هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ الْحُذَّاقُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُمْ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ مُفِيدٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَنْ يَعْرَى مِنَ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ؟ "
فَمِثَالُ التَّصْحِيفِ فِي الْإِسْنَادِ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ مُرَاجِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا. . . " الْحَدِيثَ، صَحَّفَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ: " ابْنُ مُزَاحِمٍ " بِالزَّايِ وَالْحَاءِ، فَرُدَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ " ابْنُ مُرَاجِمٍ " بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ.
وَمِنْهُ: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ (﵂) " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ "،
[ ٢٧٩ ]
قَالَ أَحْمَدُ: " صَحَّفَ شُعْبَةُ فِيهِ، فَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ "، وَقَدْ رَوَاهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَهُ أَحْمَدُ.
وَبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ قَالَ فِيمَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: " وَمِنْهُمْ عُتْبَةُ بْنُ الْبُذَّرِ "، قَالَهُ بِالْبَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَرَوَى لَهُ حَدِيثًا، وَإِنَّمَا هُوَ " ابْنُ النُّدَّرِ " بِالنُّونِ وَالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ.
وَمِثَالُ التَّصْحِيفِ فِي الْمَتْنِ: مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ كِتَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ إِلَيْهِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ "، وَإِنَّمَا هُوَ بِالرَّاءِ " احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ بِخُصٍّ أَوْ حَصِيرٍ حُجْرَةً يُصَلِّي فِيهَا "، فَصَحَّفَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ لَهُ.
وَبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " أَنَّ غُنْدَرًا قَالَ فِيهِ " أَبِي "، وَإِنَّمَا هُوَ " أُبَيٌّ " وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: " ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
[ ٢٨٠ ]
وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً "، قَالَ فِيهِ شُعْبَةُ " ذُرَةً " بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ، وَنُسِبَ فِيهِ إِلَى التَّصْحِيفِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " تُعِينُ الصَّانِعَ "، قَالَ فِيهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ " الصَّانِعُ " بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، ضِدُّ الْأَخْرَقِ.
وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَلَّامٍ - هُوَ الْمُفَسِّرُ - حَدَّثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) قَالَ: " مِصْرَ "، وَاسْتَعْظَمَ أَبُو زُرْعَةَ هَذَا وَاسْتَقْبَحَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ " مَصِيرَهُمْ ".
وَبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى أَبَا مُوسَى الْعَنَزِيَّ حَدَّثَ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " لَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ " فَقَالَ فِيهِ: " أَوْ شَاةٍ تَنْعِرُ " بِالنُّونِ، وَإِنَّمَا هُوَ " تَيْعِرُ " بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ يَوْمًا " نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ، قَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَيْنَا "، يُرِيدُ مَا رُوِيَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إِلَى
[ ٢٨١ ]
عَنَزَةَ " تَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى قَبِيلَتِهِمْ، وَإِنَّمَا الْعَنَزَةُ هَاهُنَا حَرْبَةٌ، نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَصَلَّى إِلَيْهَا.
وَأَظْرَفُ مِنْ هَذَا مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَعْرَابِيٍّ زَعَمَ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاةٌ، أَيْ صَحَّفَهَا عَنْزَةً بِإِسْكَانِ النُّونِ.
وَعَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصُّولِيَّ أَمْلَى فِي الْجَامِعِ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ "، فَقَالَ فِيهِ " شَيْئًا " بِالشِّينِ وَالْيَاءِ.
وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيَّ الْإِمَامَ كَانَ - فِيمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ - يَقُولُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْكُهَّانِ: " قَرَّ الزُّجَاجَةِ " بِالزَّايِ، وَإِنَّمَا هُوَ " قَرَّ الدَّجَاجَةِ " بِالدَّالِ.
وَفِي حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الَّذِينَ يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ "، ذَكَرَ
[ ٢٨٢ ]
الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ وَكِيعٍ أَنَّهُ قَالَهُ مَرَّةً بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَأَبُو نُعَيْمٍ شَاهِدٌ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُصَنِّفٍ أَنَّ ابْنَ شَاهِينَ قَالَ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ فِي الْحَدِيثِ: " أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ تَشْقِيقٍ الْحَطَبِ "، فَقَالَ بَعْضُ الْمَلَّاحِينَ: يَا قَوْمُ! فَكَيْفَ نَعْمَلُ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ.
قُلْتُ: فَقَدِ انْقَسَمَ التَّصْحِيفُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَتْنِ، وَالثَّانِي فِي الْإِسْنَادِ.
وَيَنْقَسِمُ قِسْمَةً أُخْرَى إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَصْحِيفُ الْبَصَرِ، كَمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ.
وَالثَّانِي: تَصْحِيفُ السَّمْعِ، نَحْوُ حَدِيثٍ (لِعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: " عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ " فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ تَصْحِيفِ السَّمْعِ، لَا مِنْ تَصْحِيفِ الْبَصَرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْتَبِهُ مِنْ حَيْثُ الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِيهِ سَمْعُ مَنْ رَوَاهُ.
وَيَنْقَسِمُ قِسْمَةً ثَالِثَةً: إِلَى تَصْحِيفِ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَإِلَى تَصْحِيفٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، كَمِثْلِ مَا سَبَقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ إِلَى عَنَزَةَ.
[ ٢٨٣ ]
وَتَسْمِيَةُ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَصْحِيفًا مَجَازٌ.
وَكَثِيرٌ مِنَ التَّصْحِيفِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَكَابِرِ الْجِلَّةِ لَهُمْ فِيهِ أَعْذَارٌ لَمْ يَنْقُلْهَا نَاقِلُوهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، وَهُوَ أَعْلَمُ.