دُونكَ - رحمكَ اللهُ - المُصطَلحات والقوَاعِد والضَوَابِط التي يَحتَاجُهَا طَالبُ الحديث المُبتَدِئ؛ أذكُرُها مُجرَّدَةً مِنْ غَيْرِ تَوسعٍ فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ مَبَاحِثِ عُلومِ الحَدِيثِ، لِتَكُونَ لَهُ مَدْخَلًا أوَلِيًا إلَى كُتُبِ المُتونِ وَالعِلَلِ وَالسُؤَالَاتِ وَالجَرْحِ وَالتَعْدِيلِ، وأقتصد في الأمْثِلَة فَأقتَصِرُ عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ لِئَلا يَطُولُ الكِتَابُ.
دَقِيْقَةٌ مُهِمَّةٌ لَا بُدَّ مِنْ ضَبْطِهَا
ليعلم طالب علم الحديث: أنه ليس يصلح أن يصنف أحدٌ رسالةً في علوم الحديث وينتقي فيها تعريف عالم ما لمصطلح يقْصُر عليه كل المعاني عند باقي العلماء.
وذلك أنَّ لكل عالم اصطلاحه الخاص به ومراده الذي يعنيه هو، والذي يجب أن يتميز عن اصطلاح غيره، حتى لا تختلط المصطلحات، وتُسْتَشكَل المفاهيم، وتتضارب الأحكام على الأحاديث.
فعلى سبيل المثال: لو أن أحدًا صنف في المصطلح وانتقى في تعريف الحديث الحسن قول من قال: إنه رواية من خَفَّ ضبطه، وترك باقي التعاريف التي جاءت عن علماء آخرين، فإن من يصنع هذا يجعل طالب العلم لا يعرف في تعريف الحسن إلا هذا المعنى، ولن يتبادر إلى ذهنه كلما قرأ لفظ الحسن لعالم ما إلا أن مراده هذا المعنى دون غيره، في حين قد يكون مراده غير هذا المعنى في معاني تعريف الحسن عند غيره من العلماء (١).
_________________
(١) على ما سيأتي - إن شاء الله - في مبحث الحديث الحسن.
[ ١٥ ]
شَيءٌ مِنْ فَضْلِ أَهْلِ الحَدِيث
قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩].
الحكمة: هي السنة.
وفي حديث أبي قِلابة عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ يَخْذُلهُمْ، حَتَّى يَأتِيَ أمْرُ الله". أخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي.
فَهُم الطائفة المنصورة، ولقد ثبت عن أهل العلم أن المراد بهذه الطائفة هم أهل الحديث، منهم: عبد الله بن المبارك، وابن المديني، وأحمد، والبخاري. انظر "سنن الترمذي" (٢١٩٢) و"الإلماع" للقاضي عياض (١/ ٢٧).
وثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا ثُمَّ أدَّاهَا إِلى مَنْ لَم يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُو أفْقَهُ مِنْه". أخرجه الطيالسي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جَرِيْر عن زيد بن ثابت. وأخرجه أحمد، والدارمي، وأبو يعلى، وابن جَرِيْر عن جبير بن مطعم. وأخرجه ابن ماجه، والترمذي عن ابن مسعود.
فَهُم: المبيَّضَةُ وجوههم في الدُّنيا والآخرة.
قال ابن عُيَيْنَة: ليس أحد من أهل الحديث إلا في وجهه نضرة لهذا الحديث. "نظم المتناثر" (١/ ٤).
وقال الشافعي: إذا رأيتُ صاحب حديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ -. "العلو والنزول" لابن القيسراني (١/ ٤٥).
وقال أحمد بن سُريج: أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء لاعتنائهم بضبط الأصول. "المستخرج على المستدرك" (١/ ١٤).
وقال الفضل بن زياد: سألتُ أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عن الكرابيسي، وما أظهر؟ فكَلَح وجهه، ثم قال: إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب. "شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي (١/ ٥).
[ ١٦ ]
قال الخطيب: لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها؛ لبطلت الشريعة وتعطَّلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة. "الكفاية" (١/ ٢).
تَعْرِيْفَاتٌ أَوَّلِيَّةٌ
عِلمُ الحَدِيث: علم بأصول ومناهج ومصطلحات يتوصل به إلى تمييز سنن النبوة، وضبطها.
فهو علم يتوصل بها إلى معرفة أحوال السند والمتن، من حيث القبول والرد، ليتميز بها صحيح الأحاديث من سقيمها.
ويطلق عليه في تصانيف أهل الحديث المتقدمين "علوم الحديث" أو "أنواع علوم الحديث". ونحوها من المسميات. كما سماه الحاكم "معرفة علوم الحديث".
والمتأخرون يطلقون عليه اسم: علم مصطلح الحديث.
وهو خطأ، فإنه أعم من الاصطلاح.
أقْسَامُ عُلُوْمِ الحَدِيث: ليس له عند المتقدمين أقسام.
وعند المتأخرين: قسمان: علم الرواية، وعلم الدراية.
عِلمُ الرِّوَايَة: هو حفظ الحديث والأثر، وروايتهما، وضبط وتحرير ألفاظهما.
كالحفظ في الصدور، ومعرفة فقه المتن، ومعاني ألفاظه، وضبط المسطور من التحريف والتغيير.
عِلمُ الدِّرَايَة: جملة العلوم المتعلقة بأحوال السند والمتن.
كالجرح والتعديل، والعلل، والتخريج، والقواعد، والمصطلحات، والمناهج الحديثية.
ومادة علوم الحديث خمسة: علم مصنفات الحديث ومناهج مؤلفيها، وعلم مصطلح الحديث، وعلم علل الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وعلم التخريج.
[ ١٧ ]
استمداد علوم الحديث: من كتب المتون والعلل والسؤالات والجرح والتعديل.
واضعوه: علماء الحديث.
واعلم أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (١).
فلا تؤخذ علوم الحديث ولا الحكم عليه عمن تأصل فيه على طريقة المتأخرين، ولا عن مبتدع لا يجري على اعتقاد أهل القرون المُفَضَّلَة الثلاثة الأولى، ولا عن فاسق، ولا عن متمذهب متعصب لمذهبه.
غاية علم الحديث: تمييز المقبول من المردود.
ولا يستطاع هذا العلم إلّا بالحفظ والمذاكرة وممارسة الأسانيد والمتون.
وقواعد المصطلح والحكم على الرواة اجتهادية، توفيقية.
وقد أنعمت النظر في أحوال الأئمة المتقدمين وتعاملاتهم مع هذا العلم وصنيعهم فيه فتبين لي: أنَّ الله تعالى أراده لهم، وهداهم لما قرروه فيه، ووفقهم إليه وأعانهم عليه.
ومن هنا لا يحل لأحد أن يخالفهم فيه، فإنهم مهديون موفقون معانون.
فإنهم أقرب لعصر النبوة، وأصلح اعتقادًا وألزم للسنة وأثبت في المتابعة.
وهذا أصل ينبغي التفطن له، والاعتناء به.
المصطلح: عبارة يطلقها عالم أو طائفة مخصوصة على أمر معين يريد بها معناها عنده.
كالثقة عند ابن معين، والمنكر عند أحمد، والباطل عند أبي حاتم، وفيه نظر عند البخاري، والحسن عند الترمذي.
السُّنَّة: عند المحدثين يُراد بها الحديث (٢).
_________________
(١) هو مروي عن أبي هريرة، وابن عباس، والحسن البصري، وزيد بن أسلم، وابن سِيرِين، وإبراهيم النَّخَعِيّ، والضحاك بن مزاحم. أقول: وتصور نفسك لو كان ابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبو حاتم أحياء، وقد عاصرهم ابن حجر والسيوطي وبعض علماء عصرنا، وعندك مسألة في الحديث، فمن يا ترى تسأل؟ أكنت تسأل أحمد أم ابن حجر، أم تسأل البخاري أم السيوطي؟ والجواب معروف لا ريب.
(٢) وعند الفقهاء: ما كانت مرادفة للمستحب، وعند الأصوليين: ما أفاد حكمًا من قول أو فعل أو تقرير، وعند المصنفين في العقائد: ما كان في مقابل البدعة.
[ ١٨ ]
الحَدِيث: هو ما ورد عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة.
وَالمتقدمون لا يفرقون في العادة بين الحديث والخبر والأثر من جهة الإطلاق، فقد يطلقون الحديث على الخبر والأثر؛ لأن الأمر سهل عندهم.
قال ابن المديني: قَالَ [يعني الحسن]: وَرَأيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُبَايِعُ عَلِيًا فِي حُشٍ، وَخَالَفَهُ مُوسَى بْن دَاوُدَ قَالَ: رَأيْتُ طَلحَةَ يُبَايِعُ عَلِيًا فِي حُشٍ، فَسَألَهُ خَالِدُ بن القَاسِمِ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: لَيْسَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، وَالحسن لم ير عَلِيًا إِلَّا أنْ يَكُونَ رَآهُ بِالمَدِينَةِ وَهُوَ غُلَام. العلل لابن المديني (٥٩).
وقال ابن أبي حاتم: وسألتُ أبِي وَأبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ شُعْبَة، عن منصور، عن الفَيْضِ، عن ابن أبِي حَثْمة، عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كَانَ إِذَا خرجَ مِنَ الخَلاء قَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي عَافَانِي، وَأذْهَبَ عَنِّي الأذَى؟
فَقَالَ أبُو زُرْعَةَ: وَهِمَ شُعْبَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ.
وَرَوَاهُ الثوريُّ، فَقَالَ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ عُبَيد بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أبِي ذَرٍّ؛ وَهَذَا الصَّحيحُ. علل الحديث لابن أبي حاتم (٤٥).
ومنهم من فَرَّقَ فجعل:
الحَدِيث: يختص بما أضيف للرسول ﷺ.
وَالأثَر: يختص بما أضيف إلى من دون الرسول ﷺ من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم.
وقد يطلق الأثر على ما أضيف للرسول ﷺ مقيدًا.
كأن يقال: "وفي الأثر عن النبي ﷺ ".
وَالخَبر: يَعُمُّ الحديث والأثر.
وينقسم الحديث إلى: إسناد، ومتن.
السَّنَد: هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن.
ويقال له: الإسناد.
[ ١٩ ]
ويقال: سلسلة الرجال وهذا وإن كانت الأسانيد فيها النساء والصغار، لكن الوصف بالغالب لغة العرب.
وللإسناد معنى آخر: وهو: عزو الحديث إلى قائله مسندًا.
الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (١).
المَتْن: هو ما انتهى إليه السند من كلام.
مِثَالُ السَّنَد والمَتْن:
كحديث: قُتَيْبَة بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن سَعِيدٍ يَقُولُ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهِيمَ أنَّهُ سَمِعَ عَلقَمَةَ بن وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيةِ، وَإِنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". أخرجه الجماعة.
فسند الحديث: قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول
ومتن الحديث: هو من قول النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنية إلى قوله ﷺ: فهجرته إلى ما هاجر إليه".
التَّقْرِيْر: سكوته ﷺ عن فِعْلٍ حَدَثَ في عصره.
الصِّفَة: وصف النبي ﷺ الخَلقِي والخُلُقِي.
مِثَالُ الحَدِيث القَوْلِيّ:
حديث: ابْن أبِي ذِئْبٍ، عَنْ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالي المرءُ أبِحَلالٍ أخَذَ المالَ أمْ بِحَرَامٍ" أخرجه أحمد، والدارمي، والبخاري، والنسائي.
_________________
(١) قاله ابن المبارك كما في "مقدمة صحيح مسلم" (١/ ١٧)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١٧)، والترمذي في "العلل الصغير" (ص ٨٧).
[ ٢٠ ]
مِثَالُ الحَدِيث الفِعْليّ:
حديث: الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، وإسحاق، ومسلم، وأبو داود.
مِثَالُ الحَدِيث التَّقْرِيْرِيّ:
حديث: عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِر، قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ المشْرِكِينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. أخرجه أحمد، وأبو داود.
مِثَالُ الحَدِيث الوَصْفِيّ (صِفَة خَلقِيَّة):
حديث: شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ": "ضَلِيعَ الفَمِ، أشْكَلَ العَيْنِ، مَنْهُوسَ العَقِبَيْنِ" أخرجه الطيالسي، وأحمد، ومسلم، والترمذي.
مِثَالُ الحَدِيث الوَصْفِيّ (صِفَة خُلُقِيَّة):
حديث: شُعْبَة، أخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبِي عُتْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ وَجْهِهِ" أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو يعلى.
المُتَقَدِمُون: مَنْ كان مِنْ أهل الحديث إلى عصر الدارقطني.
كمالك وطبقته، وشعبة وطبقته، وابن مهدي وطبقته، وأحمد وطبقته، والبخاري وطبقته، والترمذي وطبقته، والنسائي وطبقته.
المُتَأخِّرُوْن: مَنْ أتى بعد الدارقطني، كالخطيب البغدادي، والنووي، وابن الصلاح، والعراقي، وابن حجر، والسيوطي، إلى عصرنا (١).
_________________
(١) ويستثنى من هذا من كان من هؤلاء المتأخرين على منهج المتقدمين، كابن عبد الهادي، وابن رجب، ومن المعاصرين: المعلمي اليماني، وأبي المعاطي النوري، ومحمد عمرو بن عبد اللطيف، وعبد الله السعد وحمزة الملباري، وأمثالهم.
[ ٢١ ]
والحد الفاصل بينهم منهجي أكثر منه زمني، فمن كان على منهج المتقدمين فهو منهم وإن تأخر عنهم زمنًا.
وجعل الذهبي الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، هو: رأس سنة ثلاثمائة هجرية.
وحدَّ ابنُ حجر المتأخرين: بمن بعد الخمسمائة، وفيه نظر.
اسْتِقْرَارُ الاصْطِلَاح: حمل المصطلحات على ما اختاره ابن حجر في مصنفاته (١).
وهذا خطأ فإن الاصطلاح استقر عند المتقدمين، فكل اصطلاح بعدهم غاير اصطلاحهم لا عبرة به.
فلا يعترض على المتقدمين في التعريفات ولا ينتقد عليهم، ولعل هذا لأن القوم كانوا لا يتكلفون في التعريفات ولا يدققون في حدودها، وإنما يتكلمون بأمر عام، أو مقارب، وأنهم إنما تعاملوا مع هذا الفن عمليًا، وليست طريقتهم كطريقة المتأخرين، في تكلف التعريفات، وعدم صونها عن الإسهاب، والتوسع في تفعيل الجانب النظري.
فلا يلتفت إلى مقالات المتأخرين في تحرير اصطلاحات المتقدمين، فإنها بنيت في الفهم على منهاج غير أهل الحديث أصلًا، أو أن مُطْلِقَها بدا له أمر لأول وهلة فظنه نهائيًا، فقال به من غير أن يستقصي أو يتثبت.
ثم جاء مَن بَعده فقلده فانتشرت وشاعت وتتابع الناس عليها ثقةً بمن نُقِلَت عنهم.
فلا بد من سبر مصنفات المتقدمين في الحديث، ثم تتبع ألفاظ الأئمة المتقدمين، وحمل المصطلح على مرادهم لا على فهم المتأخرين، ومن ثَمَّ بناء علوم الحديث والتخريج والعلل والأحكام عليها.
ولا بد من المراجعة من جديد والغربلة، وإزاحة المفاهيم المغلوطة على المتقدمين.
والحل الأمثل هو حفظ مصطلحات الأئمة واحدًا واحدًا.
_________________
(١) وهذا هو أصل المشكلة في عدم فهم المتأخرين من بعد ابن حجر لمنهج المتقدمين، فإنك لا تكاد تسأل عن اصطلاح إلّا أجابك أحدهم بما عَرَّفَهُ ابن حجر.
[ ٢٢ ]
المُسْنَد: على معان:
الحديث المتصل.
ما روي بالسند.
كل كتاب فيه أحاديث كل صحابي على حدة (١).
مثل: "مسند أبي داود الطيالسي"، و"مسند الحميدي"، و"مسند أحمد".
اخْتِصَارُ الحَدِيث: هو الاقتصار على بعض ألفاظ الحديث، لتحرير معنى مراد من حديث طويل.
كما يفعله ابن أبي شيبة في "مصنفه"، والبخاري في كتابه "الصحيح".
أو تلخيص معنى الحديث، بالتصرُّف في ألفاظه.
كما فعل شعيب بن أبي حمزة في حديث: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار، فقد اختصر بهذا حديثين:
الأول: توضؤوا مما مست النار.
والثاني: أكل ﷺ كتفًا وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه أبو داود، والنسائي.
الصَّحِيْحُ
المقْبُولُ مِن الرُّوَاة: يشمل العدل الذي تَمَّ ضبطه، والذي خَفَّ ضبطه.
وجعله ابن حجر، في "التقريب": المجهول إذا توبع، وهو خطأ.
الحَدِيث الَمقْبُوْل: ما استوفى شروط القبول من أعلاها إلى أدناها.
الصَّحِيْح: ما اتصل سنده بنقل الثقة من غير علة.
وَالمتقدمون يطلقون اسم الصحيح على كل ما يحتج به عندهم، فيعم الصحيح والحسن بمعناه عند المتأخرين.
_________________
(١) وسيأتي له بإذن الله معانٍ أخرى، انظرها في مبحث المسند، وإنما ذكرت هنا ما يُقْصد به في هذا الموضع من تصانيف المصطلح.
[ ٢٣ ]
وعند المتأخرين: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا (١).
تنبيه: الشذوذ من جملة العلل الخفية؛ فلم أذكره في تعريف الصحيح، كما صنع المتأخرون.
مثال الصحيح: حديث: مُسَدَّد حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أبِي قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بن مالك ﵁ قَالَ: كان النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبنِ وَالَهرَمِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المحْيَا وَالممَاتِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي.
والحديث إذا ثبت فهو حجة يتعبد الله به.
المَعْرُوْف: هو الحديث المشهور الصحيح عند المتقدمين.
وعند المتأخرين: ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الضعيف.
فائدة: الأحاديث لها طرق مسلوكة معروفة، فإذا جاءت الأحاديث من غير هذه الطرق فهي مَظِنَّةُ وجود العلة.
الثِّقَة: هو من جمع بين العدالة في الدِّين، والضبط لمحفوظه.
العِلَّة: هي سبب غامض خفي يقدح في حديث ظاهره الصحة (٢).
وعلة المتن غالبًا ما تكون مرتبطة بعلة الإسناد.
العَدَالَة: هي الاستقامة في الدِّيْن والمروءة في الخُلُق.
ومردها بالجملة إلى هذين الأمرين.
العَدْل: من سدَّد وقارب، وغلب خيره على شره.
وإن شئت فقل: من لم يكن فاسقًا ولا مبتدعًا.
_________________
(١) وهذا تفصيل وشرح أكثر منه تعريفًا، والأصل أن التعاريف تصان عن الإسهاب.
(٢) ولم أقل ظاهر إسناده؛ لأن العلة قد تكون في المتن كذلك.
[ ٢٤ ]
وهو من يجتنب كبائر الذنوب، ويتقي في الغالب صغائرها، وليس من شرط العدالة ألّا تقع منه المعصية، غير أن عليه المسارعة في التوبة، فليس ثمة أحد معصوم بعد النبي ﷺ.
الفِسْق: مِثل شرب الخمر، والزنى، والسرقة، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والتولي يوم الزحف، ونحوها، فراوي هذا الصنف متروك لا يُقْبَل (١).
شَرْطُ العَدَالَة: أن يكون الراوي مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، غير فاسق، ولا مخروم المروءة، وفي المبتدع تفصيلٌ ونزاعٌ.
شُرُوْطُ قبُوْلِ الأدَاء: العقل، والبلوغ، والإسلام، والاستقامة.
البَالِغ: من نبت شعر عانته وإبطيه.
المُرُوْءَة: هي تجنب الأدناس، والترفُّع عما يشين عند الناس.
واشتراط العدالة والضبط لا يدخل فيه الصحابة؛ لأنهم كلهم عدول.
واعلم أنَّ الطعن في الرواة بسبب خوارم المروءة نظري (٢).
فائدة: الصحابة ﵃ كلهم عدول، بإجماع أهل الحديث، فلا يبحث عن حالهم ﵃ في الأسانيد.
الضَّبْط: هو الإتقان والتثبت، بأن يتقن الراوي الحديث من سماعه حتى أدائه.
وهو قسمان: ضبط صدر، وضبط كتاب.
ضَبْطُ الصَّدْر: أن يحفظ الراوي ما سمعه فيستحضره متى شاء.
ولا يلزم من كونه ضابطًا أنه لا يخطئ، إذ ليس من حد الحافظ أن لا يخطئ.
قال سفيان الثوري: "لَيْسَ يَكَادُ يُفْلِتُ مِنَ الغَلَطِ أحَدٌ، إِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَى الرَّجُلِ الحِفْظُ فَهُوَ حَافَظٌ وَإِنْ غَلَطَ، وَإِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَيْهِ الغَلَطُ تُرِكَ" الكفاية للخطيب (ص: ١٤٤).
فقد أخطأ مالك، والأوزاعي، وابن عيينة، وابن المبارك، وشعبة، وغيرهم.
_________________
(١) والحمد لله لم يوجد عند فاسق حديثٌ ليس عند الثقات العدول في سنتنا.
(٢) ولا يعلم راوٍ رُدَّت روايته لانخرام مروءته، وما نقل عن شعبة لم يتابع عليه، ولم يعمل به.
[ ٢٥ ]
فقال مالك في راوي حديث الجارية: (عمر بن الحكم) وإنما هو (معاوية بن الحكم السلمي).
ووهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة: فقال عن أبي قلابة عن عمه أبي المهاجر.
وإنما هو أبو المهلب اسمه عمرو بن معاوية بن زيد الجرمي.
ووهم سفيان فحدث عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة أن النبي ﷺ أردف.
إنما هو عن كريب سمعه من أسامة نفسه.
وقال ابن المبارك في راوي حديث: "رأيت على أنس خفين أبيضين" عن بقية عن (محمد بن زياد). أهـ.
وهم فيه ابن المبارك إنما هو (مسلم بن زياد).
ووهم شعبة في حصين بن عقبة فقال: حصين بن سمرة.
ضَبْطُ الكِتَاب: هو أن يصون كتاب مروياته عن التحريف والتبديل، منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.
وبعض الرواة لا يحفظ إلا ما في كتابه، فلا يقبل إلّا ما رواه من كتابه.
كحفص بن غياث، ومحمد بن مسلم الطائفي، ويحيى بن أيوب الغافقي.
والطعن في الراوي في عدم ضبط الكتاب إنما يكون فيمن ليس له حفظ إلّا من الكتاب.
ويعرف تحديث الراوي من كتابه بأحد أمور:
أ - بتصريحه أنه حدَّث من كتابه.
ب - أن يُعرف من طريقته أنه لا يحدث إلا من كتابه.
ت - إذا قلَّ الخطأ في حديثه.
مَرَاتِبُ الضَّبْط: هي درجاته من حيث التمكن.
وليس في الضبط مقدار منضبط، وإنما المرجع إلى كثرة حديث الراوي وقلته، ونوع الخطأ.
وهي أربعة:
[ ٢٦ ]
١ - تام الضبط.
٢ - خفيف الضبط (١).
وهاتان المرتبتان مقبول من اتصف بهما.
٣ - كثير الغلط.
وهذه يُقْبَلُ في المتابعات من اتصف بها، وقد يُقْبَلُ لذاته.
٤ - من غلب خطؤه على حفظه حتى كثر.
وهذه مردود من اتصف بها، وقد يُقْبَلُ في المتابعات.
وقال ابن مهدي: الناس ثلاثة؛ رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه. ضعفاء العقيلي (١/ ١٣).
ومما يعرف به الضبط سبر مرويات الراوي ومقارنتها بمرويات الثقات لينظر في موافقته ومخالفته لهم، وباختبار الراوي، وبالمذاكرة.
المُذَاكَرَة: رواية الحديث على سبيل الاستذكار لتقوية الحفظ وتثبيته.
وقد لا يُذكر من الإسناد إلا أصله، ومن المتن إلا طرفه.
وليس من شأنهم فيها الحرص على الدقة في أداء الرواية كما يحرصون عليها في مجالس التحديث.
الخَطَأُ الفَاحِش: غلبة الوهم والخطأ والمنكرات في حديث الراوي حتى يفحش.
سُوءُ الحِفْظ: هو عدم ضبط المرويات.
ومنه الشديد ومنه الخفيف، ومنه العارض ومنه الدائم.
الاخْتِلَاط: هو فساد في العقل يطرأ على الراوي لعارض، يمنع من قبول روايته بعده.
_________________
(١) وهذه حال رواة الحسن عند المتأخرين.
[ ٢٧ ]
العَارِض: خرف، أو احتراق كتب، أو هدم منزل، أو فقد حبيب، أو مرض، أو حجامة، ونحو هذا من العوارض.
الرَّاوِي المُخْتَلط: من زال ضبطه بأمر طارئ، فاختلط عليه الحفظ.
التَّغَيُّر: هو أن يطرأ على الحفظ بعض السوء الخفيف لكبر سن، مع بقاء الحفظ في الجملة.
والتغير عند المتقدمين من الاختلاط. والمتأخرون يفردون له اصطلاحًا خاصًا به.
كأبي إسحق السَّبِيعِيّ فقد تغير قليلًا، قال عنه اختلط بل تغيَّر قليلًا، وهشام بن عروة، كبر وتغير فأخطأ في بعض الأحاديث.
ومثل هؤلاء يُرَدُّ من حديثهم ما علم أنهم أخطؤوا فيه.
والمختلط الثقة لا يعتدُّ بروايته إلّا من طريق ثقة عرف أنه أخذ عنه قبل اختلاطه.
كرواية خَالِد بْن الحارث، وعبد الأعلى بْن عبد الأعلى، وعبد الوهاب بْن عطاء الخَفَّاف، عن سعيد بن أبي عروبة، البصري.
ومن لم يتبين من الرواة المختلطين متى وقع السماع منه: قبل الاختلاط أو بعده، تُرِك، وقد يُعتبَرُ به.
كصالح مولى التوأمة فقد قيل أنه لم يتميز حديثه القديم من الجديد.
ومنهم من لم يضر الاختلاط حديثه، إما لقصر مدة الاختلاط وقلته وإما لعدم روايته حال اختلاطه.
كأبان بن صَمْعَة، فقد ذكر ابن عدي أنه مع ذلك لم يجد له حديثًا منكرًا.
وسفيان بن عُيينة، لقلته.
وجرير بن حازم، فقد منعه بنوه من التحديث.
ومن المختلطين من كان مُتكلَّمًا فيه قبل الاختلاط، فلم يحصل من اختلاطه إلّا زيادة في ضعفه:
كابن لهيعة، ومحمد بن جابر السُّحيمي، ونحوهما.
[ ٢٨ ]
فائدة: من الرواة من كان حديثه في آخره أحسن من حديثه في أوله.
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: من سمع من همام بأخرة فهو أجود، لأنَّ همامًا كان في آخر عمره أصابته زمانة فكان يقرب عهده بالكتاب، فقل ما كان يخطئ.
قال ابن رجب: ويظهر أن همامًا كان يحدث من حفظه في الغالب فلما كبر حدّث من كتابه وراجعه فصار أضبط. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٢٠٤).
فائدة: قد تقبل بعض أخبار المختلطين إذا كان الراوي عنهم من كبار الحفاظ، ممن يميز صحيح حديثهم.
كرواية شعبة عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِي.
ويعرف الاختلاط الفاحش من اليسير بأمور:
الأول: بتنصيص الأئمة.
والثاني: أن يروى عنه من المنكرات ما يدل على اختلاط عقله تمامًا.
والثالث: بتعامل الحفاظ مع من وصف بالاختلاط، كإخراج مشترطي الصحة في كتبهم عنه.
زِيَادَةُ الثِّقَة: ما زاده بعض الثقات في السند أو المتن، على روايةٍ شاركه فيها ثقاتٌ آخرون.
وتكون في السند والمتن.
ففي السند:
كحديث يرويه البعض بإسناد فيزيد في إسناده أحد الثقات رواة ليسوا عند غيره.
قال ابن أبي حاتم: وسألتُ أبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبة، عَنْ عَلقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ سُلَيمان بْنِ رَزِين، عن سالم بن عبد الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النبيِّ ﷺ؛ فِي الَّذِي تكونُ لَهُ المرأةُ، فيطلِّقها، ثُمَّ يتزوَّجها رجُلٌ، فطلَّقها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، فتَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا الأوَّلِ؟ قَالَ: لا! حَتَّى تَذُوقَ العُسَيْلَةَ؟
[ ٢٩ ]
قَالَ أبِي: قَدْ زَادَ عِنْدِي فِي هَذَا الإِسْنَادِ رِجَالا لَمْ يَذكُرهم الثَّوْري، وليست هذه الزِّيادةُ بمحفوظة. علل الحديث لابن أبي حاتم (١٢٨٨).
يعني: أن شعبة زاد في الإسناد: سالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب.
أو حديث يرويه البعض موقوفًا فيزيد في إسناده أحد الثقات فيجعله مرفوعًا.
كحديث يَحْيَى بْن آدَمَ، قَالَ: حدَّثَنَا قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: إذَا أجْمَرْتُمَ المَيِّتَ فَأجْمِرُوهُ ثَلاثًا.
فَقَالَ يَحْيَى: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ يَحْيَى: وَلَا أظُنُّ هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا غَلَطًا. السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٥٦٨)
وفي المتن:
أن يروي البعض الحديث، فيرويه ثقة شاركه في روايته، فيزيد في متنه.
- وَسُئِلَ الدارقطني عَنْ حَدِيثِ: رِيَاحِ بْنِ الحَارِثِ النَّخَعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: عَشَرَةٌ فِي الجَنَّةِ فَذَكَرَهُمْ.
فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ صَدَقَةُ بْنُ المُثَنَّى، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الحَارِثِ، حَدَّثَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَأبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، وَعُمَرُ بْنُ عِمْرَانَ الطُّفَاوِيُّ، فَاتَّفَقُوا عَلَى إسناده ومتنه.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ الأفْطَسُ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ المُثنَّى بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَا فِيهِ:
أنَّ سَعِيدَ بْن زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَليَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
هَذِهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ صَحِيحَةٌ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ لأنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ.
فَأمَّا عَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ الأفْطَسُ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ.
[ ٣٠ ]
وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْ كَذَبَ. علل الدارقطني (٦٦٧).
وليس لها قاعدة مطردة، وإنما الحكم فيها للمرجحات تبعًا للقرائن والحيثيات.
قال ابن حجر: وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق. النكت على ابن الصلاح (٢/ ٧٧٨).
وذكر ابن حجر العسقلاني منهج الأئمة المتقدمين في قبول الزيادة فقال: المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة. نزهة النظر (ص ٤٩).
ومن ظن أن زيادة الثِّقة ترجح برواية الأكثر أو الأحفظ هكذا مجردًا فقد وهم.
أمثلة على زيادات الثقات:
قال ابن أبي حاتم: وسألتهما عن حديث رواه أبو إسحاق عن الحارث بن مضرب في قصة ابن النواحة. الزيادة التي يزيد أبو عوانة أنه قال: "وكفلهم عشائرهم" هو الصحيح؟ .
فقالا: رواه الثوري ولم يذكر هذه الزيادة، إلا أن أبا عوانة ثقة وزيادة الثقة مقبولة. علل الحديث لابن أبي حاتم (١٣٩٧).
وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ منصور، عن مُجاهِد، عَنْ أبِي عَيَّاش الزُّرَقي، عَنِ النبيِّ ﷺ فِي صَلاة الخَوف.
يزيدُ فِيهَا جرير: "فنزلَتْ آيةُ القَصْرِ بين الظُّهر والعَصر".
هَذِهِ الزِّيادةُ محفوظَة؟
قَالَ: نعم، هُوَ صَحيحٌ. علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٧٢)
[ ٣١ ]
قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، أخْبَرَنَا سُفْيَانُ.
ح وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعَ عِيَاضًا، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: "لَا أُخْرِجُ أبَدًا إِلَّا صَاعًا، إِنَّا كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ صَاعَ تَمْرٍ، أوْ شَعِيرٍ، أوْ أقِطٍ، أوْ زَبِيبٍ".
هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى.
زَادَ سُفْيَانُ: "أوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ" قَالَ حَامِدٌ: فَأنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَتَرَكَهُ سُفْيَانُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: "فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهْمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ" سنن أبي داود (١٦١٨).
القَرَائِن: حيثيات تقترن بالأسانيد والمتون يترجح بها حكم على حكم.
كتعارضٍ في رواية أربعة رواة يتفق ثلاثة على شيء فيها ويخالفهم واحد، فنقول: كثرة الثلاثة قرينة تدل على تقديم روايتهم على رواية الواحد.
"لا نكاح إلّا بولي": كحديث
فقد اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي:
فرواه شعبة والثوري عنه، عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلًا.
ورواه إسرائيل بن يونس في آخرين، عن جده أبي إسحاق، عن أبي بردة عن موسى متصلًا.
فحكم البخاري لمن وصله، لأنَّ الذي وصله عن أبي إسحاق، سبعة منهم إسرائيل حفيده، وهو أثبت الناس في حديثه لكثرة ممارسته له.
هذا وقد كان مردُّ تعامل المتقدمين في الحكم على الحديث والرواة إلى القرائن أكثرَ من مَرَدِّه إلى الضوابط والقواعد.
التَّلقِيْن: هو أن يُقْرَأ على الشيخ ما ليس من حديثه، إيهامًا له أنه من حديثه، أو أن يدفع إليه من غير حديثه فيقرأه، فيقر به.
صور التلقين:
- أن يلقن حديثه هو.
[ ٣٢ ]
- أن يلقن حديث غيره.
- الضرير إذا كتب له ثم لقن ما كتب ليحفظه.
ولا يُقْبلُ حديث من قَبِلَ التلقين.
وممن قبل التلقين: حجاج بن نُصَير القيسي، وعُبيد بن هشام الحلبي، وعثمان بن الهيثم بن جهم العبدي.
- وليس كل تلقين يضر، ولا كل من تلقن يضعف حديثه.
كعبد الرزاق الصنعاني.
وإنما يضر التلقين بالراوي إذا كثر منه، وكان ما تلقنه ليس من صحيح حديثه.
الإِصْرَارُ عَلَى الخَطَأ: وهو أن يبين للراوي أنه أخطأ، فيُصِرُّ ولا يتراجع.
كأحمد بن رشدين، وعلي بن عاصم الواسطي، وأبي الحسين بن قانع.
وجعله بعض النقاد قادحًا فيمن وقع منه.
قال الجديع: القدح في الراوي إنما هو من جهة خطئه، لا من جهة إصراره على ما يحسب نفسه مصيبًا فيه. تحرير علوم الحديث (١/ ٤٦٤).
قال حمزة السهمي: سألته (يعني الدارقطني) عمن يكون كثير الخطأ؟
قال: إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط. سؤالات السهمي.
قيل لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: لِمَ رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها، إلا حديث مالك عن الزهري عن أنس: (إذا حضر العشاء)، فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإن وراقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، وكلمناه فيها فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركت الرواية عنه. الخطيب في "الجامع" (١١٢٠).
[ ٣٣ ]
الحُفَّاظُ
مَرَاتِبُ المُحَدِّثِيْن: هي درجاتهم في الحفظ والعلم والتمكن من العلل وأحوال الرواة.
المُسْنِد: هو من يسند الحديث إلى من روى عنه.
فقد لا يكون له من الحديث إلّا الرواية.
المُحَدِّث: هو من يشتغل بالحديث رواية ودراية حفظًا وفهمًا، فيطلع على غالب الروايات وأحوال رواتها، ويستحضر الأسانيد والمتون والعلل والجرح والتعديل والأجوبة الحديثية.
وفي عصرنا مجرد الاشتغال بالحديث والتخريج والتحقيق صار يُعدُّ من التحديث، ويطلق على منتحله محدثًا.
الحَافِظ: هو المتقن المكثر من الرواية، الذي يعلم من أحوال الرواة والمرويات أكثر مما يجهل.
والحافظ مرادف للمحدث عند كثير من المحدثين.
وقال البعض: الحافظ أرفع درجة من المحدث، بحيث يكون ما يعرفه في كل طبقة أكثر مما يجهله.
وقيد البعض مرتبة الحفظ بعدد الأحاديث المحفوظة.
فقيل: هو من حفظ مئة ألف حديث. وقيل: من حفظ أكثر.
قلت: ولعل الحافظ في عصرنا من يحفظ الكتب الستة رواية ودراية.
فائدة: ليس شرطًا أن يكون الحافظ عدلًا في دينه ولا صادقًا، إلا في قبول الرواية.
الحُجَّة: قيل: هو من حفظ ثلاثمائة ألف حديث (١).
الحاكم: قيل: هو من أحاط علمًا بجميع الأحاديث فلا يفوته إلَّا اليسير (٢).
_________________
(١) وفيه نظر، إذ ليس لهذا ضابط عددي، فقد يكون الحجة من يحفظ أدنى من ذلك، أو أكثر من ذلك، وقد عدم في عصرنا من هذا حاله.
(٢) وهذا فيه نظر، فليس في الدنيا من أحاط علمًا بجميع الأحاديث وحده.
[ ٣٤ ]
والحق أنَّ الحاكم ليس من ألقاب الحفظ، خلافًا للمتأخرين، وإنما هو من الألفاظ التي تعم الحفظ والتحديث.
أمِيْرُ المُؤْمِنِيْن فِي الحَدِيث: وهو أعلى طبقات الحفاظ.
وهو لقب لم يحُزه إلّا نُّدْرة ممن بَلَغَ الغاية في التحديث.
وهو لقب لم يَحُزْهُ إلّا أئمة هذا الشأن كمالك، وشعبة، والثوري، وأحمد والبخاري، والدارقطني من المتقدمين، والمزي، وابن حجر من المتأخرين.
ولم يبلغ هذه المرتبة في عصرنا إلّا أفراد قلائل، ولعلَّ أجدرهم بها الشيخ المعلمي اليماني، وعبد الله السعد، والله أعلم.
الشَّيْخ: أدنى رتبة من الحافظ الكبير.
الطَّبَقَة: قوم متعاصرون تقاربوا في السن والإسناد أو في الإسناد فقط، يشتركون في الأوصاف والأحوال.
كطبقة الصحابة، وطبقة التابعين.
وتأتي بمعنى: الأقران، وهم: الرواة الذين يتعاصرون، ويتقاربون في السن.
كقولهم: فلان من طبقة شيوخ سفيان.
التَّقارُب فِي الإِسْنَاد: أن يكون شيوخ أحد الرواة هم شيوخ الآخر، أو يقاربونهم.
طَبَقَاتُ الحُفَّاظ: هي درجاتهم حسب التسلسل الزمني أو النسبي.
وقد تأتي بمعنى: مراتبهم في التحديث.
الطبقة الأولى: الصحابة.
الثانية: التابعون وهي مراتب؛
أولها كبار التابعين، وأعلاهم ثقات المخضرمين رواة الحديث، ثم كبار التابعين ممن ليس
مخضرمًا، ثم الوسطى من التابعين، ثم صغار التابعين.
[ ٣٥ ]
الثالثة: تبع التابعين.
كمالك، وابن عُيَيْنَة.
الرابعة: من بعدهم، كابن عُلَيَّة، ووَكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون.
الخامسة: من بعدهم، كأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق الصَّنْعَانِي، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعَفَّان بن مسلم.
السادسة: من بعدهم، كعلي بن المَدِيْنِي، ويحيى بن مَعِين، وأحمد بن حنبل.
السابعة: من بعدهم، كعبد بن حميد بن نصر، والبخاري، وأبي داود، ومسلم.
الثامنة: من بعدهم، كابن ماجه، وأبي يعلى، والترمذي.
التاسعة: من بعدهم، كالنسائي، والعُقَيْلي.
العاشرة: من بعدهم، كالطبراني، وابن عدي، والدارقطني (١).
اسْتِقَامَةُ المَتْنِ
اسْتِقَامَةُ المتن: هي ألّا يكون في الحديث ما يخالف صحيح المنقول في الكتاب، أو السنة، أو صريح المعقول، أو حقائق التاريخ الثابتة.
كحديث: أسماء بنت عميس ﵂: أنها حضرت زواج فاطمة ﵂، فبصر بها الرسول ﷺ فقال لها: جئتِ في زواج ابنة رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، فدعا لها ﷺ. أخرجه عبد الرزاق والحاكم.
وهو منكر؛ لأنَّ فاطمة ﵂ تزوجت في السنة الثانية من الهجرة، وكانت أسماء حينئذٍ في الحبشة.
فلا بد من ثبوت استقامة المتن في الحديث، ولا يكتفي بمجرد النظر في الإسناد.
_________________
(١) جعلها ابن حجر اثنتي عشر طبقة بجعل التابعين ثلاث طبقات، وترتيبه هو المعتمد في عصرنا، فإذا قيل: فلان من الخامسة، فيراد به ترتيب ابن حجر في التقريب.
[ ٣٦ ]
أصح الأسانيد
واستقامة المتن يحكم بها الحافظ المعروف بتمام الاستقراء.
كأحمد، وابن المديني، والبخاري، وأبي حاتم، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن عدي، والطبراني، والدارقطني، وأبي نعيم الأصبهاني.
فُرُوعُ الصَّحِيحِ
أصَحُّ الأسَانِيْد: هي ما كان رواتها أوثق الرواة ودارت عليهم الأسانيد، وزاد على ثبوت السماع بينهم طول الملازمة (١).
كالزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر، وابن سِيرِين عن عَبِيْدَة السَّلماني عن علي، وإبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود (٢).
ولا يحكم لسند بأنه أصح الأسانيد مطلقًا، بل لا بدّ من تقييد صحة الأسانيد بنسبة، إما إلى راو أو بلد، أو نحوه.
فائدة: معرفة أصح الأسانيد، تمكن طالب الحديث من حفظ عدد كبير من الأحاديث الصحيحة، وتمكنه من معرفة العلل.
الَّذِيْن دَارَت عَلَيْهِم الأسَانِيْد: الأئمة الثقات المكثرون، الذين أكثروا الأخذ عن الشيوخ، وكثر أخذ التلاميذ عنهم.
فمن الصحابة: أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، ﵃.
ومن التابعين: الزهري، وقتادة، ونافع، ﵏.
ومن تابع التابعين: مالك، وابن عُلَيَّة، ﵏.
ومن بعدهم: يزيد بن هارون، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، ﵏.
مَدَارُهُ عَلَى فُلَان: ما عادت طرق الحديث كلها إليه.
_________________
(١) لا أعلم له تعريفًا في كتب أهل العلم.
(٢) وسيأتي إن شاء الله سرد لأشهر الأسانيد الصحيحة في مبحث معرفة الرواة المكثرين وأوثق أصحابهم.
[ ٣٧ ]
مراتب الحديث
مراتب الصحيح
حتى لو رُويَ الحديث عن غيره فإنه لا يصح الإسناد إلا إليه، وليس شرطًا فيمن دار عليه الإسناد أن يكون ثقة كمن دارت عليه الأسانيد (١).
مَرَاتِبُ الأحَادِيث: وهي درجاتها من حيث الصحة والضعف.
فالصحيح، ثم الحسن، ثم الضعيف، ثم المنكر، ثم الموضوع.
مَرَاتِبُ الصَّحِيْح: وهي درجاتٌ من حيث توثيق الرواة والاتصال:
١ - ما كان بأصح الأسانيد.
٢ - ما اتفق على إخراجه أئمة عصر الرواية.
٣ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب التسعة (٢).
٤ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب السبعة.
٥ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب الستة.
٦ - ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم، ولم ينتقد.
٧ - ما اتفق على إخراجه أصحاب الكتب الخمسة، وخلا من الضعف والعلة.
٨ - ما اتفق على إخراجه أصحاب السنن الأربعة، وخلا من الضعف والعلة (٣).
٩ - ما انفرد به البخاري، ولم ينتقد.
١٠ - ما انفرد به مسلم، ولم ينتقد.
فالأحاديث الصحيحة متفاوتة تبعًا لتمكنها من شروط الصحة.
عَصرُ الرِّوَايَة: هو العصر الذي اعتني فيه بتدوين السنة جمعًا وتصنيفًا وحفظًا وصيانة، ومبدؤه رأس المائة الأولى حتى نهاية المائة الثالثة.
أئِمَّةُ عَصْرِ الرِّوَايَة: هم المصنفون في الحديث من طبقة من بدأ التصنيف، إلى طبقة النسائي والشاشي.
_________________
(١) فقد يكون من دار عليه إسناد معين ضعيفًا بعينه، أما من دارت عليه الأسانيد فلا بد أن يكون ثقة.
(٢) سيأتي - بإذن الله - الكلام عن اصطلاح الكتب التسعة والاعتراض عليه والجواب عنه.
(٣) وستأتي مراتب الضعيف في مبحث الضعيف إن شاء الله.
[ ٣٨ ]
أصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ: هو أن يُروى في باب من أبواب العلم جملة أحاديث، يكون هو أصحها، وإن لم يكن صحيحًا.
كحديث: هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أخْبَرَنِي أبِي، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأ" سنن الترمذي (٨٢).
قَالَ الترمذي قَالَ مُحَمَّدٌ: "أصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ" السنن (١/ ١٢٩).
لا يلزم من قولهم أصح شيء في الباب؛ صحة الحديث.
كحديث: بشر بن سلمَان الكُوفِي عن أبي السري عَن رجل مُرْسلًا: "أُغْزُوا قَزْوِينَ فإِنَّهُ مِنْ أعْلَى أبْوابِ الجَنَّةِ" أخرجه أبو حاتم والخليلي في فضائل قزوين.
قال أبو زرْعَة: لَيْسَ فِي قزوين حديث أصح من هذا. الجامع الصغير للسيوطي (٢٩٠٩).
المصنفات في الصحيح
المصنفات في الصحيح: هي الكتب التي اشترط مصنفوها إخراج ما صح عندهم فيها بسند منهم إلى من انتهى إليه.
وهي: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"صحيح ابن خزيمة" و"صحيح "ابن حبان"، و"مستدرك الحاكم"، و"مستخرج أبي عوانة الإسفرائيني" ومستخرج أبي" "بكر الإسماعيلي" و"مستخرج أبي بكر البرقاني".
ومنهم من عدّ "سنن النسائي الصغرى"، و"كتاب أبي علي بن السكن"، و"المختارة للضياء المقدسي".
ومن المعاصرين صنف الألباني "سلسلته الصحيحة"، وصنف مقبل بن هادي الوادعي اليماني "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين".
هكذا هي عند جميع من عدَّ مظان كتب الصحيح، على نزاع بينهم في بعضها، وفي هذا ما فيه من تعقب واستدراك.
[ ٣٩ ]
ولا يسلم من هذا كله إلّا "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم".
فأما ابن خزيمة فهو لا بأسَ به، وكتابه لم يكمل أو لم يصلنا كاملًا.
وأما ابن حبان فقد توسع حتى أخرج منكرات.
وأما الحاكم فإنه لم ينقح كتابه، ومات قبل تمامه.
وأما الإسفراييني والإسماعيلي والبرقاني فكتبهم مستخرجات على الصحيحين.
وأما كتاب النسائي فهو قريب من الصحيحين، على أحاديث فيه قليلة تخرج عن شرط الصحيح.
وأما كتاب السكن فإنه جمع فيه الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي الصغرى، وهو مفقود، وكان ابن حجر ينقل منه أحكام ابن السكن في التصحيح والتضعيف.
وأما الضياء فلم يتم كتابه، وفيه توسع لا يرتضى.
وأما الألباني فإنَّ كتابه مبعثر جاء شيئًا فشيئًا، وأودع فيه أحاديث من الصحيحين أو أحدهما، وتوسع توسعًا غير مرضي حتى أودع فيه كمًا كبيرًا مما لم يستوف شرط الحسن فضلًا عن الصحيح، بل وأودع فيه مما ينتقد شيئًا ليس بالقليل.
وأما الوادعي فكتابه حسن لا بأسَ به قد تعقب في مواضع منه لا تضر الكتاب، لكنه ليس كتابًا جامعًا وإنما هو زيادة على الصحيح.
أصَحُّ كُتُبِ الحَدِيث: "موطأ مالك"، ثم، "صحيح البخاري" ثم "صحيح مسلم"، ثم "مسند الحميدي"، ثم "سنن النسائي"، ثم "منتقى ابن الجارود"، ثم "سنن البيهقي الصغرى" (١).
عدة الأحاديث الصحيحة:
اعلم أنَّ الحديث الصحيح لا يتجاوز الستة آلاف وشيء (٢).
ولا يخرج حديث صحيح عن الكتب التسعة الأُمَّات، ومصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، والمسانيد الثمانية التي أفردها ابن حجر في المطالب العالية.
فائدة: كل من صنف في الصحيح قد يخرج بعض الحديث في صحيحه؛ لبيان علته.
_________________
(١) والمقصود المتصل فيها، دون المعلقات والبلاغات والمراسيل.
(٢) وبيان عدتها مطابقة يظهر بإذن الله في "الجامع المسند الصحيح" يسر الله تمامه.
[ ٤٠ ]
التصحيح والتضعيف والحكم على الأحاديث
اعلم أنَّ ما قاله ابن الصلاح في مسألة التجاسر على الحكم بالصحة على الأحاديث: حق لم يفهمه من تعقبه، فإنه لم يرد غلق باب التصحيح والتضعيف، وإنّما أراد تقييده بمن يحسن هذا، وليس ممن جاء بعد الأئمة المتقدمين من يحسن هذا الأمر على طريقتهم المحضة في التحديث على أصول المحدثين، المنقاة من غبش غير أهل الحديث من الأصوليين والفقهاء إلا قلة ممن يعدون على الأصابع كالدارقطني، وابن عبد الهادي، والذهبي فيما حرره بأخرة، وابن رجب، وابن حجر فيما حرره بأخرة، ومن المعاصرين المعلمي اليماني، وأبي المعاطي النوري، وعبد الله السعد، وسليمان العلوان، والوادعي.
فإنَّ الأمر غاية في الصعوبة وليس كل أحد يصلح للقيام به.
وذلك أنَّ زمن الاستقلال بالحكم على الأحاديث قد انقضى بانقضاء عصر الرواية والتحديث، ولم يبق لأحد ممن بعدهم سوى أنْ يوافق إمامًا من الأئمة المتقدمين في حكم إذا مَا بلغَ مرتبة الاجتهاد على منهاجهم، وإلَّا فلا سبيل غير التقليد أو التوقف في الحكم على الأحاديث.
وبهذا يتحرر لك: أنَّ المعتبر من الأئمة في قبول الحكم على الأحاديث هو السني [غير المبتدع] المؤهل المعتدل المتقدم، ومن هو على منهجهم ممن جاء بعدهم.
فقد رأينا في مسيرة البحث الكم الهائل من الأحاديث الضعيف والمنكرة والمعلة والموضوعة والباطلة التي قبلها المتأخرون، وكان المتقدمون على ردها والتحذير منها.
بل لقد تعبد الناسُ اللهَ بأحكام المتأخرين بعبادات ما أنزل الله بها من سلطان.
وبهذا تعرف أنَّ كلّ حديث صححه المتأخرون وهو عند المتقدمين ضعيفٌ أو معلٌ فلا عبرة بتصحيح من صححه.
وما علمت حديثًا صح على رسم المتأخرين ليس لهم فيه سلف من المتقدمين وهو معتبر.
فإذا اختلف الحكم بين أهل العلم على الحديث صحةً وضعفًا ففي قبول الحكم تفصيل:
أ - أن يكون الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين فالمصير إلى المتقدمين.
[ ٤١ ]
ب - أن يكون الخلاف بين المتقدمين أنفسهم: فمن كان من أهل النظر والترجيح فله الترجيح وفق الضوابط العلمية على منهج المتقدمين، وأما سواهم فهذا يسأل من يُحسِن هذا العلم ليعينه.
ت - أن يكون الخلاف بين المتأخرين فالشأن فيه كالذي قبله.
فائدة: اختلاف المحدثين في الحكم على الحديث الواحد لا يلزم منه الشك فيه، فإن أهل الصنعة من الأئمة المتقدمين مقدَّمون على غيرهم.
مما تعلم به صحة الحديث عند الأئمة المتقدمين
١ - أن يصرح إمام بصحته، كأحمد، وابن المديني، والترمذي (١).
٢ - أن يخرجه مالك في الموطأ، خصوصًا ما كان متصلًا.
٣ - أن يخرجه البخاري أو مسلم ولم ينتقده عليهما إمام من الأئمة المتقدمين (٢).
٤ - أن يخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في "المستدرك" ولا يعرف، لإمام من المتقدمين فيه طعن، وأن يكون له أصل في المصنفات قبلهم.
٥ - أن يخرجه الحميدي في "مسنده" أو النسائي في "الصغرى"، أو ابن الجارود في "المنتقى"، أو البيهقي في "الصغرى" ولا يعرف لإمام من المتقدمين فيه طعن، ولا في ظاهر سنده ضعف.
٦ - أن يحتج به إمام من الأئمة المتقدمين، فإنَّ الأصل في احتجاج المحدث بحديث صحته عنده.
فائدة:
المتقدمون لا يفرقون بين قولهم: حديث صحيح، وحديث إسناده صحيح.
_________________
(١) تصحيح الترمذي - إذا ثبت في النسخ - عمدة، لا يعارض بتضعيف من جاء بعده إلى عصر الدارقطني إلّا بحجة.
(٢) فإن كان المنتقد من بعد طبقة الدارقطني فلا عبرة بنقده ولا يلتفت إليه.
[ ٤٢ ]
" موطأ الإمام مالك"
قال الشافعي: "ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس":
وقال ابن مهدي "ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢١).
وقال ابن وهب: "من كتب موطأ مالك فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئًا". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢٢).
قَالَ مُغُلْطاي: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ مَالِكٌ. شرح الزرقاني (١/ ٦٣).
والموطأ حوى المرفوع والموقوف والمقطوع، وبلاغات.
ومرفوعات الموطأ ثلاثة أقسام:
١ - مسندة؛ فهذه صحيحة.
وليس في الكتب المصنفة أصح منها لعلوها وانتقاء مالك.
٢ - مرسلة؛ فمنها موصول بإسناد صحيح ومنها لا.
٣ - بلاغات؛ والكلام فيها كالمرسلة.
وقال السيوطي: وما من مرسل في الموطأ إلّا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن صحيح لا يستثنى منه شيء. "الموطأ".
ولقد صنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد، وستون حديثًا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف.
قال الشنقيطي في "إضاءة الحالك" قال الخطيب الحافظ في كتابه "جنى الجنتين" بعد أن تكلم على أحاديث مالك الأربعة التي لم يسندها ابن عبد البر وهي في "الموطأ" بما نصه: توهم بعض العلماء أن قول الحافظ أبي عمر بن عبد البر يدل على عدم صحتها، وليس كذلك إذ الانفراد لا يقتضي عدم الصحة، لا سيما من مثل مالك. وقد أفردت قديمًا جزءًا في إسناد هذه الأربعة الأحاديث. ثم بيّن أنَّ الحافظ ابن أبي الدُّنيا أسند اثنين منها في "إقليد التقليد" له". موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ١٢٣).
[ ٤٣ ]
عدد أحاديث الموطأ
يختلف باختلاف الروايات، وباختلاف طريقة العدّ، فإن بعض أهل العلم يجعل كل أثر من كلام الصحابة أو التابعين حديثًا مستقلًا، وبعضهم لا يعتبره ضمن العدد.
جاء في بعض الطبعات المحققة للموطأ، وهي:
رواية يحيى الليثي: وهي الرواية الأشهر، والمقصودة عند إطلاق الموطأ: فبلغت أحاديثها (١٩٤٢) حديثًا، بالمرفوع والموقوف.
وأما رواية أبي مصعب الزهري: فبلغت أحاديثها (٣٠٦٩) حديثًا، بالمرفوع والموقوف والمقطوع، حتى أقوال الإمام مالك.
أما عدة المرفوع المتصل منها فقد قال الغافقي في "مسند الموطأ" اشتمل كتابنا هذا على ستمائة حديث وستة وستين حديثًا، وهو الذي انتهى إلينا من مسند موطأ مالك.
قال: "وذلك أني نظرت في "الموطأ" من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك. ثم عدها. موطأ مالك ت الأعظمي (١/ ٩٧).
عدة روايات الموطأ وذكر أصحها
ذكر بعضهم أن رواة "الموطأ" عن مالك يصلون إلى واحد وعشرين راويًا.
وبلغ بهم الأعظمي في تحقيقه للموطأ مائة راو.
واختلف في أصحها على أقوال، مجملة في:
رواية عبد الله بن مسلمة القعني، ورواية الشافعي، ورواية عبد الله بن يوسف التنيسي، ورواية ابن القاسم، ورواية معن بن عيسى، ورواية يحيى بن بكير، ورواية يحيى الليثي، ورواية ابن وهب، ورواية أبي مصعب الزهري.
[ ٤٤ ]
الصحيحان "صحيح البخاري، وصحيح مسلم"
قال ابن الصلاح: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصحيحَ المجرد محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، وتلاهُ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيْسابوريُّ.
وكتاباهُما أصحُّ الكُتُبِ بعدَ كتابِ الله العزيزِ، و"الموطأ".
عدة أحاديث الصحيحين
اعلم أنهما لم يقصدا استيعاب كل الصحيح، وهذا قد صرحا به فيما نقل عنهما، وثبت صحة أحاديث خارج الصحيحين.
وقد تتبعت عدة أحاديث البخاري فوجدتها بالمكرر (٧٥٦٣)، وتابعه عليها مسلم.
وأما عدة أحاديث الصحيحين فبلغت دون المكرر (٤٥٠٠) حديثًا.
اتفقا على نحو من ألفين حديثًا، وانفرد البخاري بنحو من ألف ومائة خمسين حديثا، وانفرد مسلم بالباقي.
مهمات من منهج البخاري ومسلم في كتابيهما
وليس للبخاري ومسلم شرط في الصحيح غير شرط الأئمة ممن كان قبلهم أو من في طبقتهم.
وقد اشترطا أن يودعا في الأصول ما صح عندهما، مما هو على شرط أئمة الحديث في عصرهما ومن قبلهما.
وكل ما فيهما مما هو في الأصول صحيح، وانتقدت عليهما أحاديث في الأصول وغيرها من طبقة من سبقهما أو طبقتهما أو ممن جاء بعدهما.
وقد صنف صاحبا الصحيح كتابيهما لبني عصرهما ممن يحسن معرفة مرادهما، وقد أخطأ كثير ممن جاء بعدهما في فهم مرادهما.
[ ٤٥ ]
ولم يفت البخاري ومسلمًا حديثٌ صحيحٌ مما يحتاج إليه في أحكام الحلال والحرام.
وقل أن يعرض صاحبا الصحيح عن حديث في أبواب الأحكام إلا لعلة فيه.
والصحيحان أصل في معرفة منهج الأئمة المتقدمين في التصحيح.
وهما أصل في الأسانيد الصحيحة ومعرفة الحديث المعل.
وهما حصن حصين وسد منيع، لا بدّ من بذل المهج في الذب عنهما.
وإذا اتفقا على رواية حديث من وجه واحدة وعند أحدهما زيادة فلينتبه للزيادة، فإن منها ما فيه علة.
وإذا روى أحدهما حديثًا وأعرض عنه الآخر فمن المهم تدبره.
وليس لأحدهما مزية على الآخر في أحاديث الأحكام، فكلاهما لا يخرج فيها إلّا أصح وأحسن ما في الباب.
ومن الخطأ اعتقاد تقديم أسانيد البخاري على أسانيد مسلم، في هذا الباب.
ولكن في الفضائل والترغيب فأسانيد البخاري أصح وأحسن، يعلم هذا من تدبَّرَ وفَتَّشَ.
وقد وافق مسلمٌ البخاريَّ حتى في عدة الأحاديث.
وقد يخرجان الحديث ويوردان عقبه ألفاظًا يريدان بها إعلالها.
وقد يخرجان السند المنتقد ويردان بيان أنه معل أو يريدان نفي التفرد عن الراوي الذي أخرجا له في الأصل.
وربما أخرج البخاري في المكررات في غير الحديث الأصل ألفاظا شاذة.
وقد يخرج مسلمٌ الحديثَ، وفيه لفظ شاذ.
ومسلم أحيانًا يخرج الحديث في آخر الباب يريد به إعلاله.
والبخاري يخرج المتابعة بعد الحديث لا يريد تقوية الحديث الأصل فإنَّ الحديث الأصل أصل، وإنما يريد نفي التفرد، وهذا ملمح فهمه الناس مقلوبًا فتنبه.
[ ٤٦ ]
فانظر مثلًا الحديث (٣٣٦١) عن أبي هريرة قال عقبه: تَابَعَهُ أنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قلت: فهل أبو هريرة ضعيف؟
الإمام مسلم يروي لمن انتُقِدَ في الصحيح في غير الأصول، أو في الترغيب والترهيب.
كرواية لمن لم يثبت لقاؤه عمن روى عنه كما روى عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة.
أو روايته عمن اشتهر بالتدليس فيما لم يصرحوا فيه بالسماع عن شيوخهم، كرواية ابن جريج عن عطاء والأعمش عن مجاهد.
وقد ينتقون للراوي صحيح حديثه؛ كرواية خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال، وكذا ما انتقاه من مرويات إسماعيل بن أبي أويس، ونحو هؤلاء من الرواة وهذه المرويات.
وبه تعرف أن الأحاديث المروية عن الضعفاء إما انتقاء، أو مما توبعوا عليها، وإما أنهم يوردونها لبيان علتها.
ولم يترجم مسلم لأبواب كتابه، وإنما ساق الأبواب مرتبة فحسب، فجاء من بعده من اعتنى بصحيح مسلم إما شرحًا وإما اختصارًا فترجموا أبوابه كالقرطبي والمنذري والإشبيلي والنووي.
فائدة: كثير من الحكايات التي يذكرها أهل العلم عن الصحيحين، وصحة كل ما فيهما لا تصح.
المنتقد على الصحيحين
اعلم أنه قد وقع في الصحيحين أحاديث تكلم في قبولها أهل العلم، منهم من تكلم فيها قبل تصنيف الصحيح أصلًا، ومنه ما تكلم فيه من هو في طبقتهما ومنه ما تكلم فيه الحفاظ من بعدهما.
قال ابن الصلاح: ومِنْ فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ بهِ البخاريُّ أو مسلمٌ مندرجٌ في قبيلِ ما يُقْطَعُ بصِحَّتِهِ؛ لتَلَقِّي الأمَّةِ كلَّ واحدٍ من كتابَيْهما بالقبولِ على الوجهِ الذي فصَّلناهُ مِنْ حالهِما فيما سبقَ، سوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلَّمَ عليها بعضُ أهلِ النَّقْدِ مِنَ الحفَّاظِ كالدَّارقطنيِّ وغيرِهِ، وهي معروفةٌ عِندَ أهلِ هذا الشأْنِ، واللهُ أعلمُ. المقدمة (ص: ٩٧).
[ ٤٧ ]
قال العراقي: فليست بيسيرة بل هي مواضع كثيرة وقد جمعتها في تصنيف مع الجواب عنها. التقييد والإيضاح (ص: ٤٢).
قلت قد بلغت قريبًا من مئتين وخمسين حديثًا.
وهي أقسام: منها ما وقع في الأصول:
كحديث: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب الحديث. انفرد به البخاري.
وحديث: إن خير التابعين رجل يقال له أويس الحديث. أنفرد به مسلم.
ومنها ما كان في المتابعات والشواهد:
كحديث: كل أمتي معافى أخرجاه.
وحديث: عشر من الفطرة. انفرد به مسلم.
ومنها ألفاظ وقعت في بعض الأحاديث لا كل الحديث:
كلفظ: وإنه ينشئ للنار من يشاء انفرد به البخاري.
ولفظ: أفلح وأبيه إن صدق انفرد به مسلم.
ومنها ما يشير صاحب الصحيح نفسه إلى علته:
كحديث يرويه مسندًا، ثم يشير إلى أنه يروى مرسلًا.
أو يصرح بضعف بعض ألفاظه كما صنع البخاري في حديث عتق بريرة، وحديث أبي هريرة في قصة سليمان ﵇ في إتيان نسائه.
ولا شك أن في المنتَقَد على الصحيحين أحاديث يُسَلَّم فيها للمنتقِدِ عليهما، ومنها ما يحتمل الوجهين، ومنها ما يرجح فيه حكم صاحب الصحيح.
قواعد ضوابط في التعامل مع المنتقد على الصحيحين
لا يجوز الكلام في المنتقد على الصحيح بين غير أهل العلم.
لا يقبل المنتقد على الصحيح ممن جاء بعد الدارقطني.
مظان المنتقد على الصحيح ليست قاصرة على الكتب المصنفة في المنتقد خاصة، فإنَّ كثيرًا من المنتقد عليهما منثور في أقوال وكتب من سبقهما ومن في طبقتهما.
[ ٤٨ ]
اتفاق الأئمة على قبول كل ما في الصحيحين يجب أن يكون مقيدًا بما لم ينتقد عليهما أو على أحدهما من الأئمة المعتبرين المتقدمين.
لا يلزم من انتقاد حديث في الصحيحين أو أحدهما أو لفظة ما توهيم البخاري ومسلم في إخراج ما انتقد عليهما.
البخاري ومسلم ربما أخرجا الحديث وتكلما فيه أو في بعض ألفاظه، إما تصريحًا أو تلميحًا في كتابيهما الصحيح أو خارجه في كتبهما الأخرى، "كالتاريخ الكبير" للبخاري و"التمييز" لمسلم ومنهم ما يكون جوابًا لهما على مسائل أصحابهما.
ومثله إنما قد يخرجان الحديث على سبيل الإعلال للتنبيه عليه، لا للإثبات والاحتجاج به.
باب المنتقد على الصحيحين أغلق، لا سبيل لفتحه بانتقاد حديث لم ينتقد عليهما، فإن الأئمة المتقدمين لم يدخروا وسعًا في النظر وتتبع الأحاديث في الكتابين.
المتكلمون في الصحيحين مراتب، فمن كان منهم من طبقة البخاري ومسلم أو أعلى منهما أو قريبًا من زمنهما فنقده قابل للنظر فيه، وأما من كان من المتأخرين وخصوصًا المعاصرين فلا، وذلك لقصور مداركهم عن بلوغ مقاصد البخاري ومسلم في تصنيفيهما الكتابين.
مظان المنتقد على الصحيحين لا يقتصر على الكتب المصنفة في نقد الصحيحين خاصة؛ ككتب الدارقطني وأبي علي الجياني وابن عمار الشهيد وغيرهم.
فكم من حديث أودعه صاحب الصحيح كتابه تجد الكلام عليه في كتب من سبقه أو عاصره.
الأحاديث المنتقدة منها ما يقبل فيه قول المُنْتَقِد ويكون فيه الحق معه.
التنبه لأجوبة المتأخرين على الأحاديث المنتقدة، فكثير منها لا ينهض في قبوله، وكله مبني على قاعدة: صحة كل ما في الصحيحين. لذا ترى التكلف في الإجابة.
الأحاديث المنتقدة على الصحيحين أقسام منها:
ما هو في باب العقائد.
ومنها ما هو في باب الأحكام.
ومنها ما هو في باب الفضائل والترغيب والترهيب.
[ ٤٩ ]
وهذه لكل منها حيثية يعتبر فيها قبول أو رد النقد تأصيلًا أو تفصيلًا.
من الجهل عد ذكر نقد إمام من الأئمة المتقدمين لحديث أخرجاه طعنا في الصحيحين.
إنَّ من شر الناس من تكلم في أحاديث الصحيحين على سبيل الانتقاص والطعن، وهذا لا بد من تأديبه والتصدي له بما هو مشروع ومتاح.
ليس لأحد أن يتكلم في الصحيحين وهو ينهج في التعامل مع علم الحديث طريقة المتأخرين، فمن هذه الفئة جاء البلاء سواء منهم من انتقد أو دافع.
كتب الجمع بين الصحيحين
قد جمع أقوام بين الصحيحين، وأشهرها:
١ - "الجمع بين الصحيحين": لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي (ت ٤٨٨ هـ).
وهو مرتب على مسانيد الصحابة، مجرد من الأسانيد سوى مخرج الحديث عن الصحابي.
وأضاف إلى أحاديث الصحيحين زيادات أخذها من المستخرجات وميزها في الغالب. وهو مطبوع.
٢ - "الجمع بين الصحيحين" مع حذف السند والمكرر من البين: لأبي حفص عمر بن بدر الموصلي.
استله من كتاب "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري، وتبعه في التبويب فجعله على حروف المعجم، له فيه أوهام، وربما أدرج بين أحاديث الصحيحين أحاديث من السنن ولم يميزها عن أحاديث الصحيحين، وهو مطبوع.
٣ - "الجمع بين الصحيحين": لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي. (ت ٥٨٢ هـ).
وهو من أحسن كتب الجمع المطبوعة، اختصر أصلًا "صحيح مسلم" ثم زاد عليه أحاديث البخاري زيادات على الأصول أو أفرادًا، واعتمد فيه تبويب "صحيح مسلم" وترجم لأبوابه بتراجم من عنده.
٤ - "الجامع بين الصحيحين": لصالح أحمد الشامي (معاصر).
وكأن جُلّ اعتماده على كتاب الموصلي قبله.
[ ٥٠ ]
٥ - "الجمع بين الصحيحين": ليحيى بن عبد العزيز اليحيى (معاصر).
وهو منتخب لم يستوعب أحاديث الصحيحين إنما جمع فيه خلاصة الكتابين.
فائدة: حوى الصحيحان نحوًا من خمسة وثمانين بالمائة من صحيح الحديث النبوي، وبهذا يكون من يحفظ الجمع بين الصحيحين يحفظ القدر المذكور من السنة الصحيحة.
المؤاخذات على الجموع بين الصحيحين:
وتنحصر في ثلاثة أمور:
الأول: حذف الأسانيد والاقتصار على الصحابي أو ذكر التابعي مع الصحابي إذا احتيج إليه، وهذا بالنسبة لمن حذف الأسانيد.
الثاني: اعتبار كل ما في الصحيحين صحيحًا، ولهذا تجدهم يقولون بعد أن يسوق الرواية الأصل:
وزاد في رواية: كذا
وفي رواية للبخاري - مثلًا -: كذا
الثالث: اعتبار الرواية الأعم: مع عدم دراسة أحاديث الصحيحين سندًا ومتنًا، فرب حديث زاد فيه أحدهما زيادة على الآخر وتكون الزيادة معلة، أو يختارون الرواية الأعم من بين الروايات وتكون هي معلة بلفظها وسندها.
فإذا تبين هذا فليعلم طالب الحديث أنه ليس يصح لأحد أن يجمع بين الصحيحين دون أن يكون أحاط بعلوم الحديث أصلًا، فضلًا عن تمكنه من معرفة منهج البخاري ومسلم، مع مراعاة طريقتها في إخراج كتابيهما.
وليس يصح لأحد أن يجمع بين الصحيحين دون أن يدرس أحاديثهما كل حديث دراسة تستوفي أسانيده حتى خارج الصحيحين وكذا متنه.
وليس له أن يجمع بين الصحيحين دون أن يكون أحاط علما بما انتقد على البخاري ومسلم من أحاديث الصحيحين وأن يكون قادرًا على تمييز كلام المنتقد عليهما والمنافح عنهما، وهذا لا يكون إلا لأهل الحديث خاصة ممن نهج على طريقة المتقدمين.
[ ٥١ ]
مختصرات الصحيحين
ذكر بعض أهل العلم ستة عشر مختصرًا للبخاري، وستة عشر مختصرًا لصحيح مسلم.
وأشهر مختصرات صحيح البخاري:
- "المختصر النصيح" للمهلب بن أبي صفرة الأندلسي.
- مختصر القرطبي.
- مختصر الزبيدي.
- مختصر الألباني.
- مختصر الشثري.
- مختصر الحجوري.
- ليس في مختصرات البخاري مختصر جيد إلّا المختصر النصيح للمهلب بن أبي صفرة الأندلسي.
أشهر مختصرات صحيح مسلم:
مختصر القرطبي.
ومختصر المنذري.
وثمة مختصر ليس بمشهور وقلَّ من تنبه له وهو اختصار الحافظ عبد الحق الإشبيلي، وهو مُضَمَّنٌ كتابه "الجمع بين الصحيحين"، فالجمع بين الصحيحين لعبد الحق الإشبيلي أصله اختصار صحيح مسلم له، ثم ضم من بعد إليه زوائد صحيح البخاري عليه.
والرابع اختصار منسوب للإمام النووي وقد نفى المحققون نسبته إليه.
فأمّا اختصار المنذري له فهو عند التدبر انتقاء وتلخيص أكثر منه اختصارًا، فقد ترك فيه أحاديث يحتاج إليها في الباب لم يوردها.
واختصار الإشبيلي أجود منه، وقد اعتمد الإشبيلي في الأصل ترتيب مسلم بلها وتبويبه، فلم يتجاوزه، سوى أنه ترجم لأبوابه.
[ ٥٢ ]
أما المنذري فلم يعتمد التبويب وقدم أحاديث على أحاديث.
وأما الاختصار المنسوب للنووي فليس فيه سوى سلخ أسانيد الكتاب.
وكلاهما أعني - الإشبيلي والمنذري - حذف الإسناد، وما أدري ما قيمة الصحيحين أو أحدهما دون الأسانيد، وكذا لم يراعيا منهج الإمام مسلم في تخريج أحاديث كتابه، فأوردا ألفاظًا من صحيح مسلم لا تصح، وأعرضا عن روايات صحيحة للحديث بناءً على أن كل ما في صحيح مسلم صحيح. وهذا فيه من الوهم الشيء الكثير.
وبالجملة فكلها لا تسلم من مقال، والمآخذ عليها نفس المآخذ على كتب الجمع بين الصحيحين.
شروح الصحيحين
ذكر بعض أهل العلم أن شروح صحيح البخاري بلغت نحوًا من ثلاثمائة شرح، وبلغت شروح صحيح مسلم نحوًا من خمسين شرحًا.
أشهر شروح صحيح البخاري
١ - " أعلام السنن": لحَمدِ بن محمد الخطابي (ت: ٣٨٦ هـ).
٢ - "شرح صحيح البخاري": لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك - المشهور بـ: ابن: بطال - القرطبي المالكي (ت: ٤٤٩ هـ)
٣ - "التنقيح في شرح الجامع الصحيح": لمحمد بن بهادر الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ).
٤ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري": لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ).
٥ - "التوضيح شرح الجامع الصحيح": لعمر بن علي بن الملقن (ت: ٨٠٥ هـ).
٦ - "الكوكب الساري": تأليف: علي بن الحسين بن عروة الحنبلي (ت: ٨٣٧ هـ).
٧ - "فتح الباري": لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، وهو أشهر تلك الشروح في عصرنا.
[ ٥٣ ]
٨ - "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري": لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني المصري الشافعي (ت: ٩٢٣ هـ).
وأحسنها "فتح الباري" لابن رجب بلغ فيه إلى كتاب الجنائز ومات عنه ﵀.
أشهر شروح صحيح مسلم
١ - " المُعلِم": للمازري (ت: ٥٣٦ هـ).
٢ - "إكمال المعلم": للقاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ).
٣ - "المفهِم": لأبي العباس القرطبي (ت ٦٥٦: هـ).
٤ - "المنهاج": ليحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ).
٥ - "إكمال إكمال المعلِم": لمحمد بن خليفة الأُبِّي (١) (ت: ٧٢٧ هـ).
٦ - "فتح الملهِم": لشِبِّير بن أحمد العثماني (ت: ١٣٦٩ هـ).
٧ - "الكوكب الوهَّاج": لمحمد بن عبد الله الأرمي. (معاصر).
وهذا الأخير أجمعها.
وبمناسبة الكلام على "الموطأ" و"الصحيحين" ينبغي أن يذكر الكلام على مسند الإمام أحمد، وهو وإن كان ليس من شرط الصحيح لكن لا بدّ من التعرض له هنا لأهميته وفضله.
" مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني"
هو أعظم كتاب صنف في الإسلام وقرة عين الحفاظ وبهجة أنفس الموحدين.
أعرض عنه الجهال، وصرفَ الله عنه الضلال فلم ينتفعوا به، ومن يرد الله به خيرًا من أهل الحديث يشغله بالمسند.
_________________
(١) جَمَع في هذا الكتاب بين شرح المازِري وشرح القاضي عياض وشرح القرطبي وشرح النووي مع زيادات واجتهادات له، فكتاب الأُبِّي يكاد يشتمل على أربعة كتب سابقة مع زيادات له، وهو كتاب مطبوع لكن طبعته رديئة.
[ ٥٤ ]
ليس يدانيه كتاب من المسانيد ولا الصحاح ولا السنن ولا المعاجم ولا غيرها. خصائص المسند.
قال ابنُ الجزري: هو كتابٌ لم يُرْوَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه. المصعد الأحمد (ص ٢٩، ٣٠).
وقال أبو بكر القطيعي: حضرتُ مجلس يوسف القاضي سنة خمس وثمانين ومائتين، أسْمَعُ منه كتاب "الوقوف"، فقال لي: مَنْ عنده "مسند" أحمد بن حنبل و"الفضائل" أيْش يعمَلُ هاهنا؟
وهذا حق لما امتاز به من خصائص: فإن مصنفه أكبر الحفاظ المصنفين.
وليس في المصنفين أحفظ منه، مع تمكن من العلل والجرح والتعديل والفقه، وإمامة في السنة، بل هو إمام الدُّنيا بعد التابعين في السنة.
وهو عالي الإسناد.
فيه من الثلاثيات ثلاثمائة واثنان وثلاثون حديثًا.
وهو جامع للأصول.
حاول فيه جمع الأحاديث المشهورة التي يحتج بها أهل العلم، فقَلَّ أن تجد حديثًا خارج "المسند" له أصل عند المتقدمين، أو هو مما يحتاج إليه (١).
قال أحمد: قَصَدْتُ في "المسند" الحديثَ المشهور، وتركتُ الناسَ تحت ستر الله تعالى، ولو أردتُ أن أقصِدَ ما صحَّ عندي، لم أروِ من هذا "المسند" إلا الشيءَ بَعْدَ الشيء، ولكنك يا بني تعرفُ طريقتي في الحديث، لستُ أُخالِفُ ما ضَعُفَ إذا لم يكن في الباب ما يَدفَعُه. خصائص المسند (٢٧).
بلغت أحاديثه نحوًا من ثلاثين ألف حديث.
قال أحمد لابنه عبد الله: "احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إمامًا" سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٢٧).
_________________
(١) هذا وقد قيل أن أحمد لم يتم المسند.
[ ٥٥ ]
وقال أحمد شاكر: الذي فات المسند من الأحاديث شيء قليل، وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين يكون مرويًا عنده معناه من حديث صحابي آخر، فلو أنَّ قائلًا قال: إنَّ المسند قد جمع السنة وأوفى بهذا المعنى، لم يبعد عن الصواب والواقع. الباعث الحثيث (ص ٣٠).
وضعه على مسانيد الصحابة فبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة.
ويخرج الحديث في غير مسند صاحبه، ويريد به أمرًا يتعلق بالحديث قبله، إما حديثيًا أو فقهيًا، كأن يورد الحديث من مسند جابر بن عبد الله في مسند أبي هريرة، وقد أخطأ المتأخرون بظنهم أن هذا من أوهام النُّسَّاخ، أو أن أحمد ما تذكره إلّا في موضعه الذي أخرجه.
وفي المسند الصحيح والضعيف.
ووقع فيه بعض الضعيف الشديد الضعف، وذلك أنه وضع فيه ما اشتهر مما احتجوا به ممن سبقه، وفي عصره.
وقال عبدُ الله: هذا "المسندُ" أخرجه أبي ﵀ من سبع مائة ألف حديث، وأخرج فيه أحاديث معلولةً، بعضُها ذَكَر علَلَها، وسائرها في كتاب "العلل" لئلا يخرَّج في الصحيح. (ص: ١٤٠) فهرسة ابن خير.
قال ابن الجوزي: ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال، رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند"، وقد طعن فيها أحمد. صيد الخاطر (ص: ٣١٢).
وفي كتاب "العلل" للإِمام أحمد عددٌ غيرُ قليلٍ من الأحاديث التي طَعَنَ هو بصحتها، وهي موجودةٌ في "المسند".
كحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ "رد ابنته إلى أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد" العلل (٥٣٨).
وحديث عمر بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" العلل (١٣٦٦).
وحديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان " العلل (١٧٩٥).
ووقع فيه بعض الأحاديث قال عنها بعض الحفاظ: موضوعة.
[ ٥٦ ]
وقد قال بعضهم: ليس في المسند من رواية القطيعي حديثٌ موضوعٌ، وما قيل فيه من موضوع إنما هو من زيادات ابنه عبد الله. أهـ.
قلت: وليس هذا بجيد.
فمما قيل فيه موضوع وهو من رواية القطيعي ليس من الزيادات.
حديث: "نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي يَا ابْنَ مَسْعُودٍ".
وحديث: "إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ أرْبَعِينَ سَنَةً، آمَنَهُ اللهُ مِنْ أنْوَاعِ البَلَايَا".
وحديث: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مَنَّانٌ، وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ".
وحديث: "عَسْقَلَانُ أحَدُ العَرُوسَيْنِ".
وحديث: "حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ".
وقد تتبعت شرطه فيه فلم أجد له شرطًا سوى أنه وضع فيه ما احتجوا به.
ولي أن أقول - بحمد الله - أنَّ المسند حوى الحديث المحتاج إليه، أصول صحيحه وعلله، وما كرر فيه حديثًا إلّا لفائدة، إما حفظ أصول طرقه أو بيان علة أو نكتة فقهية.
ولي عليه بحمد الله اشتغال في اختصاره وتبويبه والتعليق على أسانيده ومتونه وبيان علله ومنهج الإمام أحمد فيه.
والله أسأل أن يتمه قريبًا بفضله ومنه وتوفيقه وتأييده.
مصنفات خدمت المسند
رتبه على الأبواب علي بن الحسين بن عُروة الحنبلي في الكواكب الدراري، وضعها على أبواب صحيح البخاري.
وبوبه كاملًا على أبواب العلم عبد الله بن إبراهيم القرعاوي، وأحسن في تبويبه.
وبوبه أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، وسمي الترتيب "الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني".
[ ٥٧ ]
ورتبه على معجم الصحابة جمع منهم: أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة ٨٢٠ هـ.
وهذبه ورتبه على الأبواب أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي الشهير بابن زُريق المتوفى (٨٤١ هـ)، وقد فُقِدت هذه النسخة.
واختصره ابن الملقّن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ.
وعمر بن أحمد الشّمَّاع الشافعي الحلبي المتوفى سنة ٩٣٦ هـ، إذ انتقى من "المسند" كتابًا سماه "الدر المنضَّد من مسند أحمد".
وأحمد بن عبد الرحمن البَنّا الشهير بالساعاتي المتوفى نحو سنة ١٣٧١ هـ / ١٩٥١ م.
وقد عَمَد فيه إلى السند فحذفه، ولم يُثبِتْه في المتن إلا في مواضع يسيرة حين تَمَسُّ الحاجةُ إلى ذكر اسم أحد رَواته، ثم إنه عَقَّب كُلَّ حديث بسنده في التعليق.
وصالح أحمد الشامي. وحذف أسانيده فلم يحسن صنعًا.
وصنع أطرافًا له ابن حجر العسقلاني سماه "إطراف المُسنِدِ المُعتَلي بأطراف المُسنَد الحنبلي".
وشرحه علي بن الحسين بن عُروة الحنبلي في مئة وعشرين مجلدًا.
وشرح غريب حديثه أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف: بغُلام ثَعْلَب، المتوفى سنة (٣٤٥ هـ).
ووضع عليه حاشيةً نفيسة أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٩ هـ. تضمنت تعليقات لطيفة، اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب.
وصنف في خصائصه أبو موسى المديني، المتوفى سنة (٥٨١ هـ). "خصائص المسند".
وكذا صنف في خصائصه وفضائله ابن الجزري المتوفى سنة (٨٣٣ هـ) كتابًا سماه "المصعد الأحمد في ختم مسند الإِمام أحمد".
ووضع له صهيب الكرمي مقدمة نفيسة جدًّا في أول طبعة دار عالم الكتب، تكلم فيها عن الكتاب وخصائصه ومنهج أحمد فيه.
[ ٥٨ ]
وجرد ثلاثياته إسماعيل بن عمر المقدسي المتوفى سنة (٦١٣ هـ).
وشرح هذه الثلاثيات محمد بن أحمد بن سالم السفاريني المتوفى ١١٨٨ هـ.
وترجم لرواته محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيني الشافعي المتوفى سنة ٧٦٥ هـ، كتابًا سماه "الإكمال في تراجم من له رواية في مسند الإِمام أحمد ممن ليس لهم ذكر في تهذيب الكمال" للمزي.
أفرد زوائده على الكتب الستة بأسانيدها، ورتبها على الأبواب، علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة (٨٠٧ هـ) في "غاية المُقْصَد في زوائد المُسند".
وصنف في إعراب ما يُشكِل من ألفاظه، السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ كتابه المسمى "عقود الزَّبرجَد على مسند أحمد".
وصنف في الذب عنه ابن حجر العسقلاني "القول المسدَّد في الذَّبِّ عن مسند الإِمام أحمد".
دافع عن الأحاديث القليلة، التي حُكِم عليها بالوضع.
وخرّج أحاديثه أحمد شاكر ولم يتمه وأتمه على منهاجه حمزة الزين.
نهجا فيه طريقة المتأخرين.
وكذا خرجها شعيب الأرناؤوط مع مجموعته في خمسين مجلدًا، وتخريجه في العشر مجلدات الأولى ليس بجيد وفي باقي الكتاب أحسن منه.
وأشهر طبعاته: الطبعة الميمنية.
وأحسن طبعاته طبعة دار عالم الكتب وهي بحق يمكن أن نقول فيها:
لو رآها الإمام أحمد لفرح بها.
تنبيه: طبعته دار المنهاج بطبعة اشتهرت بطبعة المكنز.
ادعى القائمون عليها زورًا وتشبعًا بما لم يعطوا أنها عن أربعين نسخة خطية.
[ ٥٩ ]
أشهر من عرف بالحكم على الأحاديث من المتأخرين
النووي، والمنذري، وابن تيمية، وابن كثير، وابن عبد الهادي، والذهبي، وابن رجب، والزيلعي، وابن الملقن، والعراقي، والهيثمي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، والمناوي.
فأما ابن عبد الهادي وابن رجب فهما على منهج الأئمة النقاد المتقدمين.
وأما الذهبي فأحسن حالًا ممن سوى هذين الاثنين خصوصًا بأخرة.
وأما من بقي فكلهم على منهج المتأخرين.
على أنَّ ابن حجر حاله بأخرة خير منه مما سبق.
أشهر من عُرف بالحكم على الأحاديث من المعاصرين
المعلمي اليماني، وحبيب الرحمن الأعظمي، وحماد الأنصاري، وأحمد شاكر، ومحمد ناصر الألباني، وصبحي السامرائي، وبشير محمد عيون، وأحمد الغماري، وشعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، وحسين سليم أسد، ومحمد عوامة، ومقبل بن هادي الوادعي، وأبو إسحاق الحويني، وعبد الله السعد، وسليمان ناصر العلوان، ومصطفى العدوي.
فأما المعلمي اليماني، ومقبل بن هادي الوادعي، وعبد الله السعد، وسليمان ناصر العلوان، ومصطفى العدوي. فهؤلاء كلهم على منهج المتقدمين.
وأما الباقي فعلى منهج المتأخرين.
الحَسَنُ
الحَسَنُ لِذَاتِه: هو ما حَسُنَ لَفْظُه أو معناه واشتهاه المحدث، ولم يَصُحَ عنده (١).
وهذا عند المتقدمين.
_________________
(١) وما علمت أحدًا سبقني إلى هذا التعريف، وإنما استنبطته من جماع صنيعهم وتعاملهم مع الحسن.
[ ٦٠ ]
قال أُمَيَّة بن خالد: قُلت لشُعبة: ما لَك لا تُحَدِّث عن عَبد المَلك بن أبي سُليمان العَرزَميِّ؟ قال: تَرَكت حَديثهُ، قُلتُ: تُحَدِّث عن مُحَمد بن عُبَيد الله العَرزَميّ، وتَدَع عن عَبد المَلك بن أبي سُليمان، وكان حَسن الحَديث؟ قال: مِن حُسنِها فَرَرتُ. الضعفاء للعقيلي (٣/ ٤٩٧).
وَقَالَ وكيع بن الجراح: "كل حديث حسن، عبد السلام بن حرب يرويه" الضعفاء للعُقيلي (٣/ ٧٠).
وَقَالَ عَلِيٌّ بن المديني فِي حَدِيثِ عُمَرَ: أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنِّي مُمْسِكٌ بِحُجَزِكُمْ عَن النَّار
قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ الإِسْنَادِ، وَحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ مَجْهُولٌ، لَا أعْلَمُ أحَدًا رَوَى عَنْهُ إِلَّا يَعْقُوبُ القُمِّيُّ، وَلَمْ نَجِدْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ أهْلُ الحِجَازِ مِنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. العلل لابن المديني (١٥٩).
في حديث: الأعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أنَّهُ مَرَّ عَلَى قَارِئٍ مَنْ قَرَأ القُرْآنَ فَليَسْألِ اللهَ": يَقْرَأُ، ثُمَّ سَألَ فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أقْوَامٌ يَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ يَسْألُونَ بِهِ النَّاسَ".
قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ. سنن الترمذي (٢٩١٧).
وقد يطلقه المتقدمون أحيانًا على ما صح، وعلى ما خفَّ ضبط راويه، وعلى الضعيف المنجبر، وهو نادر في صنيعهم.
وهذا هو الأصل في استعمالهم.
وعند المتأخرين: هو ما اتصل سندُه بنقل عدول خَفَّ ضبطُ بعضهم من غير علة (١).
كحديث: عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ مَاهَكٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ، الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ" أخرجه سعيد بن منصور وابن ماجه وأبو داود والترمذي.
_________________
(١) وقد اختُلِف كثيرًا في تعريف الحسن لذاته عند المتأخرين، ولم يسلم تعريف منها من نقد أو تعقب حتى أيِس الذهبي - ﵀ - من حده، وما ذكرته - بحمد الله - لا يرد عليه نقد ولا اعتراض.
[ ٦١ ]
وقد حسنه المتأخرون قاطبة.
وهو عند المتقدمين لا يصح.
ويقال له عندهم: الثابت، والمقبول، والجيد، والقوي، والصالح، والمُشَبَّه، ولا بأس به.
فائدة: ليس تعريف للحديث الحسن في كتب المتأخرين يسلم من الاعتراض.
فائدة: تحسين الترمذي للحديث على ثمانية أضرب دائرة بين أعلى درجات الصحة إلى أدنى درجات الضعف (١).
وبكل حال فإنَّ المتقدمين يطلقون الحسن على الصحيح أحيانًا، وعلى ما خف ضبط راويه، وعلى الضعيف المنجبر، والضعيف بأنواعه بل حتى على المنكرات، أما المتأخرون فقصروا الحسن على المعنيين الاصطلاحِيَّيْن عندهم، وبهذا تعرف خطأهم في كثير من اعتراضاتهم، وانتقاداتهم على المتقدمين.
الحَسَنُ لِغَيْرِه:
ما كان في بعض رواته ضعفٌ محتمل، ويروى من وجه آخر مثله أو نحوه، وخلا من العلل.
كحديث: حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ هُرْمُزَ الفَدَكِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ عُبَيْدٍ عَنْ أبِي حَاتِمٍ المُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهَ وَخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" أخرجه: أبو داود في المراسيل والترمذي.
فقد حسنه المتأخرون لغيره.
واعلم أن الحسن لذاته على طريقة المتأخرين يكفي أن يكون من طريق واحدة، ويشترط في راويه الضبط، وإن كان فيه بعض الخفة.
وأما الحسن لغيره: فيشترط فيه تعدد الطرق، من غير شدة في الضعف، ويكفي في بعض رواته أن يكون ضبطهم أدنى من ضبط رواة الحسن لذاته، ولو يصل لسوء الحفظ لكن ليس جدًّا.
_________________
(١) وبه تعرف أن كل من قال بتساهل الترمذي فهو لم يعرف مراده ﵀.
[ ٦٢ ]
فائدة: الحسن لغيره لا يحتج به في العقائد إلا أن يتفق المتنان تمامًا؛ لأنَّ العقائد توقيفية لفظًا ومعنىً.
حَسَنٌ صَحِيح:
هو اصطلاح لجمع من الحفاظ كأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، والترمذي، يعنون به: أنه دون الصحيح وإن كان ثابتًا عندهم.
كحديث: إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً الحديث. أخرجه: الترمذي.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَألتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحدِيثِ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَكَذَا قَالَ أحمد بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. سنن الترمذي (١/ ٢٢٥).
وقد يعني به الترمذي: إفادة التأكيد لمعنى القبول والاحتجاج، وقد يعني به الجمع بين حكمي عالمين في الحديث، أحدهم قال: صحيح، والآخر قال: حسن، وقد يريد به أنه مروي بإسنادين، أحدهما: دون الصحيح ولم يبلغ الضعف، والآخر: صحيح، وقد يعني به الصحيح لذاته، وقد يعني به الحسن لذاته، وقد يريد به التمييز بين (الحَسَن) الذي هو صحيح و(الحَسَن) الذي هو دون الصحيح (١).
حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيب:
هو حديث مروي بإسناد حسن، وبإسناد صحيح غريب، وإنما يُستغربُ من الطريق الصحيحة.
كحديث: هَمَّام قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ أبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِي الغَارِ: لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا". أخرجه: ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والبزار والترمذي وأبو يعلى.
قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. إِنَّمَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ تَفَرَّدَ بِهِ". وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هَمَّامٍ، نَحْوَ هَذَا. سنن الترمذي (٥/ ٢٧٨).
_________________
(١) فلا ضابط له عند الترمذي، وبه تعرف خطأ المتأخرين في اختلافهم أصلًا في حصر معناه عند الترمذي باصطلاح واحد.
[ ٦٣ ]
حَسَنٌ غَرِيب:
هو حديث قد رُوي من غير وجهٍ نحوه، وإنما يُستغربُ من الطريق التي أخرجها لتفرد راو بها.
كحديث: مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ" فَرَأيْتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا. أخرجه: الترمذي.،
قال الترمذي: وَفِي البَابِ عَنْ أبِي قَتَادَةَ، وَعَائِشَةَ، وَعَمَّارٍ. حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أبِي قَتَادَةَ، أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ"، أخْبَرَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ قَالَ: أخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ أصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ؛ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ وَغَيْرُهُ. سنن الترمذي (١/ ١٥).
وقد يعني الترمذي به: الحسن لذاته، ويعني به: الضعيف.
أحْسَن شَيْءٍ فِي البَابِ: هو أن يروى في باب من أبواب العلم جملة أحاديث، يكون هو أحسنها، وإن لم يكن حسنًا.
فإن كانت مقبولة فهو أعلاها مرتبة، وإن كانت ضعافًا فهو أخفها ضعفًا.
قال الخلال: أخبرنا أبو داود - يعني السجستاني - قال: قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟
قال: تخليل اللحية قد رويَ فيه أحاديث، ليس يثبت منها حديث، وأحسن شيء فيه حديث شقيق عن عثمان. شرح ابن عبد الهادي لعلل ابن أبي حاتم (ص/ ٤٧).
عُرِفَ مَخْرَجُهُ:
ما اتصل سنده، وعرف راويه بأخذ الحديث عن أهل بلده وروايته عنهم.
كرواية: ابن جريج عن أهل مكة، والزهري عن أهل المدينة، والأوزاعي عن أهل الشام، وثور بن يزيد عن أهل الجزيرة، ومعمر عن أهل اليمن، وقتادة عن أهل البصرة، وأبي إسحاق
[ ٦٤ ]
السبيعي عن أهل الكوفة، وأبو هاشم الرماني عن أهل واسط، ويزيد بن أبي حبيب عن أهل مصر، والحسين بن واقد عن أهل خراسان.
مَخْرَجُ الحَدِيث: جزء السند من جهة الصحابي.
الجَهَالَة والمَجْهُول
الجَهَالَة: عدم معرفة عَيْنِ الراوي أو حاله، من جهة العدالة أو الضبط.
المجْهُوْل: من جهلت عينه، أو حاله من جهة عدالته في دينه، أو ضبطه لحديثه، أو كلاهما معًا.
والمجهول عند المتقدمين مجهول لا يتنوع، ولا تعرف مصطلحات "المستور" و"مجهول العين" "مجهول الحال" عندهم.
والمجهول عند المتأخرين: ثلاثة: مجهول العَيْن، ومجهول الحال (المستور)، والمبهم.
مجْهُوْلُ العَيْن: هو من ذُكِر اسمه، ولكن لم يَرْو عنه إلا راو واحد، ولم يوثقه مُعْتَبر.
كإدريس بن صبيح الأودي، وبريد بن أصرم، وحاتم بن أبي نصر القنسريني، وقرة بن موسى الهجيمي، وأبي الهيثم البصري، ومحمد بن إبراهيم الباهلي البصري.
مجْهُولُ الحَال: (المستور): هو من روى عنه اثنان فأكثر، ولم يُوَثَّق.
كأنس بن حكيم الضبي البصري، وسليمان بن كنانة القرشي الأموي، وعبد الرحمن بن جرهد الأسلمي.
وإنما يعرف المستور عند المتقدمين بمعنى: من لم يظهر منه ما يعاب عليه.
وكلما تأخرت طبقة المجهول كان هذا أضعف لمروياته.
مثال إسناد غالبه مجاهيل:
[ ٦٥ ]
قال أبو محمدٍ عبدُ الرحمنِ: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه حسَّانُ بنُ حسَّان عن إبراهيمَ بنِ بِشْرٍ عن يحيى بنِ معن (١) عن إبراهيمَ القرشيِّ عن سعيد بنِ شُرَحْبيلٍ عن زيد بن أبي أوْفَى، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ؛ فقال: أين فلانُ بنُ فلانٍ بنِ فلانٍ، فما زال يتفقَّدهم، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه؛ فقال: إنِّي مُصْطَفٍ منكم ومؤاخٍ بينكم، قم يا أبا بكر! فآخى بينه وبين عمرَ فذكر حديثَ المؤاخاةِ، وفضائلِ كلِّ واحدٍ منهم. علل الحديثِ (٢٥٩٨)
فسمعتُ أبي يقول: هذا حديثٌ منكر، وفي إسنادِهِ مجهولون.
المجهولون في هذا الإِسنادِ: إبراهيم بنُ بِشْرٍ، ويحيى بنُ معن، وإبراهيمُ القرشيُّ، وسعيد بنُ شُرَحْبِيْلٍ.
والجهالة ليست بجرح ولا تعديل، وكذا الشهرة؛ فبعض الرواة مشهورون ولكن بالكذب.
مراتب المجهولين:
أ - طبقة كبار التابعين أو أوساطهم، إذا روى ما لم يُسْتَنكر احتُمِلَ حديثه.
ب - صغار التابعين، فيختلف باختلاف الرواة عنه.
ت - أتباع التابعين فمن بعدهم، فهؤلاء أضعف لا سيما إذا تفردوا.
ث - من روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة، فهذا أرفع لحديثه وأقوى لعدالته.
ج - من روى عنه الموصوف بتدليس الشيوخ، فإن ذلك مما يضعفه.
ح - من لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهؤلاء أضعف مراتب المجهول.
ارتفاع الجهالة
اعلم أنه ليس لارتفاع الجهالة عن الراوي عند المتقدمين قاعدة منضبطة.
فلا عبرة عندهم بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات، كأن يروي عنه أهل العلم ممن لا يروي عن المجاهيل.
_________________
(١) في الأصل يحيى بنَ معين، والتصويب من تعليق المعلمي اليماني على التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٣٨٦).
[ ٦٦ ]
قال ابن رجب: قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟
قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول.
قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب، وأبي إسحاق؟
قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. اهـ.
قال ابن رجب: وهذا تفصيل حسن.
وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي، الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه.
قال: وابن المديني يشترط أكثر من ذلك:
فإنه يقول فيمن يروي عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم معًا: إنه مجهول.
وكذا قال أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني: ليس بالمشهور.
مع أنه روى عنه جماعة من المصريين، لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء.
وقال أحمد في عبد الرحمن بن وعلة: إنه مجهول.
مع أنه روى عنه جماعة، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء. شرح علل الترمذي بتصرف (١/ ٣٧٧).
من روى عنه واحد ولكنه معروف
وقد صحح أحمد حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولًا.
قال في خالد بن شمير: لا يُعْلَمُ روى عنه أحد سوى الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث.
وقال مرة أخرى: حديثه عندي صحيح.
[ ٦٧ ]
وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت ابن عيينة يقول: إنا كنا نتبع آثار مالك بن أنس، وننظر إلى الشيخ إن كان مالك بن أنس كتب عنه وإلا تركناه.
قال القاضي إسماعيل:
إنما يُعتبر بمالك في أهل بلده (فأما الغرباء) فليس يُحْتَجُّ به فيهم، وبنحو هذا اعتذر غير واحد (عن مالك) في روايته عن عبد الكريم أبي أمية وغيره من الغرباء.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما يقويه؟ .
قال: إذا كان معروفًا (بالضعف)، لم تقوه روايته عنه، وإن كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه.
قال: وسمعت أبي يقول: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة. إلا نفرًا بأعيانهم.
وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن الرجل، مما يقوي حديثه؟
قال: إي لعمري.
قلت: الكلبي روى عنه الثوري.
قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتَكلَّمُ فيه.
قلت: فما معنى رواية الثوري عنه، وهو غير ثقة عنده؟
قال: كان الثوري يذكر الرواية عن الرجل على الإنكار والتعجب، فيعلقون عنه روايته عنه. ولم تكن روايته عن الكلبي قبوله له. شرح علل الترمذي بتصرف (١/ ٣٨١)
ارتفاع الجهالة عند المتأخرين
وذكر ابن عبد البر في استذكاره أن من روي عنه ثلاثة فليس بمجهول.
قال: وقيل: اثنان. شرح علل الترمذي (١/ ٣٨١)
[ ٦٨ ]
قال الخطيب: وَأقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الجَهَالَةُ أنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ المَشْهُورِينَ بِالعِلمِ كَذَلِكَ.
قال: إِلَّا أنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ العَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ. الكفاية في علم الرواية (ص: ٨٩).
واعلم أن الأصل فيمن لا يعرف أنه ليس بحجة، لكن من كان من الرواة قد روى عنه جماعة ولم يأت بما يُنْكَرُ عليه، ووافقت أحاديثه حديث الثقات قُبِلَ حديثه.
إِسْنَادٌ مُظْلِم: إسناد فيه راو مجهول أو أكثر.
الرَّاوِي المُبْهَم: هو من لم يُصَرَّح باسمه في الإسناد أو المتن.
ففي السند كقولهم: حدثنا رجل، وأما في المتن فكقولهم في أثناء حديث: فجاء رجل.
وهذا الذي في المتن لا يضر إبهامه.
الحَدِيث المُبْهَم: هو الحديث الذي في سنده من لم يُسَمَّ.
كقول الراوي في السند: حدثني رجل، أو شيخ، أو من لا أتهم، أو الثقة.
واعلم أن المبهم على التوثيق إذا روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة، أو وثقه على الابهام إمام معتمد في الجرح والتعديل.
والمبهم إذا كان في المتن فلا يؤثر إلا أن يكون له تعلق بالسند، أو تعَلَّقَ به حكمٌ شرعي.
البِدْعَةُ ورِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ
البِدْعَة: تَعَبُّدُ الله بما لم يشرع.
والمراد بالبدع عند المحدثين البدع الاعتقادية.
والبدعة: عند المتقدمين: مُغلَّظة؛ كالجهمية والمعتزلة والرافضة، ومُتوسطة: كالقدرية، ومُخفَّفَة: كالإرجاء.
وعند المتأخرين: بدعة مُكفِّرة، ومُفسِّقة.
المُبْتَدِع: من فارق عقيدة أو منهج جماعة المسلمين من أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة.
[ ٦٩ ]
مثال المبتدع:
قتادة: مرجئ.
هشام الدّسْتوائي: قدري.
عمران بن حطان: خارجي.
عَمْرو بن عُبَيْد: رأس المعتزلة الأوائل.
بِشْرُ بن السرّي: جَهميّ.
ثوير بن أبي فاختة: رافضي.
الرواية عن أهل الأهواء والبدع
وقد اختلف في الرواية عن أهل الأهواء والبدع.
فمنعت طائفة من الرواية عنهم:
كابن سيرين، والحسن، ومالك، وابن عيينة، والحميدي، وغيرهم.
قال الحسن: لا تسمعوا من أهل الأهواء. أخرجه ابن أبي حاتم.
ولهم مآخذ:
أحدها: لكفر أهل الأهواء وفسقهم، وفيه خلاف مشهور.
والثاني: الإهانة لهم والهجران.
والثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب، لا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي.
وروى أبو عبد الرحمن المقري، عن ابن لهيعة، أنه سمع رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته وجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا جعلناه حديثًا.
وقال علي بن حرب: من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة، فإنهم يكذبون، كل صاحب هوى يكذب، ولا يبالي.
ورخص طائفة في الرواية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب:
[ ٧٠ ]
منهم: يحيى بن سعيد، وعلي بن المديني.
قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج.
قال ابن المديني: لو تُرِكَت أهل البصرة للقدر، وتُرِكَت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب.
وأما الرافضة فبالعكس.
قال يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون. خرجه ابن أبي حاتم.
ومنهم من فرق بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية.
منهم: ابن المبارك، وابن المهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
وقال المروزي: كان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعيًا.
ومنهم من فرق بين من يغلو في هواه ومن لا يغلو.
كما ترك ابن خزيمة حديث عباد بن يعقوب لغلوه.
وسئل ابن الأخرم: لم ترك البخاري حديث أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان يفرط في التشيع.
ومنهم من فرق بين البدع المغلظة، والبدع المخففة ذات الشبه.
فالمغلظة، كالتجهم والرفض، والمخففة ذات الشبه كالأرجاء.
قال أحمد: احتملوا من المرجئة الحديث، ويكتب عن القدري إذا لم يكن داعية.
وكلامه في الجهمي عام، أنه لا يروى عنه.
فالمختار عندي:
أن أهل البدع المغلظة كالرافضة والجهمية يُردُ حديثهم مطلقًا.
وتقبل رواية غيرهم ممن رمي ببدعة من الثقات، سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية، فلنا حديثه وعليه بدعته.
ولا زال الحفاظ يروون عن أهل البدع الثقات وإن كانوا دعاة ويحتجون بمروياتهم.
[ ٧١ ]
التَّدْلِيسُ
التَّدْلِيس: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره، حتى يقبل الحديث.
وَالمتقدمون يطلقون في كثير من الأحيان على الإرسال تدليسًا، فيقولون: فلان يدلس، يعني: يرسل (١).
وهو أقسام: تدليس الإسناد، والتسوية، والشيوخ، والعطف، والمتابعة، والقطع - أو السكوت -، وصيغ التحمل، والبلدان.
تَدْلِيْسُ الإِسْنَاد: أن يَرْوِيَ الراوي عن شيخ سمع منه بالجملة شيئًا لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع.
كرواية ابن عُيَيْنَة عن الزهري؛ فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.
ويندرج تحت تدليس الإسناد؛ تدليس التسوية، والقطع أو السكوت، والعطف، والمتابعة، والصيغة.
أ - تَدْليسُ التَّسْوِيَة: هو أن يسقط الراوي شيخ شيخه أو من هو فوقه، فيسوِّي رواية شيخه عن شيخ شيخه مباشرة (٢).
وصورته أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه شيخه الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمَد المدلسُ فيسقطُ منه شيخَ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ يوهم السماع، فيصير الإسناد كله ثقات.
كرواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع.
فأسقط الوليدُ بنُ مسلم عبدَ الله بنَ عامرٍ الأسلمي. بين الأوزاعي ونافع، فجعله عن الأوزاعي عن نافع.
_________________
(١) وبهذا تعرف خطأ كثير من المتأخرين ممن صنف في التدليس بإيرادهم رواة لم يذكروا عند المتقدمين بالتدليس الذي هو بمعناه عند المتأخرين، كالزهري.
(٢) هذا النوع من التدليس لا يُعرف أحد يفعله غير أحد عشر راويًا.
[ ٧٢ ]
لا يشترط في مدلس التسوية التصريح بالسماع في جميع طبقات السند، وإنما يكفي أن يصرح بسماعه من شيخه وبسماع شيخه من شيخه.
ب - تَدْليسُ القَطْع أو السكوت: هو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على اسم شيخه.
كقول الراوي: "فلان عن فلان"، ولا يقول مثلًا حدثني، أو سمعت، أو عن فلان عن فلان.
فيأتي الراوي بلفظ يفيد السماع ثم يسكت وينوي القطع، ثم يقول: فلان، فيذكر اسم شيخ من شيوخه، كهشام بن عروة مثلًا، وهو لم يسمع منه الحديث مع شيخ آخر سمع منه.
كما نقل عن عمر بن علي المُقَدَّمِيّ (١): "سمعت" و"حدثنا"، ثم يسكت، ثم يقول: "هشام بن عروة"، "الأعمش"! يوهم أنه سمع منهما، وليس كذلك.
ت - تَدْليسُ العَطْف: هو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك الحديث من الثاني.
كقول هُشَيْم: حدثنا حُصَيْن ومغيرة (٢).
ث - تَدْليسُ المُتَابَعَة: هو أن يروي الراوي خبرًا عن شيخين له أو أكثر، ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهما على الآخر ولا يبين.
كحديث رواه ابن عُيَيْنَة عن ليث بن أبي سليم (٣) عن مجاهد عن أبي معمر عن علي ﵁.
ورواه أيضًا عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد (٤) عن علي.
_________________
(١) ولا أعلم أحدًا كان يصنعه غير عمر بن علي المقدمي. ثم إن ابن عدي مع استقصائه لم يذكر للمتقدمين إلا حديثًا واحدًا فقط دُلس فيه بهذه الصورة - ونُسب إلى عمر بن عبيد الطنافسي وهو غلط - ولست أعلم لهذا النوع تفعيلًا عمليًا فلا يشتغل به، وبه تعرف وهم من ضعف أحاديث عمرو بن علي المقدمي خارج الصحيح، بل إخراج البخاري ومسلم له بالعنعنة دليل على فساد تصرف المتأخرين مع التدليس عمومًا، وهذه القضية خصوصًا.
(٢) هكذا يمثلون له برواية هشيم، والذي يظهر أن هذا لا يثبت عن هشيم. ولست أعلم أحدًا فعله غير ما مثل به) عن هشيم، فلا فائدة علمية في هذا النوع فلا يشتغل به.
(٣) ليث بن أبي سليم ضعيف.
(٤) مجاهد لم يسمع من علي.
[ ٧٣ ]
حديث القيام للجنازة.
فأحيانًا يروي ابن عُيَيْنَة الحديث عنهما، فيعطف رواية ابن أبي نَجِيح على رواية الليث ولا يبين.
فيضيع ضعف ابن أبي سليم بمتابعة ابن أبي نَجِيح، ويضيع كذلك الانقطاع - الذي في رواية ابن أبي نَجِيح - بين مجاهد وعلي.
ج) تَدْليسُ الصِّيْغَة: هو أن يعبر الراوي بالتحديث أو الإخبار، في بعض أنواع التحمل التي تحتمل السماع وعدمه، موهمًا أنه سمع.
كأن يقول في الإجازة أو غيرها: أخبرنا - تأولًا منه -.
وأكثر ما يكون في الإجازة والمذاكرة.
ومن تلك الصيغ المستعملة للإيهام (أخبرني) و(شافهني) و(كتب إليّ).
ويسمى (تدليس صورة التحمل)، أو (تدليس كيفية التحمل).
تَدْليسُ الشُّيُوْخ: هو أن يَرْوي الراوي عن شيخ فيذكره بغير ما يعرف، كي لا يهتدى إليه.
كما فعل الرواة بمحمد بن سعيد الشامي المصلوب، فقد قيل أنهم قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى.
ويندرج تحته تدليس البلاد.
تَدْلِيْسُ البُلدَان: وهو أن يذكر الراوي لفظًا مشتركًا، يطلق في المشهور، على غير الموضع الذي أراده.
وسماه البعض: تدليس المكان.
وصورته: أن يقول الراوي البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة، أو حدّثنا بقرطبة، ويقصد بها موضعًا في بغداد، وليست المدينة المعروفة في الأندلس. أو يقول الراوي المصري: حدثني فلان بزقاق حلب، وأراد موضعًا بالقاهرة.
[ ٧٤ ]
فائدة: لا يُعلَم عن أحد من المتقدمين وصف الصحابة بالتدليس، وإنما كانوا يرسلون، وغالب مرسلاتهم عن صحابة مثلهم، وإذا أرسلوا عن تابعي بيَّنوا.
حكم عنعنة المدلس
اعلم أنَّ المتقدمين لا يعتبرون عنعنة المدلس في الغالب، عند حكمهم على الحديث.
فالعنعنة غالبًا ما تكون ممن دون المدلس، أو الراوي عمومًا، كما أن التصريح بالتحديث أحيانًا قد يكون وهمًا ممن دون المدلس.
وكثيرًا ما تجد الحفاظ يقولون: دخول التحديث في هذا الإسناد خطأ.
عنعنة المدلس على الاتصال بشروط:
١ - أن لا يكون المدلس مقلًا من التدليس، وهو كثير الروايات المتصلة.
٢ - وأن يثبت لقاء المعنعن بمن روى عنه.
٣ - فإن كان مكثرًا زيد في الشرط:
٤ - أن يكون ممن أكثر من الرواية عن شيخه.
٥ - ولم يثبت في هذا كله أنه دلسه عن ضعيف.
فائدة: من عرف بالتشديد في الأخذ ممن عرف بالتدليس، فالأصل فيما رواه عن شيوخه المدلسين بعنعنتهم الاتصال.
كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان.
مهمات في التدليس
- التدليس ليس جرحًا.
- إذا أطلق لفظ التدليس فالمراد تدليس الإسناد.
- فعلُ الراوي نوعًا من أنواع التدليس لا يلزم منه فعل باقي أنواعه.
- من نص النقاد على تدليسه فالأصل عدَّه مدلسًا.
[ ٧٥ ]
- من ذكر في المدلسين فلا بد من التحقق من أمره، ولا بد من التحقق تعيين نوع تدليسه.
- مما يعرف به التدليس:
نصُّ النقاد على أنه مدلَّس.
إقرار المدلس.
جمع الطرق والأسانيد.
التدليس والمتابعات
حديث المدلس يصلح في المتابعات إذا علم أنَّ الراوي المسقط ليس شديد الضعف.
فائدة: قد يروي المدلس الحديث عن شيخ، ويتابعه عن شيخه الذي روى عنه راو آخر، فقد يكون هذا المتابِع هو نفس الواسطة التي أسقطها المدلس عن شيخه.
فتنبه لهذا فإن كثيرًا من المتأخرين خصوصًا المعاصرين توهموا في مثل هذا فعدوه متابعًا.
مثال ذلك:
كحديث: ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: طاف محمد - جده - مع أبيه عبد الله بن عمرو، فلما كان سبعهما، قال محمد لعبد الله حيث يتعوذون: استعذ؛ فقال عبد الله: أعوذ بالله من الشيطان؛ فلما استلم الركن تعوذ بين الركن والباب، وألصق جبهته وصدره بالبيت، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا. أخرجه عبد الرزاق.
وتابع ابنَ جريج في روايته عن عمرو به: المثنى بنُ الصباح، أخرجه أبو داود.
ورواه عبدُ الرزاق عن ابن جريج عن المثنى عن عمرو بن شعيب به. أخرجه عبدُ الرزاق في (المصنف).
فتبين أن ابن جريج دلسه عن المثنى نفسه.
[ ٧٦ ]
الاعْتِبَارُ والمُتَابَعَاتُ والشَّوَاهِدُ
الاعْتِبَار: هو البحث عن طرق وشواهد حديث يُظن أنه فردٌ.
وهو اصطلاح يندر عند المتقدمين.
ويستعملونه بمعنى تقوية الحديث فيقال: فلان يُعْتَبرُ به ليتقوى الحديث.
ففي حديث: إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث رجل من بني عذرة عن أبي هريرة عن أبي القاسم ﷺ قال فذكر حديث الخط. أخرجه أبو داود.
قال سفيان: ولم نجد شيئًا يشد هذا الحديث ولم يجيء إلّا من هذا الوجه.
قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدّث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟
قال الجوزجاني: ومنهم الضعيف في حديثه غير سائغ لذي دين أن يحتج بحديثه وحده، إلا أن يقوية من هو أقوى منه فحينئذ يعتبر به. أحوال الرجال (٣٣).
المُتابَعَة: أن يشارك الراوي غيره في رواية الحديث.
وهي نوعان: تامة، وقاصرة.
التَّامَّة: هي أن تحصل المشاركة للراوي من شيخه إلى آخر السند وفي نفس المتن.
كأن يروي راوٍ الحديث عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فيرويه راو آخر معه عن أبي الزِّناد بنفس السند.
القَاصِرَة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي أثناء الإسناد.
كأن يروي الشافعي حديثًا عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
فيروى الحديث من غير طريق مالك عن غير شيخ مالك، عن ابن عمر.
أحاديث صححها المتقدمون لطرقها
حديث: أفطر الحاجم والمحجوم.
[ ٧٧ ]
وحديث: لا نكاح إلّا بولي.
قال أحمد بن حنبل: يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها. البيهقي في الكبرى (٤/ ٢٦٧).
وحديث: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ثم كل صلاة. أخرجه: الترمذي.
وقال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه.
الشَّاهِد: هو أن يروى الحديث بالمعنى من طريق عن غير الصحابي الذي رواه.
كأن يروى الحديث عن حذيفة بلفظ، ويروى عن أبي الدرداء بمعنى يفيده.
وَالمتقدمون ليس عندهم ما يسمى بالشاهد، ولا يتوسعون في هذا أبدًا. فلا يعضدون الحديث بمجيئه عن صحابي آخر.
وغالب المتأخرين على التفريق بين المتابع والشاهد.
والمتأخرون يجعلون من الآية وقول الصحابي أو فعله شاهدًا.
واعلم أن المتقدمين وإن صححوا بالمتابعات فلا يكثرون من ذلك ويتحرزون أشد التحرز، إلا إذا قويت طرقها، ولم يكن في رواته كذابٌ ولا مُتهمٌ، ولم تعارض أصلًا، ولم يكن في العقائد والأحكام.
فَقلَّ أن يَصِحَّ حديث بتعدد الطرق عند المتقدمين، والمتأخرون على عكسهم.
أحاديث صححها المتأخرون لطرقها لم يعرف عن المتقدمين تصحيحها
حديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم.
حديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله.
حديث: الأذنان من الرأس.
حديث: المسح على الجبيرة.
[ ٧٨ ]
حديث: وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
شروط قبول الحديث بالمتابعات
- أن لا يشتد ضعفه.
- أن يصح السند للمُتابِع والمتابَع.
- أن يكون المُتَابِع من طبقة المُتابَع.
- أن تتقارب الألفاظ.
- أن لا يكون أحد المتابعات مستنكرًا، أو يعارض أصلا.
وقد حقق بعض إخوتنا ممن نهج منهج المتقدمين: أنَّ الشاهد الضعيف لا يتقوى بمثله بل لابد أن تكون المتابعة من نفس حديث الراوي (١).
فائدة: لا يلزم من كثرة الطرق قبول الحديث، بل ربما تزيده كثرة الطرق وهنًا.
كحديث: من حفظ عن أمتي أربعين حديثًا.
وحديث: صلوا خلف كل من قال لا إله إلا الله.
وحديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
حديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
تنبيه: كَثُرَ في صنيع المتأخرين خاصة المعاصرين معاضدة الحديث الضعيف ذي الألفاظ المتنوعة بأحاديث قصار، أو ببعض ألفاظ من أحاديث تضمنت شواهد لها، وهذا منهج فاسد يلزم منه أن لا يبقى حديث ضعيف في الدنيا، إذ ما من حديث إلّا وله شاهد من حديث غيره إلّا ما قل.
كحديث: أحب للناس ما تحب لنفسك. أخرجه: ابن سعد وعبد بن حميد، والبخاري في "التاريخ الكبير".
وحديث: إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه عقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون. أخرجه: ابن السني.
_________________
(١) وهذا له وجه قوي، لأنَّ هذا الضعيف تفرد بالإسناد.
[ ٧٩ ]
وحديث: نهى عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب. أخرجه: أحمد وأبو داود.
فائدة: ربما صلح الموقوف لشد المرفوع إذا كان عليه العمل عند الصحابة ﵃، وكان في غير العقائد والأحكام.
كحديث: من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال. أخرجه مسلم.
ما يصلح للاعتبار
اعلم أن من تُكلِّمَ فيهم من جهة حفظه غالبًا لا ينزلون عن درجة الاعتبار، وأما من جرح في عدالته فلا يعتبر به.
مرسل كبار التابعين، ومرسل من لا يروي إلّا عن ثقة، المختلط، أو في الإسناد عنعنة مدلس، مجهول من طبقة التابعين.
يعتبر به، يكتب حديثه، يكتب حديثه ولا يحتج به، شويخ.
ليس بذاك القوي، فيه شيء، فيه مقال، فيه ضعف، تكلموا فيه، مطعون فيه، فيه لين، ضُعِّف، يستضعف.
ليس بالقوي، ليس بالمتين، ليس بالحافظ، ليس بالمتقن، ليس كأقوى ما يكون، ليس هناك، ليس من جمال المحامل.
يخالف في بعض حديثه، تَعرِف وتُنكر، في حديثه ما ينكر، في حديثه بعض الإنكار، ذو مناكير، صاحب مناكير، ليس بمنكر الحديث ولا يحتج به.
لم يكن بمحكم الحديث، لا يحمدونه، ليس يحمدونه.
نزكوه، سكتوا عنه، فيه نظر (١).
يحتاج إلى فلان في الحديث الذي يحتج به، في القلب منه شيء، سيء الحفظ، رديء الحفظ، لا يُستهوى حديثه، لا أنبسط لحديثه، لم يشته الناس حديثه، فيه بعض النظر، حديثه ليس بالقائم، لا يقطع به في حديث.
_________________
(١) عند غير البخاري.
[ ٨٠ ]
لم نأخذ منه إلّا ما نجده عند غيره، لا يضبط الإسناد، لا يقيم الإسناد، لم يكن يحفظ، لم يكن له حفظ، ليس حديثه بذاك الجائز، متماسك، شبه الضعيف.
مضطرب الحديث، منكر الحديث.
لا يترك، لا يستحق الترك، لم يهدر، لا يسقط حديثه، ليس بالقوي ولا بالساقط.
ليس بالقوي ولا بالمتروك، يحتمل حديثه، أحتمل حديثه، حديثه محتمل.
كثير الخطأ، كثير الوهم، يهم وهمًا، قليل الضبط، كثير الخلل، في حديثه خلل كبير.
حديثه ليس بالمعروف، في حديثه وهاء، لا يعول عليه.
يكتب من حديثه الرقاق، لا بأس به في الرقاق، يشبه حديثه حديث الصالحين.
لم يكن نافقًا، ثقيل، يكتب حديثه زحفًا، أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس.
يُغرب، يؤخذ من حديث المعروف (١)، ليس من أهل التثبت في الرواية.
كان نسيًا، يكتب حديثه على المجاز، صحفي، كان رفاعًا، لا يسكن القلب إليه.
شروط عضد المرسل:
أ - أن يكون المُرسِل من طبقة كبار التابعين.
ب - أن يروى من وجه آخر عن تابعي كبير أخذ عن غير شيوخ الأول.
ت - ألّا تعرف له رواية من طريق أخرى عن مردود الرواية.
ث - أن يعضده مسند من طريق صحيحة بنفس معناه.
ج - أن يعضده موقوف.
ح - أن يفتي بمقتضاه عامة أهل العلم.
اعتبار الموقوفات
يحتمل في الموقوفات ما لا يحتمل في المرفوعات في القبول بالمتابعات.
_________________
(١) يعني ما وافق الناس.
[ ٨١ ]
وتعدد الطرق في موقوف بعينه عن جمع من الصحابة لا يعضد بعضه بعضًا، وإنما يعتبر بما تعددت طرقه عن صحابي واحد.
الإسْنَادُ والاتِّصَالُ والانْقِطَاعُ
اعلم أنَّ الأصل في السند الانقطاع حتى يثبت اتصاله.
اتِّصَالُ السَّنَد: هو أخذ الراوي الحديث عمن روى عنه مباشرة.
المُتَّصِل: ما ثبت فيه أخذ رواته بعضهم عن بعض مباشرة.
التَّحَمُّل: أخذ الراوي الحديثَ عمن رواه، وهو ثمانية أقسام:
السماع، والعرض، والإجازة، والمناولة، والمكاتبة، والإعلام، والوصية، والوجادة.
السَّمَاع: أن يسمع الراوي الحديث ممن روى عنه مشافهةً.
العَرْض: أن يقرأ الراوي الحديث على الشيخِ، والشيخُ يسمع منه.
الإِجَازَة: أن يجيز المرء غيره برواية مروياته.
تنبيه: قد اشتهرت الإجازات في عصرنا، وكثر التباهي بها، وهي عندي لا قيمة لها، إلا أن تكون أخذًا تامًا على الشيخ فهذا إنما يطلب لضبط الرواية، وحفظ سلاسل الإسناد.
المُنَاوَلَة: أن يناول المرء أحدًا كتابًا فيه مروياته ليرويه عنه.
المُكَاتَبَة: أن يكتب الشيخ إلى الطالب وهو حاضر أو غائب شيئًا من حديثه بخطه.
الإِعْلَام: إعلام المرء لأحد بأن هذا الحديث أو هذا الكتاب سماعه أو من روايته (١).
الوَصِيَّة: أن يوصي المرء بكتبه أن تروى عند موت أو سفر لشخص أو أكثر.
الوجَادَة: الوقوف على مرويات راوٍ يرويها بخطه ولم يَلْقَه، أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الموجود، ولا له منه إجازة ولا نحوها.
وشرط قبولها: التحقق من نسبتها لمن نُسِبَت إليه.
_________________
(١) فإن أجازه بروايته صار إعلامًا مقرونًا بإجازة.
[ ٨٢ ]
والعمل اليوم في الحديث كله على الوجَادَات، وهنا لا بد من جمع نسخ المخطوط، ولا يكتفى في تحقيق الكتاب بمخطوطة واحدة، ثم لا بد من التأكد من دور النشر، ومعرفة المؤتمن منها من غير المؤتمن.
وصِيَغُ التَّحَمُّلِ مِنْ حَيْثُ ألفَاظهَا ثَلَاثَة:
أوَّلًا: الصِّيَغُ الصَّرِيْحَةُ بِالسَّمَاع:
وأعلاها سمعت، وقال لي (١)، ويليها: حدثني، وحدثنا، ويليها: أخبرني وأخبرنا، ويليها: أنبأني وأنبأنا، وقرأ علينا وسمعنا عليه، وقال لنا وحكى لنا، وذكر لنا وشافهنا، وعرض علينا وعرضنا عليه، وناولنا وكتب لنا، ونحوها من العبارات الدالة على الاتصال.
والأصل المساواة بين هذه الصيغ، وهذا صنيع كثير من المتقدمين.
وقد فرَّق بين هذه الألفاظ بعض المتقدمين وتبعهم عليه المتأخرون.
ثَانِيًا: الصِّيَغُ الصَّرِيْحَةُ بِعَدَمِ السَّمَاع: مثل أُخْبِرْت، أو حُدِّثْتُ "بالبناء للمجهول"، فهي تدل على انقطاع في السند بين الراوي وشيخه الذي حدَّث عنه.
ثالثًا: الصِّيَغُ المُحْتَملَةُ لِلسَّمَاعِ وَعَدَمِه: كصيغ (أنَّ)، و(عَنْ)، و(قَال)، و(ذَكَر).
تَنْبِيْه: (أنَّ) و(عَنْ) ليستا في الحقيقة ألفاظًا للأداء، وإنما أُدخِلَتا في ألفاظ الأداء؛ لأنهما تُذْكَران في سياق الإسناد كألفاظ الأداء ونيابة عنها.
العَنْعَنَة: أداء الراوي صيغة التحمل بلفظ (عَنْ).
المُعَنْعَن: هو الإسناد الذي تكون بعض أو كل صيغ التحمل فيه بين الرواة (عَنْ، عَنْ).
المُؤنَّن: هو الإسناد الذي تكون بعض أو كل صيغ التحمل فيه بين الرواة (أنَّ، أنَّ).
واعلم: الأصل المساواة بين الصيغ الصريحة في السماع، ولم يأت من فرَّق بينها بطائل.
والصيغ الصريحة بعدم السماع الأصل فيها انقطاع السند.
أما الصيغ المحتملة للسماع وعدمه: فإن صدرت عن راو ثبت له السماع من شيخه، فهي محمولة على الاتصال، وإن لم يثبت السماع فهو منقطع، وإذا لم يترجح ثبوت السماع من عدمه فهو منقطع، إلا أن يكون احتمال سماعه كبيرًا بقرائن تدل على صحة السماع.
_________________
(١) وهذا بناء على قول من قدَّم العرض على السماع.
[ ٨٣ ]
التفريق بين الرواية بـ (عَنْ) والرواية بـ (أنَّ).
فإن الرواية بـ (أنَّ) فيها تفصيل:
فإن كان خبر (أنَّ) مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده، أو سمعه ممن روى عنه، فهذا حكمه حكم (عَنْ).
كقول جابر: أن سليكًا جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب.
وعن جابر عن سليك: أنه جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب.
لأنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك وحضره.
ويمكن أن يكون رواه عن سليك.
ومثل رواية ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: كذا وكذا، في أحاديث متعددة.
وروي بعضها عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فمن رواه عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر؛ جعله من مسند ابن عمر.
ومن رواه عن ابن عمر عن عمر؛ جعله من مسند عمر.
(وإن كان خبر (أنَّ) مما لا يمكن أن يكون الراوي قد شهده؛ فهذا حكمه منقطع (١).
كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذا وكذا.
قال أبو داود: وسمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: عن عروة قالت عائشة يا رسول الله.
وعن عروة عن عائشة سواء؟ .
قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء.
والحفاظ كثيرًا ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافًا في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيرًا في كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم من الأئمة.
_________________
(١) تنبيه: قال ابن رجب: ولكن كان القدماء كثيرًا ما يقولون: "عن فلان" ويريدون به الحكاية عن قصته، والتحديث عن شأنه، لا يقصدون الرواية عنه.
[ ٨٤ ]
ومن الناس من يقول: هما سواء، كما نُقِلَ عن مالك.
وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكيِّ قِصَّتهُ، كعروة مع عائشة.
أما من لم يعرف له سماع منه فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال، ولا عند من يكتفي بإمكان اللقي.
وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين.
وكذلك ذكر أحمد أيضًا أنهم كانوا يتساهلون في ذلك مع قوله: إنهما ليسا سواء، وإن
حكمهما مختلف، لكن كان يقع ذلك منهم أحيانًا على وجه التسامح وعدم التحرير.
قال أحمد في رواية الأثرم في حديث سفيان عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق.
ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبد الله بن حذافة.
قال أحمد: هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة.
قال: وهو كانوا يتساهلون بين (عن عبد الله بن حذافة) وبين (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبد الله بن حذافة).
قيل له: وحديث أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه يخطب ميمونة.
وقال مطر: عن أبي رافع؟: قال: نعم، وذاك أيضًا. شرح علل الترمذي لابن رجب (ص: ٢٢١).
ولكن كان القدماء كثيرًا ما يقولون عن فلان ويريدون الحكاية عن قصته، والتحديث عن شأنه، لا يقصدون الرواية عنه.
وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٤٨).
تنبيه: غالبًا ما تكون العَنْعَنَةُ في الإسناد: هي ممن دون الراوي الذي جاء لفظ (عَنْ) بعده، وليست من كلام الراوي.
[ ٨٥ ]
عنعنة الثقة والخلاف في اشتراط اللقاء واشتراط السماع والاكتفاء بالمعاصرة
هذه المسألة فيها اختلاف معروف بين العلماء.
فاختار مسلم في: "مقدمة كتابه" وتوهم الإجماع عليه: قبول العنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره وأمكن لقيه له، وان لم يثبت لقيه.
واستدل مسلم على صحة قوله، باتفاق العلماء على:
قبول الخبر إذا رواه الثقة عن آخر ممن تيقن أنه سمع منه من غير اعتبار أن يقول: (ثنا) أو (سمعت) ومما استدل به مسلم على المخالف له:
إن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة، والقطان، وابن مهدي.
وذكر أن: عبد الله بن يزيد روى عن حذيفة وأبي مسعود حديثين، ولم يرد أنه سمع منهما
ولا رآهما قط، ولم يطعن فيهما أحد.
إن عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد، ولم يرد التصريح بسماعهم منهما.
وهؤلاء لم يحفظ لهم عن هؤلاء الصحابة سماع، ولا لقاء، وقد قبل الناس حديثهم عنهم.
وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره.
واختار: ابن المديني، والبخاري، وجمهور المتقدمين: اشتراط ثبوت لقاء الراوي عمن روى عنه.
واختار أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: اشتراطَ ثبوتِ سماعِ الراوي ممن روى عنه.
فإنهم قالوا في الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد: رأوا أنسًا ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة.
[ ٨٦ ]
وقال أحمد: ابن جريج لم يسمع من طاووس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاووسًا.
وقال أبو حاتم الرازي أيضًا: الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه.
وأثبت أيضًا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه.
وقال: لم يصح له منه سماع. وجعل رواياته عنه مرسلة.
ولم يجعلوا روايتهم عنهم متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي.
واختار أبو عمرو الداني: أن يكون معروفًا بالرواية عنه.
واختار أبو المظفر بن السمعاني: اعتبار اللُّقِيِّ وطولِ الصحبة.
وهذا أشد من شرط غيرهم.
ومما يستدل به الأئمة على عدم السماع والاتصال:
أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه.
قال أحمد: لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزرارة بصري.
وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس، كان الضحاك يكون بالبوادي.
وقال أبو حاتم في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: لقد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة.
ومما يستدل به الأئمة على عدم السماع والاتصال:
إن يروي الثقة عمن عاصره ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة.
قال أحمد: البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة.
وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبينه سليمان بن يسار وعروة بن الزبير.
وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هي خطأ، يعني ذكر السماع:
[ ٨٧ ]
قال في رواية هدبة عن حماد عن قتادة: نا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا.
وذكر أبو حاتم: أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها من شيوخه ولا يضبطون ذلك.
وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد.
فاتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا، يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف على أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم.
ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة، مع إدراكه له.
وحكى ابن عبد البر نحوه عن العلماء.
فلا يبعد حينئذٍ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين.
فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث وترك الاحتجاج بها!؟
قيل: من هاهنا عظم ذلك على مسلم ﵀.
والصواب: أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد.
ويرد على ما ذكره مسلم: أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبي ﷺ بل هذا أولى، لأن هؤلاء ثبت لهم اللقي، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع.
ويلزمه أيضًا الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي ﷺ وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي ﷺ مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث، والله أعلم.
ثم إن بعض ما مثل به مسلم ليس كما ذكره.
[ ٨٨ ]
فقوله: إن عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد، ولم يرد التصريح بسماعهم منهما، ليس كما قال.
فإن مسلمًا ﵀ خرّج في صحيحه التصريح بسماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد في حديثين.
وأما سماع عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم عن أبي مسعود فقد وقع مصرحًا به في صحيح البخاري، والله أعلم.
ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة، ويحيى، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم، التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان عن فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولا يقول أحد منهم قط: لم يعاصره. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (ص: ٢١٩).
صيغ الجزم والتمريض في الرواية
قد شاع عند المتأخرين أن عبارة الجزم إذا صدرت بها الرواية تفيد الصحة.
وان عبارة التمريض مثل (يُروى) (يذكر) (قيل) بالبناء للمجهول إذا صدرت بها الرواية تفيد الضعف.
أما المتقدمون فليس يجري هذا في صنيعهم، وإنما هي كغيرها من الصيغ يستخدمونها لنقل الرواية أو المتن الأثر وشبهه بحذف اسم الراوي، وهذا كثير في استعمالات المحدثين قديمًا، ولا يقصدون بها التضعيف أبدًا.
فهم يذكرونها فيما صح وثبت يقينًا من الأخبار الصحاح، وهذا تجده كثيرًا في كتب الحديث المتقدمة.
وكل من قسم الصيغ إلى تمريض وجزم؛ للتفريق بين ما يثبت وعدمه، فقد أخطأ ولم يأت ببرهان.
المُسْنَد
وهو على أقوال:
١ - كل ما اتصل إلى من عُزِيَ إليه.
وعلى هذا يدخل المرفوع والموقوف والمقطوع.
[ ٨٩ ]
٢ - المرفوع المتصل.
٣ - المرفوع؛ وإن لم يتصل.
وقد يراد به معنى آخر: وهو كل كتاب جُمع فيه مرويات كل صحابي على حدة (١).
كـ "مسند الطيالسي" و"مسند الحميدي" و"مسند أحمد".
المُسْنِد: هو الذي روى الحديث مسندًا.
المسند إِلَيْه: هو من نسب إليه الحديث مسندًا.
السَّنَد: رواة الحديث.
الإِسْنَاد: هو السند، أو حكاية طريق السند.
المُنْقَطِعُ
المُنْقَطِع: ما لم يتصل إسنادُه، على أي وجه كان انقطاعه.
وهذا عند المتقدمين.
وعند المتأخرين: كل انقطاع في السند، عدا المرسل، والمعلق، والمعضل.
والبعض ربما أطلق الانقطاع على ما فيه مبهم، كالحاكم.
وأطلقه البَرْدِيجي على ما أضيف إلى التابعين أو من دونهم. فهو على هذا بمعنى المقطوع عند المتأخرين.
المزِيْدُ فِي مُتَّصِلِ الأسَانِيْد: هو أن يزيد راو في الإسناد، راويًا لم يذكره غيره من الرواة في نفس السند من طريق أخرى متحدةً معها.
وَشَرْطُهُ: أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة من الرواية الناقصة، وإلا فمتى كان مُعَنْعَنًا ترجحت الزيادة.
_________________
(١) وأول من عرف أنه صنف فيه أبو داود الطيالسي، وأعظم مصنف فيه "مسند أحمد".
[ ٩٠ ]
وهذا على مذهب من يرى قبول مطلق زيادة الثقة، والحق أن منها ما يحكم بقبول الزيادة في الإسناد، ومنها ما يُحكَمُ فيه برد الزيادة.
وهو من المباحث التي زادها المتأخرون وليست تعرف عند المتقدمين.
كحديث ابن المبارك قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بُسْر بن عُبيد الله، قال سمعت أبا إدريس، قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مَرْثد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلُّوا إليها".
الزيادة في هذا المثال في موضعين، الأولى (سفيان)، والثانية (أبا إدريس)
أما زيادة (سفيان) فوهم ممن دون ابن المبارك؛ لأن عددًا من الثقات رووا الحديث عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد، ومنهم من صرح فيه بالإخبار.
وأما زيادة (أبا إدريس) فوهم من ابن المبارك؛ لأن عددًا من الثقات رَوَوا الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد فلم يذكروا أبا إدريس، ومنهم من صرح بسماع بُسْر من واثلة.
المُرْسَل: كل منقطع على أي وجه كان انقطاعه.
وهذا عند المتقدمين.
وعند المتأخرين: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ.
كقول ابن المُسَيِّب وعطاء ومكحول: قال رسول الله ﷺ.
مُرْسَلُ الصَّحَابِيّ: هو ما أخبر به الصحابي ﵁ عن الرسول ﷺ، وثبت عدم سماعه منه، أو شهوده لما نقل بعينه.
إما لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه، أو لغيابه. وفي ذلك أحاديث كثيرة لصغار الصحابة كابن عباس وابن الزبير وغيرهما.
ولا أعرفه في استخدام المتقدمين.
[ ٩١ ]
مثال:
حديث: الزُّهْرِيّ قَالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. أخرجه الطيالسي، وعبد الرزاق، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، ومسلم.
المرسل مراتب: فما كان عن كبار التابعين، أقوى مما كان عمن دونهم، وما كان عمن لا يروي إلا عن ثقة أقوى مما كان عمن يروي عن كل ضرب (١).
والمرسل ضعيف إلا ما كان من رواية كبار التابعين ممن لا يروي إلا عن ثقة.
المُرْسَلُ الخَفِيّ: رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه شيئًا (٢).
كرواية الأعمش عن أنس، وإبراهيم النَخعي عن عائشة، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عمر.
وهؤلاء رأوا من رووا عنهم ولم يسمعوا منهم.
ويطلق بعض المتقدمين على المراسيل مصطلح "الأحاديث البُتْر".
المُعْضَل: هو: الموضوع، والباطل، والمنكر، وإن اتصل سنده. وهذا عند المتقدمين.
قال البخاري: عمر بن غياث عن عاصم ولم يذكر سماعًا من عاصم معضل الحديث. التاريخ الصغير (٢/ ٢٣٦).
وقال الجوزجاني: عبد الله بن يزيد الذي يروي عنه أبو عقيل الثقفي أحاديثه منكرة، حديثه في الراسخين في العلم حديث معضل. أحوال الرجال (٢٩٠).
وعند بعض المتقدمين كابن المديني، وأبي داود، والحاكم، وتابعهم عليه المتأخرون: هو ما سقط من إسناده راويان، ولا يكون السقط من مبدئه.
_________________
(١) بل هؤلاء مراسيلهم ريح.
(٢) وليس هو عند المتقدمين، وإنما يفرقه المتأخرون عن المرسل الجليّ، بأن المرسل الجليّ لم يلقَ راوِيه من أرسل عنه، وعن المُدَلَّس بأن المُدَلِّس سمع بعض حديث من دلس عنه.
[ ٩٢ ]
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَى الأوْزَاعِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آمُرُهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمْسَي دِينَارٍ" وَهَذَا مُعْضَلٌ. سنن أبي داود (١/ ٦٩).
قال الحاكم: ذِكْرُ النَّوْعِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ عُلُومِ الحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ هُوَ المُعْضَلِ مِنَ الرِّوَايَاتِ، فَقَدْ ذَكَرَ إِمَامُ الحَدِيثِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله المَدِينِيُّ، فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أئِمَّتِنَا: أنَّ المُعْضَلَ مِنَ الرِّوَايَاتِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُرْسِلِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ أكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ. معرفة علوم الحديث (ص: ٣٦).
كقول: مالك، وعمرو بن شعيب، ومن في طبقتهم من أتباع التابعين، قال النبي ﷺ. وأطلقه الحاكم على الحديث المقطوع (١)، ويجيء في رواية أخرى متصلًا عن النبي ﷺ.
كحديث: القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "لِلمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وَكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ" هَذَا مُعْضَلٌ أعْضَلَهُ، عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا فِي "الموطأ" إِلَّا أنَّهُ قَدْ وَصَلَ عَنْهُ خَارِجَ "الموطأ" معرفة علوم الحديث (ص: ٣٧).
المُعَلَّق: هو ما حُذف من مبتدأ إسناده راو فأكثر تواليًا ولو إلى آخر الإسناد. وهو من اصطلاحات المتأخرين.
كقول البخاري في كتابه الصحيح سواء في تراجم الأبواب: وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ أو عقب بعض الأحاديث: وقال فلان.
المعلقات في الصحيحين
قد أكثر البخاري في صحيحه منها وعدتها (١٣٤١) حديثًا، سواء المرفوع أو الموقوف أو المقطوع.
وهي من حيث التخريج قسمان:
القسم الأول: علقه البخاري في مكان، ووصله في مكان آخر من كتابه نفسه.
القسم الثاني: علقه، ولم يصله، وقد وصلها كلها ابن حجر، في كتابه "تغليق التعليق".
ومن حيث الصحة وعدمها، فقسمان:
فمنها الصحيح، ومنها الضعيف.
_________________
(١) فكأن الحاكم يعبر أحيانا عن إعلال الحديث باستخدامه.
[ ٩٣ ]
ومن حيث نوع التعليق فقسمان:
منها ما علقه بصيغة الجزم، ومنها ما علقه بصيغة التمريض.
فأما ما علقه بصيغة الجزم: فالأصل فيه صحته عنده.
وأما ما علقه بصيغة التمريض:
فقد قال ابن رجب: أن هذه الصيغة عنده لا تقتضي ضعفًا فيما علقه بها، وأنه يعلق بها الصحيح والضعيف إلا أن أغلب ما يُعلَّقُ بها ما ليس على شرطه. فتح الباري (٤/ ٣٦٦)
ولكن قال ابن حجر: (وأما المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في موضع آخر، فلا يوجد فيه ما يلتحق بشرطه إلا مواضع يسيرة، قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى، نعم فيه ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه إما لكونه لم يخرج لرجاله، أو لوجود علة فيه عنده، ومنه ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين:
أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر.
وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف.
وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه). اهـ. النكت على ابن الصلاح (١/ ٣٢٥).
فيتحصل من هذا: أن المتتبع لصنيع البخاري في الصحيح يتبين له أن الأكثر من استخدامه لصيغة التمريض الأصل فيه التضعيف، إلا أنه قد يستعملها للتصحيح في حالة اختصاره للخبر أو روايته بالمعنى، ونحو ذلك.
وأما المعلقات في "صحيح مسلم" فيسيرة، وقد اختلف العلماء في عددها:
فقال أبو علي الجياني: إنها أربعة عشر موضعًا، وتابعه المازري، والعراقي، وغيرهم.
انظر: التقييد والإيضاح (ص ٣٣) والنكت على ابن الصلاح (ص ٩٩).
ويزاد عليها أربعة تعاليق لم يذكرها ابن الصلاح، ولا غيره ممن جمع التعاليق فيصبح عدد المعلقات في صحيح مسلم ستة عشر موضعًا. والله أعلم.
وهي أنواع:
[ ٩٤ ]
١ - ما علقه ووصله في صحيحه، وهي خمسة أحاديث.
٢ - ما علقه هو ووصله غيره، وهي خمسة أحاديث.
٣ - ما أبهم فيه شيخه وهي ستة أحاديث.
البَلَاغَات: ما قال فيه الراوي بلغني عن النبي ﷺ أو عن غيره. وهو كثير في "موطأ" مالك.
والمنقطع بالجملة ضعيف لا يصح، إلا ما كان من مراسيل كبار التابعين، ومن لا يروي إلا عن ثقة.
الضَّعِيف
الحَدِيث الضَّعِيْف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط قبول الحديث.
ويقال للضّعِيفِ أيضًا: المردود.
وليس له مثال معين يمثَّل به يشمل كل معانيه، وإنما أمثلته كلّ واحد منها مختص بنوع من أنواعه.
فَلِمَا فيه راو ضعيف مثال، وَلِمَا فيه راو مجهول مثال، وللمنكر مثال، وللمعل مثال، وللموضوع مثال.
أُصُولُ الحَدِيث الضَّعِيْف ثَلَاثَة: ضعف الرواة بأقسامه، والانقطاع بأقسامه، والمُعَلُّ بأقسامه. ولا تحل رواية الضعيف إلا مُبَيَّنًا ضَعْفه.
الرَّاوِي الضَّعِيْف: هو كل راو ثبت الطعن في ضبطه أو عدالته، أو كليهما معًا.
كأبان بن أبي عياش العبدي: متروك، والحسن بن علي النوفلي: منكر الحديث، وسيف بن محمد الثوري: كذاب، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني: واه، والوليد بن عبد الله بن أبي ثور المرهبي الهمداني: ليس بشيء.
أسباب ضعف الرواة عشرة، خمسة منها تتعلق بالضبط، وخمسة تتعلق بالعدالة.
[ ٩٥ ]
أما المتعلقة بالضبط فهي:
سوء الحفظ، والوهم، والغفلة، وفحش الغلط، ومخالفة الثقات.
وأما التي تتعلق بالعدالة:
فالبدعة، والجهالة، والفسق، والتهمة بالكذب، والكذب.
تقسيم أنواع الحديث المردود من حيث الطعن في الضبط والعدالة:
فأما باعتبار الضبط:
فالمنكر والشاذ، والمضطرب، والمعل، والمدرج، والمقلوب، والمصَحف، والمحرف.
وأما باعتبار العدالة:
فالمجهول، والمنقطع، والمدلس، والمكذوب.
جملة مراتب الحديث الضعيف ثلاثة: محتمل، وشديد، وشديد جدًّا.
فالضعف المحتمل: كالذي يصلح للاعتبار والاعتضاد.
والضعف الشديد: كالاضطراب، والوهم الشديد.
والشديد جدًّا: كالنكارة، والموضوع، والباطل.
ولا يلزم من الإسناد الذي فيه راوٍ ضعيف ضعفه مطلقًا، فقد يكون له متابع يعضده.
العمل بالضعيف
والأصل في الضعيف أنه مردود بكل أقسامه لا يحتج به ولا يعمل به مطلقًا.
وأما قول السلف ﵏: إذا جاء الحلال والحرام شددنا، وإذا جاء الترغيب والترهيب ترخصنا، فهذا ليس على إطلاقه.
وإنما يخرجون الحديث مما فيه كلام إذا كان في الفضائل أو المناقب، وله ما يشهد له ولم يصادم أصلًا، وحفته من القرائن ما يمكن مثله أن يعتبر.
وفي الصحيحين منها شيء.
[ ٩٦ ]
كحديث: كل أمتي معافى. وهو في الصحيحين.
وحديث: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. انفرد به البخاري.
وحديث: اللهمَّ رب هذه الدعوة التامة. انفرد به البخاري.
وحديث: من صام رمضان واتبعه ستًا من شوال. انفرد به مسلم.
وحديث: كان يذكر الله على كل أحيانه. انفرد به مسلم.
لكن ربما يضطرون إلى ما كان ضعفه محتملًا، وليس فيه ما يعارض أصلًا ثابتًا وشهدت له العمومات وليس في الباب غيره، فمذهب الحفاظ المتقدمين كأحمد وأبي داود وغيرهم العمل به فهو خير من رأي الرجال.
قال ابن عبد البر: "وأصل مذهب مالك والذي عليه جماعة من المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء". التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢).
وقال أحمد: "طريقتي لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه". خصائص المسند لأبي موسى المديني ص (٢٧).
كحديث: كان إذا أرادَ البَرَازَ انطلَقَ حتَّى لا يَرَاهُ أحَدٌ. أخرجه أبو داود.
وحديث: الدّعاء بين السجدتين. أخرجه أحمد.
مَرَاتِبُ الحَدِيث الضَّعِيْف: هي درجاته من حيث القوة في الضعف (١).
وإليك ذكرها من أخفها إلى أشدها ضعفًا:
١ - المرسل (٢)
٢ - الغريب (٣)
٣ - الشاذ.
٤ - المضطرب.
_________________
(١) وفائدتها: معرفة ما يعتضد به.
(٢) إلّا مراسيل من لا يروي إلا عن ثقة فهي صحيحة، ومراسيل من يروي عن الضعفاء فهي ضعيفة جدًّا.
(٣) إلّا ما صرح الأئمة المتقدمون بقبوله.
[ ٩٧ ]
٥ - الواهي.
٦ - المنكر.
٧ - الضعيف جدًّا.
٨ - المعضل (١).
٩ - لا أصل له.
١٠ - الموضوع.
١١ - الباطل (٢).
المُنْكَر: على معان:
١ - تفرد الراوي ثقة كان أو ضعيفًا بحديث لم يشاركه فيه غيره، وهو مذهب غالب المتقدمين.
٢ - ما تفرد به الشيوخ (٣).
٣ - مخالفة المقبول لمن هو أولى منه.
٤ - تفرد الضعيف.
٥ - تفرد المتروك.
٦ - مخالفة الضعيف للمقبول.
وهو الذي عليه المتأخرون.
التَّفرُّد: إشارتهم إلى استغراب ذلك التفرد، وإعلال الرواية به، وأحيانًا قليلة يريدون إعلال متابعاتها وعدم الاعتداد بتلك المتابعات؛ وقد يريدون به معنى التفرد النسبي.
وهذا عند المتقدمين.
أما المتأخرون فعندهم: انفراد الراوي بالحديث بحيث لم يشاركه فيه أحد.
_________________
(١) بمعناه عند المتقدمين.
(٢) وهذا التسلسل على ما تقرر عند المتأخرين، وإلّا فإن المتقدمين كثيرًا ما يسوون بين المنكر والموضوع والباطل والمعضل.
(٣) وتقدم أنهم من دون الحفاظ.
[ ٩٨ ]
الفَرْدُ المُطْلَق: وهو ما تفرد به راويه لم يروه أحد غيره.
الفَرْدُ النِّسْبِيّ: وهو ثلاثة أنواع:
١ - ما تفرد به ثقة، لم يروه أحد من الثقات إلا هو، وإن كان مرويًا عن غيره من الضعفاء.
٢ - ما تفرد به أهل بلد معين، فلم يروه غيرهم.
٣ - ما تفرد به راو اختص بغيره، كقولهم: لم يروه عن فلان إلا فلان، وإن كان مرويًا من وجوه عن غيره.
تَنْبِيْه: فرَّقَ البعض بين الحديث الغريب والحديث الفرد خلافًا لمن جعلهما مترادفين.
فهم يطلقون الغريب على الفرد النسبي، والفرد يطلقونه على الفرد المطلق (١).
وفرق البعض بينه وبين الشاذ والمنكر، بأن الشاذ والمنكر ما كان عن مخالفة، وقد علمتَ أن هذه طريقة المتأخرين.
ومن ثم جمعوا وفرقوا بين الشاذ والمنكر، فهما يشتركان في مسمى المخالفة ويفترقان في نوعها.
فإن المنكر مخالفة ضعيف للأرجح، والشاذ مخالفة ثقة أو صدوق للأرجح.
ويكثر التفرد في عهد الصحابة، وفي عهد التابعين أقل، وفي عهد تَبَع التابعين أقل، ثم قل التفرد بعد ذلك، فلربما كان للشيخ الواحد ثلاثمائة راو، فإذا انفرد عنه واحد، دلَّ على الضعف والنكارة.
فإذا كان المتفرد مقبولًا، ومن طبقة التابعين أو تابع التابعين، فهذا مقبول ما لم يُخَالِف من هو أرجح منه.
أما مَنْ دون تابع التابعين، فإن مطلق التفرد عند المتقدمين نكارة، وإنما يقبل من الثقة المُكثر المشهور بالطلب خاصة، ولطالما ردَّ الحفاظ رواية الثقة لمجرد كونه تفرد بها.
_________________
(١) وهذا من تكلفات المتأخرين التي لا طائل تحتها، ولا استخدام عملي لها.
[ ٩٩ ]
فإذا تفرد الإمام الحافظ المعروف بكثرة الرواية، وكثرة الرحلة وكثرة الأخذ، فهذا يُعَدُّ تفرده دليلًا على عنايته بالحديث.
وكذا إذا انفرد راو له اختصاص بمن تفرد عنه، فيقبل ولا يعد نكارة.
وقال ابن رجب: أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه. انظر "شرح علل الترمذي" (٢/ ٢٦).
فائدة: كل رواية بعد عصر الرواية، إن كانت موافقة لما روي في عصر الرواية، فالذي في عصر الرواية يغني عنها، وما كان في غير عصر الرواية مخالفًا لما في عصر الرواية، أو فيها زيادة عليها، أو لم تُرو في عصر الرواية، فهذه مُعَلَّة أو منكرة، وان كان إسنادها كالشمس ظاهرًا.
فإن الأسانيد لها طرق معروفة مسلوكة؛ فمن أتى فيها بغير الطريق المعروفة فقد أغرب.
والمنكر أبدًا منكر.
وإذا نصَّ المتقدمون أو أحدهم على استنكار حديث، ولم يخالف فيه من في طبقتهم، فالتسليم لهم واجب سواء أدركنا سبب الاستنكار أو خفي علينا.
مَظِنّةُ المنكرات
الكتب المتأخرة عن عصر النقد - نهاية القرن الثالث فما بعده - كمعجمي الطبراني "الأوسط" و"الصغير"، و"الأفراد والغرائب" للدارقطني، "سنن الدارقطني"، و"مستدرك" الحاكم، و"سنن البيهقي"، وكتب أبي نُعَيْم الأصبهاني، والخطيب البغدادي، وكتب الضعفاء "كضعفاء العقيلي"، و"الكامل" لابن عدي، و"المجروحين" لابن حبان، فإن هذه الكتب يعرف بها الحديث الغريب والمنكر.
وهذه لا بدّ من العناية بها، ويلزم طالب الحديث والمشتغل به أن يحفظ جماعها ويستحضرها ساعة يحتاج إليها.
[ ١٠٠ ]
الوُحْدَان: جمع واحد، وهو الراوي الذي لم يرو عنه إلا راو واحد.
كالحَارِث بن زِيَاد الأنْصَارِيّ لم يرو عَنهُ إِلَّا حَمْزَة بن أبي أسيد.
وبصرة بن أكْثَم الخُزَاعِيّ لم يرو عَنْهُ إِلَّا سعيد بن المسيب.
وسُوَيْد بن النُّعْمَان لم يرو عَنهُ إِلَّا بشير بن يسَار.
وعُمَيْر بن قَتَادَة اللَّيْثِيّ لم يرو عَنهُ إِلَّا ابْنه عبيد بن عُمَيْر.
وأُبي عزة يسَار بن عبد لم يرو عَنهُ إِلَّا أبُو المليح الهُذلِيّ.
الرَّاوِي المَتْرُوْك: هو الراوي المتهم بالكذب في حديث النبي ﷺ، أو لكذبه في حديث الناس، أو لتهمته بالفسق، أو اشتد ضعفه لغفلته أو لكثرة الوهم.
كإبراهيم بن يزيد الخوزي: قال أحمد متروك.
وعبد الله بن يزيد بن الصلت: قال أبو حاتم متروك.
ومحمد بن عبد الله بن علاثة الحراني: قال الدارقطني متروك.
وقصره المتأخرون: على من كان متهمًا بالكذب.
كعمرو بن خالد، ومحمد بن القاسم الأسدي، وسلم بن إبراهيم.
الحَدِيث الَمتْرُوْك: هو الذي في إسناده: متهم بالكذب في حديث النبي ﷺ، أو لكذبه في حديث الناس، أو لتهمته بالفسق، أو اشتد ضعفه لغفلته أو لكثرة الوهم.
كحديث: سليم بن إبراهيم الوَرّاق، عن سعيد بن محمد الزهري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أحسنوا إلى الماعز، وأميطوا عنها الأذى، فإنها من دواب الجنة". أخرجه البزار، والخطيب في "تاريخه".
سلم بن إبراهيم: متهم بالكذب.
وقد يطلق المتقدمون المتروك على الحديث المنكر والباطل والموضوع والشاذ.
وحديث المتروك من أضعف الأحاديث.
[ ١٠١ ]
المَقْلُوب: هو ما تغيرت فيه بعض الألفاظ في سند الحديث أو متنه، تقديمًا أو تأخيرًا، بعضها ببعض، أو بلفظ آخر.
ففي السند: أن يُقَدَّم ويؤخر في اسم أحد الرواة واسم أبيه، كحديث مروي عن (كعب بن مُرَّة) فيجعله (مُرَّة بن كعب).
أو يُبْدِل الراوي بآخر كحديث مروي عن (سالم) فيجعله عن (نافع).
والقلب في المتن: أن يُقَدَّم ويؤخر في بعض متن الحديث.
كحديث أبي هريرة المرفوع: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله. أخرجه مسلم.
الوهم فيه من يحيى القطان.
والصواب: حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، هكذا رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
أو يجعل سند حديث لمتنٍ غير متنه.
كما روى جَرِيْر بن حازم، عن ثابت البُنَانِيّ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" أخرجه الطيالسي، وعبد بن حميد، والترمذي.
والصواب عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
ولا يجوز القلب في الحديث إلّا لغرض الامتحان، شريطة أنْ لا يراد عيب الممتحن، وأن يُبين الصحيح قبل انفضاض المجلس.
قَالَ أحمد بْن منصور الرمادي: خرجت مع أحمد بْن حنبل، ويحيى بْن معين إلى عبد الرَّزَّاق، خادمًا لهما، فلما عدنا إلى الكوفة، قَالَ يحيى بْن معين لأحمد بْن حنبل: أريد أختبر أبا نعيم، فقال له أحمد بْن حنبل: لا تريد، الرجل ثقة، فقال يحيى بْن معين: لا بد لي، فأخذ ورقة، فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم جاءوا إلى أبي نعيم، فدقوا عليه الباب، فخرج، فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عَنْ يمينه، وأخذ يحيى بْن معين فأجلسه عَنْ يساره،
[ ١٠٢ ]
ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بْن معين الطبق، فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبُو نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبُو نعيم: ليس من حديثي، فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبُو نعيم، وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بْن معين، فقال له: أما هذا، وذراع أحمد في يده، فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا يريدني، فأقل من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بْن معين، فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل، وأقل لك: إنه ثبت، قَالَ: وَالله لرفسته إلي أحب إليَّ من سفري. تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٧)
فائدة: بعض القلب لا يؤثر على الحديث، وإن كان اللفظ غير المقلوب أصح.
كحديث رواه الجمع عنْ مُحَمَّدُ بْنُ الفُضَيْلِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمِ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ". أخرجه: ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم. "والترمذي والنسائي وأبو يعلى.
قلبه أحمد بن أشكاب فرواه عن محمد بن فضيل به فقال: كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ. صحيح البخاري (٧٥٦٣).
المُضطَرِب: هو الذي اختلف الرواة في سنده أو متنه على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا الترجيح.
فإن أمكن الجمع فلا اضطراب، أو رجحت إحدى الروايتين بوجه من وجوه الترجيح فالحكم للراجحة، ولا يكون مضطربًا.
وقد يعبر به بعض المتقدمين عن مطلق الضعف، كقولهم: فلان مضطرب الحديث، يريدون أنه ضعيف الحديث.
الاضطراب أكثر ما يقع في حديث الضعفاء؛ وهو في أحاديث الثقات نادر.
[ ١٠٣ ]
مثال الاضطراب في السند: كحديث: "شَيَّبَتْني هُوْدٌ وأخواتها".
اخْتُلِفَ فيه على أكثر من عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسَلًا، ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ومنهم من جعله من مسند ابن عباس، وغير ذلك (١).
مثال مضطرب المتن: كحديث: شريك عن أبي حمزة عن الشَّعْبِي عن فاطمة بنت قيس ﵂ مرفوعًا: "ليسَ في المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" رواه ابن ماجه.
وبنفس السند روي بلفظ: "إنَّ في المال لَحقًّا سِوَى الزَّكَاة" رواه الترمذي.
فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل.
شروط الاضطراب: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج، إلَّا أنْ يكون الراوي مكثرًا، فلا يؤثر.
والاختلاف بين الرواة في الحديث الواحد إن كان ناشئًا من الراوي المختلف عليه دلَّ على أنه لم يحفظه، فيعل الحديث بالاضطراب.
وَسُئِلَ الدارقطني عَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى؟
فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو حَمْزَةَ مَيْمُونٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
رَوَاهُ عَنْهُ مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ أبِي قَيْسٍ، وَخَلَّادٌ الصَّفَّارُ، وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ سَيْفُ بْنُ مُحَمَّدٍ: عَنْ مَنْصُورٍ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ.
وَقَالَ جَرِيرٌ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيِّبِ، عَنْ بِلَالٍ.
وَقِيلَ: عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ.
_________________
(١) وكثيرٌ مما يَعُدُّهُ المتقدمون مضطربًا، يجعله المتأخرون من قَبِيلِ تعدد الطرق، فتنبه لهذا وكن حذرًا.
[ ١٠٤ ]
وَقَالَ عَمْرُو بن أبي قيس، وخلاد الصفار: عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ.
وَأبُو حَمْزَةَ مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ، وَالِاضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ مِنْ قِبَلِهِ، وَاللهُ أعْلَمُ. علل الدارقطني (١٨٥).
فاختلاف الثقات على الضعيف لا يحتاج إلى جمع بين رواياتهم، فإن الضعيف ضعيف.
وإن كان من قبل الرواة فيرجح بينهم حسب القرائن، فلكل حديث قرائنه المحتفة به، وكثيرًا ما تكون بالكثرة والإتقان والاختصاص بالشيخ.
وَسُئِلَ الدارقطني عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أبِي طلحة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلبٌ وَصُورَةٌ.؟
فَقَالَ: يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛
فَرَوَاهُ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أبِي ذِئْبٍ، وَشُعْيَبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَالمَاجِشُونُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أبِي طَلحَةَ.
وَخَالَفَهُمُ الأوْزَاعِيُّ، فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ أبِي طَلحَةَ، لَمْ يَذْكِرِ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَرَوَاهُ سَالِمٌ أبو النضر، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي طلحة، نحو رواية الأوزاعي. علل الدارقطني (٩٤٢).
وإذا وقع اختلاف بين الرواة يصار إلى الجمع من غير تعسف، إذا دلت القرائن على أن الوجوه محفوظة عن الراوي المختلف عليه.
وغالبًا ما يكون ذلك إذا كان المختلفون ثقات، والمختلف عليه ثقة حافظًا واسع الرواية، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة.
كاختلاف أصحاب السبيعي الثقات عليه في لفظ حديث.
[ ١٠٥ ]
وقد يكون الاختلاف على حافظ واسع الرواية ولا يمكن أن يصار إلى الجمع بتعدد الطرق، فلا يصار إلى الترجيح.
قال أبو داود: سمعت أحمد ذكر حديث ابن عيينة عن علي بن زيد عن الحسن عن ابن مغفل (الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق)؟
قال أحمد: اختلفوا على سفيان - يعني ابن عيينة - فيه وما أراه إلا من سفيان، يعني اضطرابه فيه. اهـ. مسائل أبي داود للإمام أحمد (٣١٦).
المُدْرَج: ما زيد في سنده أو متنه ما ليس منه دون بيان.
مثال مدرج الإسناد: حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك".
ورواه سفيان عن الأعمش ومنصور بن المعتمر وواصل الأسدي: عن شَقِيق، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود وساق الحديث. رواه الترمذي.
فلما رواه الثوري عنهم أدرج سند واصل في سند الأعمش ومنصور، ولم يبين الاختلاف في رواياتهم.
ورواية واصل الأسدي، عن شَقِيق، عن ابن مسعود، ليس فيها عمرو.
مثال مدرج المتن: كحديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "أسبغوا الوضوء، وويل للأعقاب من النار". أخرجه الخطيب.
فقوله: "أسبغوا الوضوء" من قول أبي هريرة، أُدرج فيه. كذا أخرجه: الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وابن الجعد، والبخاري، ومسلم.
ويكون الإدراج في أول الحديث، وفي وسطه، وفي آخره.
والمدرج، وإن صح إلى مُدْرِجِهِ فليس يحتج به.
شدة خطر الإدراج تكمن في خفائه، فلا بد من العناية بالكتب المصنفة في المدرج.
[ ١٠٦ ]
الشَّاذ: هو المنكر. عند غالب المتقدمين كما يطلقه صالح جزرة، والخليلي.
ويطلقه الحاكم على تفرد الثقة مطلقًا.
وعند المتأخرين: أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الأرجح (١).
ويطلقه بعض المتأخرين: على تفرد الضعيف.
الأرْجَح: من قُدِّمَ لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو لخصوصية ملازمة، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات.
مثال الشاذ في السند: ما رواه حماد بن زيد، عن عَمرو بن دينار، عن عوسجة: أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثًا إلا مولى هو أعتقه.
وخالفه ابن عُيَيْنَة وابن جُرَيْج وغيرهم فرووه: عن عمرو بن دينار، عن عَوْسَجَة، عن ابن عباس به. أخرجه: ابن ماجه، والترمذي، والنسائي.
فزادوا ابنَ عباس في السند.
مثال الشذوذ في المتن: ما رواه زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب في حديث صفة صلاة النبي ﷺ "في التشهد" وفيه: "ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا".
فقد خالف زائدةَ جمعٌ منهم: عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وسفيان بن عُيَيْنَة، وسَلَام بن سُليم، وبِشْر بن المُفَضَّل، وعبد الله بن إدريس، وقيس بن الربيع، وأبو عوانة الوضاح بن يزيد، وخالد بن عبد الله الواسطي، جميعهم رووه ولم يذكروا (يحركها).
وتقدم لك الفرق بين الشاذ والمنكر عند المتأخرين.
فائدة: لا يعتضد بالشاذ، إذا كان الشذوذ بمعنى المخالفة، وأما إذا كان بمعنى التفرد؛ فالتفرد لا متابع له أصلًا.
تقبل مخالفة الثقة وإن خالف من هو أولى منه في أحوال:
_________________
(١) واعتمدوا فيه تعريف الشافعي.
[ ١٠٧ ]
أ - إذا كان المخالف من أثبت الناس في شيخه المختلف عليه.
ب - أن يكون المخالف من الأئمة المشاهير.
ج - أن يأتي راو غير المخالف، وغير الذين خالفوه، فيروي الحديث على الوجهين، فيدل هذا على أن رواية المخالف محفوظة هي الأخرى.
د - أن يكون الشيخ المختلف عليه مكثرًا، فيحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة.
هـ - أن يكون المخالف صاحب كتاب وحدَّثَ من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك.
و- إذا احتفَّت بالحديث قرائن خارجية تدل على حفظه للحديث، كأن يروي مع الحديث قصة.
ك - إذا كان الإسناد يدور على راوٍ ينقص في الحديث إذا شك فيه كما هو حال مالك وغيره، وروى الجماعة أو الأحفظ الحديث ناقصًا، ورواه عنه واحد تامًا، فيحمل الحديث على الوجهين.
- من علامات الزيادات الشاذة أن يخرج الشيخان أو أحدهما حديثًا يشاركهما فيه غيرهما بزيادة، لم يخرجاها.
كحديث: ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُما أخْبَرَاهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أمَّنَ الإِمَامُ فَأمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". أخرجه: البخاري، ومسلم.
قال ابن حجر في شرح الحديث - فائدة: وقع في أمالي الجرجاني عن أبي العباس الأصم عن بحر بن نصر عن ابن وهب عن يونس في آخر هذا الحديث "وما تأخر" وهي زيادة شاذة. فتح الباري (٢/ ٢٦٥).
- الراوي إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة لم يتفق لفظهم؛ فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم.
المَحْفُوْظ: ما يقابل الشاذ، ورجح عند التعارض.
[ ١٠٨ ]
مثاله: هو المثالان المذكوران في نوع الشاذ، على العكس (١).
ويكون مثاله في المحفوظ متنًا: "رَفَعَ أُصْبُعَهُ يَدْعُو بِهَا".
المَوْضُوْع (٢):
هو الكذب المنسوب إلى رسول الله ﷺ.
وبعض العلماء يعتبره قسمًا مستقلًا، وليس نوعًا من أنواع الأحاديث الضعيفة.
كحديث: إنَّ الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها. أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات".
وضعه الكذاب: محمد بن شجاع الثلجي الجهمي.
الكَذَّاب:
من يصنع حديثًا، أو يسرقه ثم ينسبه للنبي ﷺ، أو من يدَّعي سماع ما لم يسمع، أو لقاء من لم يلقه.
كَأبرد بن أشرس، قَالَ ابْن خُزَيْمَة: كَذَّاب وَضاع.
وَجَعْفَر بن إبان، قَالَ ابْن عدي: كَذَّاب.
وَسعيد بن سَلام العَطَّار، قَالَ أحمد: كَذَّاب.
وَفطر بن مُحَمَّد العَطَّار الأحدب، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَذَّاب.
وَيُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي، قَالَ ابْن معِين: كَذَّاب.
المُتَّهَمُ بِالكَذِب: من غلب على الظن أنه يتعمد الكذب في أخباره.
كَأحمد بن سَلمَة كُوفِي. وَالحُسَيْن بن عَليّ الألمعي. وَدَاوُد بن عَفَّان. وَصاعد بن الحسن الربعِي. وَعبد الله بن عَمْرو بن حسان.
الموضوع أشد أنواع الضعيف بعد الباطل.
_________________
(١) يعني: يكون مثاله في المحفوظ سندًا، هو رواية ابن عُيَيْنَة وابن جريج وغيرهم عن عمرو بن دينار
(٢) ويقال له: المُلزَق، والمصنوع، والمكذوب.
[ ١٠٩ ]
رواية التائب عن الكذب
ذهب الإمام مالك، والثوري، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي - شيخ البخاري - وابن معين وغيرهم من أهل العلم، إلى أن التائب عن الكذب في حديث الناس تقبل روايته، أما التائب عن الكذب في حديث رسول الله؟ فلا تقبل روايته وإن حسنت توبته.
وذهب النووي والصنعاني إلى قبول توبة التائب عن الكذب مطلقًا سواء أكان تائبا عن الكذب في حديث الناس أم تائبًا عن الكذب في حديث النبي؟ .
فقال النووي: (وهذا الذي ذكره الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية).
قلت: ليست هذه صنعة النووي والصنعاني، وأمثالهم إنما هي صنعة الأئمة المتقدمين أهل الحديث، ومثلهم لا يقال لقولهم: ضعيف مخالف للقواعد الشرعية. بل الضعيف: هو المخالف لقول من لم يدلوا بدلوهم وينهل من معينهم.
ثم اعلم أنَّ هذه المسألة نظرية لا تفعيل عملي لها.
فليس لرواية التائب من الكذب في الحديث النبوي، وجود في كتب الجرح والتعديل المتقدمة، ولا يوجد سوى أربعة رواة وصفوا بالكذب وذُكر عنهم أنهم تابوا، وهم عند التحقيق لا أثر لهم في الرواية، وهم:
- أحمد بن عبيد الله أبو العز بن كادش.
- علي بن أحمد، أبو الحسن النعيمي الصوري.
- أبُو العَيْنَاءِ مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ بنِ خَلادٍ البَصْرِيُّ.
وهؤلاء لا رواية لهم في كتب عصر الرواية، ولا رواية للأئمة عنهم، فمثالهم لا قيمة له في المسألة.
- إسماعيل بن أبي أويس المدني.
والحق أنه لم يكن يكذب في الحديث، إنما وضع على من دون الصحابة ثم هو فعل هذا جهلًا
منه وفي شبيبته.
[ ١١٠ ]
وقد أدركه الأئمة وخالطوه فلم يؤثروا عنه كذبًا.
فائدة: لا يلزم من كون الإسناد فيه كذاب أن يكون المتن موضوعًا.
فقد يسرق صحيحًا ويدعيه لنفسه.
ولا يلزم من كون الحديث موضوعًا أن يكون فيه وضاع.
فإن الراوي قد يكون مختلطًا، أو مغفلًا يدخل عليه ما ليس من حديثه، أو من الصالحين يجري الكذب على لسانه ولا يعلم.
السَّارِق:
هو من يَدَّعِي - في الغالب - سماع حديث صحيح ليرغِبَ الناس في حديثه.
فهو لم يكذب - تأصيلًا - في إيراد متن الحديث، وإنما كذب في ادعاء سماعه "إسناده".
كَإِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الغَسِيِليِّ، وَجحدر بن الحَارِث، وَرَجَاء بن سهل، وَالسّري بن عَاصِم بن سهل، وعبد الحميد بن بَحر بَصرِي.
البَاطِل:
هو المكذوب، أو شديد النكارة، أو ما عظم فيه وهم راويه. وهذا عند المتقدمين.
ولم أقف له على تعريف واضح عند المتأخرين.
ويمكن أن يعرف بأنه المكذوب مع كونه مُخالفًا للثابت، ولكن كما قدمنا لا بد من ضبط مصطلحات المتقدمين والبناء عليها.
قال ابن الجنيد: قيل ليحيى بن معين وأنا أسمع: يزيد الفارسي روى عنه أحد غير عوف؟ قال: "لا"، قلت ليحيى: فإنهم يزعمون أن يزيد بن هرمز هو يزيد الفارسي الذي روى عنه، الزهري وقيس بن سعد حديث نجدة، فقال: "باطل، كذب، شيء وضعوه، ليس هو ذاك". سؤالات ابن الجنيد (٦١٩)
وقد استخدموه في حديث الثقة، بمعنى الخطأ في الإسناد والمتن جميعًا أو في أحدهما.
[ ١١١ ]
قال عبد الله: سَمِعت أبِي يَقُول: مَا أنْكرت من حَدِيث عَبَّاس الأنْصَارِيّ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا عَن سَعِيد، عَن قَتَادَة، عَن عِكْرِمَة أو جَابِر بْن زَيْد، عَن ابن عَبَّاس، عَن كَعْب قَالَ: قَالَ لي يَا ابن عَبَّاس يَلِي من ولدك رَجُل، وقص الحَدِيث.
قَالَ أبي: مَا حَدثهُ عَن يُونُس وخَالِد وَدَاوُد وَشعْبَة صَحِيح مَا أرى بحَديثه بَأْسًا.
إِلَّا هَذَا الحَدِيث - حَدِيث سَعِيد هُوَ عِنْدِي كَذِبٌ بَاطِل.
قَالَ أبِي: وَكَانَ من أصْحَاب سَعِيد. العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (٢٤١٢)
وقَالَ ابن أبي حاتم: وسألتُ أبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ حَامِدُ بْنُ يَحْيَى البَلخي، عَنْ سُفيان بْنِ عُيَينة، عَنِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بن عبد الله بْنِ الزُّبَير، عَنْ أبِيهِ؛ قَالَ: كان اسمُ أبي بكر: عبد الله بْنُ عُثْمَانَ، فَلَمَّا قَالَ رسولُ الله ﷺ: أنْتَ عَتِيقُ الله مِنَ النَّارِ؛ سُمِّيَ عَتِيقًا؟
قَالَ أبِي: هَذَا حديثٌ باطِلٌ. علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٦٦٨).
وحامد بن يحي البلخي: ثقة وهو من أعلم الناس بابن عيينة.
لَا أصْلَ لَه:
ما لا يصح أصله إلى من نسب إليه، وهذا عند المتقدمين.
فقد يكون له سند لكن لا يصح.
كحديث روي عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "دفن البنات من المكرمات". أخرجه الخليلي في "الإرشاد".
وقال: وهذا لا أصل له من حديث سفيان وغيره، إنما يروى عن ابن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، وابن عطاء متروك. اهـ.
وعند المتأخرين، لا أصل له: أي لا سند له.
كحديث: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
المُصَحَّف: ما تغيَّرت بعض الألفاظ في سنده أو متنه إلى غير حقيقتها لفظًا أو معنى.
[ ١١٢ ]
تَصْحِيْفُ الإِسْنَاد: كالعَوَّام بن مُرَاجِم، صُحِّفَت إلى: (العَوَّام بن مُزاحم) (١).
تَصْحِيْفُ المَتْن: كحديث: "احْتَجَرَ في المسجد" صُحِّفَت إلى: احْتَجَمَ في المسجد.
تَصْحِيْفُ بَصَر: توهم في قراءة لفظة في سند أو متن بسبب سوء البصر، أو رداءة الخط، أو عدم تشكيله.
كحديث: سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكأنَّما صَامَ الدَّهْرَ" أخرجه الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي. صَحِّفَهُ أبو بكر الصُّوْلي فقال: "من صام رمضان وأتبعه شيئًا من شوال".
تَصْحِيْفُ السَّمْع: هو تَوَهُّمٌ في سماع لفظة في سند أو متن بسبب بعد السامع، أو ضعف في سمعه.
كعاصم الأحول صَحَّفَ إلى (واصل الأحدب).
تَصْحِيْفُ الَمعْنَى: هو أن يُفَسَّرَ اللفظ على غير حقيقته.
كقول أبي موسى العَنَزي: نحن قوم لنا شرف نحن من عَنَزَة، صَلَّى إلينا رسول الله ﷺ.
يريد بذلك حديث: عَوْنِ بْنِ أبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى إِلَى عَنَزَةٍ أوْ شَبَهِهَا، وَالطَّرِيقُ مِنْ وَرَائِهَا" أخرجه الطيالسي وعبد الرزاق والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري ومسلم وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى.
وهي الحرْبَةُ تُنْصَبُ بين يدي المصلي، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم.
المُحَرَّف:
هو ما وقع التغيير - عمدًا أو بغير قصد - في أحرف كلمة فيه مما تختلف به صور الخط.
مثل (وكيع بن حُدُس) تحرفت إلى: (وكيع بن عباس).
اللَّحْنُ فِي الحَدِيث: هو الخطأ في قراءة الحديث، وأكثر ما يراد به مخالفة قواعد النحو.
_________________
(١) فصحف حرف الجيم في (مراجم) إلى حاء، وحرف الراء إلى زاي فصارت (مزاحم).
[ ١١٣ ]
كأن يرفع منصوبًا.
الحَدِيث المُعَلُّ (١): هو الذي اُطُّلِعَ فيه على مانع من قبوله، مع أنَّ الظاهر سلامته.
والأصل في الحديث العلة، فلا يحكم عليه بالصحة حتى يعلم عدمها.
فلا بدّ من التثبت والتحرز في الرواية، ولئن يتوقف في قبول حديث صحيح خير من أن يُجْسَر على تصحيح حديث يكون بعد التفتيش مردود.
العِلَّة: سبب خفي يقدح في أصل حديث ظاهره القبول.
ومعرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يُعِّل الحديث: من أين قلت هذا؟ ربما لم يكن له حجة مفهومة عند غيره، وليس هذا إلا لأهل الحديث المتقدمين خاصة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: (معرفة الحديث إلهام، لو قلت للعالم يُعَلِّل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة). مقدمة العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٨٩).
قال الأوزاعي: (كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا وما أنكروا تركنا). تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٧٧)
وقال عمرو بن قيس: (ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدرهم الزائف والبهرج، وكذا الحديث). الكفاية للخطيب (ص: ٣٩٥).
وقال ابن مهدي: (إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة). مقدمة العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٨٩).
وفي حديث: عُبَيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أهْلِ الصَّوْمِ والصلاة وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ - حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الخَيْرِ - فَمَا يُجْزَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا بِقَدْرِ عَقْلِهِ؟ ".
قال أبُو محمد عبد الرحمن: حدَّثَنا عبدُ الرحيم بْن شُعَيبٍ؛ قَالَ: حدَّثنا ابنُ أبي الثَّلج؛ قال: كنا نذكُر هذا الحديثَ ليحيى بن مَعين سنتَيْنِ أو ثلاثة، فيقول: هو باطلٌ، ولا يدفعُه
_________________
(١) والمشهور في كتب المصطلح تسميته بالحديث (المعلل) وهو خطأ لغة؛ لأن اسم المعلل اسم مفعول من (علله) بمعنى ألهاه، ومنهم من يسميه (المعلول) وهو ضعيف لغة؛ لأنَّ اسم المفعول من الرباعي لا يكون على وزن مفعول.
[ ١١٤ ]
بشيءٍ، حتى قَدِمَ علينا زكريَّا بن عديٍّ، فحدَّثنا بهذا الحَدِيث عَنْ عُبَيد الله بن عَمْرو، عَنْ إِسْحَاق بْن أبِي فَرْوة، فأتيناه فأخبرناه، فَقَالَ: هَذَا بابن أبِي فَرْوةَ أشبهُ منه بعُبَيد الله بن عَمرو. علل الحديث لابن أبي حاتم (٥/ ١٥٦)
فتنصيص الأئمة النقاد المتقدمين على علة ملزم للأخذ به، فلا عبرة بما يرده المتأخرون من إعلال المتقدمين فإنهم لا يحسنون ما يحسنونه، ولا يفهمون فهمهم، ولا يدركون حقيقة تعليلاتهم.
وقال يحيى القطان: قيس بن أبي حازم لم يسمع عائشة.
وقال ابن المديني: عطاء بن أبي رباح رأى ابن عمر في الطواف ولم يسمع منه.
وقال أبو حاتم: في حديث من طريق هشام بن حسان: دلسه هشام.
وهشام لم يذكره من صنف في المدلسين.
وقال ابن معين: حديث معمر، عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب، مضطرب، كثير الأوهام.
وهذا كثير في كلام أئمة النقاد، لا يحسن فهمه المتأخرون، وردوه بجهالة وسوء صنعة.
وقد قال المعلمي: إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة؛ فإنهم يتطلبون له علة، فإّن لم يجدوا علة قادحة مطلقًا، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر. انظر مقدمة المعلمي على الفوائد المجموعة للشوكاني (ص ٨).
أُصُولُ العِلَل: ثلاثة: انقطاع في سند، أو وهم من راوٍ، أو اختلاف بين الرواة.
انقطاع في سند:
كحديث: أبِي الحُوَيْرِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أنَّ عُثْمَانَ قَالَ: تَمَنَّيْتُ أنْ أكُونَ سَألتُ رَسُولَ الله ﷺ: مَاذَا يُنْجِينَا مِمَّا يُلقِي الشَّيْطَانُ فِي أنْفُسِنَا؟ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ سَألتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "يُنْجِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ أنْ تَقُولُوا مَا أمَرْتُ بِهِ عَمِّي أنْ يَقُولَهُ فلمْ يَقُلهُ" أخرجه أحمد، وأبو يعلى.
محمد بن جبير بن مطعم لم يسمع من عثمان بن عفان.
[ ١١٥ ]
أو وهم من راوٍ:
كحديث: إِبْرَاهِيم بْن مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: أخْرِجُوا يَهُودَ أهْلِ الحِجَازِ، وَأهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَاعْلَمُوا أنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" أخرجه أحمد والدارمي، والنسائي، وأبو يعلى.
قال الدارقطني: رواه إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة، عن سعد بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة بن الجراح. قال ذلك يحيى القطان وأبو أحمد الزبيري، وخالفهما وكيع، فرواه عن إبراهيم بن ميمون، فقال: إسحاق بن سعد بن سمرة، عن أبيه، عن أبي عبيدة، ووهم فيه، والصواب قول يحيى القطان ومن تابعه. "العلل" ٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠.
أو اختلاف بين الرواة:
كحديث: عَبْد الله بْن سَعِيدٍ بْن أبِي هِنْدٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ، مَوْلَى أفْلَحَ مَوْلَى أبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ، عَنْ أبِي اليَسَرِ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ السَّبْعِ يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الَهدَمِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأعُوذُ بِكَ مِنَ الغَمِّ، وَالغَرَقِ، وَالحَرَقِ، وَالَهرَمِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ لَدِيغًا" أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
اختلف فيه على عبد الله بن سعيد بن أبي هند.
أجْنَاسُ العِلَل: الانقطاع، والتفرد، وتعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع، والتدليس، ووهم الرواة، والاضطراب.
وقد يطلق بعض المتقدمين الإعلال على كل أنواع الضعف من جرح أو غفلة أو سوء حفظ، وقد يطلقونها على كل ما يعل الحديث به، وإن كان غير قادح في صحة المتن، وقد سمى الترمذي النسخ علة.
وميدان العلل أحاديث الثقات.
وإنما يُعَلُّ الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ظاهر مردود.
[ ١١٦ ]
وتقع العلة في الإسناد، وفي المتن.
وعلة في الإسناد جماعها:
١ - رفع الموقوف.
كحديث: لَزَوَالُ الدُّنْيَا بِأسْرِهَا أهْوَنُ عَلَى الله تَعَالَى مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُسْفَكُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
٢ - وصل المرسل.
كحديث: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت إن شئت جعلت الحزن سهلًا.
٣ - الاختلاف على راوٍ.
كحديث: أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس.
٤ - إبدال راوٍ بآخر.
كتصحيف بقية بن الوليد في ذكر صفية ولم يتابع عليه، والحديث عن جويرية.
٥ - جمع الشيوخ في سند واحد، وجعل المتن واحدًا مع الاختلاف في رواياتهم.
كما يفعل حماد بن سلمة، وابن لهيعة.
٦ - انقطاع في السند.
كحديث: ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويجلّ كبيرنا.
٧ - تصحيف في الرواة.
كتصحيف: شيبان بسفيان، وشعبة بسعيد، وبسر ببشر.
٨ - لزوم الجادة في أصل السند.
كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي، عن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد الله دينار عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم الحديث.
أخذ فيه المنذر طريق الجادة، وإنما هو من حديث عبد العزيز: حدثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي.
٩ - التدليس.
كعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أنكروا عليه حديثًا في العباس، يُقال: دلّسه عن ثور.
[ ١١٧ ]
١٠ - التفرد.
كحديث: متى كنت نبيًا؟ تفرد به الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير.
١١ - خطأ في الإسناد.
كحديث: تسحروا؛ فإن في السحور بركة. أخطأ ابن فضيل في إسناده.
١٢ - وهم في اسم راوٍ.
كما وهم فرج بن فضالة، في حديث رواه عن يحيى بن سعيد العطار. والصواب: عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
١٣ - قلب في الإسناد.
كحديث مشهور عن سالم فيجعله: مشهور عن نافع.
١٤ - تركيب إسناد لمتن.
كحديث: من عشق وكتم وعف فمات فهو شهيد.
١٥ - رواية الحديث بإسناد لا أصل له من حديث من بعض رواته.
كحديث: سوداء ولود خير من حسناء لا تلد. روي عن بهز بن حكيم، ولا أصل له من حديث بهز.
١٦ - سرقة الإسناد.
كحديث: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. سرقه عبد السلام بن عبيد فرواه عن ابن عيينة عن الزهري، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
إنما هو عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة حديث.
١٧ - إدراج في السند.
كحديث: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه. أدرج فيه إسناده قتادة.
وعلة المتن جماعها:
١ - نكارة (عدم استقامة المتن).
كحديث: إن من نعمة الله أن لا يكون لفاجر عندك نعمة.
[ ١١٨ ]
٢ - تصحيف.
كحديث: صَلَاة عَليّ إِثْر صَلَاة لَا لَغْو بَينهمَا كتاب فِي عليين. صحفه عبد الوَهَّاب الشِّيرَازِيّ فقَالَ: كنار فِي غلس.
٣ - قلب.
كحديث: فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم.
وصوابه: فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
٤ - اضطراب.
كحديث: إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثًا. فإن أحدكم لا يدري فيم باتت يده؟ .
٥ - زيادة شاذة.
كحديث: ولا تغطوا وجهه، في الذي وقصته راحلته وهو محرم لفظ (وجهه) زيادة شاذة.
٦ - دخول حديث في حديث.
كحديث: مات رسول الله ﷺ من ذات الجنب. دخل على ابن لهيعة هذا الحديث. والمحفوظ عن عائشة أنه قال لما لدوه: لما فعلتم هذا؟ قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: ما كان الله ليسلطها علي.
٧ - إدراج في متن.
كحديث: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا. لفظ: (وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا) مدرجة من قول أنس.
تَعَارُضُ الوَصْل مَع الإِرْسَال: وهو أن يروى الحديث بإسناد متصلًا، وبإسناد آخر مرسلًا.
كحديث: شَريك، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ:
وَالله لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا! وَالله لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا! وَالله إِنْ شَاءَ اللهُ. أخرجه عبد الرزاق وأبو داود أبو يعلى.
[ ١١٩ ]
قال ابن عدي: "وهذا الحديث لا أعلم أحدًا رواه عَنْ شَرِيكٍ، عَن سماك، عَنْ عكرمة، عن ابن عباس موصولًا إلا الحسن بن شبيب، وهذا رُويَ عن مسعر، عن سماك موصولًا ومرسلًا، والأصلُ في هذا الحديث الإرسال" الكامل (٢/ ١٨٠).
تَعَارُضُ الرَّفْع مَع الوَقْف: وهو أن يروى الحديث بإسناد مرفوعًا، وبإسناد آخر موقوفًا.
كحديث: عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أنَّ اللهَ أبَاحَ فِيهِ المَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ فِيهِ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ" أخرجه الدارمي والترمذي وأبو يعلى.
قال البيهقي: المَحْفُوظُ مَوْقُوفًا.
وَرَوَاهُ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فِي آخَرِينَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاوُسٍ مَرْفُوعًا.
وَخَالَفَهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَشُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ فَرَوَيَاهُ عَنْ عَطَاءٍ مَوْقُوفًا. السنن الصغرى للبيهقي (٢/ ١٧٨).
وقال الترمذي: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ. سنن الترمذي (٣/ ٢٨٤).
وتعرف الأحاديث المعلَّة بمعرفة مناهج الأئمة في إيرادهم الأحاديث في كتبهم المصنفة في المتون وفي الجرح والتعديل، فضلًا عن إيرادها في كتب العلل.
كابن عدي في كتابه الضعفاء عادة ما يورد في ترجمة الحديث ما استنكر له.
فائدة: من العلل المهجورة عند المتأخرين عدم وجود الحديث في كتب عصر الرواية علة.
فلا تجده إلا في كتب ابن حبان أو الطبراني أو البيهقي.
ومن أمارات العلل أن ينفرد مصنف من المصنفين بإخراج حديث في كتابه، لا يشاركه في إخراجه مصنف آخر.
فإن تفرد المصنف خصوصًا إذا كان الإسناد نازلًا يورث في النفس ريبة.
وما علمت حديثًا انفرد به مصنف بعد أحمد وخلى من قادح.
[ ١٢٠ ]
علامات الحديث الضعيف
- أن يكون في كتب العلل.
- أن يكون في كتب الجرح والتعديل، إلّا أن يشعر السياق بما يفيد قبوله.
- أن يخرجه أصحاب الكتب المتون، ويتعقبه مصنف الكتاب بما يفيد ضعفه، أو يسوق عقبه من الأسانيد ما يدل على إعلاله.
- أن يخرجه من بعد أصحاب كتب عصر الرواية، ولا يكون له إسناد في كتب عصر الرواية.
- أن يخرجه من بعد الإمام أحمد، متصلًا أو مرفوعًا، ويكون أخرجه من قبل الإمام أحمد، منقطعًا أو موقوفًا.
- أن يخرجه البزار والطبراني وأبو نعيم صاحب "الحلية" ويقولون عقبه: لم يروه عن فلان إلّا فلان تفرد به فلان، أو لا نعرفه إلَّا من حديث فلان.
المُتَواتِرُ والآحَادُ
ليس هو في الحقيقة من مباحث علوم الحديث، إنما هو من مباحث أصول الفقه على رسمها عند المتأخرين، وما ذكرته هنا إلا لأن من صنف في المصطلح من المتأخرين جعلوه من مباحث هذا العلم.
المُتوَاتِر: هو المستفيض المشهور عند المتقدمين، ويدخل فيه الآحاد.
ولا وجود لمصطلح المتواتر عند المتقدمين، ولا يعلم في مصنفاتهم، ولعل أول من استخدم لفظ المتواتر الخطيب البغدادي، واستنبطه من تعامل غير أهل الحديث.
وعند المتأخرين: هو ما رواه جمع عن جمع تُحيل العادةُ تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى محسوس.
وهذا تعريف حادث لاصطلاح لا أصل له عند أهلِ الحديث المتقدمين، وإنما وضعه المتأخرون على طريقة المتكلمة والأصوليين ومن نحى نحوهم.
[ ١٢١ ]
وينقسم المتواتر - عند المتأخرين - إلى قسمين:
١ - المُتَوَاتِر اللَّفْظِيّ: وهو ما تواتر لفظه ومعناه.
كحَدِيث: "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا، فليتبوَّأ مَقْعدهُ من النَّار".
٢ - المُتوَاتِر المَعْنَوِيّ: وهو معنى مشترك وقع في أحاديث كثيرة مختلفة الوقائع.
كرفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث، فيه "رَفْعُ يديه في الدعاء" في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء - تواتر باعتبار المجموع.
وقد عدَّ المتأخرون جملة من الأحاديث التي لا تصح متواترة، منها:
حديث: الأذنان من الرأس.
وحديث: زر غبًا تزدد حبًا.
وحديث: شيطان يتبع شيطانة.
وحديث: إذا كتب أحدكم كتابًا فليبدأ بنفسه.
وأحاديث: أن جميع آبائه وأمهاته ﷺ على التوحيد.
وحديث: أن أحب أهله إليه ﷺ فاطمة ﵂.
وغالب ما عدَّه المتأخرون من المتواتر في مصنفاتهم لا ينطبق عليه شرط التواتر على رسمهم، وإن صح أصلًا.
الآحَاد: - في عرف المتأخرين - هو كل ما ليس بمتواتر على طريقتهم.
وينقسم إلى: المشهور، والعزيز، والغريب.
وغالب الحديث آحاد - على تعريف المتأخرين - وهو حجة إذا ثبت، ويفيد العلم القطعي، وَيُلزِمُ مَنْ بَلَغَهُ العمل بمقتضاه.
فائدة: من زعم أن الآحاد لا تفيد العلم فقد شكك في السنة كلها.
[ ١٢٢ ]
المَشْهُورُ والعَزِيزُ والغَرِيبُ
اعلم أنَّ تقسيم الحديث إلى مشهور أو مستفيض وعزيز وغريب لم يكن عند المتقدمين بمعناه عند المتأخرين.
الغَرِيْب: هو ما انفردَ بروايته واحد في أيِّ موضع كان من السند.
وغالب الغريب ضعيف، وقد يكون حسنًا، ونادرًا ما يكون صحيحًا.
مثاله:
حديث: مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: "عَبَّأنَا النَّبِيُّ ﷺ بِبَدْرٍ لَيْلًا": سنن الترمذي (٤/ ١٩٤).
قال الترمذي: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
واعلم: أن الغريب شر الحديث، لذلك كان جماعة من السلف يحذرون منه.
قال أحمد بْنَ حَنْبَلٍ: شَرُّ الحَدِيثِ الغَرَائِبُ الَّتِي لَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا. الكفاية للخطيب البغدادي (ص: ١٤١).
وقال أحمد بن يحيى سمعت أحمد غير مرة يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء. شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٦٨).
فوائد وقواعد مهمة في الغريب
- لا يوجد غريب متنًا إسناده ليس بغريب.
ربما يكون الحديث غريبًا، وتجتمع الأمة على صحته، كحديث "الأعمال بالنيات".
- الثقة المكثر إذا أغرب ببعض حديثه عن شيخ عرف بالعناية به؛ فهو علامة على ضبطه، وهمته في الطلب.
- كثرة الغرائب إنما تضر الراوي في حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
[ ١٢٣ ]
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب. انظر التنكيل (١/ ٩٨)
- كثيرًا ما يسوي المتقدمون بين الغريب والمنكر والشاذ.
العَزِيْز: ما لا يقل رواته عن اثنين في طبقة أو أكثر من طبقات السند.
ولا أعلمه في اصطلاح المتقدمين، ولا وجود له عندهم بمعناه عند المتأخرين.
والعزيز لا يقتضي الصحة أو الضعف.
كحديث "أبي كُرَيب، وواصل، وعلي بن المُنْذِر" قالوا: حدَّثنا ابن فُضَيْل، عن أبي مالك الأشْجَعِي، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيْرَة، وعن رِبْعِيّ بن حِرَاش، عن حُذَيْفَة، قالا: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أضَلَّ الله عَنِ الُجمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِليَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأحَد، فَجَاءَ الله بِنَا، فَهَدَانَا الله لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، والأحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لنا يَوْمَ القِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا، وَالأوَّلُونَ يَوْمَ المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلائِقِ" أخرجه مسلم، وابن ماجه، والنسائي.
فهذا رواه من هذا الوجه في طبقة التابعين: أبو حازم، وربعي، وفي طبقة الصحابة: أبو هريرة، وحذيفة، وإلا فهو من طريق أبي هريرة في طبقة التابعين رواه جمع أكثر من اثنين.
فائدة: ليس العزيز شرطًا للصحيح.
المَشْهُور: هو المعروف بين المحدثين لتعدد أسانيده، وشاع بينهم بالصحة.
وهذا عند المتقدمين.
وعند المتأخرين: ما لا يقل عن ثلاثة في كل طبقة ما لم يبلغ حد التواتر، وهذا يسمى بالمشهور الاصطلاحي.
ويطلق عليه بعضهم: المستفيض، وذلك لانتشاره.
وهما واحد عند محدثي المتأخرين.
كحديث ابن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى لا يَقْبِضُ العِلمَ انْتِزاعًا يْنَتزِعُهُ منَ العبادِ ولَكِنْ يَقبِضُ العِلمَ بقَبْضِ العُلَماءِ، حتى إذا لمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ الناسُ رُؤَساءَ جُهَّالًا
[ ١٢٤ ]
فسُئِلُوا فأفْتَوْا بِغَيْرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلُّوا". أخرجه: ابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي.
فرواه عن ابن عمرو في جميع طبقات السند ثلاثة فأكثر.
المَشْهُوْرُ غَيْر الاصْطِلَاحِيّ: وهو الذي يشتهر عند فئة من الناس.
كالمشهور بين أهل الحديث خاصة، أو بين أهل الحديث والعلماء والعوام، أو بين الفقهاء، أو بين الأصوليين، أو بين النحاة، أو بين الأدباء، أو بين العامة.
فعند المحدثين يشتهر حديث عمر: إنما الأعمال بالنيات أخرجه أصحاب الكتب.
وعند الأصوليين يشتهر حديث: معاذ ﵁، حينما بعثه النبي - ﷺ إلى اليمن قال: بما تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله - ﷺ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو .. " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد، والترمذي.
وعند الفقهاء حديث: "لا ضرر ولا ضرار".
أخرجه أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ وعبادة بن الصامت ﵁.
وأخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وعند النحويين حديث عمر ﵁: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" ابن قتيبة مشكل الحديث معلقًا. وهو حديث لا أصل له.
وعند الأدباء: حديث علي ﵁: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" أخرجه العسكَريّ في الأمثال.
وعند العوام: حديث: الحسود لا يسود. وهو حديث لا أصل له.
واعلم أنه لا يلزم من شهرة الحديث صحته.
فائدة: بالحديث الصحيح المشهور تعرف علل كثير من الأحاديث.
[ ١٢٥ ]
الحَدِيثُ القُدْسِيُّ
الأحَادِيْثُ القُدْسِيَّة: هي الأقوال التي ينسبها النبي ﷺ إلى الله ﵎ مما ليس في القرآن.
وتسمى كذلك بالأحاديث الإلهية، والربانية.
كحديث: الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ قال قالَ الله تعالى: "يُؤْذِينِي ابن آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".أخرجه عبد الرزاق، والحميدي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
ولا أعرف مصطلح الحديث القدسي ولا الإلهي ولا الرباني عند المتقدمين.
وعدتها (ألف ومائة وخمسون حديثًا) فيما جمعه أبو عبد الرحمن عصام الدين الصّبابطي.
وغالب الأحاديث القدسية ضعيف، وكثير منها كذب موضوع.
المَرْفُوْع والمَوْقُوفُ والمَقْطُوعُ
المَرْفُوْع: ما أضيف للنبي ﷺ.
قولًا كان أو غيره، من صحابي أو ممن دونه، متصلًا كان أو منقطعًا.
وقصره البعض على رواية الصحابي عن النبي ﷺ دون غيره.
ومنهم من يسمي المسند مرفوعًا.
مثال المرفوع قولًا:
حديث: الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَليُكْرِمْ ضَيْفَهُ" أخرجه: الطيالسي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى، والترمذي.
[ ١٢٦ ]
ومثال الفعل:
حديث: عَبَّاد بْن تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ زَيْدٍ الَمازِنِيَّ يَقُولُ: "خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ". أخرجه مالك، والحميدي، وأحمد، . والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي.
ومثال التقرير:
حديث: يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِي غَنَمٌ تَرْعَى بَيْنَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ فِيهَا جَارِيَةٌ لِي، فَاطَّلَعْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ وَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَأنَا مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ فَرَفَعْتُ يَدِي فَصَكَكْتُهَا، صَكَّةً، فَأتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ادْعُهَا" فَدَعَوْتُهَا قَالَ: فَقَالَ لَهَا: أيْنَ اللهُ؟ " قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: "مَنْ أنَا؟ " قَالَتْ: أنْتَ رَسُولُ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ". أخرجه: الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
ومثال الصفة:
حديث: إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - كثير الشَّعْرَ وَاللِّحْيَةَ. أخرجه: ابن أبي شيبة، ومسلم.
ومن صور المرفوع: إذا قال الراوي عن الصحابي: "يرفع الحديث"، أو "يَنْميه"، أو "يبلُغ به"، أو "يرويه"، أو "رواية"، أو "رواه". لأنَّ الغالب أنَّ الصحابة يتلقّون عن الرسول ﷺ.
واعلم أنَّ المرفوع لا يستلزم الصحة ولا ينافيها.
المَرْفُوْعُ حُكْمًا (١): وهو أقسام:
الأول: ما رواه الصحابي ممن لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب (٢) مما لا يمكن أن يقال بالرأي.
_________________
(١) ويسمى: الموقوف الذي له حكم المرفوع.
(٢) كعبد الله بن سَلَام، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس ﵃.
[ ١٢٧ ]
كتفسير، أو الإخبار عن الأمور الماضية، أو صفة الجنة والنار، أو الإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، أو الحكم على فعل من الأفعال بأنه طاعة أو معصية لله أو لرسول الله ﷺ، أو فعل عبادة لم ترد بها السنة (١).
وهذا عند المتأخرين، وهي دعوى عريضة لا برهان عليها، فلا يكاد يمر حديث من قبيل ما تقدم، إلا زعموا أنه في حكم المرفوع، فَيُقَوَّلُ الصحابة - ﵃ - ما لم يقولوه، وإذا كان الصحابي لم ينسب ما يقوله إلى النبي ﷺ فكيف يُدَّعَى عليه ذلك في آخر الزمان؟ .
ولا أعلم عند المتقدمين موقوفًا قالوا بأن له حكم الرفع.
وقد سمع الصحابة - ﵃ - أخبارًا كثيرة من أهل الكتاب في أمور شتى، وحدثوا بها عنهم، ويعسر تمييز ما أخذوه عن أهل الكتاب أو أخذوه عن النبي ﷺ أصلًا، وقد يجتهد الصحابي في المسألة، أو يستنبط حكمًا، أو ينزع حكمة من آية، وقد يتكلمون في أمور الثواب والعقاب من قبيل التمثيل (٢).
ثم هو أمر لا ينضبط بضابط، ولا يستقيم على قاعدة واحدة عند الجميع، والأنظار فيه مُتَفَاوتة فما يراه البعض له حكم الرفع، لا يراه غيره، فمثل هذا يبقى أمرًا مظنونًا، لا يمكن القطع به.
ولطالما أعلَّ الحفاظ المتقدمون كثيرًا من الأحاديث المرفوعة بالوقف، فلو كان الموقوف له حكم الرفع لما رجحوا الموقوف عند التعارض مع المرفوع، فإن له حكمه في كل الأحوال.
الثاني: قول الصحابي: "أمرنا" أو "نُهينا".
كحديث: شُعْبَة، عَنْ أبِي يَعْفُورٍ، سَمِعَ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ سَعْدٍ فَلَمَّا رَكَعْتُ طَبَّقْتُ يَدَيَّ وَجَعَلتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتِيَّ، فَقَالَ لِي أبِي: "قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى نُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أنْ نَضَعَ أيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ" أخرجه الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
_________________
(١) كما أدى علي ﵁ صلاة الكسوف، أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" وهو أثر لا يصح.
(٢) وانظر ما اعترض به الشيخ أسعد سالم تيم في رسالته - الماتعة - بيان أوهام الألباني ﵀ (٤٦ - ٤٧).
[ ١٢٨ ]
الثالث: قول الصحابي: "من السنة كذا".
كحديث: طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "مِنَ السُّنَّةِ أنْ يَمَسَّ عَقِبُكَ إِليَتَيْكَ" أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
الرابع: قول الصحابي: "كنا نفعل كذا".
كحديث: مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبِي طَلحَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ العَصْرَ. أخرجه مالك، وعبد الرزاق، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي.
الخامس: قول التابعي عن الصحابي: (يرفع الحديث) أو (ينميه) أو (يبلغ به) أو ما في معناه، دون ذكر النبي ﷺ.
كحديث: أبي خيثمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه، ويرفع الحديث: "لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث" أخرجه أبو يعلى.
وحديث: الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنَا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةً: "الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ" أخرجه البخاري.
وحديث: أبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلاةِ، قَالَ أبُو حَازِمٍ: لا أعْلَمُ إِلا أنَّهُ يَنْمِي ذَلِكَ. أخرجه مالك، وأحمد، والبخاري.
السادس: قول الصحابي: (قال: قال).
والحق أن هذا الأخير له حكم الموقوف، ولا يكاد يوجد لهذه المسألة مثال يسلم من علة،
كما قال عبد الله الجديع. انظر "تحرير علوم الحديث" (١/ ١٨).
المَوْقُوْف: ما أضيف إلى الصحابة ﵃.
وفقهاء خراسان يسمون الموقوف أثرًا والمرفوع خبرًا، وعند المحدثين الكل أثر.
[ ١٢٩ ]
كأثر: مَعْمَرٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتًا، أوْ دُفًّا قَالَ: "مَا هُوَ؟ " فَإِذَا قَالُوا: عُرْسٌ أوْ خِتَانٌ، صَمَتَ. أخرجه عبد الرزاق.
وقد يطلق الموقوف على ما جاء عن غير الصحابة مقيدًا.
كقولهم: وقفه فلان على أبي مِجْلَز، أو وقفه فلان على الزهري أو وقفه فلان على عطاء، ونحو ذلك.
الصَّحَابِيّ: مَنْ لقي النبي ﷺ مؤمنًا به وماتَ على الإسلام (١).
كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم. ﵃.
وتثبت صحبة الراوي باشتهار صحبته، وباتصال الإسناد سواء بالتصريح بالسماع عن النبي ﷺ أو المعاصرة بشرطها، وبرواية كبار التابعين عنه عن رسول الله ﷺ، وبتنصيص أئمة الشأن.
واعلم: أن الحاجة للموقوف ماسة جدًّا، فقد يتبين فيه علل كثير من الأحاديث.
وليس الموقوف بذاته حجة.
وقول الصحابي يعمل به بأربعة شروط:
أ - أن يكون الصحابي من فقهاء الصحابة.
ب - أن لا يخالف نصًا.
ت - أن لا يخالف قول صحابي آخر.
ث - أن يكون بيانًا لفقه آية أو حديث مرفوع.
ويحتمل في الموقوفات - مما ليس في العقائد والأحكام - ما لا يحتمل في المرفوعات، فضوابط قبول الموقوف أيسر بكثير من ضوابط قبول المرفوع.
كما يفعل مالك في "الموطأ" والبخاري في التفسير من "صحيحه"، والطبري في "التفسير".
_________________
(١) ولو للحظة، ولو تخللت رِدَّةٌ بعضَ مراحل حياته.
[ ١٣٠ ]
فقد روى الفرافصة بن عمير الحنفي قال: ما أخذت سورة يوسف إلّا من قراءة عثمان ﵁ إياها في الصبح من كثرة ما كان يرددها. الطحاوي (١/ ١٨٢).
وهذا لا بأس به والفرافصة فيه جهالة. وقد يعرف بالموقوفات علة بعض الأحاديث المرفوعة.
كمواظبة الصحابيات ﵅ على الصلاة في المسجد جماعة حتى في الفجر، فإنه مما يعل به أحاديث صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.
وصبغ بعض الصحابة ﵃ بالسواد، مما يعل به أحاديث النهي عن الصبغ بالسواد.
المَقْطُوْع:
ما نقل عن التابعين - ﵏ - من قول أو فعل.
كأثر الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ أوَّلَ النَّهَارِ، وَآخِرَهُ لِلصَّائِمِ". أخرجه عبد الرزاق.
ويسمي بعض أهل الحديث كالشافعي والطبراني المُنقطعَ (مَقطوعًا).
قال الشافعي: وَرَوَى مَكْحُولٌ "أنَّ الزُّبَيْرَ حَضَرَ خَيْبَرَ فَأسْهَمَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - خَمْسَةَ أسْهُمٍ، سَهْمٌ لَهُ وَأرْبَعَةُ أسْهُمٍ لِفَرَسَيْهِ" ثم قال: وَإِنْ كَانَ حَدِيثُهُ مَقْطُوعًا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. الأم للشافعي (٧/ ٣٦٢).
وقال الطبراني: حَدَّثَنَا مِقْدَامٌ، نا خَالِدٌ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أحَدَنَا يُصْبِحُ وَلَمْ يُوتِرْ، يَغْلِبَهُ النَّوْمُ؟ قَالَ: "فَليُوتِرْ إِذَا أصْبَحَ".
قال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ مَوْصُولًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، إِلَّا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَقْطُوعًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ. المعجم الأوسط (٨/ ٣٥٠).
التَّابِعِيّ: هو من لقي الصحابي مسلمًا ومات على الإسلام.
كسعيد بن المسيب، وعكرمة مولى ابن عباس، وزيد بن أسلم.
[ ١٣١ ]
ويدخل فيه المخضرمون.
المُخَضْرَم: هو الذي أدرك زَمَنَ الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي ﷺ.
وسواء أسلم في حياة النبي ﷺ أم بعد وفاته.
وعدتهم فيما أعلم نحو من مائة وستين نفسًا.
كالأحنف بن قيس: اسمه الضحاك وقيل: صخر وقيل: الحارث، وأسلم مولى عمر، والأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي، وجبير بن نفير الحضرمي، وزيد بن وهب الجهني، وسويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي، وشقيق بن سلمة أبي وائل، وعبد خير بن يزيد الخيواني، وعلقمة بن قيس النخعي، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبي حازم البجلي الأحمسي، ومسروق بن الأجدع الهمداني، وأبي رافع الصائغ اسمه نفيع، وأبي العالية الرياحي رفيع، وأبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل، وأبي مسلم عبد الله بن ثُوَب الخولاني.
طَبَقَاتُ التَّابِعِيْن: ثلاثة: الكبار، والمتوسطون، والصغار.
كِبَارُ التَّابِعِيْن: من لقي الكبار من الصحابة. أو: من كانت أكثر روايته عن الصحابة.
كسعيد بن المُسَيِّب المدني، وحُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان المدني، وعمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي الطائفي، وخِلاس بن عمرو الهَجَري البصري، وصِلَة بن زُفَر العبسي أبي العلاء أو أبي بكر الكوفي، وأبي قيس المصري مولى عمرو بن العاص اسمه عبد الرحمن بن ثابت، ومعدان ابن أبي طلحة اليعمري الشامي.
أوَاسِطُ التَّابِعِيْن: من لقي متوسطي الصحابة.
كزيد بن أسلم العدوي، وعطاء بن أبي رباح، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن سيرين الأنصاري، وسعيد بن جبير الأسدي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وطاوس بن كيسان اليماني، وخالد بن معدان الكلاعي.
صِغَارُ التَّابِعِيْن: هم الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، وَجُلُّ روايتهم عن كبار التابعين.
[ ١٣٢ ]
كثابت بن أسلم البناني، وحسان بن عطية المحاربي الدمشقي، وسماك بن حرب الكوفي، وسعد بن طارق أبي مالك الأشجعي، وصالح بن كيسان المدني، وصفوان بن سليم المدني، وعبد الرحمن بن وعلة المصري، وعمير بن هانئ العنسي الدمشقي الداراني، وقتادة بن دعامة بن قتادة البصري، ومحمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير المكي، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
واعلم: أنَّ المقطوع لا يحتج به في شيء.
فائدة: ضوابط قبول المقطوع أيسر بكثير من ضوابط قبول الموقوف.
لَطَائِفُ الإِسْنَادِ
الإِسْنَادُ العَالِي: هو الذي قلَّ عدد رواته بالنسبة إلى سندٍ آخر يَرِدُ به ذلك الحديث بعدد أكثر.
الإِسْنَادُ النَّازِل: هو الذي كَثُر عدد رواته بالنسبة إلى سند آخر يَرِدُ به ذلك الحديث بعدد أقل.
فإذا روى راو الحديث بسند بينه وبين المنسوب إليه ثلاثة، وروي من طريق آخر بينه وبين المنسوب إليه أكثر من ثلاثة، فالأول هو العالي، والثاني هو النازل.
كحديث: مَالِكٍ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ الدَّائِمِ، الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، حَتَّى يَرْجِعَ" "الموطأ" (١٢٨٣).
ورواه الطبراني حَدَّثَنَا مُطَّلِبٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ به. المعجم الأوسط (٨٧٨٧).
فإسناد مالك هو العالي، وإسناد الطبراني هو النازل إذ نزل فيه إلى خمسة رواة.
لذا قال الإمام أحمد بنُ حَنبلٍ: طلبُ الإسناد العالي سُنَّة عَمَّن سَلَفَ. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ١/ ١٢٣، الرحلة في طلب الحديث: ٩٨.
والأصل أنَّ السند العالي أفضل؛ لأنه إذا قلَّ عدد الرواة قلّت الوسائط، وكلما قلّت الوسائط ضعف احتمال الخطأ.
[ ١٣٣ ]
فائدة: ليس العبرة بعلو السند، وإنما العبرة باستيفاء شروط الصحة.
الثُّلَاثِيَّات: هي الأسانيد التي يكون بين راويها وبين النبي ﷺ ثلاثة رواة.
كثُلاثيات مسند أحمد، وقد بلغ عددها (٣٣٢) حديثًا.
قال أحمد: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن المثَنَّى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أنَسِ بن مالك: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ أبو جَهْلٍ؟ " قَالَ: فَانْطَلَقَ عَبْدُ الله بن مَسْعُودٍ فَوَجَدَ ابني عَفْرَاءَ قَدْ ضَرَبَاهُ حَتَّى بَرَكَ. قَالَ: فَأخَذَ بِلِحْيَتِهِ ابن مَسْعُودٍ فَقَالَ: أنْتَ أبُو جَهْلٍ أنْتَ الشَّيْخُ الضَّالُّ، قَالَ: فَقَالَ أبُو جَهْلٍ: هَل فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلتُمُوهُ، أو قَالَ قَتَلَهُ قَوْمُهُ. أخرجه أحمد.
المُسَلسَل: ما تتابع رواة إسناده على صفة أو حالة واحدة.
كالمسلسل بالأولية، والمسلسل بالمحمدين، والمسلسل بالحفاظ، والمسلسل بالفقهاء.
فالمسلسل بالأولية:
حديث: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبِي قَابُوسَ، مَوْلًى لِعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أهْلَ الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" أخرجه: ابن أبي شيبة، والحميدي، وأحمد وأبو داود، والترمذي.
فكل من رواه بعد سفيان يقول: وهو أول حديث سمعته منه - يعني شيخه الذي سمعه منه.
والمسلسل بالمحمدين:
حديث: الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ﵂ (١): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ: "اسْتَرْقُوا لهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ" البخاري، ومسلم.
فهو مسلسل بالمحمدين إلى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
_________________
(١) ورواه معمر عن الزهري مرسلا. جامع معمر بن راشد (١٩٧٦٩)، وقال البخاري: وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. البخاري (٧/ ١٣٢) يعني مرسلًا.
[ ١٣٤ ]
والمسلسل بالفقهاء:
حديث: نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "البَيْعَانُ بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أوْ يَكُنْ بَيْعُ خِيَارٍ" أخرجه: مالك، والطيالسي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والحميدي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
فكل من رواه إلى نافع من الفقهاء الشافعية بعضهم عن بعض.
قال الذهبي: وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة، لكذب رواتها. وأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدمشقيين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب. (الموقظة، ص: ٤٤)
قلت: وليس شيء منها يخلو من علة، وأحسنها المسلسل بالأولية.
رِوَايَةُ الأكَابِرِ عَن الأصَاغِر: رواية الشخص عمن هو دونه في السن أو الطبقة.
مثل: رواية الصحابة عن التابعين، كرواية العَبَادِلة وغيرهم عن كعب الأحبار.
رِوَايَةُ الآبَاءِ عَن الأبْنَاء: هي رواية الأب عن ابنه.
كرواية العباس بن عبد المطلب، عن ابنه الفضل.
رِوَايَةُ الأبْنَاءِ عَن الآبَاء: هي رواية ابن عن أبيه، أو عن أبيه عن جده.
كرواية عَمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده.
المُدَبَّج: أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر.
كرواية عائشة وأبي هريرة - ﵄ - أحدهما عن الآخر، ورواية مالك والأوزاعي - رحمهما الله - أحدهما عن الآخر.
والمدبج قد يكون مردودًا، أو مقبولًا.
رِوَايَةُ الأقْرَان: أن يروي أحد القرينين عن الآخر، ولا يروي الآخر عنه.
كرواية زائدة بن قدامة، عن زهير بن معاوية، ولا يعلم لزهير رواية عن زائدة بن قدامة.
[ ١٣٥ ]
السَّابِقُ وَالَّلَاحِق: أن يشترك في الرواية عن شيخ اثنان تَبَاعد ما بين وفاتيهما.
مثل الإمام مالك: اشترك في الرواية عنه الزهري وهو من شيوخه، وأحمد بن إسماعيل السَّهْمِي، وهو من تلاميذ مالك.
المُتَّفِقُ وَالمُفْتَرِق: أن تتفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم فصاعدًا خطًا ولفظًا، وتختلف أشخاصهم.
كأحمد بن جعفر بن حمدان: أربعة أشخاص في عصر واحد.
وفائدة المتفق والمفترق دفع الاشتباه في الرواة، ليتميز الثقة من الضعيف.
واعلم أن المتفق والمفترق لا يضبط إلا بالحفظ تفصيلًا.
المُؤْتَلِف وَالمُخْتَلِف: هو حديث اتفقت فيه أسماء، أو ألقاب، أو كنى، أو أنساب، الرواة خطًا، واختلفت لفظًا.
كسَلّام وسَلَام؛ وعبّاس وعيّاش؛ وبَشِير ويَسِير ونُسَير.
المُتَشَابِه: أن تتفق أسماء الرواة لفظًا وخطًا، وتختلف أسماء الآباء لفظًا لا خطًا، أو بالعكس.
ك "محمد بن عُقيل" بضم العين، و"محمد بن عَقِيْل" بفتح العين.
المُهْمَل: أن يروي الراوي عن شخصين متفقين في الاسم فقط، أو مع اسم الأب أو نحو ذلك، ولم يتميزا بما يَخُص كل واحد منهما.
كقول الراوي عن أحمد عن ابن وهب. فإنه إما أحمد بن صالح، أو أحمد بن عيسى.
تَوَارِيْخُ الرُّوَاة: المراد به تاريخ مواليدهم وسماعهم من الشيوخ، وقدومهم البلاد. ووفياتهم.
المَوَالِي مِن الرُّوَاة: جمع مولى، وهو الراوي المنسوب إلى المحالف، أو المعتق، أو الذي أسلم على يد غيره.
مثل محمد بن إسماعيل البخاري الجُعْفِي؛ لأنَّ جده المغيرة كان مجوسيًا فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجُعْفِي، فنسب إليه.
[ ١٣٦ ]
النَّسْخُ وغَرِيْبُ الحَدِيث
النَّسْخُ: رَفْعُ الشارعِ الكريم حكمًا متقدمًا بحكم متأخر.
كحديث: عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا" أخرجه: عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والنسائي، وأبو يعلى.
غَرِيْبُ الحَدِيث: هو لفظ غامض يقع في متن الحديث يبعد عنه الفهم (١).
كما في بعض ألفاظ حديث أم رزع:
(العَشَنَّق) معناه: الطويل. و(إن شرب اشْتَفَّ) معناه: استقصى ما في الإناء. و(الزَّرْنَب) معناه: نبات طيب الريح. و(بَجَّحَنِي) معناه: فرحني بتوالي إحسانه إلي. و(عُكُومُهَا رَدَاح) معناه: العُكوم: جمع عُكْم، وهو العِدْل إذا كان فيه متاع، والرداح، العظيمة الثقيلة. و(ركب شَرِيَّا) ومعناه: الفرس الفائق الخيار. من حديث طويل أخرجه البخاري.
الجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ
الجَرْحُ وَالتَّعْدِيْل: وصف الرواة بما يفيد قبول روايتهم أو ردَّها.
مَرَاتِبُ الجَرْح وَالتَّعْدِيْل: هي جملة أوصاف الرواة حسبَ منازلهم في الضبط والعدالة.
مَرَاتِبُ التَّعْدِيْل:
١ - مَرَاتِبُ التَّصْحِيْح:
أ - ما دل على مبالغة في التوثيق: كأمير المؤمنين في الحديث، لا يُسأل عن مثله، أوثَقُ الناس، ثقة ثقة، ثقة ثبت، ثقة مأمون ونحوها.
ب - ثقة، ثبت، مأمون، حجة، حافظ، ضابط، متقن.
_________________
(١) ولم يكن هذا في الزمان الأول، وإنما استغرب بسبب البعد عن العربية، ومخالطة المولدين والأعاجم.
[ ١٣٧ ]
٢ - مَرَاتِبُ التَّحْسِين:
أ - شيخ، صدوق (١)، لا بأس به، وسط، جيد، صالح.
ب - مقارب، صويلح، أرجو أنه لا بأس به، صدوق إن شاء الله، محله الصدق.
ألفَاظٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ القبُوْلِ وَالرَّد:
رَوَوا عنه، روى الناس عنه، احتمله الناس، يكتب حديثه، يجمع حديثه، يعتبر به، ينظر في حديثه، اختلف فيه، مُوَثَّق، مُضَعَّف.
مَرَاتِبُ الجَرْح:
١ - مراتب الضعف المحتمل (يعتبر بحديث رواتها):
أ - لين الحديث، فيه نظر، فيه ضعف، كذا وكذا، تعرف وتنكر، فيه أدنى مقال، فيه مقال، فيه ضعف.
ب - ليس بالقوي، ليس بذاك، ليس بحجة، ليس بعمدة، ليس بالمرضي.
ت - ضعيف، سيء الحفظ.
٢ - مراتب الضعف الشديد (لا يعتبر بحديث رواتها):
أ - مضطرب الحديث، مردود الحديث، منكر الحديث.
ب - متروك، ذاهب الحديث، مُطْرَح، ارم به، ساقط، هالك، ضعيف جدًّا، تالف، واهٍ بمرة، سكتوا عنه، ليس بشيء، لا يساوي شيئًا، فاسق، لا يتابع على حديثه، لا يكتب حديثه، لا يعتبر بحديثه.
ت - متهم بالكذب، متهم بالوضع، يسرق الحديث، مجمع على تركه، خبيث.
ث - كذاب، دجال، وضاع.
ج - أكذب الناس، دجال من الدَّجَاجِلَة، ركن من أركان الكذب.
_________________
(١) وكثيرًا ما يطلق المتقدمون (صدوق) على من هو بمرتبة الثقة عند المتأخرين، فلينتبه لهذا جيدًا.
[ ١٣٨ ]
ألفاظ الجرح المجمل:
لين، ضُعِّف، غير حجة، ليس بقوي، ليس بالقوي، ليس بذاك، ليس بذلك، ليس هناك، غير مرضي، غير محمود، لم يكن بالصافي، إلى اللين ما هو، ليس هو كما يتوهم الناس، ليس بالسكة، ليس هو كذلك، ليس له حلاوة، لم يكن من البابة، لم يكن له حركة في الحديث، فيه شيء، غير قوي، ليس برشيد، ليس من أهل الحديث، لا يتكل عليه، ليس بعمدة، لم يكن من النقد الجيد، لا ينبسط لحديثه، لا يسكن قلبي عليه، ليس ممن تريد، ليس من شرط الصحيح، لا اختاره في الصحيح، لا أخرج له في الصحيح، ليس من الجمال التي تحمل المحامل، ليس من إبل القباب، تكلم فيه، فيه كلام، متكلم فيه، لا يحتج به، ليس حديثه نيرًا، ليس بالمضيء، ليس عليه نور، لا يستخفه فلان، ليس حديثه بذاك الجائز، ليس ينشرح الصدر له، حديثه فيه ما فيه حديثه، لا يساوي شيئًا، لا تقوم بمثله حجة، هو ضعيف، لم يكن نافقًا، لا يعول عليه، للحديث رجال، فلان حديثه يستثقل، يحدث عنه من لا ينظر في الرجال، لم يكن بجيد العقدة، أحاديثه ليست نقية، يكتب حديثه زحفًا، كان فسلًا، أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس، يتأنى في حديثه، ليس مثل غيره في الضعف، غيره أوثق منه، لم يقنع الناس بحديثه، من حمالة الحطب، لم يشتهي الناس حديثه، لا ينشط لحديثه، غيره خير منه، ضعيف الركن، لا يتشبث بحديثه، سقيم، ما رويت عنه إلا باضطرار، فلان عن فلان لا يجزيء، كتبوا عنه ضرورة، لا يشتغل به، غير مقبول، لم يكن أهلًا للحديث، لا يروى عنه، نهي عن حديثه، لا شيء، شبه لا شيء، لا ينبغي أن يروى عنه، منكر الأمر جدًّا، ليس ممن يؤخذ عنه الحديث، فلس خير منه، لا يساوي شيئًا، لا يساوي فلسًا، لا يساوي بعرة، لا يساوي طُلية.
ارمِ به، دعه، اطرحه، يتقون حديثه، كتبته عنه ولست أحدث عنه، لا يكتب حديثه، رأيتهم يهابون حديثه، عنده عجائب، بلايا، مصائب، طامات، عظائم، أوابد، قد أغنى الله
_________________
(١) هذا المبحث مستفاد غالبه من كتاب الشيخ العلامة المحدث أبي الحسن المأربي (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح) والتعديل) باركه الله وجزاه الله خيرًا.
[ ١٣٩ ]
عنه، لا ترفع به رأسًا، غير مليء، ليس بثقة، غير ثقة، ليس بالثقة، لا يكتب عنه من فيه خير، أخزاه الله وأخزى من يسأله عنه، أف أف، ليس بشيء، واه، صاحب معميات، أقشعر من حديثه، لا يوثق به، من الهلكى، تركوا حديثه، ذهب علمه، ذهب حديثه، ذاهب الحديث، ضعيف لا يعتبر به، لا تحل الرواية عنه، لم يكن له قيمة عندي، رمينا حديثه، لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة، يأتي عن الثقات بالمعضلات، لا يحتج به بحال، نبذوا حديثه، متروك، مهجور، قد فرغ منه منذ دهر، يستحق التنكب عن روايته، كان من الهالكين، سبيله سبيل الترك، لا ينبغي لحليم أن يذكره في العلم، لا أحمل عنه قليلًا ولا كثيرًا، لم يحدث عنه فلان على عمد، لم يرو عنه فلان على عمد، ضعيف مهين، ساقط، بين الضعف، يستحق الترك، لا يثبت به فرض ولا سنة، إذا مررت فارجمه، فاصفعه، فلان مود، فلان رجل قد كفانا مؤنته، ترك حديثه فلا ينبعث، ذهب كأمس الذاهب، اضرب على حديثه بستة أقلام، دعني لا أقيء به، أنابوا إلى الله من عهدته، بئس الرجل، منع فلان من قراءة حديثه، ينبغي أن يلقى حديثه، يحفر له بئر فيلقى فيه، تركه فلان فاستراح، يرفض حديثه فلا يذاكر به ولا يعتد به، استغنى أهل الحديث عما يرويه، غير مقنع، برك فلم ينبعث، لا يحمل عنه، مال عنه الناس، لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، لا تحملني رجلي إليه، فلان سكتوا عنه، سكت الناس عنه، سكتوا عليه، حذفنا حديثه، على يدي عدل، لا يفرح به، وفيه نظر، يسيء الرأي في فلان، رد حديثه، ردوا حديثه، مردود، مردود الحديث، لست أستجيز الرواية عنه، كان في موضع لا يذكر عند فلان من الأئمة، لا نبالي روى أم لم يرو، من يرغب عن حديثه، يقلب الأسانيد، مزقوا حديثه، حرقوا حديثه، خرقوا حديثه، خزقوا حديثه، رُدَ حديثه، أحاديثه أحاديث سوء، لئن أقطع الطريق أو أخرَّ من السماء أو ألقى في بير أو أشرب من بولي حماري أحب إلي من أن أروي عن فلان.
ألفاظ الجرح المفسر:
يهم في الشيء بعد الشيء، له أشياء لا يتابع عليها، أفراد وغرائب، أوهام مناكير، ليس من أهل الحفظ والإتقان، يتفرد بأشياء لم يشركه فيها أحد، كنا نعرفه وننكره، تعرف وتنكر، ليس بالمجود، ليس ممن يضبط الحديث، سيء الحفظ، رديء الحفظ، إذا جاء الإسناد شوش، ليس بالحافظ يغلط على الثقات، محله محل الإعراب، إسناد بدوي، يخالف في حديثه، يروى
[ ١٤٠ ]
له في الشواهد والمتابعات والرغائب والفضائل، يخبط في الإسناد، ويهم، ويخطئ، كان رفاعًا، من الرفاعين، مضطرب، صحفي، يشبه حديثه حديث الصالحين، لا يقيم الهجاء، مغفل، سيء الأصول، مجازفًا، لا يعي ما يخرج من رأسه، لا يدري ما الحديث.
لا أرضاه في شيء، لم يكن بشيء ألبتة، شغله القرآن أو الغزو أو الصلة عن الحديث، يقبل التلقين، يجيب عن كل ما يسأل، ما وضع في يده شيء إلا قرأه، اختلط، لا يعي، أمي غافل، فاحش الخطأ، اتهم، فاسق رقيق الدين، متهم، رمي بالكذب والوضع، كان أضعفنا طلبًا وأكثرنا غرائب، ليس بمؤتمن على دينه، ليس بالمرضي في دينه، ولا في حديثه، خبيث، خذوا عنه عبادته وحسبكم، مقدوح في عدالته، جفا الحديث لاشتغاله بالعبادة، منكر الحديث.
وضاع، مشهور بالوضع، يضرب بكذبه المثل، يركب الأسانيد، كذاب، ملحد، عدو لله ولرسوله، فيه تساهل في الدين والسماع، له سماع مفسود ألحق فيه، يثبج الحديث، ينتج الحديث، يزور، كان زيفًا، لم يكن بصدوق، سمع لنفسه، يفتعل الحديث، يختلق الحديث، يخترق الحديث، يلحق سماعاته، كذاب أشر، دجال، جريء على الله وعلى رسول الله، سارق، يسرق، يسوي الأسانيد، ما أدخله على الشيوخ لا يوصف، ألحق اسمه في الأصول، يكذب جهارًا، مَنَّ الله على المسلمين بسوء حفظه، ما بين لابتيها أكذب منه، بعيد عن أوعية الصدق والأمانة، موسوم بالكذب، كذاب، بالغداة شيء وبالعشي شيء، من معادن الكذب، كذوب، أكذب البرية، منبع الكذب، كذاب مكذب، من الكذابين الكبار، رمي بالأخوين، مختل السماع، لم يكن مرضي الجملة ولا صادق، يكذب مجاوبة، يكتب حديثه على أنه غير صدوق، كان وثابًا، ينشي للكلام الحسن إسنادًا، أكذب من روث حمار الدجال، يشتري الكتب ويحدث بها، غير شيء، قليل الحياء، يحدث عمن لم يدركهم، لا أقطع على أحدهم بالكذب إلا عليه، كان يكذب لسبب نفسه ولسبب غيره، ضعيف لا من قبل حفظه، يجلد في الحديث، يضع أحاديث عن ذات نفسه، ما رأيت ذا شفتين أكذب منه.
بعض معاني ألفاظ الجرح والتعديل
- جيد الحديث: فوق الصدوق ودون الثقة.
- متروك: الضعف الشديد.
[ ١٤١ ]
- نظيف الإسناد: ينتقي في الرواية.
- حلو الحديث: إما أنه ينتقي، أو عالي الإسناد.
- جاز القنطرة: لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
- ثقة يفصل الألفاظ: يفرّق بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا.
- مصحف: غاية في الصدق.
- عقدة: غاية في التوثيق.
- الكبش النطاح: لا يجارى في الحفظ والضبط.
- إذا حدثك فلان فاختم عليه: لا تحتاج إلى غيره لعلو شأنه.
- فلان مليا: ثقة ضابط.
- فلان من البزل الكمل، أو من جمال المحامل: المتقنين لهذا الشأن.
- فلان حديثه كالأخذ باليد: التيقن بصحة الاتصال في السند.
- إسناد مشبك بالجواهر والذهب: رواته ثقات جدًّا.
- حلس من أحلاس الحديث: من المشتغلين بالحديث لا يدعه.
- فلان إسناد: حجة.
- فلان صخرة، أو جندلة: غاية في الرسوخ.
- فلان كثير الفوائد والغرائب: إذا قيلت في الحافظ دلت على همته في الطلب.
- حديثه فوائد: حديثه غرائب لا يتابع عليها.
- إسناد كالشمس: لاشتهار رواته.
- فلان صاحب شيوخ:
حدَّث عن شيوخ كثر، تفرَّد عن شيوخ لم يرو عنهم غيره.
- يخطئ كما يخطئ الناس: من الحفاظ.
- يكتب حديثه: لا يحتج به إلا إذا توبع.
- صدوق: مبالغة في الصدق مع قسط من الضبط.
[ ١٤٢ ]
- محله الصدق: يظن به الصدق، ليس يجزم به.
- صالح الحديث: صدوق في ضبطه ضعف.
- ثقة صالح، أو ثقة فيه ضعف، أو ثقة لا يحتج به: التوثيق منصب على العدالة دون الضبط.
- روى عنه الناس: لا يحتج به.
- ليس من البابة: ليس بذاك.
- فلان ليس ممن تريد: ليس بالثبت.
- غيره أوثق منه: جرح خفيف.
- حديثه ليس بالقائم: فيه ضعف.
- فلان نفق حديثه: راج وليس هو بمنزلة من يقبل.
- متماسك: ليس بالقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
- ثقيل، يستثقل: ضعيف.
- لا يكتب عنه إلا زحفًا: لا يكتب حديثه إلا تكلفًا.
- فِسل: رذل.
- رفَّاع: يرفع الموقوفات ويصل المرسلات توهمًا.
- أحاديثه يحمل بعضها على بعض: روى أحاديث معروفة وأخرى منكرة، ولم تغلب النكارة على حديثه فيترك.
- يكتب حديثه على المجاز: لا على سبيل الاحتجاج.
- صحفي: أخذ العلم من الكتب فتصحف عليه الأسماء، فيخطئ أخطاء فاحشة.
- يشبه حديثه حديث الصالحين: يكثر في حديثه الغلط وقد يبلغ مبلغ من يستحق الترك.
- كتبت عنه للضرورة: إما لضعفه، أو بدعته، أو لنزول سنده.
- قاص، أو صاحب قصص، أو صاحب سمر: ليس من أهل الحديث.
[ ١٤٣ ]
- شغله القرآن والغزو عن الحديث، أو صاحب غزو: ليس من أهل الحفظ للحديث، أو ليس يدري ما الحديث.
- ليس من أصحاب الحديث: لم يشتغل بالرواية ولم يعتن بجمع الحديث، لاشتغاله بغيره.
وقد يطلقونه على المبتدعة.
وقد يطلقونه على من لا ينتقي في الرواية.
وقد يطلقونه على من يسوي النسخ للمشايخ ويحملهم على روايتها ثم يحدث عنهم.
- مظلم الحديث: منكر الحديث جدًّا، أو أكثر روايته عن المجهولين والضعفاء.
- لا يتعمد الكذب: تجري الأحاديث المكذوبة على لسانه ولم يميزها لقلة علمه.
- طبل: لا يدري ما يخرج من رأسه.
- كودن: بليد مغفل.
- يكتب حديثه للمعرفة: يكتب ليبين للناس ويحذروا منه.
- يثبج الحديث: يضع الحديث.
- يورق على الشيوخ: يتصفح على الشيخ الورقة والورقتين يتعجل القراءة.
- يزرّف: يكذب.
- تعرف منه وتنكر: بعضه حديث معروف يوافق الثقات، وبعضه منكر يخالف الثقات.
- فيه نظر: ضعيف يقبل في المتابعات.
- (متكلم فيه) (يتكلمون فيه): ضعيف يقبل في المتابعات.
- شيخ: فيه ضعف خفيف.
يدخل في المسند: حديثه متصل وإن كان ظاهره الانقطاع.
- عالي الإسناد: بَكَّر في الطلب، ولا تلزم التعديل.
- قريب الإسناد: عالي الإسناد، وقد يراد به التدليس أو الغفلة.
[ ١٤٤ ]
- تركه فلان: قد لا يكون منحصرًا في اعتقاد ضعفه، بل أحيانًا تأتي بمعنى الإعراض عن الرواية عنه لاكتفائهم بما رووا عنه، أو لاختلاطه بأخرة.
- لا يتابع على حديثه: يأتي بغرائب، وأفراد لا يأتي بها غيره.
- مفلس في الحديث: مقل من الرواية.
- لا يُسأل عنه: مدح رفيع.
وقد تأتي بمعنى الجرح الشديد.
- جائز الحديث: جاز ومشوا حديثه؛ على ما فيه من ضعف.
- أدخل على المشايخ: جرح شديد من جهة العدالة.
وقد يقع هذا من العباد الذين لا يضبطون حديثهم.
وقد يقع على سبيل الامتحان.
- (أصلح) أو (ألحق) في كتابه أو كتاب غيره: إذا روى حديثًا وخولف فيه وطلب منه الأصل، فقد يكون الأصل رديئًا فيجد الناقد أنَّ الراوي قد ألحق فيه بعض الأحاديث، أو أصلح فيه بعض الأسانيد أو المتون، فيطعنون فيه من جهة عدالته.
لكن قد يفعل هذا الثقة إذا كان عالمًا بكتب غيره (١).
- يخطئ ويصر: إذا كان على سبيل العناد، أو أن الخطأ فاحش ولا يرجع عنه، فهذا يتركونه.
- رجع عن بعض حديثه: إذا صُحِّحَ له رجع إلى ما صحَّحوه.
- ينام في المجلس والشيخ يقرأ: معناه أنه لم يتقن أحاديث المجلس.
وقد يقع من بعض الأئمة المشاهير ولا يضرهم لضبطهم أصلًا.
- يكتب في المجلس والشيخ يقرأ: لا يضر الثقات أهل الحفظ.
- يحدث من كتاب غيره: قد يضطر الثقة ساعة التحديث النظر في كتاب غيره، فينسبها لنفسه مع كونها ليست من كتابه، وإن كانت من حديثه.
_________________
(١) كما فعل ابن أبي رواد في كتب ابن علية عن ابن جريج.
[ ١٤٥ ]
فقد يكون ما في كتاب غيره مخالفًا لحديثه، وقد يكون الغير ضعيفًا.
فإن كان الذي يحدث من كتاب غيره ليس من أهل الحفظ قدح في حديثه.
- (يحدث من غير أصل)، أو (يقرأ من كل كتاب): لا يضر إلا سيئ الحفظ.
- (يجمع) أو (يجمل) في الأسانيد: يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان.
فإن كان الراوي ليس بضابط شُبِّهَ عليه، فيخلط في الرواة.
- شيطان:
كذاب.
من أهل الرأي.
وقد يطلقونه على الثقات الحفاظ.
- من أهل الصدق: من لا يكذب ولم يضبط حديثه.
- لا أعلم إلَّا خيرًا: ثقة، أو لا بأس به.
- ممن يجمع حديثه:
ضعيف لكن يكتب حديثه ولا يهدر.
ثقة يجمع حديثه عاليًا ونازلًا.
- يعتبر بحديثه: في المتابعات.
- جيد المعرفة: أرفع من لا بأس به.
- (لا أنشط)، أو (لا انبسط) لحديث فلان: تدل على ضعف حديثه، وأحيانًا لنزول حديثه.
- روى ما لم يسمع: كاذب، أو مدلس.
- من العوام: مجهول، أو قريب الأمر في الرواية، أو من العباد.
- يشتري الكتب: مُتَّهمٌ كذاب يأخذ كتب الناس وينسبها لنفسه.
- لا أسأل فلانًا عن شيء: إما لهيبته وعلو قدره، أو أنه ليس أهلًا للسؤال، أو لنزول الإسناد.
[ ١٤٦ ]
- لص: حافظ.
- ضيعوه: أخطؤوا في تركه.
- يجيب على كل ما يسأل: يقبل التلقين.
- أحد الدواهي: في المعرفة وجودة الحديث.
- كان فلان منكرًا: حافظًا متقنًا.
- نفق حديثه: مشى في الناس وهو لين.
- بطال: بطلًا.
- فلان يستدل به: في المتابعة.
- مؤد: إن كان بفتح الهمزة وتشديد الدال فمعناه: حسن الأداء.
وإن كان بتسكين الواو وتخفيف الدال فمعناه: هالك.
- لعنه الله أو ملعون: في الكذاب أو المبتدع.
- جوده فلان:
في المدلس الذي يسقط الضعيف من السند ويظهر الثقة.
أتى به جيدًا، ولم يضبطه غيره.
فهو يروي الحديث جيدًا عن شيخ وغيره يرويه عن الشيخ بعلة، ولولا رواية هذا المجود لأُعِل الحديث.
- حديثه يزيد: في السند أو في المتن.
- فسد حديثه:
أن يكون مستقيمًا ثم خلط.
يروي عن المجاهيل فكثرت المنكرات في حديثه.
أن يكون له أصل صحيح، وأصل فاسد فيحدث بهما جميعًا.
- لا يفوته شيء، أو لا يفوته حديث جيد:
إن كان حافظًا فمعناه بارع مجتهد رحال.
[ ١٤٧ ]
وإلَّا: فهو سارق كلما وجدَ حديثًا عند غيره ادعاه لنفسه.
- يروي الحديث على أوجه:
إن كان حافظًا فهو يروي الأوجه كلّها. أو يرويه بالمعنى.
إن كان ضعيفًا فيضطرب فيها.
أو لتهمته بالكذب.
أو لتدليسه تدليس الشيوخ.
- يُنتقَى من رواياته: تغير أو اختلط أو قبل التلقين بأخرة.
- يتساهل أو يتهاون في التحديث:
يتساهل في تحمل الحديث كمن ينام أو ينشغل والشيخ يحدث.
يتساهل في الأداء كمن يحدث من حفظه بما ليس في كتابه، أو التحديث من غير أصل.
لا يفصل ألفاظ التحمل فيجعلها واحدة.
- دفن كتبه:
لأنه من العُبَّادِ فيخاف الشهرة.
أو من الحفاظ فيخاف أن تقع بيد من يزيد فيها أو يغيرها.
أو لأنه لا يرى نقل العلم وجادة لاحتمال التصحيف.
أو لأن فيها أشياء مدخولة فيخشى انتشارها.
- خفيف العقل، قليل العقل، لا يعقل:
مبتدع، له أوهام كثيرة، خَرِفَ.
- كان فلان يهاب فلانًا:
لثقته وعلو قدره.
لضعفه وتخليطه.
- من يصبر على ما صبر عليه فلان، أو من يطيق ما يطيقه فلان: لورع في الرواية فيكون عنده حديث بعض الضعفاء ولا يرويه.
[ ١٤٨ ]
- مخلط: المختلط.
الكذاب.
المدلس.
- شره: مجتهد في الطلب.
يدلس.
متهم بالكذب.
- ورع:
يَترُكُ روايةَ ما خُولِف فيه.
يَترُكُ الرواية عن المشايخ الذين يستصغر فيهم، بمعنى أنه بَكَّرَ في الطلب فسمع منهم بأواخر عمرهم.
لا يحدث بما سمعه حضورًا. بمعنى: إذا حضر المجلس ولم يقصده الشيخ بالتحديث.
إذا شكَّ في الحديث تركه.
لا يروي إلّا عن ثقة.
- سمح الحديث: عكس الذي قبله.
غير عسر في الرواية فيبذل الحديث لكل أحد.
- قديم الحفظ:
عالي الإسناد.
تغير أو اختلط بأخرة.
- (صحيح)، أو (جيد) الإسناد:
ينتقي في الرواية فلا يروي إلا عن الثقات.
صحيح السماع من شيوخه.
- إسناده ليس بشيء:
يروي عن كل أحد.
[ ١٤٩ ]
مضطرب ليس بمستقيم في حديثه.
- (بابة) أو (مسلاخ) فلان: ينظر إلى من قرن به فيعطى حكمه.
- صحيح الحديث:
الثقة المشهور.
صحيح السماع.
- بُليَ بالناس:
أن يكون له تلاميذ سوء يكذبون عليه.
أن يكون ثقة لكن بلي بمن يتهمه بلقائه، وسماعه ممن روى عنهم.
أن يكون ثقة لكن أتعبه أهل الحديث في الطلب.
- يقع في حديثه الكذب:
لتعمده الكذب.
لوهمه وغفلته.
لتدليسه عن الضعفاء والكذابين.
- ليس بمشهور:
ليس كشهرة الكبار.
حسن الحديث لا بأس به.
المجهول.
- (آية) أو (غاية): تطلق على أعلى درجات التعديل، وأردأ درجات التضعيف.
- خبيث اللسان:
كذاب.
يقع في الناس.
- لا يمكن أن يعتبر بحديثه:
متروك.
لا يروي إلا عن ضعيف.
[ ١٥٠ ]
تفرد بالرواية عنه ضعيف.
جاء بما ليس عندهم:
انفرد عن الثقات بما لم يتابع عليه.
- يأتي بعجائب:
السارق الكذاب.
المغفل صاحب أوهام.
- تناقض فيه فلان:
مرة وثقه ومرة ضعفه
وإن كان من المصنفين فمرة أورده في كتاب الثقات، ومرة أورده في كتاب المجروحين.
- تردد فيه فلان:
له فيه قولان: لم يجزم بتوثيقه ولا بضعفه.
- توقف فيه فلان:
لم يذكر فيه شيئًا، ولم يحكم عليه بشيء.
- لا أعرفه:
إن كان القائل إمامًا ولم يوجد من يعرفه غيره، فهو على الجهالة.
- يدلس عن الهلكى: يسقط الهلكى من مشايخه.
- يأتي عن الهلكى بالمناكير: يروي عن كل أحد ولا ينتقي، ويروي عن الهلكى منكراتهم.
- (لا يصح حديثه) (ليس حديثه بالقوي) (إسناده ليس بالقادم) (يتكلمون في إسناده) (حديثه منكر) (لا يثبت حديثه) (ليس إسناده بذاك):
عادة ما يعنون حديثًا بعينه وهو الذي ورد الكلام فيه لا كل حديثه.
وقد يطلقون المنكر ويعنون به الباطل والموضوع أو لا أصل له.
- كناه فلان: أسباب التكنية:
ليفيد السامع بكنية الراوي.
[ ١٥١ ]
أو للتبجيل والتعظيم.
أو لضعف المكنى حتى يعميه على الغير.
- كنى عنه فلان: يفعله الثقات إذا كان المكنى عنه ضعيفًا فيقول: حدثني من لا أتهم أو حدثني شيخ أو حدثني رجل.
- ليس بثقة في حديثه: أنه عدل في دينه لكن البلاء في حديثه، إما لقبوله التلقين أو لروايته عن الضعفاء.
- لو لم يصنف كان خيرًا له: أن حاله قبل التصنيف كان أحسن، فكم من ثقة لا يحسن التصنيف.
- لو لم يحدث كان خيرًا له: أنه من العباد وليس من أهل الحديث، فلما حدث خلط واضطرب.
- شيخ: لا يفيد تعديلًا ولا تجريحًا.
- ضيق في الحديث: عسر في الرواية لا يبذل حديثه لكل أحد، ولا بسهولة.
- سمع لنفسه: يزور ويكذب فيكتب سماعه في الطباق، ويُلحق سماعه في سماعات غيره.
- لا يحسن أن يكذب: مع كونه مغفلًا هو كذاب.
- يروي مناكير: يقال في الذي يروي ما سمعه مما فيه نكارة ولا ذنب له في النكارة، بل الحمل فيها على من فوقه، فالمعنى أنه ليس من المبالغين في التنقي والتوقي الذين لا يحدثون مما سمعوا إلا بما لا نكارة فيه، ومعلوم أن هذا ليس بجرح.
- روى أحاديث منكرة: وقعت له النكارة في حِينٍ، لا دائمًا.
- حديث غريب، أو فائدة: خطأ، أو دخل حديثٌ في حديث، أو خطأ من المحدِّث، أو حديثٌ ليس له إسناد.
- منكر الحديث: لوجود بعض المناكير في روايته.
وقد يطلقونه على من كثرت المناكير في روايته.
وهذه من مرتبة من يعتبر بحديثه.
[ ١٥٢ ]
- روى مناكير: له مناكير لكنها قليلة.
- يروي المناكير: من شأنه رواية المناكير.
واللفظان ظاهران في أن العهدة ليست عليه وإنما هو راوٍ فقط.
- في حديثه مناكير: النكارة في حديثه هو.
الأئمة إذا ذكروا حديثًا منكرًا في ترجمة راوٍ فالعهدة فيه على المترجِمِ له.
- فلان متهم بالكذب: المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصحّ الإسناد إليه أن الخبر لا أصل له، وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمَّد الكذب أم غلط؟
فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتَّجه له الحكم بأحد الأمرين قطعًا، وقد يميل ظنّه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به، فعلى هذا الثاني إذا مال ظنّه إلى أن الراوي تعمّد الكذب قال فيه: (متهم بالكذب) أو نحو ذلك مما يؤدي إلى هذا المعنى.
تفسير ألفاظ الجرح والتعديل، عند بعض الأئمة
- قول أحمد (حديثه يهوي): مراسيل.
- قول أحمد (ليس من أهل الحفظ): ثقة روى شيئًا يسيرًا.
- قول دحيم (ثقة): عدل معروف بالطلب.
- قول ابن حبان (مستقيم الحديث): غاية الضبط.
- قول أبي حاتم (يدخل في المسند): صحابي.
- قول أبي حاتم: (أعرابي مجهول): على من له صحبة.
- قول دُحيم (لا بأس به): ثقة.
- قول ابن معين (لا بأس به): ثقة.
- قول أبي حاتم (لا بأس به) يقوله في عدة حالات:
في أكثر الأحوال فيمن لا يحتج به.
[ ١٥٣ ]
فيمن يحسن حديثه لذاته، أو يصحح حديثه عنده، وعند غيره
- قول أبي حاتم (ما أرى بحديثه بأسًا): لا يحتج به.
- قول ابن عدي (لا بأس به): لا يحتج به
- قول ابن عدي (أرجو أنه لا بأس به): لا يتعمد الكذب، وأن حديثه يكتب للمتابعة.
- قول البخاري (مقارب الحديث): لا بأس به.
- قول أبي حاتم: (صدوق): ثقة.
ويستخدمه أحيانًا بمعنى: ليس بحجة.
- قول عثمان بن أبي شيبة، ويعقوب بن شيبة (ثقة صدوق): مُنْصَبٌّ على العدالة دون الضبط.
- قول ابن عدي: (عندي من أهل الصدق): لا يتعمد الكذب.
- قول الدارقطني (صدوق): تزكية الراوي في عدالته دون ضبطه.
- قول الذهبي (محله الصدق) (صدوق إن شاء الله): إذا روى عنه أكثر من واحد ولم يُوَثَّق.
- قول ابن أبي حاتم (صالح الحديث): آخر مراحل التوثيق.
قول ابن حبان في (ربما أغرب): فيه بعض ضعف.
قول الذهبي (مُوَثَّق): انفرد ابن حبان بتوثيقه.
- قول ابن حبان (يعتبر حديثه): كثيرًا ما يستعمله بمعنى يُحتج به، ويذكر ذلك مقيدًا برواية بعض الرواة عن الشيخ المترجم له، كقوله في عمرو مولى المطلب: يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه.
- قول ابن حجر (مقبول): ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيها ما يترك حديثه، فهو ممن يتابع.
- قول ابن معين (يُكتب حديثه): في جملة الضعفاء.
- قول أبي حاتم (يكتب حديثه): ليس بحجة، يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلط ويضطرب.
[ ١٥٤ ]
فيُكتب حديثه في المتابعات والشواهد، ولا يحتج به إذا انفرد.
- قول مسلم (اكتب عنه): ثقة.
- قول أبي حاتم (ليس بالقوي): لم يبلغ درجة القوي الثابت.
- قول النسائي (ليس بالقوي): في الغالب: فيه ضعف.
- قول ابن المديني (ليس هو كأقوى ما يكون): تضعيف نسبي.
- قول البخاري (سكتوا عنه): تركوه.
- قول الجوزجاني (سكت الناس عنه): جرح شديد.
- قول البخاري (متكلم فيه) (يتكلمون فيه): يرد به جرح الشديد.
- قول البخاري (منكر الحديث): لا تحلّ الرواية عنه.
- قول ابن عدي (لين): مرة يرد به الجرح الشديد، ومرة الخفيف.
- قول الدارقطني (لين): مجروح بشيء لا يسقطه عن العدالة.
- قول أحمد (كذا، وكذا): فيه لين، تعرف منه وتنكر.
- قول العقيلي: (مجهول بالنقل): مجهول.
- قول البزار: (ليس معروفًا بالنقل) أو (مجهول بالنقل): مجهول.
- قول البخاري (مشهور الحديث) أو (حديثه مشهور): مشهور عمن روى عنهم، فما كان فيه من إنكار فمن قبله.
- قول أبي حاتم: (أعرابي مجهول): على من له صحبة.
- قول الذهبي في الميزان خصوصًا (مجهول): فإنه قول أبي حاتم فيه.
- قول ابن القطان الفاسي: (لا يُعرف) أو (مجهول) أو (لم تثبت عدالته): لم يوثِّقه أحد وإن لم يجرح.
- قول ابن معين: (لا أعرفه): لا يعرف أخباره، ولا مروياته.
- قول الخطيب البغدادي (مستور): يقوله في العباد الصالحين الثقات، أو أهل القرآن، أو أصحاب العقائد الصحيحة، أو من حسنت سيرتهم.
[ ١٥٥ ]
- قول أبي حاتم: (مجهول): إذا كان قالها في صحابي يعني: أنه لم يرو عنه كبار أئمة التابعين.
- قول أبي حاتم وأبي زرعة (شيخ): ليس من أهل العلم، وإنما هو صاحب رواية، يكتب حديثه وينظر فيه.
- قول العجلي (في عداد الشيوخ): قليل الحديث وإن كان ثقة.
- قول البخاري (فيه نظر): متهم واه.
- قول البخاري (فلان في إسناده نظر): يعني أن المترجم له لم يصح سماعه من شيخه.
- قول أبي حاتم (فيه نظر): متهم واه.
- قول الدارقطني (لا يترك): ليس بتجريح.
- قول الجوزجاني (مائل) (زائغ): على المتشيعة.
- قول ابن عدي (فلان يتلون): يضطرب.
- قول الدارقطني (فلان يتلون): إذا جمع بين بدعتين متقابلتين.
- قول العقيلي (يروي الحديث على أوجه): مضطرب.
- قول يحيى القطان (إذا سئل عن راوٍ فحرك يده): جرح شديد.
- قول المعافى بن زكريا الجريري (غيره أوثق منه): جرح شديد.
- قول أحمد (ليس من عيالنا): متروك.
- قول ابن معين (ليس بشيء): ضعيف جدًّا كالكذابين والمتروكين ومن دُونَهم، ولكن أحيانًا قليلة تعني: أحاديثه قليلة، أو من لا يعرفه، أو مبتدع منكر البدعة كالجهمية.
- قول الدارقطني (ليس بشيء): كذاب.
- قول ابن المبارك (عرفته): ضعيف جدًّا.
- قول الذهبي والعسقلاني (واهٍ): شديد الضعف.
- قول أبي حاتم (على يدي عدل): قرب من الهلاك.
[ ١٥٦ ]
الذين يقبل قولهم في الجرح والتعديل: وهم على ثلاثة أقسام:
١ - قسم تكلموا في الرجل بعد الرجل؛ كابن عيينة.
٢ - وقسم تكلموا في كثير من الرواة؛ كمالك وشعبة.
٣ - قسم تكلموا في أكثر الرواة؛ كأحمد وابن معين وأبي حاتم الرازي.
ذكر أشهر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل
١ - عامر بن شراحيل الشعبي.
٢ - محمد بن سيرين.
٣ - سليمان بن مهران الأعمش.
٤ - مالك بن أنس الأصبحي.
٥ - أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.
٦ - سفيان بن سعيد الثوري.
٧ - شعبة بن الحجاج العتكي.
٨ - أبو عوانة الوضَّاح بن عبد الله اليشكري.
٩ - عبد الله بن المبارك المروزي.
١٠ - سفيان بن عيينة.
١١ - إسماعيل بن علية.
١٢ - عبد الله بن وهب.
١٣ - وكيع بن الجراح.
١٤ - عبد الله بن نمير.
١٥ - عمر بن علي المقدمي.
١٦ - يحيى بن سعيد القطان.
[ ١٥٧ ]
١٧ - عبد الرحمن بن مهدي.
١٨ - أبو داود سليمان بن داود الطيالسي.
١٩ - أبو نعيم الفضل بن دكين.
٢٠ - أبو عاصم النبيل.
٢١ - عفان بن مسلم.
٢٢ - وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر.
٢٣ - يحيى بن معين.
٢٤ - أحمد بن حنبل.
٢٥ - محمد بن سعد.
٢٦ - علي بن المديني.
٢٧ - أبو خثيمة زهير بن حرب.
٢٨ - وأبو بكر بن أبي شيبة.
٢٩ - وأحمد بن صالح المري المصري.
٣٠ - عمرو بن علي الفلاس.
٣١ - محمد بن إسماعيل البخاري.
٣٢ - محمد بن يحيى الذهلي.
٣٣ - يعقوب بن شيبة السدوسي.
٣٤ - أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي.
٣٥ - أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي.
٣٦ - محمد بن مسلم بن وارة.
٣٧ - أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني.
٣٨ - أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي.
[ ١٥٨ ]
٣٩ - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني.
٤٠ - أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري.
٤١ - أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي.
٤٢ - أبو بكر أحمد بن أبي خثيمة صاحب التاريخ.
٤٣ - أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي.
٤٤ - أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.
٤٥ - أبو بكر أحمد بن عمرو البزار.
٤٦ - أبو عثمان سعيد بن عمرو البرذعي.
٤٧ - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة.
٤٨ - أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي.
٤٩ - أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي.
ثم طبقة المتوسطين
٥٠ - أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى.
٥١ - أبو حاتم محمد بن حبان البستي.
٥٢ - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني.
٥٣ - أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني.
٥٤ - أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي.
٥٥ - أبو أحمد الحاكم: محمد بن محمد بن أحمد البيسابوري.
٥٦ - أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني.
٥٧ - أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين.
٥٨ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله الضبي الحاكم.
٥٩ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي.
[ ١٥٩ ]
ثم طبقة ما قبل المتأخرين
٦٠ - أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب.
٦١ - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري.
٦٢ - عبد الكريم بن محمد بن منصور، أبو سعد السمعاني.
٦٢ - أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري.
ومن المتأخرين (١)
٦٣ - شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي.
٦٤ - رشيد الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم المنذري.
٦٥ - جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي.
٦٦ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي.
٦٧ - أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي.
٦٨ - أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني.
قواعد في الجرح والتعديل
- الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا من أعظم النصيحة في الدين، وليس من الغيبة.
- الكلام في الرواة إما أن يكون من معاصر لهم، أو ناقل عن معاصر، أو سابر لحديث الراوي بتمكن.
- لا يقبل الكلام في الرواة إلا من علماء الجرح التعديل.
- ليس أئمة الجرح والتعديل طبقة واحدة، فمنهم المكثر من الكلام في الرواة، ومنهم المقل، ومنهم المجتهد، ومنهم المقلد، ومنهم المتمكن، ومنهم من هو دون ذلك.
- تقسيم الأئمة إلى متشدد ومعتدل ومتساهل فيه كبير نظر، فإن الضابط في هذا التقسيم غير منضبط.
_________________
(١) وهؤلاء يحتاج لهم فيمن لم نجد في ترجمته حكمًا لإمام من الأئمة المتقدمين أو ممن هو نازل الطبقة بعد الحاكم والبيهقي.
[ ١٦٠ ]
- ليس تنازع الأئمة في راو يلزم منه تغليب قول الأكثر.
- بعض من تكلم في الرواة هو نفسه مجروح فلا عبرة بكلامه.
- المعتبر في كلام أئمة الجرح والتعديل عند التعارض هو القرائن.
- أئمة الجرح والتعديل قد يتكلم أحدهم في الراوي باجتهاد فيخطئ، فيتركه الناس لما قيل فيه، فلا يجعل خطأه في مقابل قول غيره.
- من ليس فيه إلا قول مجمل، وإن كان جرحًا قُبِلَ فيه فلا يهمل.
- عبارات علماء الجرح والتعديل متفاوتة ومتداخلة.
- جرح الأقران معتبر، ما لم يقم دليل على أن الباعث عليه غير مؤثر.
- لا يكفي الاعتماد على كتب المصطلح فيما حرَّروه من ألفاظ الجرح والتعديل.
- لا يكفي في الحكم على الراوي النظر في كتب المتأخرين دون النظر في كتب الجرح والتعديل الأصلية (١).
- قد يكون الجرح والتعديل نسبيين.
- لا بدّ من اعتبار مذاهب النقاد.
- مراتب الجرح والتعديل أربع بأربع، هذا هو الأصل ومن زاد فقد فرَّع.
- من ألفاظ الجرح والتعديل ما المراد منه خلاف الظاهر.
- بعض الألفاظ في الجرح والتعديل محتملة أو مترددة بين الجرح والتعديل لا تعرف إلا بالقرينة.
- تخريج صاحب الصحيح لراو لم يرد فيه جرح أو تعديل يفيد تعديله، ما لم يخرج له متابعة، أو يخرج له انتقاءً لبعض حديثه.
- الأصل فيمن أورده أئمة الجرح والتعديل في كتب الضعفاء أنه مجروح، والأصل فيمن أوردوه في كتب الثقات أنه ثقة، حتى يظهر في هذا كله خلاف ذلك.
_________________
(١) وغالب المعاصرين اليوم لا يكاد يتجاوز كتاب "تقريب التهذيب" لابن حجر، والفحل منهم من يرقى في البحث إلى "تهذيب التهذيب" له.
[ ١٦١ ]
- الاعتناء بمسألة الجمع والتفريق بين الرواة حتى لا يحصل الاشتباه بين الرواة المترجم لهم.
- كل من ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه.
- الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل ما لم يُنْقَضْ بمعتبَر.
- الجرح المبهم مقدم على التعديل، ما لم تدل قرينة على تقديم التعديل.
- وجوب التثبت من تراجم الرواة، فلا يجرح الراوي ولا يعدل إلا بما صح الإسناد فيه
- لا يجزئ التعديل من غير تعيين المعدل.
- إذا اختلف قول لعالم في راو، فمرة يوثقه ومرة يضعفه فالمصير إلى القرائن.
- رواية الثقة عن غيره لا تعد توثيقًا له، إلا أن يكون الثقة لا يروي إلا عن ثقة.
- لا بدّ من الاستفادة من طريقة الحفاظ العملية تجاه الرواة، فقد يحتاج فيها ليفسر كلامهم.
- معرفة الألفاظ التي يستخدمها الناقد وتفسيرها.
- معرفة منهج الناقد.
- لا بدّ من مراعاة أمور حال النظر في كتب الجرح والتعديل:
- التوثق من صحة النسخة، وضبط ما فيها.
- أصحاب الكتب المتأخرة كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة المتقدمين بقصد الاختصار مما يخل بالمعنى، فينبغي مراجعة الكتب الأصول للوقوف على الحقيقة.
- ذكر الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": وما علمت في النساء من اتهمت، ولا من تركوها.
- عادة المصنفين في تراجم الرواة المجروحين أن يذكروا في ترجمته ما لا يصح في حديثه، وأظهرهم بذلك صنيعًا البخاري في "التاريخ الكبير" والعقيلي في "الضعفاء" وابن عدي في "الكامل".
- ذكر ابن حجر في آخر كتاب "لسان الميزان" أن من لم يترجم له في "ميزان الاعتدال" أو "اللسان" أو "تهذيب التهذيب" فهو إما ثقة أو مستور.
[ ١٦٢ ]
- شرط ابن حجر في "التهذيب" أن يرتب الرواة عن الراوي في ترجمته حسب منزلتهم (١) في الرواية عنه، لكنه لم يتم شرطه إلى آخر الكتاب.
- "تقريب التهذيب" عمدة كثير ممن جاء بعد ابن حجر، وليس يصلح أن يكون كذلك.
مجمل أسباب الطعن غير المعتبرة
١ - الطعن بسبب الدخول في أمر الدنيا، كولاية الحسبة أو القضاء ونحوه.
٢ - الطعن بسبب التحامل الواقع بين الأقران والتعاصر.
٣ - الطعن بسبب اختلاف العقائد والرأي.
٤ - الطعن في راوٍ توهمًا أن الحمل عليه لتفرد أو نكارة، ويكون عند التحقق الحمل فيه على غيره.
٥ - الطعن في راوٍ توهمًا أنه راوٍ آخر.
٦ - الطعن هو ليس أهلًا لذلك.
٧ - الطعن للجهل بحال الراوي أو عينه.
٨ - الطعن بغير طاعن.
الحكم في توثيق وتضعيف بعض الأئمة
الحكم في توثيق بعض الأئمة:
- أبو عوانة: لا يتردد في قبول روايته.
- ابن سعد: فيه شيء من التساهل، وهو كثيرًا ما ينقل عن شيخه الواقدي (والواقدي متروك).
- البزار: متساهل في توثيقه.
- العجلي: متساهل في توثيق المجاهيل.
- الطبراني: يعتبر بتوثيقه.
_________________
(١) وقد وهم في كثير من المواضع.
[ ١٦٣ ]
- ابن خزيمة: فيه شيء من التساهل، ولكنه أحسن حالًا من الحاكم وابن حبان.
- ابن حبان: متساهل في توثيقه (توثيق المجاهيل) لكن هذا ليس على إطلاقه، وهو أحسن حالًا من الحاكم.
- الحاكم: متساهل في توثيقه، وهو إمام مقبول القول في الجرح والتعديل ما لم يخالفه من يرجح عليه.
- البيهقي: متوسط يقبل توثيقه.
- السمعاني: لا بأس به، ولكنه نقال (أي ينقل عمن سبقه فهو ليس ناقدًا).
- الخطيب: متوسط يقبل توثيقه.
- ابن قانع: هو نفسه متكلم فيه.
- الضياء المقدسي: معروف بالتساهل، وتصحيحه أعلى من تصحيح ابن حبان والحاكم.
- الذهبي: توثيقه مقبول.
- الهيثمي: متساهل في التعديل، خاصة في "مجمع الزوائد".
الحكم في تجريح بعض الأئمة:
- نعيم بن حماد: كان شديدًا على أهل الرأي.
- ابن سعد: الغالب عليه الاستقامة، وقد يتشدد؛ وقد يُتوقف في تضعيفه لاعتماده على الواقدي.
- الجوزجاني: يحط على أهل الكوفة لكثرة التشيع فيهم، وهو متهم بأنه ناصبي.
- ابن حبان: ربما تعنت في الجرح.
- أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة. (مشهور ضعفوه).
- سليمان بن داود الشاذكوني. (متروك)
- عبد الرحمن بن يوسف بن خراش. (رافضي خبيث)
- محمد بن حميد الرازي. (كذاب)
- محمد بن السائب الكلبي. (متهم بالكذب)
[ ١٦٤ ]
- محمد بن عمر، أبو بكر الجعابي. (شيعي، رمي برقة الدين)
- أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي. (صاحب مناكير وغرائب)
أعرف الناس ببعض الرواة
- بالمدنيين: مالك.
- وبالشاميين: أبو مُسْهِر الدمشقي.
- وبالكوفيين: ابن نمير.
- وبالبصريين: شعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني.
- وبالبغداديين خاصة وبأهل العراق عامة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
- وبالرازيين: أبو زرعة، وأبو حاتم.
- وبالمصريين: ابن يونس.
التَّخْرِيجُ
من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم مسألة التخريج ودراسة الأسانيد.
ولا يحل لأحد أنْ يتكلم في الحديث ما لم يكثر النظر في كل أنواع كتب الحديث، ويقضي العمر في جمع الأسانيد والمتون، ويغلب على ظنه أنه استوفى كل طرق الحديث، وأقوال من سبقه فيه سندًا ومتنًا.
ويكون قبل ذلك أتقن أصول هذا العلم على طريقة المتقدمين، وأكثر حفظ الأسانيد والمتون، وتخرَّج على الشيوخ وأطال المزاحمة بالركب عليهم، وضبط اصطلاحات كل إمام في المصطلح والجرح والتعديل، واستعمل اصطلاح كل إمام بمعناه عنده لا يتجاوزه إلى ما تقرر في كتب المتأخرين.
أُصُوْلُ التَّخْرِيْج: هي قواعد وضوابط فن تخريج الأحاديث.
[ ١٦٥ ]
التَّخْرِيْج: له معانٍ:
الأول: انتقاء الراوي لنفسه من أصول سماعاته عن شيوخه أحاديث.
فيصنفها إما على ترتيب أسماء الشيوخ، ويسمى: (المعاجم)، أو عشوائيًا ويسمى: (الفوائد).
الثاني: هو عزو الحديث غير المسند إلى مصدره الأصلي.
كأن يذكر السيوطي متن حديث في "الجامع الصغير" وينسبه إلى الكتاب الأصل الذي أخذ عنه. فيأتي المُخَرِّج فيتتبعه في الكتب المسندة ثم يقول مثلًا: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" برقم كذا. وأحمد في "المسند" برقم كذا.
الثالث: بمعنى جمع الطرق والألفاظ.
بتقصي أسانيد الحديث في المصنفات والأجزاء، والتنبيه على ما ورد من اختلافات بين أسانيدها ومتونها، وذكر العلل، والجرح والتعديل، وتعقب من تكلم في الحديث، مع بيان مرتبة الحديث قبولًا وردًّا.
التِّسْعَة: مالك، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي (١).
كحديث: مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَنْ كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَعَبْدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ" أخرجه: مالك، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
السَّبْعَة: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي.
الكُتُبُ السِّتَّة: فيه خلاف: فمنهم من يجعلهم: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي، وهو الأشهر، والذي جرى عليه ابن القيسراني، وعبد الغني المقدسي، والمزي، وابن حجر، ومن جاء بعدهم.
_________________
(١) قد يقال أن مصطلح (الكتب التسعة) مصطلح حادث إذ لا يعرف عن أهل الحديث، وإنما هو من ألفاظ المعاصرين. والحق أنه: لا مشاحة في الاصطلاح بعد فهم المعاني. وقد دلَّت القرائن وممارسات أهل العلم على أهمية الكتب التسعة.
[ ١٦٦ ]
ومنهم من يجعلهم: مالكًا، والبخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وهو اصطلاح رَزِين العَبْدَرِي صاحب "تجريد الأصول" وتبعه عليه ابن الأثير الجزري في "جامع الأصول".
ومنهم من يجعلهم: الدارمي، والبخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي.
ويسميها البعض: بالأصول الستة.
وعندي أن "سنن الدارمي" أولى بالعَدِّ في الكتب الستة من "سنن ابن ماجه".
ومنهم من يطلق عليها: الصحاح الستة، وهذا الاصطلاح فيه نظر، فإن أصحاب الكتب الستة عدا البخاري ومسلم لم يشترطوا إخراج الصحيح دون غيره في كتبهم.
الأئِمَّةُ السِّتَّة: هم مصنفو الكتب الستة.
أخْرَجَهُ الجَمَاعَة: هو ما اتفق على روايته أصحاب الكتب الستة.
كحديث: مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ سَعْدٍ فَقُلتُ: بِيَدَيَّ هَكَذَا - وَوَصَفَ يَحْيَى التَّطْبِيقَ - فَضَرَبَ يَدِي وَقَالَ: "كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا فَأُمِرْنَا أنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ" أخرجه: الدارمي، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
فهذا الحديث مما يصلح أن يكون على كل رأي من أراء من اصطلح على الكتب الستة فيما ذكرت.
الأُصُوْلُ الخَمْسَة: وتسمى أيضًا الكتب الخمسة، وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي.
وهو اصطلاح النووي ومن تبعه.
وجعلهم ابن حجر: مسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وهو المعروف اليوم.
الأرْبَعَة: أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي.
ويقال فيما أخرجه الأربعة: أخرجه أصحاب السنن.
[ ١٦٧ ]
كحديث: إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "أسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّل بَيْنَ الأصَابعِ" أخرجه: أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي. الثَّلَاثَة: أبو داود، والترمذي، والنسائي.
كحديث: عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" أخرجه: أبو داود، والترمذي، والنسائي.
ولم يخرجه ابن ماجه.
المُتفَقُ عَلَيْه: ما أخرجه البخاري وَمسلم، من طريق صحابي واحد.
كحديث: المُعْتَمِر بن سُلَيْمان، قال: سَمِعْتُ أبي، قال: حدَّثنا أبو عُثْمَان النَّهْدِيِّ، قَالَ: أُنْبِئْتُ؛ أنَّ جِبْرِيلَ ﵇، أتَى النَّبِيَّ ﷺ، وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هَذَا، أوْ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أيْمُ الله! مَا حَسِبْتُهُ إِلا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ الله ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ، أوْ كَمَا قَالَ. أخرجه البخاري ومسلم.
ولا أعلم أخرجه من أصحاب الكتب التسعة غيرهما.
والمجد صاحب "المنتقى"، يضيف الإمام أحمد للشيخين، ليكون الحديث متفقًا عليه.
قال المجد بن تيمية في مقدمة منتقى الأخبار: وَلِأحمد مَعَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. نيل الأوطار (١/ ٢٤)
كحديث: عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ الغَسِيلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ دَاءً، وَمَا أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ" أخرجه: أحمد، والبخاري، ومسلم.
قال المجد بن تيمية: متفق عليه.
رَوَاهُ الشَّيْخَان: رواه البخاري ومسلم.
[ ١٦٨ ]
ويستخدمه ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، ومغلطاي، وابن الملقن، والعراقي، وابن حجر، والبوصيري، والسخاوي، والسيوطي، والطيبي، وأحمد شاكر، والألباني، وشعيب الأرناؤوط، وغيرهم.
أخْرَجَه: روى الحديث بالسند، منه إلى من أخرجه عنه.
الصَّحِيْحَان: كتابا البخاري ومسلم.
ولا بد لطالب الحديث من الاعتناء بالصحيحين وكثرة مطالعتهما وتكرار ذلك كلما تم ختمهما.
فائدة: الكتب دون الكتب التسعة قسمان:
قسم متقدم على جُلِّ أصحاب التسعة "كمسند" ابن المبارك، و"مصنفي" عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، و"مسند" أبي داود الطيالسي، و"سنن" سعيد بن منصور، و"مسند" علي ابن الجعد، و"مسند" الحميدي، و"مسند" إسحاق، و"مسند" عبد بن حميد، و"مسند" أبي يعلى، ومن في طباقهم، فزوائد هذا القسم على الكتب التسعة منها الصحيح، ومنها دون ذلك.
وقسم متأخر "كمعاجم" الطبراني، و"صحيحي" ابن خزيمة وابن حبان، و"مستدرك" الحاكم، و"سنن" البيهقي، ومن في طباقهم، وزوائد هذا القسم على الكتب التسعة ليس يصح منها شيء.
رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيْح: هو ما كان رواة إسناده مخرج لهم في صحيحي البخاري ومسلم، أو أحدهما.
وليس يفيد الصحة.
وتوسع فيه المنذري والهيثمي توسعًا غير مرضي، وتبعهما على هذا كثير ممن جاء بعدهما.
لأنهما يدخلان فيه غالبًا من أخرج له الشيخان احتجاجًا أو استشهادًا أو متابعة، ولا يراعيان ما انتخباه من حديثه أو ما فيه علة من حديث الراوي.
- وَعنهُ [ابن مسعود] ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: المَرْأة عَورَة، وَإِنَّهَا إِذا خرجت
[ ١٦٩ ]
من بَيتهَا استشرفها الشَّيْطَان، وَإِنَّهَا لَا تكون أقرب إِلَى الله مِنْهَا فِي قَعْر بَيتهَا.
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. الترغيب والترهيب للمنذري (١/ ١٤١).
وحديث: عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِ ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "من غسل واغتسل، ودنا وابتكر، واقترب واستمع، كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها قيام سنة وصيامها". الترغيب والترهيب للمنذري (١٠٣٦)
قال المنذري: رَوَاهُ أحمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. الترغيب والترهيب للمنذري (١/ ٢٨٠).
قلت: قال أحمد: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُثْمَانَ الشَّامِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ أبَا الأشْعَثِ الصَّنْعَانِيَّ، عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، به. مسند أحمد (٦٩٥٤)
وهذا الإسناد لا وجود له عند الشيخين أو أحدهما أصلًا.
وعثمان بن خالد الشامي مجهول ولم يخرجا له أصلًا، وأبو الأشعث الصنعاني: هو شراحيل بن آدة، لم يخرج له البخاري أصلًا. ولا أخرجا لأوس بن أوس.
وحديث: أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ - نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهِ، يُصِيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أصَابَهُ". مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (ح/ ١٣).
قال الهيثمي: رَوَاهُ البَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الأوْسَطِ وَالصَّغِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. مجمع الزوائد (١/ ١٧)
قلت: أخرجه البزار قال: حَدَّثنا أبُو كامل قَال: حَدَّثنا أبُو عَوَانة، عَن مَنْصُورٍ عَنْ هِلالِ بْنِ يِسَافٍ عَنِ الأغر، عَن أبي هُرَيرة، به. البحر الزخار (١٥/ ٦٦).
وهذا الإسناد لا وجود له في الصحيحين أو أحدهما بهذه السياقة، ولا أخرج البخاري لأبي كامل الجحدري أصلًا. ولا أخرج لمنصور عن هلال، ولا أخرجا لهلال عن الأغر، وإنما أخرجا لأبي عوانة عن منصور عن إبراهيم وأبي وائل.
عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ أوْ أحَدهمَا: هو أن يكون إسناد الحديث أخرج مثله الشيخان
[ ١٧٠ ]
أو أحدهما في كتابيهما "الصحيح" ولم يخرجا متنه.
وأول من أطلقه الحاكم في "المستدرك"وتبعه عليه جمع ممن جاء بعده، وليس يفيد الصحة. وغالب من أطلقه ترخص فيه، ولم يراعِ فيه موافقة منهج الشيخين في تخريج أصله كما في كتابيهما.
قال الحاكم: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِح، حَدَّثَنَا أبُو المُنِيبِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُصَلَّى فِي لِحَافٍ لا يُتَوَشَّحُ بِهِ، وَنَهَى أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ. المستدرك (٩١٤).
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَاحْتَجَّا بِأبِي تُميْلَةَ، وَأمَّا أبُو المُنِيبِ المَرْوَزِيُّ فَإِنَّهُ عُبَيْدُ الله بْنُ العَتَكِيِّ مِنْ ثِقَاتِ المَرَاوِزَةِ، وَمِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ فِي الخُرَاسَانِيِّينَ. المستدرك (١/ ٢٥٠).
قلت: ولم يخرج أحد من الشيخين لأبي المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي، أصلًا. وإسناد أبي المنيب عن ابن بريدة عن أبيه من الأسانيد المنكرة؛ أنكرها أحمد وغيره.
ويخرج من روايات الشاميين عن زهير بن محمد كثيرًا، كالوليد بن مسلم وعمرو بن أبي سلمة، ثم يقول: صحيح على شرطهما.
وليس كما قال.
وإنما أخرج الشيخان من حديث أهل العراق عنه.
فائدة: إذا كان إسناد الحديث على شرط الشيخين أو أحدهما، وهو أصل في الباب أو الباب يفتقر إليه، ولم يخرج البخاري ومسلم ما يدل دلالته مما هو فوقه أو مثله في الصحة، فالغالب أنه مُعلّ (١).
تَرَاجِمُ الأبْوَاب: هي عناوين الأبواب في الكتب المصنفة في الحديث على أبواب العلم (٢).
_________________
(١) انظر مقدمة "زوائد سنن أبي داود على الصحيحين" للطريفي (١/ ٢٠).
(٢) فائدة: لم يترجم الإمامان مسلم والترمذي لأبواب كتابيهما، وإنما فعل ذلك شراح الكتابين ومختصروا صحيح مسلم.
[ ١٧١ ]
كقولهم: باب: صلاة العيدين. باب: زكاة الخضروات.
رُمُوْزُ الحَدِيث: وهي أحرف يعبر بها عن مصطلحات معينة.
مثل (ثنا) حدثنا. و(ح) لتحويل الإسناد.
ومنها رموز للكتب المصنفة: (ط) مالك، (حم) أحمد، (مي) الدارمي، (خ) البخاري، (م) مسلم، (د) أبو داود، (جه) ابن ماجه، (ت) الترمذي، (ن) النسائي.
ولابدّ من التنبه إلى أنَّ المصنفين تختلف ترميزاتهم، فلينظر في مقدمة كل مُصَنِّف لمراعاة الفوارق في هذا كله.
فمنهم من يجعل (ح) أحمد، (ق) ابن ماجه، (س) النسائي.
الكُتُبُ
اعلم أن طالب الحديث لا يسعه الاستغناء عن كتاب من كتب الحديث (١) مهما صغر شأنه أو حجمه، فإنه قد يحتاجه في لحظة ما، ولا تكون ضالته إلا فيه.
الموطآت: وهي كتب مصنفة على أبواب العلم، من إيراد آثار الصحابة والتابعين، وآراء وفقه المؤلف.
كموطأ مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهب.
المُصَنَّفَات: هي الكتب المصنفة، ويقال لها: التصانيف، ويقال لها: الأصناف.
المُصَنَّف: هو الكتاب الذي صنف على أبواب العلم، ويكثر فيه إيراد آثار الصحابة والتابعين.
كمصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
ولا يدخل في أحاديث "مصنف عبد الرزاق" ما قيل فيه من اختلاطه، فإن هذا خاص بما رواه خارج المصنف وبعد ما عمي.
_________________
(١) وقد ذكرت أهمها في مبحث التأصيل من هذه الرسالة؛ فانظره هناك.
[ ١٧٢ ]
و"مصنف ابن أبي شيبة" مبعثر الأبواب، كثير منها لا يوجد في مظنته (١).
وقد يورد ابن أبي شيبة الحديث أو الأثر بعدة أسانيد يريد به التدليل على ثبوته أو إعلاله.
ربما روى ابن أبي شيبة الحديث بالمعنى (٢).
كُتُبُ المسانيد: وهي الكتب المصنفة على مسانيد الصحابة، فيجعل أحاديث كل صحابي مفردة عن أحاديث غيره.
كمسند ابن المبارك، ومسند الحميدي، ومسند أحمد، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عبد بن حميد، ومسند الخلال، ومسند الحارث بن أبي أسامة، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى، ومسند الروياني، ومسند الشاشي، ومسند الشهاب.
وأعظمها وأجلها مسند الإمام أحمد.
الصحاح: وهي الكتب التي اشترطت مصنفوها إخراج الحديث الصحيح.
وهو مصطلح للمتأخرين يعنون به:
صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان.
كُتُبُ المُتُوْن: هي الكتب المصنفة في الحديث، سواء مسانيد، أو مصنفات، أو سنن، أو جوامع، أو معاجم.
كُتُبُ السُنَن: هي التي جمعت الأحاديث المرفوعة المسندة وفق أبواب الفقه.
كسنن سعيد بن منصور، وسنن الدارمي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجة، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن الدارقطني، وسنن البيهقي، وسنن ابن السكن.
وأهمها عند المتأخرين السنن الأربعة (٣).
وهي: سنن أبي داود، وسنن ابن ماجة، وسنن الترمذي، وسنن النسائي.
_________________
(١) وهو إما أنَّه كان يمليه إملاءً، أو أنه لم يهذبه.
(٢) حتى قال الإمام أحمد: وهل يحلّ له ذلك.
(٣) وقد ترد فيها بعض الموقوفات ولكنها نادرة، والفرق بينها وبين المصنفات؛ أن المصنفات تكثر فيها الموقوفات والمقطوعات، بل هي في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة أكثر من المرفوعات.
[ ١٧٣ ]
مهمات في منهج أصحاب السنن
- " سنن" أبي داود من أحسن الكتب وضعًا من حيث التبويب والترتيب.
- كثيرًا ما يخرج أبو داود الحديث المعل في آخر الباب، يريد به التنبيه عليه.
- أبو داود لا ينزل إلى الاحتجاج بالمراسيل في كتابه "السنن" إلّا إذا عدم الموصول الصحيح، وليست المراسيل عنده بقوة المتصلات الصحيحة.
- ما سكت عنه أبو داود منه الصحيح ومنه الضعيف، فلا يلزم من سكوته على حديث في سننه تحسين الحديث.
- الحديث الذي يخرجه أبو داود في "سننه" ثم يعقبه بإسناد مغاير، ولا يصرح فيه بشيء، فهذا ليس من قبيل المسكوت عنه عنده.
- يلزم الناظر في "سنن أبي داود" أن ينظر في كتابه "المراسيل" وما لأبي داود عليه كلام، في غير كتبه، مثل: سؤالات الآجري، ويطابق الأحاديث خصوصًا ما عُدَّ في سننه مسكوتًا عنه.
- "سنن ابن ماجه" من أقل السنن تعليقًا عقب الأحاديث وأكثرها ضعفًا في الزوائد.
- "سنن الترمذي"من الأصول في معرفة منهج المتقدمين، وتعاملاتهم مع الأحاديث والعلل.
- نُسَخُ الترمذي تختلف في أحكامه على الأحاديث، فعلى طالب الحديث العناية باختيار النسخة المحققة والمقابلة على أصول معتمدة، وأجل ما يحل به هذا الاختلاف، نسخة تحفة الأشراف للمزي.
- الترمذي قد يقدم في الباب ما فيه علة.
- كل ما سكت عنه الترمذي لا يصح، إما لضعف ظاهر أو لعلة فيه.
- كثير مما يحكم به الترمذي على الرواة أو على الأحاديث، ولا ينسبه فَسَلَفُه فيه شيخه البخاري أو أبو زرعة.
[ ١٧٤ ]
- "سنن النسائي الكبرى" أصل في معرفة كثير من علل أحاديث الكتب التسعة.
- إذا أخرج النسائي الحديث في "الكبرى" وذكر الاختلاف عليه، ولم يخرجه في الصغرى فهو مما لا يصح عنده.
- "سنن النسائي الصغرى" إحدى روايات السنن وليست هي مختصر الكبرى أو انتخابًا منها.
- الأصل فيما سكت عنه النسائي في "سننه الصغرى" صحته عنده.
- "سنن الدارقطني"كتاب علل مع كونه كتاب سنن.
- لا بد من الاعتناء بـ "سنن البيهقي الكبرى" لما حَوَتْه من تعليلات وتعليقات حديثية لا يُستغني عنها.
- الأصل صحة ما أخرجه البيهقي في الصغرى عنده، وينبغي عدَّها في جملة الصحاح (١).
ولا أعلم فرقًا واضحًا بين المصنف والمسند والسنن في عرف المتقدمين، وإنما فرَّق بينها المتأخرون في تنطعاتهم التي لا تحصر.
المستخرجات: كتب بُنيت على كتب مسبوقة، يعمد مصنفوها إلى كتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه، من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه، أو من فوقه.
فعلى صحيح البخاري: مستخرج الإسماعيلي، ومستخرج البرقاني، ومستخرج الغطريفي، ومستخرج ابن أبي ذهل، ومستخرج أبي بكر بن مردويه (٢).
وعلى صحيح مسلم: مستخرج أبي عوانة، ومستخرج أبي جعفر بن حمدان، ومستخرج أبي بكر محمد بن رجاء النيسابوري، ومستخرج أبي بكر الجوزقي، ومستخرج أبي حامد الشاذلي، ومستخرج أبي الوليد حسّان بن محمد القُرشي، ومستخرج أبي عمران موسى بن عباس الجويني، ومستخرج أبي نصر الطوسي، ومستخرج أبي سعيد بن أبي عثمان الحيري.
_________________
(١) بل يصلح أن يسمى: صحيح البيهقي. وهو أعلى من تصحيح ابن حبان، والحاكم.
(٢) لا يعرف شيئًا عن هذه الكتب إلا ما ينقله عنها أهل العلم، فالمستخرجات على صحيح البخاري كلها مفقودة.
[ ١٧٥ ]
المستخرجات على كلا الصحيحين: فالمستخرج لأبي نعيم الأصبهاني، ومستخرج أبي عبد الله بن الأخرم، ومستخرج أبي ذر الهروي، ومستخرج أبي محمد الخلال، ومستخرج أبي علي الماسرجسي، ومستخرج أبي مسعود سليمان بن إبراهيم الأصفهاني، ومستخرج أبي بكر اليزدي، ومستخرج أبي بكر بن عدنان الشيرازي.
والمستخرج لمحمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داود.
ومستخرج أبي علي الطوسي على جامع الترمذي.
ومستخرج أبي نُعيم على التوحيد لابن خزيمة.
ومستخرج الطوسي على سنن الترمذي.
ولا يلزم من إخراج الحديث في المستخرجات صحته، وخصوصًا الزيادات، فكثير منها ضعيف.
الجَوَامِعُ: هي التي جمعت الأحاديث المرفوعة المسندة وفق أبواب الفقه، مضافًا إليها أبواب في الفضائل والتفسير وصفة الجنة وصفة النار وغير ذلك. كـ "جامع الترمذي".
والجَوَامِعُ فِي عُرْفِ المُتَأخِرين: هي التي صنفت في الجمع بين الكتب المتقدمة المصنفة في الحديث مع تجريدها من أسانيدها، وحذف مكرراتها.
مثل "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري، و"مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي، و"جمع الفوائد" لمحمد بن سليمان الروداني (١).
وأشهر كتب المتون الجوامع عند المتأخرين خمسة: "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري، و"مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي، و"الترغيب والترهيب" للمنذري و"رياض الصالحين" للنووي، و"الجامع الصغير" للسيوطي وأجَلُّها "مشكاة المصابيح" (٢).
_________________
(١) وهذا أجمعها، وأحسنها اختصارًا، وأجلُّها تبويبًا.
(٢) ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من قولي بأن أجلها "جمع الفوائد" فإن ذلك باعتبار جملة كتب المجامع الحديثية المتأخرة، وهذا باعتبار المشهور عند المتأخرين.
[ ١٧٦ ]
فائدة: "جامع الترمذي" أجمع كتب السنة فوائد، لما احتوى عليه من العلوم، فهو يبين درجة الحديث، ويتكلم على العلل، والرواة، ويبين أقوال العلماء في المسائل واختلافهم، فضلًا عن سهولته، وشموله لأبواب العلم.
أحَادِيْثُ الأحْكَام: هي الأحاديث التي تروى في أبواب العبادات والمعاملات، كالصلاة والصوم والحج والجهاد والبيوع، ليس فيها كتب الإيمان والعلم والاعتصام والفتن والقيامة، ونحوها.
كُتُبُ الأحْكَام: هي الكتب المصنفة في أحاديث الأحكام خاصة.
كـ "المنتقى" للمجد بن تيمية، و"المحرر" لابن عبد الهادي، و"بلوغ المرام" لابن حجر (١).
ولم يعتبر عبد الحق الإشبيلي هذا، فجعل كتبه الثلاثة في الأحكام شاملة لكل أنواع الأحاديث.
الأجْزَاءُ الحَدِيثيَّة: مصنفات تُجْمَعُ فيها أحاديثٌ في باب من أبواب العلم، كجزء رفع اليدين للبخاري، أو أحاديث راو معين، كجزء حديث ابن عُيَيْنَة، ونحوها مما يصنف في موضوع واحد.
النُّسَخ: هي أجزاء فيها سماع الراوي عن كل شيخ على حدة؛ فمثلًا: نسخة حديث حماد بن سلمة عن ثابت، ونسخة حديثه عن حميد، ونسخة حديثه عن محمد بن زياد البصري.
والنُّسَخُ في عصرنا: هي نسخ مخطوطات أو مطبوعات الكتب المصنفة.
كُتُبُ الزَّوَائِد: كتب تُفْرَدُ فيها الأحاديث الزائدة في مصنَّفٍ على أحاديث كُتُبٍ أخرى.
كـ "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" لابن حجر العسقلاني.
أفرد فيه زوائد مسانيد: أبي داود الطيالسي، والحميدي، وابن أبي شيبة، ومسدد، وأحمد بن منيع، وابن أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، والحارث بن أبي
_________________
(١) وأجودها وأخصرها كتاب "المحرر" لابن عبد الهادي، وقد وهم من قدم "بلوغ المرام" عليه.
[ ١٧٧ ]
أسامة. على الكتب السبعة: مسند أحمد، وصحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي.
وأهم الكتب الواجب الاعتناء بها هي كتب عصر الرواية وأهمها، "مصنف عبد الرزاق": و"مصنف ابن أبي شيبة" و"المطالب العالية"، والكتب التسعة.
ويكاد يكون مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند أحمد، خلاصة السنة، ونقاوة مادتها.
فإنها أعلى سندًا، وأكثر متنًا، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة: أصول أقوال الصحابة والتابعين (١)، والجهل بها قبيح جدًّا، ومن لم يمارسهما، فما عرف أصول الأسانيد، والعجب من المتأخرين ينسب الحديث إلى الكتب الستة، وكتب ابن خزيمة، والطبراني، وابن حبان، والبيهقي، دونها في غالب الأحيان.
الزِّيَادَات: هي الأحاديث التي يزيدها راوية كتاب ما عليه.
كزيادات عبد الله بن أحمد على مسند أحمد، وزيادات الفِرَبْري على البخاري، وزيادات الجُلُودي على مسلم.
المُسْتَدْرَكَات: كل كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي استدركها على كتاب آخر مما فاته على شرطه، كـ "المستدرك على الصحيحين" للحاكم (٢).
- الحاكم جمع كتابه "المستدرك"، فأودع فيه ما أودع، فلما جاء ينقحه انتهى إلى ربعه فمات عنه، فلا يصلح مؤاخذته على ما في الباقي.
- لا يُعْتَمَد على تعليقات الذهبي على المستدرك، فإنه علق عليه في أول أمره، فلما بلغ المبلغ في العلم صَرَّح أنه يَوَدّ لو يعيد النظر فيه والتعليق عليه.
المَعَاجِم: كتب مسندة جمع فيها مؤلفوها الحديث مسندًا مرتبًا على أسماء الصحابة أو أسماء شيوخه، وفق ترتيب حروف الهجاء.
_________________
(١) فإن المرفوعَ في مصنف ابن أبي شيبة نحو من ربع الكتاب والباقي موقوف ومقطوع.
(٢) ومنهم من عَدَّ "المختارة" للضياء المقدسي من المستدركات على الصحيحين.
[ ١٧٨ ]
مثل "معجم ابن قانع"، ومعاجم الطبراني الثلاثة، "الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير".
فقد بدأ ابن قانع بحرف الألف بأُبَيّ بْن كَعْبِ، ثم أتبعه حرف الباء فبدأه ببُرَيْدَة بْن الحُصَيْبِ ثم أتبعه حرف التاء فبدأه بتَمِيم بْن أوْسِ الدَّارِيّ. وهكذا حتى ختم بحرف الياء بأبِي رِمْثَةَ يَثْرِبِيّ بْن رِفَاعَةَ بْنِ عَمْرِو التَّمِيمِيّ.
وأما الطبراني فبدأ معجمه الكبير بالعشرة المبشرين بالجنة بدأهم بأبي بكر الصديق، ثم أتبعهم حرف الألف فبدأ بأسامة بن زيد حتى انتهى ممن يندرج تحت الألف، أتبعه حرب الباب فبدأه ببلال وهكذا حتى انتهى بالياء، ثم أتبعه بأصحاب الكنى، ثم أتى بالنساء بعد انتهائه من الكنى.
وأما معجمه الأوسط فجعله على أسماء شيوخه على ترتيب المعجم بدأ حرف الألف بمن اسمه أحمد وانتهى بالياء.
وأما معجمه الصغير فصنع فيه في أوله ما صنعه في معجمه الأوسط، ولما أنهى حرف الياء أتبعه الكنى ومن ثم النساء.
مُعْجَمُ الشُّيُوْخ: هو ما ألفه المحدثون مما سمعوه عن شيوخهم مسندًا، يرتبونه بترتيب أسمائهم وفق أحرف المعجم، وقد يذكرون شيئًا من تراجمهم.
كمعجم شيوخ أبي يعلى الموصلي، ومعجم شيوخ ابن عدي، ومعجم شيوخ الإسماعيلي: أحمد بن إِبْرَاهِيْم ..
المَشيَخَاْت: هي الكراريس التي يجمع فيها المحدث أسماء شيوخه وتراجمهم، ومروياته عنهم، وإجازاتهم له.
كمشيخة ابن عساكر، ومشيخة ابن النحاس المصري، ومشيخة الذهبي
كُتُبُ التَّرْغِيْب وَالتَّرْهِيْب: هي الكتب المصنفة في جمع أحاديث الثواب والعقاب.
كالترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذَلِكَ لابن شاهين، والترغيب والترهيب لابن الفضل الجوزي الأصبهاني. والترغيب والترهيب للمنذري (١).
_________________
(١) وهو أشهرها، على أوهام فيه، تعقبها إبراهيم بن محمد الناجي في عجالة الإملاء فأجاد وأفاد. ولا يصلح اقتناء الكتاب بغير العجالة إلا أن يكون المحقق تبع صاحب العجالة أو زاد عليه.
[ ١٧٩ ]
الأرْبَعِيْنَات: كتب جمع فيها أصحابُها أربعين حديثًا أصولًا جامعةً، كالأربعين في الجهاد لابن المبارك، والأربعين النووية (١).
وغايتهم فيها جمع الأحاديث الجامعة في بابها، والتي تغني عن غيرها مما ترد فيها جزئيات معاني الباب.
الأمَالِي: هو جمع الإملاء، وهو مجلس يعقده المحدث، يورد فيه بأسانيده أحاديثَ وآثارًا، ثم يورد الفوائد المتعلقة بها، وحوله تلامذته يكتبون.
كُتُبُ الأمَالِي: هي الكتب التي يكتبها الطلاب في مجلس الإملاء.
كالأمالي في آثار الصحابة لعبد الرزاق الصنعاني، والمجالس العشرة الأمالي للحسن بن محمد الخلال، وأمالي البَاغندي محمدِ بنِ سليمانَ بنِ الحارثِ، وأمالي ابنِ بِشرانَ أبي القاسمِ عبدِ الملكِ بنِ محمدٍ.
كُتُبُ الفَوَائِد الحَدِيثيَّة: وهي ما يُخَرِّجُه المصنفُ لنفسه من غير مراعاة لترتيب أو نوع، وقد يقال لها: (الفوائد المنتقاة).
كفوائد تمام، وفوائد ابن منده، وفوائد الصُّورِي، وفوائد حديث أبي الشيخ الأصبهاني، وفوائد حديث أبي ذر الهرَوي، وفوائد محمد بن مَخْلَد، وفوائد حديث أبي عمير لابن القاصّ.
كُتُبُ الشُّرُوْح: هي الكتب المصنفة لبيان ما يحتاج إلى بيانه في كتب المتون الحديثية.
كـ "الاستذكار" لابن عبد البر في شرح موطأ مالك، و"فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، و"المنهاج شرح صحيح مسلم" للنووي.
كُتُبُ الجَرْح والتَّعْدِيْل: هي الكتب المصنفة في أحوال الرواة من تواريخ مواليدهم وسماعهم من شيوخهم، وذكر شيوخهم وتلاميذهم، ومراتبهم، وبلدانهم، ورحلاتهم، ووفياتهم.
كـ "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"تهذيب الكمال" للمزي، و"الكاشف" للذهبي.
_________________
(١) وظاهر صنيع مصنفيها اشتراط الصحة كما فعل النووي في أربعينه، وإن لم يوافق على تصحيح بعضها.
[ ١٨٠ ]
كُتُبُ العِلَل: هي الكتب التي أوردت فيها الأحاديث المعلة.
كعلل ابن المديني، وعلل الحديث لابن أبي حاتم، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية للدارقطني.
ومنها الكتب التي أوردت فيها مسائل العلل، ككتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد، رواية عبد الله بن أحمد.
ومسائل العلل كقولهم: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وقولهم: أحاديث ابن إسحاق عن نافع منكرة.
كُتُبُ السُّؤَالَات: هي الكتب التي دونت فيها مسائل الأئمة وإجاباتهم عن كل ما يتعلق بالرواة والأحاديث.
كسؤالات عثمان الدارمي لابن معين، والآجري لأبي داود.
كُتُبُ التَّخْرِيْج: هي الكتب التي تعنى بتتبع أسانيد الحديث، والكلام عن طرقه وعلله والحكم عليه.
كـ "نصب الراية" للزَّيْلَعِي، و"التلخيص الحبير" لابن حَجَر.
قال الزيلعي في نصب الراية: باب إيقاع الطلاق.
الحَدِيثُ السَّادِسُ: قَالَ ﵇: "لَعَنَ اللهُ الفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ"، قُلت: غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَقَدْ أبْعَدَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ إذْ اسْتَشْهَدَ بِحَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الكَامِلِ" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى ذَوَاتَ الفُرُوجِ أنْ يَرْكَبْنَ السُّرُوجَ، فَإِنَّ المُصَنِّفَ اسْتَدَلَّ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عَلَى أنَّ الفَرْجَ مِنْ الأعْضَاءِ الَّتِي يُعَبَّر بِهِ عَنْ جُمْلَةِ المَرْأةِ، كَالوَجْهِ، وَالعُنُقِ، بِحَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِسْنَادِهِ إلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَدِيٍّ: أجْنَبِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ قَلَّدَ هَذَا الجَاهِلَ، فَالمُقَلِّدُ ذَهِلَ، وَالمُقَلَّدُ جَهِلَ، وَاللهُ أعْلَمُ.
[ ١٨١ ]
وَحَدِيثُ ابْنِ عَدِيٍّ: أخْرَجَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي عَلِيٍّ القُرَشِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ ذَوَاتَ الفُرُوجِ أنْ يَرْكَبْنَ السُّرُوجَ، انْتَهَى. وَضَعَّفَ عَلِيَّ بْنَ أبِي عَلِيٍّ القُرَشِيَّ، وَقَالَ: إنَّهُ مَجْهُولٌ يَرْوِي عَنْهُ بَقِيَّةُ، وَرُبَّمَا قَالَ بَقِيَّةُ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ المَهْرِيُّ، وَرُبَّمَا قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ القُرَشِيُّ، لَا يَنْسِبُهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
كُتُبُ الأطْرَاف: كل كتاب ذكر فيه مصنفه طرف كل حديث الذي يدل على بقيته، ثم يذكر أسانيد كل متن من المتون إما مستوعبًا أو مقيدًا لها ببعض الكتب. نصب الراية (٣/ ٢٢٨).
كـ "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للمِزِّي، جمع فيه أطراف أحاديث الكتب الستة، ورتبه على مسانيد الصحابة.
و"إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة بأطراف الكتب العشرة" لابن حجر، جمع فيه أطراف أحاديث "الموطأ"، و"مسند الشافعي" و"مسند أحمد" و"مسند الدارمي" و" منتقى ابن الجارود" و"مستخرج أبي عوانة" و"شرح معاني الآثار" للطحاوي، و"صحيح ابن خزيمة"، و"صحيح ابن حبان"، و"سنن الدارقطني" و"مستدرك الحاكم".
المَخْطُوْط: نسخة من كتاب أو جزء، مكتوبة باليد، تمييزًا له عن النسخة المطبوعة.
فائدة: كتب المتأخرين لا يؤخذ عنها الأحكام على الرواة والأحاديث، إلّا أن يفقد الحكم على الحديث أو الراوي في كتب المتقدمين فينظر فيما حكموا به.
ولا بدّ من الاعتناء بمنهج كل إمام من الأئمة المصنفين في الحديث، لمعرفة حقيقة ما في كتابه.
* * *
[ ١٨٢ ]