هَذِهِ المَسْألَة كَثُرَ الحَديث عَنْهَا فِي الآوِنَةِ الأخِيرَةِ، واشْتَدَّ الخِلَافُ فِيهَا.
ولتَعْلَمُوا عَافَاكُم الله؛ أنَّ مَعرِفَةَ مَنْهَج المُتَقَدِّمِينَ وتَمْيِيزِهِ عَن مَنْهَجِ المُتَأخِرِين أمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، لِضَبطِ أصُولِ هَذَا العِلمِ الشَرَيفِ، وتَحرِيرِ مَقَاصِدِهِ.
فَإنَّ أهْلَ الحَدِيث لَيسُوا عَلَى مَنْهَجٍ واحِدٍ، بَل الأئِمَة المُتَقَدِمُون أنفُسهم، عَلَى خِلَافٍ بَينَهُم فِي بَعْضِ المَسَائِلِ - وإنْ كَانُوا بِالجُمْلَة مُتَّفِقِين - وقَد تَبِعَ بَعضُ المُتَأخِرِين بَعْضَ المُتَقَدِمِين، وأمَّا مِن حَيثُ الجُمْلَة فَالمُتقَدِّمُونَ عَلَى خِلَاف المتَأخِرينَ.
وقد هَجَّنَ جَمْعٌ منهم الشيخ محمد سليمان الأشقر، والشيخ الألباني، والشيخ أحمد معبد على القائلين بالتفريق بين المتقدمين والمتأخرين، وغَلَّظُوا عليهم.
قال محمد سليمان الأشقر في تقديمه لإحدى الرسائل: والمؤلف يغمز برفق بكلامه هذا في النهج الذي ينادي به بعض الذين اتجهوا إلى دراسة الأسانيد والحكم عليها، ممن لم ترسخ أقدامهم بعد في هذا المضمار بالرجوع في الحكم على الرجال إلى البدايات الأولى، ليجتهدوا في ذلك اجتهاد الإمام أحمد، وابن معين، والبخاري وغيرهم من أئمة هذا الشأن، فيكون حالهم حال التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، غفر الله لنا ولهم وهدانا وإياهم سواء السبيل. اهـ. "منهج دراسة الأسانيد". لوليد بن حسن العاني (ص ٦).
وقال الألباني: هذا يدخل في عموم قوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (١)، وأنهم يُخَرّبون السنة، وماذا يستفيدون من هذا التقسيم؟ . اهـ. من شريط رقم (٨٤٢) باختصار. تسجيلات التقوى.
_________________
(١) قلت: زيادة "كل ضلالة في النار" شاذة لا يَصِحُّ فيها شيء.
[ ٤٥٣ ]
وتابعه مقلدوه على هذا، كعادتهم في عدم مخالفته والتعصب له، وزعموا: أن علماء الحديث أمثال ابن الصلاح وابن حجر لم يأتوا بمصطلحات حديثية من عندياتهم، بل جمعوا ورتبوا ما تركه الأقدمون.
ومن ثم تساءلوا ما الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين؟ .
ونحن بحول الله نجيب على هذا كله بدليل وبرهان لا يدع للمعترض مقالًا إن شاء الله.
فنقول: الحق أحق أن يتبع.
فلا ريب أن كتب المتأخرين نفسها مشحونة بالتفريق بين المتقدمين والمتأخرين تصريحًا، فضلًا عن التلميح.
وقد ذكر هذا التفريق الذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن حجر، والبقاعي، والسخاوي، والسيوطي، والمعلمي اليماني، والوادعي، وغيرهم.
قال الذهبي: صنف - يعني: الإسماعيلي - مسند عمر ﵁، طالعته وعلقت منه وابتهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين. اهـ. "تذكرة الحفاظ" (ص/ ٨٤٩).
وقال ابن رجب: وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ، وقد هجر في هذا الزمان ودَرَسَ حفظه وفهمه، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي التصنيف فيه ونقل الكلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جدًّا. "شرح العلل" (١/ ٣٥٢).
وقال ابن حجر: وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه. "النكت" (٢/ ٧٢٦).
وقال السخاوي: ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًّا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه، كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل: أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي، ولم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب، أفاده العلائي، وقال: فمتى وجدنا في كلام
[ ٤٥٤ ]
أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدًا، لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح. اهـ. "فتح المغيث" (١/ ٢٣٧).
وقال عبد الرحمن المعلمي: إنني عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين أجدني أرى كثيرًا منهم
متساهلين. من المقدمة لكتاب "الفوائد المجموعة" ص ٨.
وقال أيضًا: وتحسين المتأخرين فيه نظر "الأنوار الكاشفة" ص ٢٩.
قلت: بل وفي مصنفات منكري التفريق بين المتقدمين والمتأخرين ما يُرَدُّ به عليهم، فكم استخدموا مصطلح المتقدمين والمتأخرين، ومن ثم هم يتحجرونه على مخالفيهم! .
قال الألباني نفسه: وهو ضعيف (١) لسوء حفظه، بذلك وصفه غير واحد من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين "السلسة الصحيحة" (ح/ ٣٠٤٤).
وقال الألباني: فإن حميدًا هذا (٢) قد وثقه جمهور الأئمة المتقدمون، ومنهم البخاري، ولم يضعفه أحد منهم إلا أحمد في رواية "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٣٤١٢).
وقال الألباني: فأول علة تبدو للناظر لأول وهلة في هذا السند هو عنعنة ابن جريج، فإنه كان
يدلس بشهادة غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين. "السلسلة الضعيفة والموضوعة" (٣/ ٦٠).
وقال الألباني: وهو شديد الضعف (٣) كما يشهد بذلك أقوال الحفاظ المتقدمين منهم والمتأخرين "السلسلة الضعيفة والموضوعة" (٣/ ٦٢٤).
ومثل هذا كثير في كتب الشيخ الألباني ﵀.
فلا شك أن من فرق بين الفريقين فله في هذا التفريق سلف، فكيف ينكر؟ .
بل كيف ينكر عبدٌ أمرًا وهو مكثر من الوقوع فيه؟ ! .
وقد تدبرت الافتراق بين المنهجين مليًا فرأيته يدور على تسعة أمور:
وسيأتي بيان هذه النقاط والتمثيل لها من غير توسع ممل ولا اختصار مخل، إن شاء الله.
_________________
(١) يعني: مؤمل بن إسماعيل.
(٢) هو ابن قيس الأعرج المكي القاري.
(٣) يعني: عبد العزيز بن أبي ثابت.
[ ٤٥٥ ]
وبالجملة: فالمقارن بين المتقدمين والمتأخرين يجد فرقًا كبيرًا بينهم في المصطلحات، والمتمعن في القواعد والضوابط يلمس بونًا شاسعًا في التطبيق بين الفريقين، والناظر في الأحكام على الأحاديث يجد اختلافًا كثيرًا، وهذا أظهر ما يرد به على من نفى الاختلاف بين المتقدمين والمتأخرين، ولا ينكر هذا كله إلا مُمَاحِك معاند متعصب كسول.
أصول الافتراق بين المنهجين
١ - الغَلَطُ بِضَبطِ المُصْطَلَحَات:
قد يقال: إن المتأخرين لم يأتوا بمصطلحات حديثية من عندهم، بل جمعوا ورتبوا ما تركه الأقدمون، كما تقدم.
ونحن نقول: الحق أن المتأخرين أخطؤوا في كثير مما فهموه منهم، ومن ثم قرروه عنهم، والمتقدمون مؤصلون لقواعد هذا العلم، والمتأخرون مستنبطون لكلام المتقدمين، وفرق بين من يؤصل، وبين من يستنبط مراد من يؤصل.
قال ابن دقيق بعد أن ذكر تعريف المتأخرين للصحيح: وزاد أصحاب الحديث (أن لا يكون شاذًا ولا معللًا). وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء. "الاقتراح" ص ١٥٢.
والمنكر عند المتأخرين مخالفة الضعيف للثقة، وهو عند المتقدمين على ستة معانٍ، أظهرها تفرد الثقة غير المكثر مطلقًا.
والمعضل عند المتأخرين، ما سقط من إسناده راويان على التوالي، وهو عند جمع من المتقدمين نوع من الموضوع.
والحسن عند المتأخرين بمعنى المقبول، وهو عند المتقدمين في الغالب يعنون به الضعيف.
والمرسل عند المتأخرين ما رواه التابعي عن النبي ﷺ من غير ذكر الواسطة، وهو عند المتقدمين في الغالب مطلق الانقطاع.
والصدوق عند المتأخرين بمعنى حسن الحديث، وهو عند المتقدمين في الغالب يعنون به الثقة.
[ ٤٥٦ ]
وبالجملة: ففرق بين من أخذ الأحكام والمصطلحات غضة طرية عمن أصلها، وبين من أخذها عمن فهمها منهم، وقد خلطها أو تأثر بمنهج أهل الكلام، والفقه ممن ليس من أهل الحديث.
فالأئمة المتقدمون لا يتكلفون في إطلاق المصطلحات، بل يرسلونها، وقد يريدون في المصطلح الذي أطلقوه جزئية منه لا كله.
٢ - تَقْعِيدُ قَواعِد جَافَّة عَرِيَّة عَن القَرَائِن، وعَدَم اعْتِبَار العِلَل:
لا شك أن الضوابط والقواعد إنما وضعت لتقريب علم الحديث لطلابه، وفق ما قرره أئمة الحديث المتقدمين سواء في المصطلحات، أو الأحكام.
فلا تُجعل هذه القواعدُ والضوابطُ أصلًا يُعارضُ به الأئمة المتقدمون، بحجة أن ما قرره المتقدمون يخالف ما تقرر في قواعد المصطلح.
وإنما الواجب عرض (قواعد المصطلح المحدثة) على عمل الأئمة المتقدمين، لا عرض عملهم على (قواعد المصطلح المحدثة).
فالمتقدمون كانت أحكامهم تقوم على السبر والتتبع والاستقراء لحال الراوي والمروي، مع الحفظ والفهم وكثرة المدارسة والمذاكرة.
وأما المتأخرون فغلب على منهجهم الاعتماد على ما قعَّدوه من ضوابط، لتجنب عناء الحفظ والاستقراء، والنظر في أحوال الأسانيد والمتون، فاعتمدوا على من سبقهم ممن قعَّدَ ضوابط المصطلح ثقة به، من دون تحقق من كونه أصاب أو أخطأ، حتى صار يكفي الطالب منهم ليتصدر في هذا الفن أن يقرأ كتابًا في (المصطلح) ويحفظ متنًا مشهورًا.
وليس أدل على ما أقول من النظر في غالب مباحث الحديث كالتدليس، والاختلاط، وتحسين الأحاديث، والشذوذ، والنكارة، وزيادة الثقة، والتفرد، وتعارض الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وتعليل الأئمة للأحاديث التي ظاهرها الصحة، ليتبين للناظر بوضوح الفرق بين المنهجين.
قال ابن رجب: وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ، وقد هجر في هذا الزمان ودرس حفظه وفهمه، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي
[ ٤٥٧ ]
التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جدًّا. وقد كان السلف الصالح مع سعة حفظهم - وكثرة الحفظ في زمانهم - يأمرون بالكتابة للحفظ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها، ولم يبق منها إلا ما كان مدَّونًا في الكتب، لتشاغل أهل الزمان بمدارسة الآراء وحفظها). اهـ. من "شرح العلل" (١/ ٢٥).
مثال:
الناظر إلى مبحث التدليس، يجد المتقدمين في الغالب يستعملون مصطلح التدليس بمعنى الإرسال، وهو رواية الراوي عمن لم يسمع منه، بل ولم يلقه أو يدركه.
وعند المتأخرين رواية الراوي عن راوٍ سمع منه بعض حديثه، وروى عنه حديثًا لم يسمعه منه أصلًا.
فالزهري مثلًا؛ لم يقل أحد من المتقدمين أنه مدلس، وإجماع الأئمة منعقد على قبول روايته مطلقًا، وهو ممن دارت عليه الأسانيد.
وإنما ذكروا أنه يرسل، وما وصفه بالتدليس غير العلائي وتبعه ابن حجر، فعدوه في الثالثة من مراتب المدلسين، وهم الذين كثر تدليسهم فلم يقبل منهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع.
نعم له أحاديث دلسها، وهي معروفة محفوظة، فمثلها إذا ثبت تدليسه فيها عن ضعيف رُدَّت.
ولهذا قال الذهبي: كان يدلس في النادر.
فمثل الزهري ممن وصف بالتدليس عند المتأخرين، لا يُنْظر في روايته إلى (العنعنة أصلًا).
بل يُنظر فيها إلى مطلق سماعه ممن فوقه، فإن ثبت سماعه منه بالجملة فمتصل، وإنْ لم يصرح بالسماع.
وعلى هذا تحمل مرويات الحسن البصري، وابن أبي عروبة، وقتادة، وأبي إسحاق السَّبِيعِيّ، وابن جريج، والوليد بن مسلم (١).
فالأصل في روايات هؤلاء عمن رووا عنهم الاتصال، وإن رويت بالعنعنة، حتى يثبت أنهم لم يسمعوا منه أصلًا.
_________________
(١) إلا في روايته عن الأوزاعي كما تقدم.
[ ٤٥٨ ]
ولهذا فالنظر منصرف إلى كتب المراسيل، في البحث عن أحوال مروياتهم، لا إلى كتب التدليس.
هذا والعنعنة عند المتقدمين في الأصل من تصرف الرواة الذين هم دون الراوي الذي جاءت أداة العنعنة (عن) بعده، وأما المتأخرون فلا تتجاوز كونها من صنيع الراوي نفسه.
قال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى، سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين أخبرني وعن؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما. اهـ. "شرح العلل" (١/ ٣٦٤).
بل منهم من كان يتساهل في التحديث، فلا بد للباحث من التمعن وعدم الأخذ بالظاهر.
فقد ذكر الإسماعيلي عن الشاميين والمصريين أنهم يتساهلون في التحديث. "فتح الباري" لابن رجب (٣/ ٥٤).
وقال ابن رجب ﵀: وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ - يعني: ذكر السماع - ثم ذكر لذلك أمثلة، وقال: وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد "شرح العلل" (١/ ٣٦٩).
قلت: فانظر بعد هذا فقد ذكرت لك سبعة ممن وصفوا بكثرة التدليس عند المتأخرين كالعلائي وابن حجر وسبط ابن العجمي، واعتمدهم من بعدهم من غير تفتيش ولا تحرٍّ - وهؤلاء السبعة ممن أكثروا من المرويات، فهل مثل هؤلاء يرد حديثهم لمجرد وصف خاطئ وُصفوا به، بناء على فهم سقيم، وبناء على عنعنة وقعت ممن دونهم لا منهم.
وبالجملة: فالأئمة المتقدمون إذا قالوا: (فلان يدلس) فيريدون أحد أمرين:
إما أنه بمعنى الإرسال وهو الغالب، أو أنه بمعنى ندرة التدليس، وفق اصطلاح المتأخرين.
وكذلك في مسألة: تعارض الوصل والإرسال.
فالمتأخرون عادة إذا كان ظاهر الإسنادين المتصل والمرسل صحيحًا يرجحون المتصل، ولا يعتبرون الإسناد المرسل علة يرد بها الإسناد المتصل.
أما المتقدمون، فلا يحكمون على هذا بشيء مقدمًا، بل يدرسون الإسنادين، وينظرون القرائن المحتفة بهما، فيرجحون ما دلت القرينة على ترجيحه، وقد يَصِحُّحون كلا الإسنادين، لقرائن.
[ ٤٥٩ ]
فمثلًا:
حديث يرويه بعض أصحاب الزهري عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
ويرويه بعض أصحاب الزهري، عن الزهري، عن النبي ﷺ.
فالمتقدمون ينظرون، إلى الرواة عن الزهري من حيث كثرتهم، ومن حيث تقديمهم في الحفظ، ومن حيث تقديمهم في ملازمة الزهري، ومن حيث قربهم من الزهري. ثم يرجحون.
وقد يصححون كلا الإسنادين فيقولون: إن الزهري كان مرة ينشط فيرويه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ومرة يكون في حال مذاكرة أو فتيا، فيرويه عن النبي ﷺ مباشرة لا يذكر أبا هريرة في السند.
أما المتأخرون، فلا يعتبرون هذا كله، فإذا كان كلا المُخْتَلِفَينِ في الزهري ثقات، قالوا: المتصل زيادة ثقة، وهي مقبولة.
فلا يلتفتون إلى منزلة الرواة عن الزهري، من هو الأحفظ! من هو الأوثق! من هو الأكثر ملازمة! من هو بلدي الزهري! . وغالبهم يعتبر المرسل صحيحًا كذلك، لكنه لا يؤثر في المتصل.
قال البقاعي: إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدِّثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرًا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه: وذلك أنهم لا يحكمون بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن. انظر "النكت الوفية بما في شرح الألفية" (ص ٩٩).
ومن الأمثلة على صنيع المتأخرين في هذا:
حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: "أنَّ غيلان أسلم وعنده عشرة نسوة".
وهذا حديث معل بالإرسال.
فإن معمرًا حدَّث به في اليمن فأرسله، ولما حدَّث به بالبصرة أخطأ فيه فوصله.
وحديث معمر باليمن أصح من حديثه بالبصرة.
[ ٤٦٠ ]
وقد خالف الحفاظ من أصحاب الزهري معمرًا في هذا الحديث.
قال أحمد: ليس بصحيح والعمل عليه، كان عبد الرزاق يقول: عن معمر عن الزهري مرسلًا.
وقال: أبو زُرْعَة وأبو حاتم: المرسل أصح.
وقال البخاري: هذا الحديث غير محفوظ.
وقال مسلم: وهِمَ فيه معمر. انظر "تلخيص الحبير" (٣/ ١٩٢).
وصححه ابن القطان الفاسي، وابن كثير، والألباني.
وكذلك في مسألة تعارض الوقف والرفع.
قال ابن رجب: وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ - أيضًا اهـ. "شرح العلل" (٢/ ٨٢).
وبالجملة: فمن أمعن النظر وجد أن هذا الاختلاف مبني على اختلافهم في تقرير الضوابط التي عليها مدار التصحيح والتضعيف، فالمتقدمون يسيرون على قواعد، هذبت عند المتأخرين بناء على فهمهم، أو أغفلت، وحل محلها قواعد جديدة.
وذلك أن المتأخرين من بعد الخطيب البغدادي، جل معتمدهم كتابه "الكفاية".
والخطيب (١) أول من اشتهر عنه أنه غيَّر منهج المتقدمين، فخلطه بأقوال غير أهل الحديث، من الفقهاء والأصوليين والمتكلمة، ومعلوم أن هذه القواعد إنما تؤخذ عن المحدثين النقاد، ولطالما قلنا: إنما يؤخذ كل علم عن أهله.
قال ابن رجب: (ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب "الكفاية" للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد". اهـ. "شرح العلل" (٢/ ٨٢).
قلت: وهؤلاء ليسوا أهل هذا الشأن.
_________________
(١) ولعلَّ أول من كان قدوة المتأخرين في منهجهم هو ابن جَرِير الطبري - ﵀ -، ومن أهل العلم من يعدُّه في الفقهاء لا يجعله في صعيد المحدثين.
[ ٤٦١ ]
وقال ابن الجوزي: رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح، ويعرض عن الصحاح، ويقلد بعضهم بعضًا فيما ينقل. "التحقيق في أحاديث الخلاف" (١/ ٢٢).
وبالجملة فهذا باب عريض يتسع الولوج فيه، وإنما ذكرت نُتَفًا مما يتعلق به، لئلا يطول المبحث.
٣ - إِغْفَالُ اعْتِبار التَّفرُّد:
قال ابن رجب: وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.
وذكر أن هذه الأقوال كلها لا تعرف عن أئمة الحديث المتقدمين. انظر "شرح العلل" (٢/ ٢٦).
كحديث: عبد الرحمن بن بُدَيل بن ميسرة العقيلي قال: حدثني أبي عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال النبي ﷺ: "إِنَّ للهِ ﷿ أهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، وإِنَّ أهْلَ القُرْآنِ؛ أهْلُ الله وخَاصَّتُهُ" أخرجه الطيالسي، وأحمد، والدارمي، وابن ماجه، والنسائي في "الكبرى".
وعبد الرحمن بن بديل بن ميسرة لا بأس به، وهو مقِلّ، تتبعته فما رأيت له في كتب السنة غير ثلاثة أحاديث.
ومثله لا يحتمل تفرده، لقلة حديثه، ولكثرة الرواة عن أبيه ممن عرف بحمل الأخبار، والاعتناء بها، خصوصًا واحتمال خطأ عبد الرحمن وارد، ولو كان عبد الرحمن بن بديل مكثرًا وثقة لقلنا: إن مثله يمكن تفرده، خصوصًا وهو من أهل بيت بديل بن ميسرة.
وتابع عبدَ الرحمن بن بديلٍ، الحسنُ بن أبي جعفر عن بديل به. أخرجه الدارمي.
والحسن بن أبي جعفر منكر الحديث.
قلت: فمن كان حاله مثل (الحسن بن أبي جعفر) لا يعتبر به.
وله طريق أخرى:
[ ٤٦٢ ]
من رواية الخليل بن زكريا، ثنا مجالد بن سعيد، ثنا عامر الشَّعْبِي، عن النعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا. أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في "بغية الباحث".
هذا إسناد منكر لا أصل له. الخليل بن زكريا، ومجالد بن سعيد ضعيفان.
وحديث: ضَمْرَة بن ربيعة، عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر".
تفرد به ضَمْرَة بن ربيعة، وهو ثقة ولم يتابع عليه. وقد استنكره أحمد والترمذي والنسائي.
وصححه ابن حزم، وابن التركماني، والألباني، وشعيب الأرناؤوط.
٤ - اعْتِمَادُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ مُطْلَقًا:
والمتأخرون على قبول زيادة الثقة مطلقًا، وما أكثر قولهم: زادها فلان وهو ثقة، وزيادة الثقة مقبولة.
قال النووي: الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققوا المحدثين أنه إذا روي الحديث مرفوعًا وموقوفًا، أو موصولًا ومرسلًا، حكم بالرفع والوصل؛ لأنه زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد.
فانظر كيف اعتمد قول الفقهاء والأصوليين ومن سماهم (محققي المحدثين) - زعم - ولم يقم وزنًا للأئمة المتقدمين الذين هم أهل التحقيق في هذا الفن على الحقيقة.
قال الدارقطني: وأخرج مسلم حديث قتادة، عن سالم، عن مَعْدَان، عن عمر موقوفًا في الثوم والبصل من حديث شعبة وهشام.
وقد خالف قتادة في إسناده ثلاثة.
فرووه: عن سالم بن أبي الجعد، عن عمر، مُرْسَلًا.
إلى أن قال: وقتادة وإن كان ثقة وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه يدلس، ولم يذكر فيه سماعه من سالم، فاشتبه أن يكون بلغه فرواه عنه. "الإلزامات والتتبع" للدارقطني (١/ ٣٧٠).
[ ٤٦٣ ]
٥ - التَّوسُّعُ فِي قبولِ الأحَادِيث بِالمُتَابَعَاتِ والشَّواهِد:
وعند المتقدمين قد تكون كثرة الطرق لا تفيد الحديث شيئًا، وقد رأيت المتأخرين كأن واحدهم لا يصدق أن يكون للحديث سندان أو أكثر حتى يصححه، وانظر كتبهم تجد من هذا الكثير.
فكم من حديث تعددت طرقه تبين بعد التحقق أنها مناكير، أو معلولة، وأنه ليس لهذا الحديث سوى إسناد واحد لا يُعْرَفُ غيره، ترجع إليه كل أسانيده التي بدت متعددة.
كحديث: عطية العوفي، عن ابن عباس - ﵄ - في قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال: قال رسول الله - ﷺ: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التَقَم القرن، وحَنى جبهته حتى يؤمر فينفخ؟ ! " فقال أصحاب محمد - ﷺ -: يا رسول الله فكيف نقول؟ قال: قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا".
قال البوصيري: رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" والطبراني من هذا الوجه.
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، رواه ابن حبان في"صحيحه" والترمذي في "الجامع". انظر "إتحاف الخيرة" (٦/ ٩٨).
قلت: وشاهده الذي أشار إليه، هو من نفس الطريق، عن عطية عن أبي سعيد به، أخرجه الترمذي.
فكيف يعد شاهدًا! .
والحديث مروي من طرق: عن أبي هريرة. أخرجه: إسحاق، وأبو الشيخ.
وعن عطية عن زيد بن أرقم. أخرجه: أحمد والطبراني وابن عدي.
وعند التدبر فمردها إلى الطريق الأولى، لذا قال أبو نعيم الأصبهاني: ومشهوره ما رواه أبو نعيم وغيره عن الثوري، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري. "حلية الأولياء".
وحديث: محمد بن أبي حميد عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا: الحجاج والعمار وفد الله الحديث. أخرجه البزار.
ابن أبي حميد: منكر الحديث ليس حديثه بشيء.
وقد اختلف في روايته: فرواه من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
[ ٤٦٤ ]
وتابعه على الوجه الأول طلحة بن عمرو. انظر البيهقي في "الشعب".
وطلحة متروك.
وحسنه الألباني بشاهد من طريق عمران بن عُيَينَة، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر به. انظر "السلسلة الصحيحة" (ح/ ١٨٢٠).
والحق أن شاهد ابن عمر منكر السند.
فإن عطاء اختلط، وعمران صاحب مناكير، ولم يذكر أصلًا في الرواة عن عطاء قبل الاختلاط.
وقد تابعه حماد بن سلمة عن عطاء به. "أفراد الدارقطني".
لكن سماع حماد بن سلمة عن عطاء قبل وبعد الاختلاط، ولم يتميز السماعان.
وحماد إذا روى عن غير ثابت البُنَانِيّ، وحميد الطويل، ومحمد بن زياد، وعمار بن أبي عمار يغلط.
وقد خولف في هذه الرواية.
فرواه غُنْدَر عن شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضَمْرَة السلولي، عن كعب قال: الحاج والمعتمر والمجاهد في سبيل الله وفد الله، سألوا فأعطوا، ودعوا فأجيبوا. أخرجه ابن أبي شيبة.
منصور بن المعتمر أوثق وأحفظ من عطاء، فالموقوف هو المحفوظ، ورواية عطاء شاذة منكرة.
ورواه عبد الرحيم بن زيد، عن أبيه، عن أبي سهيل قال: سمعت أبا هريرة مرفوعًا. "أخبار مكة" للفاكهي.
عبد الرحيم بن زيد العمِّي الحواري: متروك.
وعليه فهي تقوية حديث مضطرب بمتابعات منكرة.
وحديث: علي بن الحسين عن النبي ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" أخرجه مالك في "الموطأ"، وهَنَّاد في "الزهد" وعلي بن الجعد والترمذي.
[ ٤٦٥ ]
وله طريق آخر:
رواه الثوري عن جعفر عن علي مرسلًا. "حلية الأولياء".
وفيه يوسف الزاهد، وهو سيء الحفظ.
وله طريق آخر:
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث؛ رواه عبد الرحمن بن عبد الله العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ".
قال أبي: هذا حديث منكر جدًّا بهذا الإسناد. "علل ابن أبي حاتم" (٤/ ١٨٤).
قلت: وهذا على نكارته فقد اعتبره البعض متابعًا لمرسل علي بن الحسين، بل اعتبره البعض صحيحًا من هذا الطريق. وله طرق أخرى أعرضت عنها.
مثال آخر: رواية عمر الموقوفة:
ما رواه أبو قرَّة الأسدي، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن عمر بن الخطاب، قال: "إِنَّ الدُّعَاءَ مَوقُوفٌ بَينَ السَّمَاءِ والأرْضِ لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيءٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ". أخرجه الترمذي.
وهذا حديث ضعيف.
أبو قرة الأسدي الصيداوي، من أهل البادية. مجهول.
وروي من طريق الحارث عن علي بن أبي طالب مرفوعًا به. رواه الخلال في "تذكرة شيوخه" كما في "المنتخب منه". انظر "إرواء الغليل" للألباني (٢/ ١٧٨).
وهذا سند باطل.
الحارث بن عبد الله الأعور: متهم بالكذب.
وروي من طريق عمرو بن مسافر حدثني شيخ من أهلي قال: سمعت سعيد بن المُسَيِّب يقول: ما من دعوة لا يصلى على النبي ﷺ قبلها إلا كانت معلقة بين السماء والأرض. أخرجه إسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ".
وهذا سند باطل، ومقطوع.
[ ٤٦٦ ]
عمرو بن مسافر، ويقال: ابن مساور؛ منكر الحديث.
قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: ضعيف.
والشيخ: مجهول.
ثم هو من كلام ابن المُسَيِّب.
وروي من طريق: سلام بن سليمان حدثنا قيس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي مرفوعًا.
رواه ابن مخلد في "المنتقى من أحاديثه" والأصبهاني في "الترغيب".
وهذا إسناد ضعيف جدًّا.
الحارث، هو ابن عبد الله الأعور. متهم بالكذب.
وأبو إسحاق السَّبِيعِيّ، لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، والباقي كتاب.
وقيس، وهو ابن الربيع: ضعيف.
وسلام بن سليمان، هو المدائني الضرير: ضعيف.
وروي من وجه آخر موقوفًا من طريق أبي إسحاق الهَمْدَاني، عن الحارث، وعاصم بن ضَمْرَة: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد ﷺ". رواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
والموقوف أشبه.
وروي من طريق: إبراهيم بن إسحاق الواسطي عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن معاذ بن جبل - مرفوعًا -: "الدعاء محجوب حتى يصلى على النبي ﷺ". أخرجه ابن حبان في "الضعفاء" ترجمة إبراهيم بن إسحاق الواسطي.
وهذا إسناد باطل.
إبراهيم بن إسحاق الواسطي منكر الحديث.
قال ابن حبان: "يروي عن ثور ما لا يتابع عليه، وعن غيره من الثقات المقلوبات، على قلة روايته لا يجوز الاحتجاج به".
وأورده ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. "الجرح والتعديل" (١/ ٨٧).
[ ٤٦٧ ]
وروي من طريق: محمد بن حفص حدثنا الجراح بن مليح: حدثني عمر بن عمرو قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله ثناء على الله ﷿، وصلاة على النبي ﷺ، ثم يدعو فيستجاب لدعائه". أخرجه النسائي.
محمد بن حفص؛ الظاهر أنه الوصابي الحمصي أبو علي.
ليس بصدوق، متروك. "الجرح والتعديل" (٢/ ٢٣٧).
وروي من طريق: محمد بن عبد العزيز الدينوري. رواه الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أنس. انظر "القول البديع" (ص ٢٢٢).
محمد بن عبد العزيز الدينوري: قال الذهبي في "الضعفاء" منكر الحديث.
وقال ابن حجر: وورد له شاهد مرفوع في جزء الحسن بن عرفة. "فتح الباري" لابن حجر (١١/ ١٦٩).
وبالجملة: فالحديث ضعيف، ويغني عنه حديث فَضَالَة بن عبيد.
رواه حَيوة بن شُرَيح عن أبي هانئ عن أبي علي الجنبِي عن فَضَالَة بن عبيد، قال: سَمِعَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلًا يَدْعُو لَمْ يُمَجِّدِ الله (١)، ولَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "عَجِلَ هَذَا"، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: "إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ، فَليَبدَأ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ والثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَهُ بِمَا شَاءَ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، والبزار، والطبراني، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقَولُهُ: فَليَبدَأ بِتَمْجِيدِ الله.
ساقه القاضي عياض فِي "الشِّفَا" من طريق الترمذي، وقَالَ فِيهِ: بِتَحْمِيدِ الله. قَالَ: ورُوِيَ مِنْ غَيرِ هَذَا السَّنَدِ: بِتَمْجِيدِ الله، وهُو أصَحُّ. انظر "نصب الراية" (٢/ ٣٢١).
_________________
(١) تنبيه: نُسخ السّننِ مختلفة فِي هذا اللفظ: لَمْ يَحْمَد الله، ولَمْ يُمَجِّد الله.
[ ٤٦٨ ]
٦ - إهمَالُ التَّوثِيقِ والتَّضْعِيف النِّسْبِيَّين غَالِبًا:
قال ابن القيم: النوع الثاني من الغلط: أن يرى الرجل قد تُكلِّم في بعض حديثه، وضُعِّف في شيخ أو في حديث، فيجعل ذلك سببًا لتعليل حديثه، وتضعيفه أين وجد، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم. اهـ. "الفروسية" (ص ٦٢).
فقد يكون الراوي عند المتقدمين ثقة نسبيًا، فيوثقونه في جانب ويضعفونه في آخر. كأن يوثقوه في بعض شيوخه دون بعض، أو إذا حدَّث من كتابه دون حفظه، أو في روايته عن أهل بلد دون غيرهم.
فعبد الكريم بن مالك الجزري يضعف في عطاء.
وعباد بن العوام: مضطرب الحديث عن سَعِيد بن أبي عَرُوبَة.
وأبو معاوية الضرير يضطرب في غير الأعمش.
وخالد بن مخلد القطواني منكر الحديث لكن لا بأس بروايته عن سليمان بن بلال.
وهشام بن سعد يضعف، وهو راوية زيد بن أسلم، وأثبت الناس فيه.
وعاصم بن عبيد الله العمري ضعيف وشعبة ينتقي حديثه.
وابن لهيعة ضعيف، وعفان بن مسلم ينتقي حديثه.
وقد تقدم هذا مستوفى في بابه.
أما المتأخرون فلا يلتفتون في غالب الأحيان إلى هذا.
خصوصًا المعاصرون؛ فإنَّ غالبهم معتمدهم في الغالب "تقريب التهذيب".
وكثيرًا ما يكون ذكر الحكم النهائي على الراوي في "تقريب التهذيب" من غير مراعاة لما يتعلق به نسبيًا من جهة التوثيق والضعف.
٧ - الإِخْلَالُ بِضَبطِ أُصُولِ الاتِّصَالِ والانْقِطَاع:
فالأصل في ثبوت الرواية أن الراوي لم يسمع ممن روى عنه، حتى يثبت ذلك.
قال ابن رجب في مسألة اشتراط اللقاء لثبوت الاتصال: وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله علي ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله اهـ. "شرح العلل" (٢/ ٣٣).
[ ٤٦٩ ]
كرواية عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر.
قال يحيى القطان وابن المديني وأحمد: لم يسمع منه، وإنما رآه في الطواف.
وخالفهم المتأخرون فصححوا إسنادها.
ورواية أبي إدريس الخولاني عن عمر، أعلها البخاري كما في "سنن الترمذي".
ورواية أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي عن عائشة، قد أعلها أبو داود في "السنن".
وصحح ابن حبان رواية سعيد بن الصلت عن سهيل بن بيضاء قال: (بينما نحن في سفر مع الرسول ﷺ ).
وسهيل مات في عهد الرسول ﷺ كما جاء هذا في "صحيح مسلم" وسعيد بن الصلت، تابعي.
وقيس بن أبي حازم لم يسمع عائشة، والمتأخرون يعدون حديثه عنها من أصح الأسانيد.
وعند المتأخرين عدمُ إدراك الراوي لمن روى عنه انقطاعٌ مطلقًا.
وخالفهم المتقدمون، فاستثنوا كثيرًا من هذه القاعدة بناءً على قرائن احتفت بالرواية:
قال يعقوبُ بنُ شيبة: "إنما استجاز أصحابُنا أن يدخلوا حديثَ أبي عُبَيدَة (١) عن أبيه في "المسند (٢)، لمعرفة أبي عُبَيدَة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر"، "شرح علل الترمذي"، لابن رجب (١/ ٥٤٤).
قلت: وإنما قال الحفاظ هذا لأنهم تتبعوا رواية أبي عُبَيدَة عن أبيه فوجدوها خالية من المناكير، وانضم إلى ذلك أنَّ أبا عُبَيدَة ابن لعبد الله بن مسعود، والأصل أنَّ الابن أعرف بمرويات أبيه من غيره.
لذا قال ابنُ رجب: "وأبو عُبَيدَة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحةٌ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره".
قلت: وكقول أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مرسلات سعيد بن المُسَيِّب إنها صحاح.
_________________
(١) يعني: ابن عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) يعني: في الحديث المتصل.
[ ٤٧٠ ]
قال الحاكم: "تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله - يعني: مراسيل سعيد بن المُسَيِّب -، فوجدوها بأسانيد صحيحة، "معرفة علوم الحديث" (ص ١٧٠).
وقَبِلَ الشافعي حديثًا لطاووس عن معاذ، وطاووس لم يلقه. "فتح المغيث" (١/ ١٤١).
وكلام المتأخرين في مراسيل الحسن البصري معروف، وهو رده مطلقًا، ولكم اغتررنا بهم، ثم تبين أن الأئمة لهم في هذا موقف مغاير، فلا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا.
قَالَ الهيثمُ بنُ عبيد: حدثني أبي قَالَ: قَالَ رجلٌ للحسن: إنّك لتحدثنا قَالَ النبي ﷺ، فلو كنتَ تسندُ لنا، قَالَ: والله ما كذبناك ولا كذبنا، لقد غزوتُ إلى خراسان غزوة معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ. "التاريخ الكبير" (٥/ ٤٥٢)، "شرح علل الترمذي" (١/ ٥٣٨).
قلت: ولكن في نفسي شيء من صحة هذا عن الحسن.
وقال ابن المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها.
فكم من حديث في إسناده الحسن البصري رده المتأخرون بدعواهم المعروفة في الحسن.
٨ - إِهْمَالُ اسْتِقَامَةِ المَتْن:
المتقدمون لا يقبلون حديثًا مخالفًا للأصول غير مستقيم المتن، والمتأخرون لا يعتبرون استقامة المتن بل نظرهم مجرد إلى السند فحسب.
واستقامة المتن: أن يكون المتن غير مخالف لما في القرآن، والثابت من الصحيح المشهور.
كحديث: القنوت في الفجر إلى أن فارق الدنيا.
وفي "الصحيحين" عن أنس ﵁ قال: "قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع، يدعو على أحياء من العرب، ثم تركه".
وحديث: نحر النبي ﷺ هديه عند البيت.
وفي "الصحيحين" عن المسور ومروان بن الحكم، أنه نحره في الحديبية.
وحديث: لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل.
وفي "الصحيحين" أنه كان ينوي النفل من النهار.
[ ٤٧١ ]
وحديث: صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد.
والأخبار في "الصحيحين" وغيرهما مستفيضة عن الصحابيات ﵅ أنهن كن يحرصن على الجماعة حتى في الفجر.
٩ - اعْتِمَادُ مَفْهُومِ غَيرِ أهْلِ الحديث، وتَجَاوُزُ عِلمِ الأئِمَّةِ المُتقَدِّمِين ومَنْزِلَتهم.
وهذه كتب المتأخرين في المصطلح، تعج بتقريرات غير أهل الحديث، في مصطلح الحديث، من أمثال الجويني، والإسفراييني، والباقلاني، والآمدي، والغزالي، وابن الحاجب، وابن حجر الهيتمي، وأشباههم.
وليس أدلَّ على هذا من تصريح غالب المتأخرين، بقوله: ذهب المحدثون إلى كذا، والصواب خلافه.
ثم أين يقع علم المتأخرين الذين علم أكثرهم في الكتب، مع علم الأئمة المتقدمين الذين أكثر علمهم محفوظ في صدورهم، يأتون به متى شاءوا، والمتقدمون لهم في معرفة الحديث وعلله سعة حفظ، ومعرفة بأحوال الرواة والمرويات.
فأين علم النووي والذهبي والعراقي وابن حجر والسخاوي والسيوطي ومن جاء بعدهم إلى يومنا، من علم شعبة بن الحجاج، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن أبي حاتم، والنسائي، وابن خزيمة، والعقيلي، وابن عدي والدارقطني وأمثالهم؟ ! فهل ثمة ريب في أنهم أعلم من المتأخرين.
وقال الحافظ الذهبي: ليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة. "تذكرة الحفاظ" (ص ٧٢٦).
وسئل الوادعي: إن كان الأئمة قد ضعفوا حديثًا بعينه، ثم جاء المتأخرون فصححوه، وقد ذكر الأئمة في السابق أن له طرقًا بعضها ضعيفة، وبعضها كذا، إلا أن الرجل المتأخر رد هذه العلة، مرةً يرد هذه العلة، ومرةً يقول: أنا بحثت عن الحديث فوجدت له سندًا لم يطلع عليه الحفاظ الأولون، فماذا تقول؟
[ ٤٧٢ ]
فأجاب: العلماء المتقدمون مقدّمون في هذا؛ لأنّهم كما قلنا قد عرفوا هذه الطرق، ومن الأمثلة على هذا: ما جاء أن الحافظ ﵀ يقول في حديث المسح على الوجه بعد الدعاء: أنه بمجموع طرقه حسن، والإمام أحمد يقول: إنه حديث لا يثبت، وهكذا إذا حصل من الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى هذا؛ نحن نأخذ بقول المتقدمين ونتوقف في كلام الشيخ ناصر الدين الألباني، فهناك كتبٌ ما وضعت للتصحيح والتضعيف، وضعت لبيان أحوال الرجال مثل: "الكامل" لابن عدي و"الضعفاء" للعقيلي، وهم وإن تعرضوا للتضعيف، فهي موضوعة لبيان أحوال الرجال، وليست بكتب علل، فنحن الذي تطمئن إليه نفوسنا أننا نأخذ بكلام المتقدمين؛ لأنَّ الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى ما بلغ في الحديث مبلغ الإمام أحمد بن حنبل، ولا مبلغ البخاري، ومن جرى مجراهما.
ونحن ما نظن أن المتأخرين يعثرون على ما لم يعثر عليه المتقدمون اللهم إلا في النادر، فالقصد أن هذا الحديث إذا ضعفه العلماء المتقدمون الذين هم حفاظ، ويعرفون كم لكل حديث من طريق. باختصار من "المقترح" ص ٢٠.
قلت: صدق، فقد قال الذهبي: ويَنْدُرُ تفرُّدهم، فتجدُ الإمامَ منهم عندَه مِئتا ألف حديث، لا يكادُ ينفرد بحديثينِ أو ثلاثة.
ومن كان بعدَهم فأين ما يَنفرِدُ به، ما علمتهُ، وقد يُوجَد. "المُوقِظَةُ في علم مصطلح الحديث" (ص ٧٧).
قلت: وأين هذا النادر، بل لا أُبعِدُ النُّجْعَةَ - إن شاء الله - إذا ما قلت: إن كل طريق وقف عليها المتأخرون ولم يُعرف أن المتقدمين وقفوا عليها؛ فهي إما طريق معلولة، أو غريبة، وإما وهْمٌ من المتأخرين بدعوى أن المتقدمين لم يقفوا عليها، وذلك لقلة اطلاعهم على أقوال المتقدمين، وعدم تتبعهم لها.
كحديث: عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سِيرِين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض". أخرجه أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي.
روي من طرق عن عيسى بن يونس به. وقد توبع عيسى بن يونس.
[ ٤٧٣ ]
تابعه عليه: حفص بن غياث. عند ابن ماجه، وأبي يعلى، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي.
وهذا الحديث صححه المتأخرون منهم:
ابن حبان، والحاكم، والبغوي، والألباني، وشعيب الأرناؤوط، وبشار عواد.
وأعلَّه المتقدمون بالوقف.
وقد وهم فيه هشام بن حسان فرفعه.
وقال الدارمي: زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه.
قال البخاري: ولم يَصِحُّ، وإنما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه.
وخالفه يحيى بن صالح، قال: حدثنا يحيى، عن عمر بن حكيم بن ثوبان سمع أبا هريرة، قال: إذا قاء أحدكم فلا يفطر فإنما يخرج ولا يولج. "التاريخ الكبير" (١/ ٢٥١).
وسبب الوهم الذي دخل على هشام إنما كان بسبب رواية عبد الله بن سعيد المتروك، وقد وافق البخاري على هذا الإعلال الإمامُ النسائي.
فقال: وقفه عطاء، ثم ذكر الرواية الموقوفة. انظر "السنن الكبرى" (٣١٣٠).
وقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولا يَصِحُّ إسناده. "سنن الترمذي" (٧٢٠)
قلت: وهذا منهج ماضٍ للمتقدمين في إعلال الرواية المرفوعة بالرواية الموقوفة.
والمتأخرون لا يعلون المرفوع بالموقوف؛ بل كثيرًا ما يعضدون المرفوع بالموقوف.
وقد خالف الألباني في إعلال الحديث.
فقال: وإنما قال البخاري وغيره: بأنه غير محفوظ لظنهم أنه تفرد به عيسى بن يونس، عن هشام "إرواء الغليل" (٤/ ٥٣).
قلت: وهذا غلط، فليست العلة أنهم لم يطلعوا على هذه المتابعة، بل العلة وهم هشام، لا تفرد عيسى بن يونس كما صرَّح به البخاري في "تاريخه"؛ والمتابعة التي ذكرها الشيخ الألباني؛
[ ٤٧٤ ]
معروفة عندهم، وقد أشار أحمد إلى متابعة حفص لعيسى، فقال: ورواه أيضًا حفص بن غياث،
عن هشام مثله، فكيف يقال: غير محفوظة؟ ! . انظر "سنن أبي داود" (٢٣٨٠).
ثم إنهم لا يقولون غير محفوظ لمجرد التفرد، بل يقولونها إذا لم تثبت الرواية من وجه ولو تعددت طرقها، بل هذا هو الغالب عندهم، وإنما ظن الألباني وغيره أن مراد البخاري من قوله غير محفوظ هو التفرد؛ لأنه حمله على معنى الشاذ عنده.
ولهذا ترى الترمذي والبزار والطبراني وأبا نُعَيم الأصبهاني، كثيرًا ما يقولون: (لم يروه عن فلان إلا فلان، تفرد به فلان).
يريدون نكارة السند أصلًا.
قال ابن حجر: فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه. انظر "النكت" (٢/ ٧١١).
هذا وثمة أمر في غاية الأهمية، فلا يفوتنك أن المتقدمين أصح اعتقادًا، وألزم للسنة، وأسلم من تلوثات علوم المتكلمة، وقد يستهين البعض بهذا، ولا ريب أن من سلم اعتقاده، ولزم السنة، وطهر الله قلبه من البدعة، وأعرض عن جهالات المتكلمة، كان أقرب إلى الله، وهو أولى أن يكون موفقًا مهديًا.
ولا يعني هذا أنه ليس ثمة اختلاف بين المتقدمين، فهم مع اتحاد الأصول العامة عندهم بالجملة، قد يقع الاختلاف بينهم في بعض التطبيقات الجزئية، بل إن بعض المتأخرين تبعوا بعض المتقدمين في بعض المسائل، كالاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء في العنعنة، والمعضل، وغيرها.
فأما إذا اختلف المتقدمون، فإن كان المرء مؤهلًا لأن يقارن ويرجح، فالواجب أن يأخذ بما ترجح عنده من أقوالهم، ولا أرى له الخروج عن أقوالهم؛ لأن الأمر قد اجتمع عندهم، وإن كان غير مؤهل فيقلد من يرى أنه أعلم بهذا الشأن.
ولعلَّ السبب المانعَ منكري هذا التفريق - بين المتقدمين والمتأخرين - من قبوله، هو أن في هذا التفريق، تعب جديد بإعادة النظر في كتب المتقدمين، وهدم لكثير مما قرروه من تصحيح وتضعيف، وصرف عن تقليد من اعتمدوا تصحيحه أو تضعيفه ممن هو عند متعصبتهم لا يخطئ.
[ ٤٧٥ ]
فكانت النتائج، توثيق ضعيف وتضعيف ثقة، وقبول مردود ورد مقبول.
فكم من حديث حكم عليه الأولون بالنكارة، أو البطلان، وقد تجدهم يقولون: هذا الباب لا يثبت فيه شيء، أو لا يَصِحُّ فيه حديث، فيأتي المتأخر فيقول: بل صح فيه حديث كذا وكذا.
كقول أحمد: لا يثبت في التسمية على الوضوء حديث.
وقول البخاري، والبزار، والنسائي، وأبي علي النيسابوري: لا يَصِحُّ عن النبي ﷺ في إباحة إتيان النساء في الدبر ولا تحريمه شيء.
وقول أبي حاتم وغيره: لا يَصِحُّ في فضل ليلة النصف من شعبان حديث.
وقول العقيلي: لا يَصِحُّ في التسليمة الواحدة في الصلاة شيء.
وقول الترمذي: لا يَصِحُّ في زكاة الخضروات كبير شيء.
وصحح المتأخرون أحاديث قد حكم المتقدمون عليها بالرد وعدم القبول:
كحديث: "وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
روي من طرق:
من حديث ابن عباس: رواه بن ماجة، والطبراني، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم في المستدرك.
وعن ابن عمر: أخرجه العقيلي في الضعفاء، والطبراني في الأوسط والبيهقي.
وعن عقبة بن عامر: أخرجه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الكبرى.
وعن أبي ذر: أخرجه ابن ماجه. وعن ثوبان: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير.
وعن أبي بكرة: أخرجه ابن عدي، وأبو الشيخ في الطبقات.
وعن أبي الدرداء: أخرجه ابن عدي.
وعن الحسن البصري مرسلًا: أخرجه معمر في جامعه، وسعيد بن منصور في سننه.
واستنكرها أحمد، وأبو حاتم، ومحمد بن نصر.
وحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
[ ٤٧٦ ]
روي من طرق:
عن أنس: أخرجه: أبو يعلى، والبزار، وابن عدي، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية"، والإسماعيلي في "معجم الشيوخ"، والقضاعي.
وعن ابن عباس: أخرجه: الطبراني في "الأوسط".
وحديث: "مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَومِهِ فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". أخرجه: البخاري في "الأدب المفرد"، و"التاريخ الكبير"، وابن ماجه، والترمذي.
وهو يكاد يكون موضوعًا.
بل منهم من صحح أحاديث كانت تعد عند المتقدمين في غاية النكارة والبطلان.
كأحاديث فضل الوجه الحسن.
روي من طرق:
عن أبي سعيد: أخرجه الخرائطي في "اعتلال القلوب".
وعن علي وعن ابن عمرو: أخرجه الحاكم في "تاريخه".
وعن عائشة: أخرجه أبو نعيم في "الطب".
وعن ابن عمر: أخرجه عبد بن حميد، وابن عدي، والقضاعي.
وعن عائشة: أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"، وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج"، وأبو يعلى، والبيهقي في "شعب الإيمان".
وعن أبي هريرة: أخرجه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج"، والدارقطني في "الأفراد"، وتمام، والديلمي، وابن الجوزي في "الموضوعات".
وعن جابر: أخرجه البزار، والطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم.
وعن أبي خصيفة: أخرجه الطبراني.
وعن ابن عباس: أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" والخطيب، وابن عساكر.
وعن أنس: أخرجه ابن عساكر.
[ ٤٧٧ ]
وعن أبي بكرة: أخرجه تمام.
وعن عطاء مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة.
وحديث ابن عمر: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له بها ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة". أخرجه الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن ماجه، والبزار، والترمذي، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم في "الحلية".
وحديث معاذ: "واستعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان". أخرجه العقيلي، والطبراني، وفي "الأوسط"، وفي "الصغير"، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وابن الجوزي في "الموضوعات".
وحديث: "لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة" وفي لفظ: "إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا عود كرم أو لحاء شجرة فليفطر عليه".
وهو حديث موضوع باطل، مروي من طرق:
عن عبد الله بن بسر: أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن عبد الله بن بسر عن أبيه: أخرجه الطبراني.
وعن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء: أخرجه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم، والبيهقي.
وعن أبي أمامة: أخرجه الروياني.
هذا ولم تقتصر المخالفة على التصحيح بل ضعفوا أحاديث كان المتقدمون يصححونها.
كحديث: (تحريم المعازف) فقد جزم أبو بكر بن العربي وابن حزم بأنه لا يَصِحُّ في تحريمها شيء.
وحديث: (المهدي) فمنهم من قال: لا يَصِحُّ فيه شيء.
وحديث: (فضل الشام) قال الغماري: لا يَصِحُّ فيه شيء.
[ ٤٧٨ ]
وحديث: (أطيط العرش)، فقد أعله البيهقي والمنذري وأبو القاسم الدمشقي، وقال الألباني: لا يَصِحُّ في أطيط العرش حديث.
وحديث: أبي الزبير عن جابر - ﵁ - أن رسولَ الله - ﷺ قال: "إذا دخل الرجل بيتَهُ، أو أوى إلى فراشه، ابتدرَهُ مَلَك وشيطان، يقول الملَك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افْتح بِشرّ، فإن ذكر الله طَرَدَ الملَكُ الشيطانَ، وظلَّ يَكْلَؤُهُ، وإذا انتبه من منامه قالا ذلك، فإن هو قال: الحمد لله الذي رَدَّ نفسي إليَّ بعد موتها، ولم يُمتْها في منامها، الحمد لله الذي يُمْسِكُ السموات السبع أن تقعَ على الأرض إلا بإذنه، فإن خرَّ من فراشِهِ فمات كان شهيدًا، وإن قام وصلَّى، صلَّى في فضائل". أخرجه: أبو يعلى، والنسائي، والطبراني في "الدعاء"، وابن حبان، وأبو نعيم في "الحلية".
وهو حديث صحيح.
وقال الألباني: ضعيف. انظر "ضعيف الترغيب والترهيب" (٣٤٦).
بل بمنهج المتأخرين تجرَّأ علينا أهل البدع والأهواء والفساق، حتى صاروا يحتجون علينا بأحاديث أباطيل ومنكرة.
كحديث: أن النبي ﷺ كان يبعث إلى المطاهر يرجو بركة يد المسلمين.
وحديث: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.
وحديث: ذم الكسب وفتنة المال.
وحديث: جواز كشف الوجه والكفين للمرأة.
وحديث: ليس لفاسق غيبة.
وحديث: تحليل النبيذ.
وهذه من أنكر الأحاديث وأبطلها.
ولا يعني هذا انتقاص أقدار العلماء المتأخرين، أو إهمال نتاجهم، - معاذ الله - بل فيه من الجمع الوافر ما لم يحصل إلا بجهدهم، ككتب التخريج والمصنفات في الجرح والتعديل، ولكن لا يجعل الباحثُ والطالبُ عمل المتأخرين مادته، ويعرض عن تراث المتقدمين الثري المكنوز.
[ ٤٧٩ ]
فالأصل لمن أراد مسألة في الحديث أن ينظر أول ما ينظر قول المتقدمين فيها، فإن وُجِدَ لهم فيها قول، أجزأه ولا يحتاج بعد إلى قول المتأخرين، خصوصًا إذا كان قول المتأخرين فيها يخالف قول المتقدمين.
هذا واختلف في تعيين حد فاصل بين المتقدمين والمتأخرين:
فجعله الذهبي في "الميزان"؛ ما بعد ثلاثمائة للهجرة، وقال ابن حجر: بعد القرن الخامس الهجري.
وقال الشيخ عبد الله السعد: الغالب أنَّه منْ أتى بعد الدارقطني. "شرح الموقظة".
فإذا عرفت هذا تبين لك أهمية هذا الأمر الذي يترتب عليه اختلاط في المصطلحات، ومن ثم يبنى عليه خلط في الأحكام، فينقلب الصحيح ضعيفًا والضعيف صحيحًا، فالواجب الفصل بين مراد المتقدمين وفهم المتأخرين، الذي أورث كل هذا الخلط وهذه الإشكالات.
* * *
[ ٤٨٠ ]