الله برحمته - من مشاهير المصنفات في ذلك بَيْنَ الطلبة لهذا الشأن وربَّما عني بحفظه بعض المهرة من الشبَّان، سلكت وراءه واحتذيت حذاءه» (١).
٦. وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ):
«وجاء بعدهم الإمام أبو عَمْرو بن الصَّلاَح فجمع مفرّقهم، وحقّق طرقهم، وأجلب بكتابه بدائع العجب، وأتى بالنكت والنخب، حَتَّى استوجب أن يكتب بذوب الذهب» (٢).
٧. وقال الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ):
«وأحسن تصنيف فِيْهِ وأبدع، وأكثر فائدة وأنفع: " علوم الْحَدِيْث " للشيخ العلاّمة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح فإنّه فتح مغلق كنوزه، وحلّ مشكل رموزه» (٣).
٨. وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ):
«ومن أجمعها: كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح -سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه - فإنه جامع لعيونها ومستوعب لفنونها» (٤).
٩. وقال العراقي (ت ٨٠٦ هـ):
«أحسن ما صنف أهل الْحَدِيْث في مَعْرِفَة الاصطلاح كتاب " علوم الْحَدِيْث " لابن الصَّلاَح، جمع فِيْهِ غرر الفوائد فأوعى، ودعا لَهُ زمر الشوارد فأجابت طوعًا» (٥).
_________________
(١) اختصار علوم الحديث ١/ ٩٥ - ٩٦.
(٢) النكت على مقدمة ابن الصلاح ١/ ٩ - ١٠.
(٣) الشذا الفياح ١/ ٦٣.
(٤) المقنع في علوم الحديث ١/ ٣٩.
(٥) التقييد والإيضاح: ١١.
[ ٣٢ ]
١٠. وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ):
«فجمع شتات مقاصدها، وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر» (١).
١١. وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ):
«عكف الناس عليه، واتخذوه أصلًا يرجع إليه» (٢).
وبهذا نكاد أن ننقل إجماع الأئمة، منذ أن رأى كتاب "معرفة أنواع علم الحديث" النور إلى يوم الناس هذا، دليلًا على مكانته، وغزارة علمه وفوائده شاهدًا على علوِّ كعبه ونصرة حزبه، فرحم الله مؤلفه وجامعه، وأسبل عليه نعمه وفضائله، إنّه سميع مجيب.
المبحث الثاني: سمات منهج ابن الصلاح
عَلَى الرغم من أن المؤلفين القدامى لا سيَّما المتأخرون الذين يصنفون لا عَلَى الأسانيد منهم لا يفصحون بمناهجهم التأليفية إلاَّ قليلًا، لكن المتتبع لتصرفاتهم في تصانيفهم لا يعدم وصفًا تقريبيًا لسمات مناهجهم التأليفية، وابن الصلاح ليس استثناءً من هذه القاعدة التي أوشكت أن تكون عامة.
وقد استطعنا - بحمد الله - أن نحدد بعض الملامح لمنهج ابن الصلاح في تصنيفه هذا وسنعرضها مدعمة بالأمثلة:
١. إتيانه بالتعريفات للأنواع التي هو بصدد توضيحها، واهتمامه بهذا الجانب جدًا، ولعل ذلك راجع إلى تأثره بالنَّزعة الأصولية التي تهتم بضبط التعاريف، وأيًّا ما يكون الدافع فقد بدا هذا الأمر واضحًا جليًا في كتابته، إلاَّ أن منهجه في هذا الجانب قد تنوع عَلَى النحو الآتي:
_________________
(١) نزهة النظر: ٥١.
(٢) البحر الذي زخر ١/ ٢٣٥.
[ ٣٣ ]
أ. ابتكاره تعاريف لَمْ يسبق إليها، كما في تعريف الحسن (١)، والمعلَّل (٢)، والمضطرب (٣)، والمخضرم (٤)، وغيرها.
ب. كان حريصًا عَلَى بيان ماهية المعرَّف، وكان يلجأ في بعض الأحيان إلى التمثيل من غير ذكر للحدِّ، كما في المقلوب إذ عرَّف به بقوله: «هو نحو حَدِيْث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا به» (٥).
فتعقّبه الزركشي فقال: «وهذا التعريف غير وافٍ بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه» (٦)، وبنحوه قال ابن حجر (٧). وكما في النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد (٨).
ج. إذا كان للنوع أقسام فإنه يذكرها معرفًا بها، كما في النوع الرابع والعشرين: معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (٩).
فإنه مشتمل عَلَى فروع ثمانية هي أنواع التحمل والأداء، فعرَّف بكل منها (١٠). وإذا كان الفرع يضم أقسامًا فإنه يعرف بها أيضًا كما في الإجازة (١١).
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٩.
(٢) المصدر نفسه: ١٨٦.
(٣) المصدر نفسه: ١٩٢.
(٤) المصدر نفسه: ٤٠٧.
(٥) المصدر نفسه: ٢٠٨.
(٦) نكت الزركشي ٢/ ٢٩٩.
(٧) النكت عَلَى كتاب ابن الصلاح ٢/ ٨٦٤.
(٨) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٣.
(٩) انظر: المصدر السابق: ٢٤٧ وما بعدها.
(١٠) المصدر نفسه: ٢٤٧، ٢٥١، ٢٦٥ الخ.
(١١) انظر: المصدر نفسه: ٢٦٥، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٧١ الخ.
[ ٣٤ ]
د. وربما كان للمعرَّف أكثر من تعريف، فكان المؤلِّف يوردها جميعًا ولكنه في أكثر أحيانه لا يبقي الأمر هملًا، ولكنه يرجح شيئًا يستعين به الباحث، كما في تعريف الحسن (١)، والمسند (٢)، والمنقطع (٣)، والشاذ (٤)، وغيرها.
هـ. في بعض الأحيان - وإمعانًا منه في إيضاح ماهية المعرَّف - يبين محترزات التعريف، حَتَّى يسلم من الاعتراضات، كما في تعريف الصحيح (٥)، والمرفوع (٦)، وغيرهما.
٢. استحداثه - في بعض الأنواع - لأقسام غير مسبوق بها، تسهيلًا لتلك المباحث وإعانة للقارئ عَلَى فهمها جيدًا، كما في تقسيمات الصحيح (٧)، وتقسيم
الحسن (٨)، والشاذ (٩)، والمنكر (١٠)، والأسماء والكنى (١١)، وغيرها.
٣. كان أبو عمرو ذا عقلية متفتحة ونظر سليم، قادرًا عَلَى التمحيص وتمييز ما في أقوال من سبقه من خطأ، والتعرف على مواطن الخلل لذا كان موقفه متباينًا منها، فتارة يتولاها بالنقد، وتارة يستدرك أمورًا، وتارة يوضح المقصد من الكلام، وعلى كلٍّ فقد برزت الصور الآتية في منهجه التأليفي في إطار هذه النقطة:
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠.
(٢) المصدر نفسه: ١١٤.
(٣) المصدر نفسه: ١٣٢.
(٤) المصدر نفسه: ١٦٤.
(٥) المصدر نفسه: ٧٩.
(٦) المصدر نفسه: ١١٦.
(٧) المصدر نفسه: ٩٦ - ٩٧.
(٨) المصدر نفسه: ١٠٠.
(٩) المصدر نفسه: ١٦٨.
(١٠) المصدر نفسه: ١٧٠ - ١٧٢.
(١١) المصدر نفسه: ٤٣٥ وما بعدها.
[ ٣٥ ]
أ. كان يتعقب عَلَى بعض اختيارت العلماء، مثل تعقبه عَلَى اختيار بعض المغاربة تفضيل صحيح مُسْلِم عَلَى البُخَارِيّ، بسبب أنَّهُ ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح سردًا.
فقال: «وليس يلزم منه أن كتاب مُسْلِم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح عَلَى كتاب البُخَارِيّ، وإن كان المراد به أن كتاب مُسْلِم أصح صحيحًا، فهذا مردود عَلَى من يقوله» (١).
وكتعقبه عَلَى تعاريف الحسن بقوله: «كل هذا مستبهم لايشفي الغليل» (٢) وتعقب أيضًا من اختار من أهل المغرب والقاضي الرامهرمزي من أهل الشرق في اللحق أن يكتب في نهايته الكلمة المتصلة به في موضع التخريج لتدل عَلَى اتصال الكلام، فقال: «وليس ذَلِكَ بمرضي، إذ رب كلمة تجيء في الكلام مكررة حقيقة، الخ كلامه» (٣).
ب. لقد مثّل ابن الصلاح الذروة في فهم مضامين كلام العلماء الذين سبقوه، ونجد ذَلِكَ واضحًا في توجيهه لقول الحافظ أبي علي النيسابوري: «ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مُسْلِم بن الحجاج». قائلًا: «فهذا وقول من فضَّلَ من شيوخ المغرب كتاب مُسْلِم عَلَى كتاب البُخَارِيّ إن كان المراد به أن كتاب مُسْلِم يترجح بأنه لَمْ يمازجه غير الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسرودًا غير ممزوج بمثل ما في كتاب البُخَارِيّ في تراجم أبوابه من الأشياء التي لَمْ يسندها على الوصف المشروط في الصحيح، فهذا لا بأس به» (٤).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥.
(٢) المصدر السابق: ١٠٠.
(٣) المصدر نفسه: ٣٠٤.
(٤) المصدر نفسه: ٨٥.
[ ٣٦ ]
وتوجيهه لقول مُسْلِم: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه.
قائلًا: أراد - والله أعلم - أنه لَمْ يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، وإن لَمْ يظهر اجتماعها في بعضها عِنْدَ بعضهم» (١).
وَوَجَّه قول البخاري: «أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح».
بأن «هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عُدَّ الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين» (٢).
ج. ومن أجل تكامل البحث العلمي والاستفادة من جهود السابقين، لَمْ يهمل أبو عمرو أقوال من سبقه إهمالًا كليًا، وإنما كان يوردها ثُمَّ يزيد عليها ما يراه مكملًا لما يرمي إلى إيضاحه فكرًا أو تطبيقًا، كما توضحه الأمثلة الآتية:
بعد أن بيَّن حكم الأحاديث التي يوردها الحاكم في المستدرك بأنها إن لَمْ تكن صحيحة فهي حسنة، إلاَّ أن تظهر فيها علة توجب ضعفها!!! قال: «ويقاربه في حكمه " صحيح أبي حاتم بن حبان البستي "» (٣).
وبعد أن نقل عن الخطيب جواز كتابة طباق التسميع في بداية الكتاب أو في حاشية الصفحة الأولى قال: «ولا بأس بكتبته آخر الكتاب وفي ظهره وحيث لا يخفى موضعه» (٤).
٤. هناك صفة تميز كتابات ابن الصلاح، وهي بحد ذاتها دالة عَلَى سعة أفقه ووفور درايته، وهي تعكس من وجه آخر حجم الثروة العلمية التي وفّرها لنفسه كمخزون ثقافي، ألاَّ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥ - ٨٦.
(٢) المصدر نفسه: ٨٧.
(٣) المصدر نفسه: ٩٠.
(٤) المصدر نفسه: ٣١٣.
[ ٣٧ ]
وهي إكثاره من نقل مذاهب العلماء في كافة المسائل التي يتعرض لبحثها، وهذا أمر نراه واضحًا ملموسًا مبثوثًا في أثناء هذا الكتاب.
٥. لَمْ يكن ابن الصلاح قاصرًا عن الإدلاء بدلوه في القضايا التي ينقدها، سواء أكانت تلك المسائل خلافية أم وفاقية، فقد كان يطالعنا باختيارات وآراء جديدة بين الفينة والأخرى، وهي كثيرة جدًا نكتفي منها بالأمثلة الآتية:
في معرض تحدّثه عن المعلق ووقوعه في الصحيحين، قال مبينًا حكمه:
«وينبغي أن نقول: ما كان من ذلك ونحوه بلفظ فيه جزم وحكم به على من علَّقه عنه، فقد حكم بصحته عنه» (١).
وتقريرًا لكلام أبي داود في رسالته بشأن السنن، والأحاديث التي سكت عنها فيها، قال: «فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نصَّ عَلَى صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسن عِنْدَ أبي داود» (٢).
٦. جمع ابن الصلاح شتات علوم متفرقة، وقد وظَّف تقي الدين هذا الجانب من معرفته في أبحاثه هذه، وذلك من خلال ربطه بَيْنَ القضايا الفقهية ومباحث علوم الحديث، مثل ربطه بين حجية الحديث المرسل عِنْدَ المحدّثين وحجيته عِنْدَ الفقهاء وبيان الفرق بين رواية المستور، وبين شهادة المستور (٣).
وفي تعريف الموقوف قال: «وموجود في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تعريف الموقوف باسم الأثر » (٤).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٣.
(٢) المصدر السابق: ١٠٦.
(٣) المصدر نفسه: ١٠٣.
(٤) المصدر نفسه: ١١٨.
[ ٣٨ ]
٧. لما كان ابن الصلاح في إطار تقعيد القواعد في طريقه لتقنينها كقوانين تحكم هذا
العلم، كان من كمال علمه وتكميله لتلك الأساسيات يورد ما يتوقع أن يعترض به عليه، ثُمَّ يتولى جوابه بما يسلم معه من النقد.
مثل قوله في بحثه لتقوي الضعيف بكثرة الطرق:
«لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأذنان من الرأس»، ونحوه، فهلاَّ جعلتم ذَلِكَ وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذَلِكَ عضَّد بعضًا، كما قلتم في نوع الحسن عَلَى ما سَبَقَ آنفًا؟؟
وجواب ذَلِكَ أنَّهُ ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، الخ كلامه» (١).
وكما في جوابه عن الإشكال المتوقع من جمع الترمذي بَيْنَ الحسن والصحة في وصف حديث واحد؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح، فكيف يستقيم الجمع بَيْنَ نفي القصور وإثباته؟؟
فقال: «وجوابه: أن ذَلِكَ راجع إلى الإسناد الخ» (٢).
٨. بيانه مراتب بعض الكُتُب المصنفة، إرشادًا للطالب في كيفية الاعتماد عليها ونمثل لذلك بما يأتي:
فبعد أن بيَّن حكم مستدرك الحاكم والأحاديث الواردة فيه، بيَّن حكم صحيح ابن حبان قائلًا: «ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي» (٣).
ونراه قد سرد عددًا لا بأس به من المسانيد، مُصدِّرًا ذلك بقوله: «كتب المساند غير ملتحقة بالكتب الخمسة» (٤)، وعلَّل هذا الحكم بأنهم: «يخرِّجُوا في مسند كل
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) المصدر السابق: ١١٠.
(٣) المصدر نفسه: ٩٠.
(٤) المصدر نفسه: ١٠٨.
[ ٣٩ ]
صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًّا به، فلهذا تأخَّرت مرتبتها - وإن جلَّت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنَّفة على الأبواب» (١).
٩. عدم إهماله لبعض الإشارات التي تتصل بمسائل لغوية وهي ذات دلالة أوَّلًا وآخِرًا على عمق ثروته اللغوية، مثل تعقبه عَلَى المحدِّثين في استخدامهم مصطلح «معضل»، فَقَالَ: «وأصحاب الحديث يقولون: أعضَله فهو معضل - بفتح الضاد - وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة، وبحثت فوجدت له قولهم: «أمر عضيل»، أي: مستغلق شديد، ولا التفات في ذلك إلى مُعْضِل - بكسر الضاد - وإن كان مثل عضيل في المعنى» (٢).
ومثل بيانه لمعنى الإجازة في اللغة نقلًا عن ابن فارس قائلًا: «معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه: استجزت فلانًا فأجازني إذا أسقاك ماءً الخ كلامه» (٣).
وبيانه لمعنى الوجادة في اللغة بقوله: «هي مصدر لـ: «وَجَدَ يَجِدُ» مولد غير مسموع من العرب » (٤).
١٠. كان دأب ابن الصلاح الإرشاد والتنبيه على أهمية الأنواع التي يبحثها استكمالًا لجوانب البحث العلمي الذي كان حريصًا على إظهاره بالشكل الأتم، ومما يدلل على هذا أن نسوق أمثلة لها.
فابن الصلاح وهو بصدد بحثه لمعرفة زيادات الثقات يقول عنه منبهًا عَلَى أهميته:
«وذلك فن لطيف تستحسن العناية به» (٥).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٢) المصدر السابق: ١٣٦.
(٣) المصدر نفسه: ٢٧٦.
(٤) المصدر نفسه: ٢٨٨.
(٥) المصدر نفسه: ١٧٦.
[ ٤٠ ]
وقال في نوع المعلل مرشدًا إلى عظيم خطره: «اعلم أن معرفة علل الحديث من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب» (١).
وقال في معرفة غريب الحديث: «هذا فنٌّ مهمٌّ يقبح جهله بأهل الحديث
خاصة» (٢).
١١. تنبيهه على استعمالات المحدِّثين أو الحكمة في صنيعهم أو إيضاح اصطلاحاتهم مثل: توضيحه لما اصطلح عليه البغوي في كتابه " مصابيح السنة " (٣)، وكما في توضيحه لسبب جعل علامة التضبيب كأنها صاد (٤) وعلة استعمال المحدِّثين لعلامة التحويل في الإسناد (ح) مهملة (٥).
١٢. عَلَى الرغم من أن ابن الصلاح كان من منهجه الاختصار كلما وجد إلى ذلك
سبيلًا؛ إلاَّ أنَّهُ لَمْ يغفل أن يسوق بَيْنَ تارة وأخرى إسنادًا له، ينقل به حديثًا أو طُرفةً أو قولًا أو شعرًا، يؤنس به المطالعين، ويذكّر به سنة السالفين (٦).
١٣. قد كان أبو عمرو طيلة صفحات الكتاب ذا شخصية بارزة واضحة متميزة وذلك من خلال إبداء آرائه الجديدة، وقدرته على المناقشة والتصويب وترجيح ما يراه راجحًا من الآراء (٧).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٧.
(٢) المصدر السابق: ٣٧٥.
(٣) المصدر نفسه: ١٠٧.
(٤) المصدر نفسه: ٣٠٦.
(٥) المصدر نفسه: ٣١٣.
(٦) انظر: المصدر نفسه: ٣١٣ و٣٣٩ و٣٤٧ و٣٥٨، وغيرها.
(٧) انظر: المصدر نفسه: ٨٨ و٩٦ و١٢١ و٣١٣ و٣١٨ و٣١٩ و٣٢٣ و٣٢٦ و٣٢٩ مثلًا.
[ ٤١ ]
١٤. كان من منهج ابن الصلاح أن يعزز ما يختاره من المذاهب التي يذكرها في المسائل الخلافية بأقوال العلماء، ونجد ذلك واضحًا في طيات كتابه، ولا ضير في التمثيل لبعضها.
ففي معرض تقريره لجواز أن يثبت الراوي سماعه للكتاب بخطه من غير حاجة إلى أن يكتبه الشَّيْخ الْمُسْمِع، في حالة كون الراوي موثوقًا به، أورد أن عبد الرحمان بن منده سأل أبا أحمد الفرضي أن يكتب له سماعه في جزء سمعه منه، فقال أبو أَحْمَد:
«يا بني! عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد الخ» (١).
وقرر أن الإبطاء بإعادة الكتب التي فيها سماعات لأصحابها أمر قبيح، وأورد قول الزهري: «إيَّاك وغلول الكتب. قيل: وما غلول الكتب؟ قَالَ: حبسها عَلَى
أصحابها» (٢).
١٥. تنبيهه عَلَى من صنَّف في الأنواع التي يبحثها (٣).
١٦. بروز الجانب التطبيقي عنده، وذلك من خلال ما يعرضه من الأمثلة التي ملأت صفحات كتابه.
١٧. كل مَنْ يقرأ كتاب ابن الصلاح لا يملك إلا أن يعترف بأدبه الجمِّ الذي زخرت به كتاباته، تعبيرًا عمَّا يكنه في نفسه من تقوى وورع، واعتراف بفضل السابقين، فلا تجده يذكر سم الله تعالى من غير ثناء، ولا يكاد يذكر اسم رسول الله - ﷺ - إلا مقرونًا بالصلاة عليه، وكذلك الصحابة والتابعون والعلماء ممن بعدهم لا يذكرهم إلا مترضِّيًا عليهم أو مترحِّمًا.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤.
(٢) المصدر السابق: ٣١٤.
(٣) انظر: المصدر نفسه: ٣٨٣ و٤١٥ و٤٣٠ و٤٤٥ و٤٦٣ و٤٧٠ مثلًا.
[ ٤٢ ]
ومما يعدُّ من خصائصه الأسلوبية، أنه لا يكاد ينهي فقرة إلاَّ ويقول في ختامها:
«والله أعلم»، تواضعًا منه واعترافًا بضمون قوله جلَّ ذكره: ﴿وَمَا أُوتِيْتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيْلًا﴾. الإسراء: ٨٥.
المبحث الثالث: مصادره وموارده
تعددت مصادر ابن الصلاح تبعًا لتعدد جوانب ثقافته المتنوعة التي تتطلبها طبيعة الكتابة في ميدان يشابه الميدان الذي خاض غماره وسبر أغواره ابن الصلاح، فجاءت ثمرته ناضجة آتت أكلها والحمد لله.
ومن خلال نظرة فاحصة نلقيها عَلَى هذا التصنيف، يمكننا أن نميّز نوعين من تِلْكَ المصادر:
الأول: المصادر الشفوية.
الثاني: المصادر الكتابية.
وسنعرض لكل منهما في مطلب مستقل:
المطلب الأول: المصادر الشفوية
مرَّ بنا فيما مضى أن ابن الصلاح جال بلادًا كثيرة، وطلب عَلَى أيادي علماء عصره، فجمع علومًا وظَّفها لخدمة منهجه التأليفي، وهي تلك المعلومات التي استمدها شفاهًا من شيوخه، ويمكننا جعلها عَلَى قسمين:
الأول: ما أبهم فيه مصدره فلم يصرح بطريق نقله، مثل:
قوله: وأنبأني من سأل الحازمي أبا بكر عن الإجازة العامة » (١).
وقوله: «وأخبرني من أُخبر عن القاضي عياض بن موسى من فضلاء وقته » (٢). ونحو ذلك قوله: «وأخبرني بعض أشياخنا عمن أخبره عن القاضي » (٣).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٩.
(٢) المصدر السابق: ٢٧٤.
(٣) المصدر نفسه: ٣٢٨.
[ ٤٣ ]
الثاني: ما صرح فيه بذكر شيخه وسلسلة إسناده، مثل:
قوله: «كمثل ما حدثنيه الشَّيْخ أبو الْمُظَفَّر، عن أبيه الحافظ أبي سعد السمعاني » (١).
وكمثل قوله: «حدثني بمرو الشَّيْخ أبو المظفر بن الحافظ أبي سعد المروزي، عن أبيه » (٢).
وكقوله: «أخبرنا أبو بكر بن أبي المعالي الفراوي قراءة عليه، قال: أخبرنا الإمام جدي » (٣). وغيرها كثير.
المطلب الثاني: المصادر الكتابية
اعتمد أبو عمرو على مصادر كتابية كثيرة في مختلف المواضيع كالحديث دراية ورواية والتفسير وعلوم القرآن والتاريخ وكتب الرجال والأدب والنحو واللغة وغريب الحديث وغيرها مما هو موضح في الفهرس الذي خصصناه بها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها هنا.
ولكن نود هنا أن ننبه على أن أكثر تعويل ابن الصلاح كان على عالمين اثنين هما:
الأول: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري الحافظ، وذلك من خلال كتابه " معرفة علوم الحديث "، حيث ضمَّن كثيرًا من أفكاره في كتابه، فضلًا عن كثير من النصوص التي نقلها منه.
الثاني: الخطيب البغدادي الحافظ، إذ كان تعويله في أكثر مباحث كتابه على كتاب الخطيب " الكفاية "، ويجد القارئ مصداق ذلك في عشرات النقول التي خرجناها
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٨.
(٢) المصدر السابق: ٣١٤.
(٣) المصدر نفسه: ٣٢٥ - ٣٢٦.
[ ٤٤ ]
من الكفاية، بله لا تخلو صفحة - لا سيما مباحث ما قبل نصف الكتاب - عن ذَكَرَ الكفاية.
وكذلك عوَّل على بقية كتبه كالجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١)، وتلخيص المتشابه (٢)، وتالي تلخيص المتشابه (٣)، ورافع الارتياب، وغيرها.
المبحث الرابع: جهود العلماء في خدمة كتاب ابن الصلاح
لعلّ كتابًا في مصطلح الحديث لم يخدم كما خدم كتاب ابن الصلاح إذ كان هو المحرك الفعلي الذي تولدت عنه عشرات بل مئات المؤلفات التي أغنت المكتبة الإسلامية، وساهمت بمجموعها في إكمال حلقات هذا العلم المبارك.
وقد اختلفت اتجاهات المؤلفين في طبيعة بحوثهم لتطوير وتعزيز القيمة العلمية لهذا الكتاب فمنهم الناظم، ومنهم الشارح، ومنهم المختصر، ومنهم المنكِّت توضيحًا أو استدراكًا فلهذا ارتأينا - خدمة لتقسيمات البحث العلمي المنظم - أن نوزعها على النحو الآتي، وبالله التوفيق.
أ. المختصرات:
لعلّ هذا الطابع من التصنيف الذي كان كتاب ابن الصلاح المحفِّز لها هو الأكثر، نظرًا إلى أن من ألّف في هذا اللون يبغي تقليص حجم الكتاب الأصلي؛ وذلك باختزال الألفاظ وتكثيف الفكر والمعاني، وحذف الأمثلة التي لا حاجة لها والابتعاد عن المناقشات غير الضرورية، وزيادة الفوائد والآراء، مع مخالفة ترتيب الأصل أحيانًا، تسهيلًا لطلبة العلم وغيرهم.
ومن أبرز تلك المختصرات:
_________________
(١) طبع ثلاث طبعات بتحقيقات مختلفة.
(٢) طبع بتحقيق الأستاذة سكينة الشهابي.
(٣) طبع بتحقيق مشهور حسن سلمان وأحمد الشقيرات.
[ ٤٥ ]
١. إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) (١).
٢. التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، للإمام النووي أيضًا (٢) وهو اختصار لكتابه السابق.
٣. المنهج المبهج عند الاستماع، لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع، لقطب الدين القسطلاني (ت ٦٨٦ هـ) (٣).
٤. أصول علم الحديث، لعلي بن أبي الحزم القرشي الطبيب المشهور بابن النفيس (ت ٦٨٩ هـ) (٤).
٥. الاقتراح، للإمام ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٥).
٦. الملخص، لرضي الدين الطبري (ت ٧٢٢ هـ) (٦).
٧. رسوم التحديث، للجعبري (ت ٧٣٢هـ) (٧).
٨. المنهل الروي، لبدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٨).
٩. مشكاة الأنوار، للبارزي (ت ٧٣٨ هـ) (٩).
١٠. الخلاصة في علوم الحديث، للطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (١٠).
_________________
(١) طبع بتحقيق عبد الباري فتح الله السلفي عن مكتبة الإيمان سنة (١٤٠٨ هـ- ١٩٨٧ م).
(٢) طبع مستقلًا ومع شرح السيوطي، ونحن بسبيل طبعه محققًا على نسختين خطيتين.
(٣) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٣٦، وانظر: قواعد التحديث: ٤١ وقد شرحه عبد الهادي الأبياري (ت ١٣٠٥ هـ) منه نسخة في المكتبة السليمانية بتركيا برقم (١٦٧).
(٤) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٣٧، ولا نعلم عنه شيئًا.
(٥) طبع بتحقيق د. قحطان عبد الرحمان الدوري في بغداد سنة (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢م).
(٦) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٣٦ ومنه نسخة خطية بإسبانيا في مكتبة الأسكوريال برقم (ثان ١٦١٥/ ١).
(٧) منه نسخة خطية في المكتبة الأحمدية بحلب، برقم (١٤٢٨).
(٨) طبع بتحقيق د. محيي الدين عبد الرحمان رمضان سنة ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.
(٩) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨ ولا نعلم عنه شيئًا.
(١٠) طبع بتحقيق السيد صبحي السامرائي سنة ١٣٩١ هـ - ١٩٧١.
[ ٤٦ ]
١١. الكافي، لتاج الدين التبريزي (ت ٧٤٦ هـ) (١).
١٢. الموقظة، للإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢).
١٣. المختصر، لعلاء الدين المارديني المشهور بابن التركماني (ت٧٥٠ هـ) (٣).
١٤. مختصر، لشهاب الدين الأندرشي الأندلسي (ت ٧٥٠ هـ) (٤).
١٥. مختصر، للحافظ العلائي (ت ٧٦١ هـ) (٥).
١٦. الإقناع، لعز الدين بن جماعة (ت ٧٦٧ هـ) (٦).
١٧. اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (٧).
١٨. التذكرة في علوم الحديث، لسراج الدين ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) (٨).
١٩. المقنع في علوم الحديث، لسراج الدين ابن الملقن أيضًا (٩).
٢٠. نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) (١٠).
٢١. المختصر، للكافيجي (ت ٨٧٩ هـ) (١١).
٢٢. مختصر بهاء الدين الأندلسي (؟) (١٢).
_________________
(١) منه نسخة خطية بإستانبول.
(٢) طبع بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة سنة ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م وهو في الحقيقة اختصار لكتاب ابن دقيق العيد " الاقتراح "، وفي خزانتنا نسخة خطية متقنة منه.
(٣) منه نسختان خطيتان: الأولى بالمكتبة الأحمدية بحلب برقم (٢٨٣) والثانية في مكتبة لاله لي برقم (٣٩٠/ ١٥).
(٤) ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١١٦٢.
(٥) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٦) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٧) طبع مع شرح العلاَّمة أحمد محمد شاكر -﵀- المسمى " الباعث الحثيث ".
(٨) طبع بتحقيق علي حسن علي عبد الحميد الحلبي في دار عمار - الأردن.
(٩) طبع بتحقيق عبد الله يوسف الجديع سنة ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.
(١٠) طبعت عدة مرات.
(١١) طبع بتحقيق د. علي زوين سنة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
(١٢) مجهول الوفاة، وراجع مقدمة التدريب: ٧.
[ ٤٧ ]
ب. المنظومات:
ظهر منذ عهد مبكر نسبيًا، تيّار في الشعر العربي، انتقل إلى علماء الفنون المختلفة يسمى: الشعر التعليمي، خصّص نطاق عمله في نظم الكتب المهمة في مجالات العلم تسهيلًا لطالبي العلوم في حفظها، ومن ثَمَّ الغوص في معانيها. وعلى أي حال فقد كان نصيب كتاب " علوم الحديث " لابن الصلاح عددًا من المنظومات التي لا يستهان بها، وسواء أكانت تلك المنظومات ذات جدة وحداثة أم لا؟ فإنّها مثّلت جانبًا من جوانب اهتمام العلماء واعتنائهم بهذا السفر العظيم. والذي يهمنا هنا أن نسلِّط الضوء عليها كوصلاتٍ في تاريخ هذا العلم المبارك، وليس من شرطنا أن تكون هذه المنظومة قد احتوت كل المادة العلمية لكتاب ابن الصلاح، بل يكفي أن يكون هذا الكتاب هو المرجع الأول بالنسبة لها، وعلى هذا نجد أن بعض هذه المنظومات مطوّلة، وبعضها مختصرة، وبعضها متوسطة، ولعلّ من أبرز من نظمه:
١. شمس الدين الخُوَيي (ت ٦٩٣ هـ)، وسمّى منظومته باسم " أقصى الأمل والسول في علوم حديث الرسول "، توجد منه عدة نسخ خطية (١).
٢. أبو عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبي (ت ٧٥٠ هـ) (٢).
٣. زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) المسمّى: التبصرة والتذكرة (٣).
٤. مُحَمَّد بن عبد الرحمان بن عبد الخالق المصري البرشنسي (ت ٨٠٨ هـ) وسمّى منظومته: " المورد الأصفى في علم حديث المصطفى " (٤).
_________________
(١) راجع كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ٦/ ٢٠٨.
(٢) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٤٠.
(٣) طبعت بتحقيقنا.
(٤) ذكره السيوطي في البحر الذي زخر ١/ ٢٤١ وقد شرحها الناظم نفسه انظر: شذرات الذهب ٧/ ٧٩، ومعجم المؤلفين ١٠/ ١٤٢.
[ ٤٨ ]
٥. شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الدمشقي المعروف بابن الجزري
(ت ٨٣٣ هـ) وسمّى منظومته " الهداية في علم الرواية " (١).
٦. جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) ومنظومته مشهورة باسم " الألفية " (٢).
٧. رضي الدين محمد بن محمد الغزي (ت ٩٣٥ هـ)، وسمّى نظمه " سلك الدرر في مصطلح أهل الأثر " (٣).
٨. منصور سبط الناصر الطبلاوي (ت ١٠١٤ هـ) (٤).
ج. الشروح:
قد كان للجانب الشمولي في كتاب ابن الصلاح أثره الواضح في أن أحدًا لم يتصدَّ لشرح الكتاب نفسه، وإنما انعكس هذا الجانب على شرح مختصراته ومنظوماته، لذا سنتناول أبرزها على اعتبار أن أصلها الأصيل هو كتاب ابن الصلاح، ومن ذلك:
١. شروح ألفية العراقي.
٢. نزهة النظر، للحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وما يتعلق بها (٥).
٣. تدريب الراوي للسيوطي (ت ٩١١ هـ) (٦).
٤. البحر الذي زخر، للسيوطي (ت ٩١١ هـ) شرح فيه ألفيته (٧).
_________________
(١) لها عدة نسخ خطية انظر: الفهرس الشامل للتراث الإسلامي ٣/ ١٧٢٥ وقد شرحها غير واحد، وفي خزانتنا نسخة خطية من الهداية.
(٢) طبعت مجودة الشكل مع شرح العلامة أحمد محمد شاكر، ومع شرح محمد محيي الدين عبد الحميد، ومع شرح السيوطي نفسه.
(٣) انظر: تاريخ الأدب العربي ٦/ ٢٠٨.
(٤) المصدر السابق ٦/ ٢١٠.
(٥) طبعت عدة مرات، وانظر: مقدمة علي الحلبي في تحقيقه لنزهة النظر: ٥ - ٢٦.
(٦) طبع بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف أكثر من مرة، وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ٤٦٥ شروحًا أخرى للتقريب.
(٧) طبع بتحقيق أنيس أحمد طاهر سنة ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.
[ ٤٩ ]
د. التنكيت:
النُّكَت: جمع نُكْتَةٍ، وهي مشتقة من الفعل الثلاثي الصحيح (نَكَتَ)، وهو ذو اشتقاقات مختلفة، أجملها ابن فارس فَقَالَ: «النون والكاف والتاء أصل واحد يدلّ على تأثير يسير في الشيء كالنكتة ونحوها، ونكت في الأرض بقضيبه ينكت: إذا أثّر فيها» (١).
أما في الاصطلاح فالنكتة: مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه بأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتةً؛ لتأثير الخواطر في استنباطها (٢).
وقد كان نصيب كتاب ابن الصلاح من كتب النكت شيئًا دلّ على مدى تعمّق الدارسين في فهم معانيه ومدلولاته، حسب اللون العلمي الذي يغلب على ذلك المنكِّت، فنرى الأصولي يُغَلِّب المباحث الأصولية في طريق تقرير مسائل الكتاب المهمة، وهذا ما نلمسه جليًا في نكت الزركشي، والْمُحَدِّث يجعل همّه المباحثات الحديثية، وهو منهج واضح نراه في نكت العراقي وشيخه مغلطاي، وهكذا بالنسبة إلى الفقيه كما وقع للبلقيني وابن جماعة وغيرهم.
وعلّ الفطن من القرّاء عرف من العرض السابق أسماء بعض من كتب نكتًا على كتاب ابن الصلاح، ولكننا نودّ أن نجعل الأمر استقصائيًا استقرائيًا، فجمعنا مَن وقع في علمنا أنه ساهم في هذا الجانب، سواء عن طريق الكتابة والبحث المباشر على كتاب ابن الصلاح أو العمل غير المباشر عن طريق التعليق على فروع كتاب ابن الصلاح، وأهم هذه الكتب:
١. إصلاح كتاب ابن الصلاح، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الأسعردي الدمشقي ثُمَّ المصري المشهور بابن اللبان (ت ٧٤٩ هـ) (٣).
_________________
(١) مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٥.
(٢) التعريفات للجرجاني: ١٣٤، وانظر: تاج العروس ٥/ ١٢٨ (نكت).
(٣) نكت الزركشي ١/ ١٠، وطبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٦٩، والبحر الذي زخر ١/ ٢٤١.
[ ٥٠ ]
٢. إصلاح كتاب ابن الصلاح، للإمام العلاّمة علاء الدين أبي عبد الله مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الحنفي (ت ٧٦٢ هـ) (١).
٣. النكت عَلَى مقدمة ابن الصَّلاَح، للإمام بدر الدين أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن
عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) (٢).
٤. الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، للشيخ برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ) (٣).
٥. محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح، لسراج الدين أبي حفص عمر ابن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٤).
٦. التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٥).
٧. شرح علوم الحديث، لعز الدين مُحَمَّد ابن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الحموي (ت ٨١٩ هـ) (٦).
٨. النكت عَلَى كتاب ابن الصلاح، للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن مُحَمَّد ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) (٧).
_________________
(١) انظر: نكت الزركشي ١/ ١٠، ومنه نسخة خطية في دار الكتب المصرية برقم (١/ ٢٣٢).
(٢) طبع بتحقيق د. زين العابدين بن محمد بلا فريح سنة ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.
(٣) وإنما عددناه في النكت؛ لكونه زاد بعض الزيادات التي خطرت له، والكتاب طبع بتحقيق صلاح فتحي هلل سنة ١٤١٨ هـ- ١٩٩٨ م.
(٤) طبع مع مقدمة ابن الصلاح بتحقيق د. عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) سنة ١٩٧٤م.
(٥) طبع قديمًا بتحقيق عبد الرحمان محمد عثمان، وهي إلى السقم أقرب، وقد أعددناه للطبع على نسخ إحداها عليها خط المؤلف، ومن الله التوفيق.
(٦) انظر: بغية الوعاة ١/ ٦٣.
(٧) طبع بتحقيق د. ربيع بن هادي عمير. سنة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
[ ٥١ ]
الفصل الرابع: تحقيق الكتاب ومنهجنا فيه
المبحث الأول: اسم الكتاب
قد بات شيئًا مهمًّا في قواعد علم تحقيق المخطوطات ونشرها، أن يثبت المحقق الاسم الصحيح للكتاب الذي أسماه به مؤلفه، إذ قد تتقاذف الكتاب أيادي الدهر وتتقادم عليه الأيام والسنون، فيبلى بمرورها اسمه ويندثر رسمه، ومن تلك المصنفات التي جرت عليها هذه الجواري كتابنا هذا، فقد اشتهر بين الناس أن اسمه " مقدمة ابن الصلاح " أو " علوم الحديث "، والحق أن واحدًا من هذين الاسمين لَمْ يسمه به مؤلفه، وقد حقق هذا تحقيقًا علميًا الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر في فصل نفيس ضمَّنه كتابه القيم " توثيق النصوص وضبطها عن المحدِّثين " (١)، رأينا أن ننقله بنصّه إذ لا مزيد عَلَى ما أتى به فقال - أيده الله -:
«ومثاله أيضًا كتاب " معرفة أنواع علوم الحديث " للإمام الحافظ أبي عمرو عثمان ابن عبد الرحمان الشهرزوري المتوفَّى سنة (٦٤٣ هـ). فإن هذا الكتاب عُرِف واشتُهِر بين طلاَّب العلم باسم "مقدِّمة ابن الصلاح" فَمِنْ أينَ جاءته هذه التسمية؟
١. إن المصنِّف - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَمْ يسمِّ كتابه بـ " المقدمة " كما أن أحدًا من أهل العلم ممَّن جاء بعد الصلاح لَمْ يسمِّ كتاب [ابن] (٢) الصلاح بـ " المقدِّمة ".
٢. إن ابن الصلاح قد سمَّى كتابه ونص عَلَى هذه التسمية في فاتحة كتابه فقال: « فحين كاد الباحث عن مشكلة لا يلقى له كاشفًا، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفًا، مَنَّ الله الكريم - ﵎ -، وله الحمد أجمع بكتاب: " معرفة أنواع علم الحديث "، هذا الذي باح بأسراره الخفية » (٣).
_________________
(١) ١٠٢ - ١٠٨.
(٢) سقطت من الأصل.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٧٤ من طبعتنا هذه.
[ ٥٢ ]
٣. إن نسخة إستانبول المحفوظة في المكتبة السليمانية برقم (٣٥١)، والتي كان الفراغ من قراءتها عَلَى المصنِّف سنة (٦٤١ هـ) أي: قبل وفاة ابن الصلاح بعام واحد ونيِّف، والتي أثبت ابن الصلاح - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - خطّه عليها في عدّة مواضع جاء في صورة السماع: «سَمِعَ جميع هذا الكتاب وهو كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " على مصنِّفه ». وكتب ابن الصلاح - ﵀ - في آخر طبق السماع:
«صحَّ ذَلِكَ نفعه الله وبلَّغه ».
٤. وجاء اسم الكتاب في سماع النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم: (١٥٥) مصطلح الحديث، وهي نسخة قيمة وموثقة: «سمعت جميع هذا الكتاب المترجم بكتاب " معرفة أنواع علم الحديث " ».
٥. أطلق كثير من العلماء عَلَى الكتاب اسم " علوم الحديث " عَلَى اعتبار مضمونه ومادته العلمية.
٦. ومن هؤلاء الإمام محيي الدين يحيى بن زكريا النووي المتوفَّى سنة (٦٦٧ هـ) في كتابه " التقريب " (١)، وفي " إرشاد طلاب الحقائق " سمّاه "معرفة علوم الْحَدِيْث " (٢).
٧. وقال تلميذ ابن الصلاح شمس الدين أحمد بن مُحَمَّد بن خلكان المتوفَّى سنة (٦٨١هـ) في ترجمة ابن الصلاح: «وصنّف في علوم الحديث كتابًا نافعًا » (٣).
٨. واختصره الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بـ: ابن كَثِيْر المتوفَّى سنة (٧٧٤ هـ) وسمّى هذا المختصر "اختصار علوم الحديث".
٩. وكذا سمّاه " علوم الحديث " الإمام الحافظ أحمد بن محمد بن عثمان الذهبي المتوفَّى سنة (٧٤٨ هـ) في كتابه " سير أعلام النبلاء " (٤).
_________________
(١) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ١/ ٦١.
(٢) إرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٠٧.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤.
(٤) ٢٣/ ١٤١.
[ ٥٣ ]
١٠. وكذا قال قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن جماعة المتوفَّى سنة (٧٦٧هـ) فألَّف كتاب "الجواهر الصحاح في شرح علوم الحديث لابن الصلاح"، وله نسخة خطية في دار الكُتُب المصرية تحت رقم (٨٧٣ هـ) مصطلح الحديث.
١١. وكذا سمَّاه الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفَّى سنة (٨٠٦ هـ) في كتابه " التقييد والإيضاح لما أُطلِق وأُغلِقَ من كتاب ابن الصلاح" (١).
١٢. وكذا سمَّاه " علوم الحديث " مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الشهير بالملاَّ كاتب الجلبي والمعروف بحاجي خليفة المتوفَّى سنة (١٠٦٧ هـ) في كتابه: " كشف الظنون عن أسامي الكُتُب والفنون " (٢).
١٣. وكذا سمّاه " علوم الحديث " مُحَمَّد بن سليمان الروداني في " صلة الخلف بموصول السلف " (٣).
١٤. وكذا سمّاه "علوم الحديث"السيد مُحَمَّد بن جعفر الكتَّاني في كتابه " الرسالة المستطرفة " (٤).
١٥. وكذا عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني المتوفَّى سنة (١٣٨٢ هـ) في كتابه " فهرس الفهارس والأثبات " (٥).
١٦. وجاء اسم الكتاب على لوحة العنوان في النسخة الموصلية المحفوظة بخزانة دار الكتب المصرية تحت رقم (١) مصطلح الحديث " علوم الحديث ".
وجاءت في اللوحة الأخيرة: «تمت أنواع علوم الحديث بمشيئة الله تعالى عَلَى يدي عليِّ بن يوسف الموصليِّ - عفا الله عنه - في مستهل جُمادَى الآخرة سنة إحدى وستين وست مئة »، وهي نسخة قديمة وقَيِّمة ومنقولة من أصل عليه سماعات
_________________
(١) التقييد والإيضاح: ٢.
(٢) كشف الظنون ٢/ ١١٦١.
(٣) صلة الخلف: ٣٠٦.
(٤) الرسالة المستطرفة: ٢١٤.
(٥) فهرس الفهارس والأثبات ٢/ ٧٢٢، ٨١٦.
[ ٥٤ ]
«وعرضًا في مجالس آخرها يوم الأحد التاسع من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وست مئة». وفي آخرها توقيع ابن الصلاح بخطه وجاء فيه: «هذا صحيح نفعه الله وبلّغه وإياي، وكتب مؤلفه - عفا الله عنه وعنهم -».
١٧. إن " المقدمة " في " علوم الحديث " هو اسم لـ" المقدمة " التي كتبها الإمام الحافظ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن مُحَمَّد المعروف بـ: ابن الأثير الجزري المتوفَّى سنة (٦٠٦ هـ) في " مقدمة " كتابه الجليل " جامع الأصول في أحاديث الرسول " ١/ ٣٥ - ١٧٨.
فإنه قال في فاتحة كتابه " جامع الأصول " الباب الأول: في الباعث عَلَى عمل الكتاب، وفيه مقدمة (١) وأربعة فصول " المقدمة " (٢).
وقال في آخر " المقدمة " وهي مقَدمة في " علوم الحديث ": «هذا آخر القول في الباب الثالث من هذه المقدمة»
١٨. لذا لا يمكن التسليم من الناحية العلمية أن كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " للإمام الحافظ ابن الصلاح أنّه «شهير، أو معروف بالمقدمة».
١٩. ويبقى السؤال قائمًا: مَن الذي سمّى كتاب ابن الصلاح "معرفة أنواع علم الحديث" بـ " المقدمة "؟
والجواب عَلَى ذَلِكَ:
أ. إنّ أول من طبع الكتاب عَلَى الحجر هم الهنود سنة (١٣٠٤هـ) بعناية الشَّيْخ عبد الحي اللكنوي باسم " مقدمة ابن الصلاح ".
ب. ثُمَّ طبع للمرة الثانية في مطبعة السعادة بالقاهرة سنة (١٣٢٦هـ) بتصحيح الشَّيْخ محمود السكري الحلبي، بعنوان: " كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح" كما كتب اسم الكتاب بأعلى كل صفحة منها "مقدمة ابن الصلاح".
_________________
(١) جامع الأصول ١/ ٣٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٧٨.
[ ٥٥ ]
ج. ثُمَّ نشر الكتاب في المطبعة العلمية بحلب سنة (١٣٥٠ هـ) بعناية السيد مُحَمَّد راغب الطباخ ومذيلًا بذيلين أحدهما كتاب " التقييد والإيضاح لما أُطلِق وأُغلِق من كتاب ابن الصلاح " للحافظ العراقي، والثاني " المصباح عَلَى مقدمة ابن الصلاح " للشيخ مُحَمَّد راغب الطبَّاخ، غير أن الشيخ مُحَمَّد راغب الطبَّاخ سمَّى كتاب " التقييد " بـ: " التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصَّلاَح "، وأطلق عَلَى كتاب " مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث" لابن الصَّلاَح اسم " المقدمة " (١).
د. ثُمَّ جاءت المحقِّقة الفاضلة الدكتورة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) فطبعت كتاب ابن الصلاح مذيلًا بكتاب " محاسن الاصطلاح " للحافظ سراج الدين البلقيني سنة (١٣٩٣ هـ- ١٩٧٤ م) تحت عنوان " مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح " في حين أن اسم الكتاب عَلَى لوحة المخطوط هو " محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح ".
وهكذا اشتُهِر الكتاب باسم "المقدمة" تبعًا لطبعتي الهند (١٣٠٤، ١٣٥٧هـ)، وطبعة القاهرة (١٣٢٦ هـ)، والطبعة الحلبية الأولى (١٣٥٠ هـ)، والحلبية الثانية (١٣٨٦ هـ).
هـ. أمَّا ما جاء عن أرجوزة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله مُحَمَّد بن أحمد بن أحمد بن خليل الخويِّي المتوفَّى سنة (٦٩٣هـ)، والمسمَّاة بـ" أقصى الأمل والسول في أحاديث الرَّسُوْل "، والموجود منها نسخة في دار الكُتُب المصرية تحت رقم (٢٥٦) مصطلح حديث من القول: «هي أرجوزة نظم فيها مقدمة ابن الصلاح» (٢)، فهذا القول قاله مؤلفو كتاب " فهرست المخطوطات " لدار الكُتُب المصرية.
و. وكذا ما جاء في تسمية كتاب قاضي القضاة مُحَمَّد بن إبراهيم ابن جماعة المتوفَّى سنة (٧٣٣هـ) "مختصر تلخيص مقدمة ابن الصلاح في معرفة أنواع علوم الحديث" الموجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم (٣٥٢) مصطلح حديث فإن هذه التسمية هي تسمية النسَّاخ وصانعو فهرست دار الكتب المصرية (٣). وأن اسم الكتاب هو "المنهل
_________________
(١) انظر: ٢، ٤، ٦، ١٤، ١٦، ٤١٩.
(٢) فهرست دار الكتب المصرية: ١٦٠.
(٣) فهرست المخطوطات، دار الكتب المصرية، المجلد الأول، مصطلح الحديث: ٢٨٨.
[ ٥٦ ]
الروي في الحديث النبوي" كما جاء في النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢١٧ طلعت) (١) وتحت هذا الاسم نشر الكتاب.
لذا فإن الصواب في اسم كتاب ابن الصلاح هو " معرفة أنواع علم الحديث " وأن تسميته بـ: " المقدمة " هُوَ اجتهاد من ناشري الكِتَاب في الطبعة الهندية الأولى
والثانية، وكذا الطبعة المصرية ثُمَّ سار الناس عَلَى هذه التسمية، وهي تسمية حديثة لَمْ يقلها أحد من أهل العلم» (٢).
المبحث الثاني: توثيق نسبته إلى مؤلفه
هذا الكتاب مقطوع بصحة نسبته الى ابن الصلاح، ويدل عَلَى ذَلِكَ دلالة صحيحة الأمور الآتية:
١. أن النسخ الثلاث اتفقت طررها عَلَى إثبات اسم ابن الصلاح عليها، بالإضافة إلى أن نسخة (ج) احتوت عَلَى سند الرواية إلى ابن الصلاح، وفي ختام النسخ الثلاث أيضًا تكرر ذكر اسمه ثانية.
٢. أن الأسانيد التي في داخل الكتاب هي أسانيد أبي عمرو والشيوخ فيها هم شيوخ ابن الصلاح أنفسهم.
٣. تشابه الأسلوب في كتابه هذا المصنف مع بقية مصنفات ابن الصلاح.
٤. كل من ترجم له ذكر له هذا التأليف (٣)، بل صار يعرف به فيقال: صاحب كتاب " علوم الحديث " (٤).
٥. ما تولّد عنه من دراسات - عرضنا لها فيما سبق -.
كل هذا يجعلنا أمام علم ضروري بأن صاحب هذا الكتاب أبو عمرو بن الصلاح.
_________________
(١) فهرست المخطوطات ١/ ٣١٠ (مصطلح الحديث).
(٢) لذا سمينا نشرتنا هذه بـ: " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٣) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، والعبر ٥/ ١٧٧، ومرآة الجنان ٤/ ٨٤ - ٨٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤ وطبقات الحفاظ: ٤٩٩، والدارس ١/ ١٦، وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٧٧، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢٠، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢١، والأعلام ٤/ ٤٠٧.
(٤) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
[ ٥٧ ]
المبحث الثالث: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق
بعيدًا عن مصادر ابن الصلاح التي اعتبرناها مصادر ثانوية وروافد في عملنا والتي كنا حريصين على مراجعتها سواء أكانت كتب متون أم أسانيد أم رجال أم تواريخ أو غيرها، فقد اعتمدنا ما يأتي:
أولًا: النسخ الخطية:
اعتمدنا عَلَى ثلاث نسخ خطية - وهي وإن لَمْ تكن عتيقة - لكنها كافية في تصورنا لإخراج نص سليم قويم - إن شاء الله تَعَالَى - وفيما يأتي وصف موجز لكل منها (١):
١. نسخة خطية محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة الكائنة في مدينة السلام بغداد
- حرسها الله - برقم (١/ ٢٨٩٩ مجاميع) تقع في (١٠٤ ورقة) تحوي كل ورقة صفحتين، في كل صفحة واحد وعشرون سطرًا، بمعدل تسع كلمات في السطر الواحد، كتبت بدايات الأنواع بالمداد الأحمر، خطّها نسخي جميل واضح ومقروء، وقع الفراغ من نسخها سنة (١٢١٠ هـ). تظهر عليها آثار المقابلة، وهي غير مشكولة، ناسخها غير معروف، ورمزنا لها بالرمز (أ).
٢. نسخة ثانية محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد - حرسها الله - تحت الرقم (٢٩٤٩) وعدد أوراقها (١١٩ ورقة)، تحوي كل ورقة صفحتين في كل صفحة واحد وعشرون سطرًا، بمعدل عشر كلمات في كل سطر، عليها حواشٍ وآثار مقابلة، خطها نسخي عادي واضح ومقروء، يعود تاريخ نسخها إلى سنة (٨٠٧ هـ) إذ نسخت في رباط النورية في محلة الشونيزية في بغداد على يد مُحَمَّد ابن عبد الرحمان ابن مُحَمَّد بن عبد الرحمان الإسفراييني، وهي قليلة الخطأ نادرة السقط، وقد رمزنا لها بالرمز (ب).
_________________
(١) انظر: فهرس مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة في بغداد ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
[ ٥٨ ]
٣. نسخة ثالثة محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة أيضًا بغداد، برقم (٣/ ٢٧٧٣ مجاميع) في (١١١ ورقة)، تحوي كل ورقة صفحتين في كل صفحة ثلاثة وعشرون سطرًا، بمعدل تسع كلمات في السطر الواحد، في بعض الأحيان عليها حواشٍ، خطها واضح ومقروء، وهي حديثة العهد إذ نسخت سنة (١١٢٥ هـ)، في مدينة انطاكية عَلَى يد أبي بكر بن حاج أحمد بن شيخ مُحَمَّد المؤذن بجامع الصوفية، ورمزنا لها بالرمز (ج).
ثانيًا: النسخ المطبوعة
بغية التوصل إلى نص صحيح اعتمدنا عَلَى نسخ مطبوعة، ولا سيّما أن كلًا مِنْهُم اعتمد نسخًا خطيةً أُخْرَى لضبط النص، وهذه النسخ هي:
١. النسخة المطبوعة بتحقيق الدكتور نور الدين عتر، والتي نشرتها المكتبة العلمية في المدينة المنورة سنة (١٣٨٦هـم) ورمزنا لها بالرمز (ع).
٢. النص المطبوع مع كتاب محاسن الاصطلاح للبلقيني بتحقيق الدكتورة عائشة
عَبْد الرحمان (بنت الشاطئ) نشر وطباعة دار الكتب في بيروت سنة
(١٩٧٤ م)، ورمزنا لها بالرمز (م).
٣. النص المطبوع مع كتاب التقييد والإيضاح للحافظ العراقي، بتحقيق عبد الرحمن مُحَمَّد عثمان، المطبوع في مطبعة العاصمة في القاهرة ونشرته المكتبة السلفية في المدينة المنورة سنة (١٣٨٩هـ- ١٩٧٠ م)، ورمزنا لها بـ: (التقييد).
٤. النص الَّذِي ضمّنه الأبناسي في كتابه " الشذا الفياح "، والذي حققه صلاح فتحي هلل، نشر مكتبة الرشد بالاشتراك مَعَ شركة الرياض في المملكة العربية السعودية، سنة (١٤١٨ هـ١٩٩٨ م)، ورمزنا لها بـ: (الشذا).
المبحث الرابع: منهج التحقيق
يمكننا أن نلخص منهج التحقيق الذي سرنا عليه والتزمناه في تحقيقنا لكتاب
" معرفة أنواع علم الحديث " في ما يأتي:
[ ٥٩ ]
١. حاولنا ضبط النص قدر المستطاع معتمدين على النسخ الخطية، ومستعينين بما نثق به من الكتب والطبعات السابقة للكتاب، مع مراجعة المصادر المباشرة للمؤلف، ككتب المتون والأسانيد، وكتب الرجال على اختلاف ألوانها.
٢. خرّجنا الآيات الكريمات من مواطنها في المصحف، مع الإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية.
٣. خرّجنا الأحاديث النبوية الكريمة تخريجًا مستوعبًا حسب الطاقة، وبينا ما فيها من نكت حديثية، ونبّهنا على مواطن الضعف، وكوامن العلل مستعينين بما ألّفه الأئمة الأعلام جهابذة الحديث ونقّاد الأثر في هذا المجال.
٤. خرّجنا أكثر نقولاته عن العلماء وذلك بعزوها إلى كتبهم.
٥. تتبّعنا المصنف فيما يورده من المذاهب سواء أكانت لغوية أم فقهية أم غيرها؟ ووثّقناها من المصادر التي تعنى بتلك العلوم.
٦. لم يكن من وكدنا أن نترجم للأعلام الذين يذكرهم المصنف رغم فائدتها التي لا تخفى، مقدمين دفع مفسدة تضخم الكتاب، على مصلحة التعريف بهؤلاء الأعلام، على أن الكتاب لا يخلو من التعريف ببعضهم.
٧. قدّمنا للكتاب بدراسة نراها - حسب اعتقادنا - كافية كمدخل إليه.
٨. لم نألوا جهدًا في تقديم أي عمل يخدم الكتاب، وهذا يتجلى في الفهارس المتنوعة التي ألحقناها بالكتاب، بغية توفير الوقت والجهد على الباحث.
٩. قمنا بشكل النص شكلًا كاملًا.
١٠. علّقنا على المواطن التي نعتقد أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان.
١١. ذيّلنا الشرح بالمهم من نكت وتعليقات، ممّا أغنى الكتاب وتمّم مقاصده.
١٢. حاولنا جاهدين إيراد النكت والتعقبات وأجوبتها في أكثر الأحيان من مصادرها الأصيلة كـ" نكت الزركشي " و" نكت العراقي " و"نكت ابن حجر" و" البحر الذي زخر " وغيرها.
[ ٦٠ ]
وبعد هذا كلّه، فلسنا من الذين يدّعون الكمال لأنفسهم أو أعمالهم، وليتذكر من يقف على هفوة أو شطحة قلم أن يقدّم النظر بعين الرضا على الانتقاد بعين السخط، وليضع قول الإمام الشافعي - ﵀ - نصب عينيه إذ يقول:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَةٌ ولَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاويَا (١)
سبحان ربك ربّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ديوان الإمام الشافعي: ٩١.
[ ٦١ ]
صور للمخطوطات
[ ٦٢ ]