الفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة
الباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري
- وفيه أحد عشر فصلًا:
الفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة
هناك عدة مظاهر تدل على اهتمام الصحابة -﵃- بالسُّنَّة، ومن أهمها ما يلي:
الأول: الحرص على حضور مجلس رسول الله -ﷺ- لسماعه والرواية عنه والاقتداء به والالتزام بأوامره وتوجيهاته.
ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر -﵁- قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله -ﷺ- ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك١.
الثاني: حرص بعضهم على سماع الحديث من الرسول -ﷺ- أكثر من مرة ليحدث به غيره؛ فقد جاء في صحيح مسلم قول عمرو بن عَنْبَسَة -﵁- بعد أن حدَّث بحديث: لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة إلى أن أكذب على الله ولا على رسول الله -ﷺ- لو لم أسمعه من رسول الله -ﷺ- إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا -حتى عَدَّ سبع مرات- ما حدثت به أبدًا؛ ولكني سمعته أكثر من ذلك٢.
الثالث: كما حرصوا على أن تنقل أقواله -ﷺ- كما صدرت منه نقية غير
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٥/ ١١٤ فتح" كتاب المظالم، الباب "٢٦"، "١/ ١٨٥" كتاب العلم الباب "٢٧"، "٨/ ٦٥٧" تفسير سورة التحريم "٨/ ٦٥٩"، "٩/ ٢٧٨" كتاب النكاح، الباب "٨٤"، "٩/ ٣١٧" الباب "١٠٦"، "١٠/ ٣٠١" كتاب اللباس، الباب "٣١"، "١٣/ ٢٣٢"، "١٣/ ٢٤٠". ٢ صحيح مسلم، بشرح النووي "٢/ ٤٨١-٤٨٣".
[ ٣٧ ]
مشوبة بشائبة وغير محرفة أدنى تحريف، فاتخذوا الحيطة في حفظ الحديث وفي سماعه، وخاصة بعدما سمعوا رسول الله -ﷺ- يقول لهم محذرًا من الكذب عليه١: "مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٢.
الرابع: من مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة: تدوينُها في صحف، وهذا التدوين -في كتب، أو صحف، أو رسائل- يعد من الجهود الهامة التي قام بها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة، أ. د. رفعت فوزي "ص٣٢". ٢ رواه البخاري في: "٣" كتاب العلم، "٣٨" باب إثم من كذب على النبي ﷺ - حديث رقم "١٠٧"، وأبو داود في سننه: "٢٠" كتاب العلم، "٤" باب في التشديد على الكذب على رسول الله ﷺ - حديث رقم "٣٦٥١"، وابن ماجه في سننه - حديث رقم "٣٦"، كلهم من حديث الزبير بن العوام -﵁- وللحديث شواهد كثيرة صحيحة أيضًا.
[ ٣٨ ]
الفصل الثاني: كتابة السُّنَّة في العهد النبوي
يزعم بعض أهل العلم غير المتخصصين في الحديث الشريف وعلومه أن الرسول -ﷺ- نهى عن كتابة السُّنَّة وتدوينها، وغاب عن هؤلاء وأمثالهم أن كل الأحاديث المرفوعة إلى النبي -ﷺ- في النهي عن الكتابة ضعيفة الإسناد١، باستثناء الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: "لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" ٢.
وحتى هذا الحديث أعلَّه الخطيب البغدادي، فزعم أن المحفوظ عن أبي سعيد الخدري من قوله موقوفًا عليه وليس مرفوعًا٣.
وعلى اعتبار صحته مرفوعًا -وهو ما أرجحه- فإن هناك أحاديث في أعلى درجات الصحة جاء فيها تصريح النبي -ﷺ- بالإذن بالكتابة؛ منها:
_________________
(١) ١ رُوي ذلك -أي النهي- من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وفي إسنادهما "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" ضعيف عند جمهور العلماء؛ ومنهم: النسائي، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وعلي بن المديني وغيرهم. راجع: الجرح والتعديل "٢/ ٢٣٣"، الميزان "٢/ ٥٦٤". كما رُوي من حديث زيد بن ثابت في سنن أبي داود "رقم ٣٦٤٧"، وفيه علتان؛ الأولى: في إسناده كثير بن زيد، ضعفه النسائي. وقال ابن معين: ليس بالقوي، وفي رواية: ليس به بأس، وفي ثالثة: ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: صدوق فيه لين. وقال ابن المديني: صالح وليس بقوي. وقال ابن عدي: لم أرَ بحديثه بأسًا. راجع: ميزان الاعتدال "٣/ ٤٠٤"، الضعفاء والمتروكين للنسائي "ص٢٢٩" ترجمة رقم "٥٠٥" طبع دار المعرفة - بيروت. الثانية: أن الراوي عن زيد بن ثابت هو "المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب القرشي المخزومي" وهو لم يسمع من زيد بن ثابت، فالإسناد منقطع. راجع: تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل "ص٥٠٢، ٥٠٣" بتحقيقنا. ولذلك قال عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني: "أما الأحاديث، فإنما هي: مختلف في صحته، وآخر متفق علي ضعفه". الأنوار الكاشفة لما في كتاب "أضواء على السُّنَّة" من الزلل والتضليل والمجازفة "ص٣٥" طبع المكتبة السلفية بالقاهرة سنة "١٣٧٨هـ". ٢ صحيح مسلم "٤/ ٢٢٩٨" "٥٣" كتاب الزهد والرقائق "١٦" باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم "٧٢/ ٣٠٠٤". ٣ راجع: تقييد العلم "ص٣١، ٣٢".
[ ٣٩ ]
ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي -ﷺ- لما فتح خطب فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه" أي: الخطبة التي سمعها.
ومن الأحاديث الصحيحة ما رواه أبو داود، والدارمي في سننيهما، وأحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -ﷺ- أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- بَشَر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق" ١.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود "٤/ ٦٠" رقم "٣٦٤٦"، وراجع أيضًا مسند الإمام أحمد "٢/ ١٦٢، ١٩٢، ٢٠٧، ٢١٥"، سنن الدارمي "١/ ١٢٥"، تقييد العلم "ص٧٩-٨١"، جامع بيان العلم "١/ ٧١"، وقد دون فيها كل شيء سمعه الرسول ﷺ "تقييد العلم "٨٥"، ورُوي أنه حفظ ألف حديث "أسد الغابة ٣/ ٢٣٣"، وقد ورث هذه الصحيفة حفيده شعيب بن محمد وأخذها بعده الحفيد الأكبر لعبد الله بن عمرو بن العاص وهو عمرو "ت١١٨ أو ١٢٠هـ" تهذيب العلم "٨٥". وقد اعتنى المحدثون بالإسناد إلى عمرو بن شعيب إلى أبيه إلى جده وقد ذكروا هذه الصحيفة "تهذيب التهذيب ٨/ ٥٤" ومعظمها في مسند الإمام أحمد بن حنبل "مسند عبد الله بن عمرو بن العاص". ويُروى أن مجاهد "ت١٠٢هـ" رأى هذه الصحيفة "طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٥"، "٤/ ٢/ ٨، ٩" أسد الغابة "٢/ ٢٣٤"، وذات مرة زار مجاهد عبد الله بن عمرو بن العاص وحاول أن يأخذ الصحيفة فمنعه، حرصًا من ابن عمرو عليها. أسد الغابة "٣/ ٢٣٤"، تقييد العلم "٨٤". ويُروى أن عبد الله بن عمرو اعتاد أن يحفظ الأحاديث المكتوبة في صندوق، وأنه سئل يومًا عن حديث فأخرج الكتاب من الصندوق وروى منه الحديث ردًّا على السؤال "مسند الإمام أحمد ١٠/ ١٧٢-١٧٤" تحقيق أحمد شاكر؛ بل يروى أنه كان لديه كتاب وصحيفة يحتويان على أحاديث للنبي، وأنه سلمهما لأبي راشد الحبراني لما طلب منه أن يروي له ما سمعه من النبي ﷺ "تقييد العلم ٨٥". ومما يؤكد تدوينه الأحاديث مبكرًا قول أبي هريرة: "ليس أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر حديثًا عن النبي -ﷺ- مني؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب "سنن الدارمي ١/ ١٣٦" باب من رخص في كتابة العلم - حديث "٤٨٣"، وانظر تقييد العلم "٨٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧٠". وقد سبق أن بينا أن أبا هريرة كان لا يكتب في البداية لأسباب ثم كتب بعد ذلك. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- يملي الأحاديث على تلاميذه "فتح المغيث للسخاوي ٢١٦" تقييد العلم "٨٥، ١٨٢"، حتى أمن شوفا بن ماتع دوَّن كتابين من إملائه "خطط المقريزي ٢/ ٣٣٢"، وانظر ترجمة ابن ماتع في مشاهير علماء الأمصار "ص١٢١" رقم "٩٤٠"، وكان يملي من صحيفته أو من يعض سجلاته المكتوبة عنده فقد كان عنده عدد ضخم من الكتب "تذكرة الحفاظ ١/ ٣٦" - مسند أحمد "٢/ ١٧٦"، ويُروى أنه جمع فتاوى الخليفة عمر بن الخطاب "سنن الدارقطني ٤٥٣".
[ ٤٠ ]
ومن جهة أخرى، فإن الحديث الذي رواه الإمام مسلم ذكر النووي عن القاضي عياض في شرحه له ثلاث إجابات كلها مقبولة ومحتملة:
الأولى: أن نهي النبي -ﷺ- كان موجهًا لمن يثق بحفظه خشية اتكاله على الكتابة، وأما من لم يثق بحفظه فقد أذن له بالكتابة.
الثانية: أن حديث النهي منسوخ بحديث الإذن بالكتابة؛ فقد كان النهي حين خِيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.
الثالثة: أن النهي كان منصبًّا على الكتابة في صحيفة واحدة "أي: كتابة السُّنَّة مع القرآن في صحيفة واحدة" خشية الاختلاط، وحتى لا يشتبه على القاريء.
قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كبير في كتابة العلم، فكرهها كثير منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق مَن يوثق بحفظه ويُخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على مَن لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاه"، وحديث صحيفة علي -﵁- وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر -﵁- أنسًا -﵁- حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة -﵁- أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث، وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، قيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة، والله أعلم١.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم للنووي "١٨/ ٣٣٤-٣٣٩"، وانظر نحوه في مقدمة ابن الصلاح "ص٨٨" في النوع الخامس والعشرين، وفي معالم السنن للخطابي، هامش سنن أبي داود "٤/ ١٦" في تعليقه على حديث زيد بن ثابت رقم "٣٦٤٧".
[ ٤١ ]
ورأى ابن الصلاح أن النهي كان في أول الأمر لخشية اختلاط الحديث بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن فيه١، وبيَّن أن أحاديث الإذن بالكتابة كانت بعد النهي، وذكر غير واحد من الأئمة والحفاظ أنه لو لم يأذن الرسول بالكتابة لكان ذلك سبيلًا إلى الجهل بالشريعة واندراس كثير من السنن. وروى ابن الصلاح بسنده عن الأوزاعي أنه كان يقول: كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله. ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة، والله أعلم٢.
وروى ابن عبد البر بسند صحيح عن إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد بن حنبل: من كره كتاب العلم؟ قال: كرهه قوم، ورخص فيه آخرون. قلت له: لو لم يكتب العلم لذهب. قال: نعم، ولولا كتابة العلم أي شيء كنا نحن؟ قال إسحاق بن منصور: وسألت إسحاق بن راهويه فقال كما قال أحمد سواء٣.
فقد ثبت أن الصحابة كانوا يدونون السنة، وكانوا يحثون أبناءهم على الكتابة والتدوين:
فقد كتب أبو بكر -﵁- لأنس بن مالك -﵃- كتابًا فيه فرائض الصدقة التي سنَّها رسول الله -ﷺ- وقد توارث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس بعد أن حدَّثه به أبوه٤.
وقد هَمَّ أبو بكر بجمع السنن، فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى أن يحرقها خوفًا من أن تنقل عنه ويكون فيها شيء غير صحيح، وليس لأن النبي -ﷺ- نهى عن الكتابة٥.
_________________
(١) ١، ٢ انظر: المقدمة "ص٨٨" في النوع الخامس والعشرين. ٣ جامع بيان العلم "١/ ٣٢٩". دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع. ٤ راجع: صحيح البخاري "٢/ ١٤٦، ١٤٧"، سنن أبي داود "٢/ ١٢٩، ١٣٠" كتاب الزكاة - حديث رقم "١٥٦٧"، وسنن النسائي: كتاب الزكاة - حديث رقم "٢٤٤٩"، وسنن ابن ماجه "١/ ١٥٥" كتاب الزكاة - حديث رقم "١٨٠٠"، تقييد العلم "٨٧"، وفيه نصوص من هذا الكتاب. ٥ راجع: تذكرة الحفاظ "١/ ص٥".
[ ٤٢ ]
وروى مسلم عن أنس بن مالك -﵁- أنه كتب حديثًا عن رسول الله -ﷺ- غير كتاب أبي بكر١.
وروى الخطيب بسنده عن عبد الله بن المثنى قال: حدثني عمَّاي: النضر وموسى ابنا أنس، عن أبيهما أنس بن مالك -﵁- أنه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله -ﷺ- وتعلمها٢.
وكان ثمامة بن عبد الله بن أنس لديه كتاب نقله إلى حماد بن سلمة٣.
وروى أبو خيثمة -﵁- بسند صحيح عن علي -كرم الله وجهه- قوله: من يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم؟ ٤
وزاد ابن سعد: فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا فكتب له علمًا كثيرًا٥.
ويروى أن عبد الله بن مسعود ﵁ "ت٣٢هـ" كان له كتاب، على الرغم مما رُوي عنه من أنه من المعارضين لكتابة الحديث، حتى يقال: إنه أتلف كتابًا أُحضر له للدراسة والتأمل٦، فقد أقسم ابنه أن لديه كتابًا بخط والده٧.
وجمع الحسن بن علي بن أبي طالب -﵄- بنيه وبني أخيه فقال: يا بَني، إنكم اليوم صغار قوم أوشك أن تكونوا كبار قوم فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فليكتبه وليضعه في بيته٨.
وقد كان قضاء علي بن أبي طالب -﵁- مكتوبًا، بدليل أن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب له كتابًا ويخفي عني، فقال ولد ناصح: أنا
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٢٠٥-٢٠٧" وفيه نص ما كتبه. ٢ تقييد العلم "ص٩٦". ٣ الكفاية "٤٧٣". ٤ كتاب العلم لأبي خيثمة "ص١٤٤" بتحقيق الألباني - المطبعة العمومية - دمشق. ٥ الطبقات الكبرى "٦/ ١١٦". ٦ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٦٢-٦٥"، تقييد العلم "٢٥، ٣٨، ٣٩، ٥٣-٥٦". ٧ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٧٢". ٨ تقييد العلم "ص٩١، ٩٢".
[ ٤٣ ]
اختار له الأمور اختيارًا وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: "والله ما قضى بهذا علي، إلا أن يكون ضل"١.
قال الحافظ التيجاني: "هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السُّنَّة"٢.
وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان بعض الحديث٣.
وروى أبو خيثمة -﵁- بسند صحيح عن ورَّاد كاتب المغيرة قال: أملى عليَّ المغيرة، وكتبته بيدي٤.
وأجاز أبو أمامة الباهلي كتابة العلم، فقد سأله تلميذه الحسن بن جابر عن كتابة العلم فقال: لا بأس بذلك٥، وكتب عبد الله بن أبي أوفَى -﵄- حديث رسول الله -ﷺ- وأرسله إلى بعض أصحابه٦.
وأبو هريرة -﵁- أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف على الإطلاق، وذلك ببركة دعاء النبي -ﷺ- له بالحفظ كما في صحيح البخاري، وإذا كان ممن لا يكتب الحديث الشريف، فإن تلاميذه كتبوا له حديثه، وأخذ هذه الكتب فحفظها عنده حتى لا يُغيَّر في حديثه أو يبدَّل فيه، وحتى تكون مقياسًا عنده لما نسب إليه من الأحاديث الكثيرة التي بثها في التابعين الذين بلغوا ثمانمائة نفس٧.
وإذا كان أبو سعيد الخدري -﵁- كره الكتابة؛ فإنما هذا اجتهاد منه؛ لئلا يجعل الحديث كالقرآن في كتاب، وليس لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك، ومن جهة أخرى فإن ابنه خالفه، وكان يكتب حديثه٨.
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٩٧". ٢ سنة الرسول ﷺ "ص٥٤". ٣ صحيح البخاري "ص٢/ ١٥٣" طبعة الشعب. ٤ كتاب العلم "ص١١٧". ٥ سنن الدارمي "١/ ١٢٧"، تقييد العلم "ص٩٨"، وإسناد أبي داود حسن. ٦ صحيح البخاري "٤/ ٦٢" طبعة الشعب، وذكر البخاري أجزاء من الحديث الذي كتبه. ٧ راجع: فتح الباري "١/ ١٨٤"، والعلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد "١/ ٤٣"، وجامع بيان العلم "١/ ٨٩". ٨ تقييد العلم "ص٣٦-٣٨".
[ ٤٤ ]
الفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي
ثبت عن عدد كبير من الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كتبوا عن رسول الله -ﷺ- مباشرة، ومن هؤلاء: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال في الحديث الذي رواه الدارمي وغيره: "فأما الصادقة فصحيفة كتبتُها من رسول الله ﷺ"١، وصحيفته الصادقة مشهورة عند المحدثين٢.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب٣.
وأبو هريرة تعلم الكتابة مؤخرًا ثم أتقنها بعد ذلك، فكان النهي في حقه في مرحلة مبكرة خشية الخطأ، ثم كتب بعد ذلك لما تمكن من الكتابة٤، فقد رُوي عنه قوله: "إنني أملك أحاديث مكتوبة تملأ خمسة أجولة"٥.
وكانت مع علي بن أبي طالب -﵁- صحيفة في جراب سيفه سأله أبو جحيفة عما فيها فقال: العقل "أي: الأحكام المتعلقة بالدية" وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره٦.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي "١/ ١٢٧". ٢ راجع: طبقات ابن سعد "٢/ ٢/ ١٢٥"، "٤/ ٢/ ٨، ٩"، "٧/ ٢/ ١٨٩"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٥٨"، تقييد العلم "ص٨٤، ٨٥" وفيه نصوص منها. ٣ تقييد العلم "٨٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧٠". ٤ راجع: صحيفة همام "ص٣٧"، دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث "ص٤٣٣-٤٣٨"، وقد رُوي أنه عرض كتابة الأحاديث على "ابن وهب" "فتح الباري ١/ ١٤٨". ٥ حلية الأولياء "١/ ٣٨١"، وذكرت مصادر عديدة أن بشير بن مالك كتب عن أبي هريرة مجموعة أحاديث، وأنه حصل على إجازة من أبي هريرة لنقلها للناس. راجع: "الكفاية ٣٩٩، ٤١١"، طبقات ابن سعد "٧/ ١/ ١٦٢"، تهذيب التهذيب "١/ ٤٧"، تقييد العلم "١٠١". ٦ راجع: صحيح البخاري "٤/ ٢٨٩" كتاب الفرائض "٤/ ٣٢٤" كتاب الديات "٤/ ٤٢٥" كتاب الاعتصام، وسنن الترمذي "٦/ ١٨١، ١٨٢" كتاب الديات، ورُوي أنه كان للإمام على كتاب وجد عند عبد الله بن عباس "صحيح مسلم ١/ ٧".
[ ٤٥ ]
وكانت لعبد الله بن عباس -﵄- كانت له كتب حمل بعير، وأنه ترك عددًا كبيرًا من المخطوطات كما قال ابن سعد في طبقاته الكبرى١، وسجل بعض الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- وبعضها عن بعض كبار الصحابة مثل أبي رافع وغيره، كما صرح هو بذلك، فقد كان ابن عباس -﵄- يأتي أبا رافع -﵁- ويسأله: ما صنع النبي -ﷺ- يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها٢، وقد شهدت بذلك سلمى مولاة رسول الله -ﷺ- فقالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وكتب سمرة بن جندب عن رسول الله -ﷺ- صحيفة مشهورة عند المحدثين٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح البخاري "٥/ ٢١٦"، وذكرت بعض المصادر أنه في آخر حياته ذهب بصره واعتاد الناس أن يقرءوا له الكتب. راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨"، الكفاية "ص٣٨٤". ٢ راجع: تقييد العلم "ص٩١، ٩٢". ٣ الطبقات لابن سعد "٢/ ١٢٤" وقد رُوي أن عبد الله بن عباس عين له كتبة ليسجلوا له الأحاديث "الإصابة ٢/ ٣٣٢ - رقم ٤٧٨١"، وكان يملي تلاميذه "تقييد العلم ١٠٢"، وكان كثيرًا ما ينصح الناس بتقييد العلم وتدوينه "تقييد العلم ٩٢، جامع بيان العلم ١/ ٧٢"، وأملى تلميذه "مجاهد بن جبير" تفسيره الشهير "تفسير الطبري ١/ ٩٠"، وكان يدون كل شيء سمعه "طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٣، تقييد العلم ٩٢"، ويروى أنه دون "١٦٦٠" حديثًا "تدريب الراوي" وبعد موت النبي -ﷺ- كان يسمع من الصحابة، واعتاد أن يحمل ألواحًا خشبية يدون عليها الأحاديث "طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٣"، تقييد العلم ٩١، ٩٢"، وقد كثرت كتبه وتضخمت لدرجة أنها كانت تتطلب جملًا ينقلها من مكان لآخر "طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٦، تقييد العلم ١٣٦" وقد وصلت هذه الكتب تلميذه ومولاه "كريب" الذي أودعها بدوره عند موسى بن عقبة "تقييد العلم ١٩، ١٣٦، طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٦"، وكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد بعض كتب والده كتب لكريب: "أرسل لي كتاب كذا وكذا، وحينئذ ينسخ كريب الكتاب المطلوب ويرسله إلى علي" "تقييد العلم ١٣٦، طبقات ابن سعد ٥/ ١٢٦، شذرات الذهب ١/ ١١٤"، وكانت لديه نسخة الإمام علي بن أبي طالب الخاصة بالأحكام القضائية والتي رآها معه طاوس ونسخها لأحد تلاميذه "صحيح مسلم ١/ ٧". ٤ راجع: تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين "ص٢٥٤"، توثيق السُّنَّة للدكتور رفعت فوزي "٥١، ٥٢". وقد جمعت صحيفة سمرة بن جندب أحاديث كثيرة، وذكر مرة أنها "كتاب" "طبقات ابن سعد ٧/ ١/ ١١٥" ومرة "صحيفة" "دراسات إسلامية لجولد تسيهر ٢/ ١٠/ ٢٣"، ومرة "رسالة" "تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٦"، وتذكرة الحفاظ "٤/ ٢٣٦، ٢٣٧"، وسلم هذه الأحاديث لابنه سليمان "تهذيب التهذيب ٤/ ١٩٨"، والحسن البصري "طبقات ابن سعد ٧/ ١/ ١١٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٢٦٨-٢٨٩".
[ ٤٦ ]
وكتب جابر بن عبد الله -﵄- صحيفة اشتهرت فيما بعد بصحيفة جابر بن عبد الله١، وأخرج الإمام مسلم منها في صحيحه ما يقرب من ثلاثين حديثًا في مناسك الحج، وأطولها حديث حجة الوداع٢.
وكان لمعاذ بن جبل -﵁- كتاب حمله معه إلى اليمن عندما عُين واليًا عليها من قِبَلِ النبي صلى الله عليه وسلم٣.
وكان لعمرو بن حزم الأنصاري -﵁- كتاب اشتمل على أحكام في الزكاة والدية والميراث وغيرها، حمله معه إلى نجران لما عينه الرسول واليًا عليها٤، وكان لسعد بن عبادة كتاب احتفظت به أسرته ورواه ابنه٥.
وكان لشمعون بن زيد بن أبي ريحانة الأزدي -﵁- "صحف"، وقد اعتاد أن يكتب على وجهي ورق البردي، ويقال: إنه أول من ثنى الورق العريض بضغط الأوراق وحياكتها مع بعضها٦.
وكانت لمحمد بن مسلمة الأنصاري "ت٤٦هـ" صحيفة، وُجدت في غمد سيفه٧، روى الرامهرموزي بسنده عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن
_________________
(١) ١ راجع: الطبقات الكبرى "٥/ ٣٤٤". ٢ وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه، عنه، وفيه وصف كامل لحجة النبي ﷺ. راجع: صحيح مسلم بشرح النووي "٣/ ٣١٣-٣٥٦". ٣ راجع: سيرة ابن هشام "ص٨٨٦، ٨٨٧"، "٩٥٦، ٩٥٧"، حلية الأولياء "١/ ٢٤٠، ٢٤١"، الأموال "٢٧، ٣٧". ٤ وهو الكتاب الذي كتبه له الرسول ﷺ. راجع: تاريخ بغداد "٨/ ٢٢٨"، الموطأ "٤/ ١٧٥، ١٧٦" في كتاب العقول، سنن النسائي "٨/ ٥٦-٦١" كتاب القسامة، تاريخ الطبري "١/ ١٧٢٨، ١٧٢٩"، تقييد العلم "ص٧٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧١". ٥ راجع: الأم للشافعي "٧/ ١١٢"، دراسات إسلامية لجولد تسيهر "٢/ ٩، ١٠"، "٢/ ٢٢، ٢٣". وفي سنن الترمذي "٦/ ٨٩" كتاب الأحكام، ومسند الإمام أحمد "٥/ ٢٨٥"، وتعجيل المنفعة لابن حجر "٣٦، ٢١٤": "أخبرني ابن سعد بن عبادة أنه وجد في كتاب سعد أن " الحديث. وصرح بعضهم بأنه كانت له كتب. راجع: مشاهير علماء الأمصار "ص١٣٠" رقم "١٠٢٤". ٦ راجع: الإصابة "٢/ ١٥٦" رقم "٣٩٢١". ٧ المحدث الفاصل "ص٤٩٧"، ومحمد هذا هو أكبر من اسمه محمد من الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ٤٧ ]
مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي -ﷺ- يقول: إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل دعوة أن توافق رحمة يسعد بها صاحبها سعادة لا يضر بعدها أبدًا١.
وكانت لأبي اليَسَر: كعب بن عمرو بن عباد السلمي ﵁ "ت٥٥هـ" صحف، وذكرت المصادر أنه كان معه وعاء ممتلئ بالمخطوطات٢.
وكان لأبي رافع "ت٣٦هـ" كتاب احتوى على أحاديث خاصة بالصلاة، وقد سلمه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام٣.
وكانت لعبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄- كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، ذكر ذلك الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وذكره أيضًا في "تذكرة الحفاظ"٤، كما ذكر غيره أن مولاه نافع قرأ له أحد هذه الكتب عدة مرات، وقالوا: إن هذا الكتاب ظل معه لمدة ثلاثين عامًا، وأما ما روي عنه من عدم الكتابة فيُحمل على أنه كان في البداية ثم عدل عن ذلك.
وكانت لأنس بن مالك -﵁- كتب دوَّن فيها ما سمعه من رسول الله ﷺ، وصرح بذلك فيما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، وذكره أيضًا الرَّامَهْرُمُوزي وغيره، وقد أخرجها في أخيريات حياته لبعض زواره وقال: "هذه الكتب التي كتبت فيها ما سمعته من النبي -ﷺ- وقد أعطيت لهم كل هذه الكتب لدراستها والتمعن فيها"٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٤٩٧". ٢ راجع: رجال الصحيحين "ص٣٤٠، ٣٤١" طبعة الهند. ٣ الكفاية "٣٩". ٤ راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨" وقال: "هذا غريب"، وفي الجامع لأخلاق الراوي للخطيب: كان عبد الله بن عمر -﵁- إذا خرج إلى السوق ينظر في كتبه. ٥ تقييد العلم "ص٩٥، ٩٦"، تاريخ بغداد "٨/ ٢٥٩"، المحدث الفاضل "٣٤/ ب"، تدوين الحديث "ص٦٧، ٦٨".
[ ٤٨ ]
وممن روى عنه أيضًا أنه كتب الحديث الشريف: عبد الله بن أبي أوفَى والمغيرة بن شعبة، وفاطمة بنت سيدنا محمد ﷺ، والسيدة عائشة ﵄، وأبو بكر الصديق الذي هَمَّ بجمع الأحاديث فدون خمسمائة حديث ثم أتلفها خشية أن يكون فيها حديث غير صحيح١، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وسليمان الفارسي، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت قيس، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو بكرة الثقفي، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، ورافع بن خديج، وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله ﷺ، حتى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ذكرت العديد من المصادر أنه كانت لديه بعض الأحاديث المكتوبة، ورُوي عنه قوله: "قيِّدوا العلم بالكتاب"٢، وهذا لا يتعارض مع رُوي عنه في خلافته من جمع الكتب وحرقها؛ وذلك لعدم ثبوته من طريق صحيح، ولمخالفته للواقع.
_________________
(١) ١ راجع: تذكرة الحفاظ "١/ ٥". ٢ رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك ﵄، راجع: المحدث الفاصل للرامهرمزي "ص٣٧٧"، تقييد العلم للخطيب "ص٨٨"، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "١/ ٦٨" طبعة السلفية - الثانية "١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م".
[ ٤٩ ]
الفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم
روى الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق ابن إسحاق، وحبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري حدثه أن عمر بن عبد العزيز حين استُخلف أرسل إلى المدينة يلتمس عهد النبي -ﷺ- وسره في الصدقات، فوجد عند آل عمر بن الخطاب كتاب عمر إلى عماله في الصدقات بمثل كتاب النبي -ﷺ- إلى عمرو بن حزم، فأمر عمر بن عبد العزيز عماله على الصدقات أن يأخذوا بما في ذينك١ الكتابين، فكان فيهما صدقة الإبل ما زادت على التسعين واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك فليس فيها ما لا تبلغ العشرة منها شيء حتى تبلغ العشرة٢.
قال الحاكم: وأما كتاب النبي -ﷺ- لعمرو بن حزم، فإن إسناده من شرط هذا الكتاب؛ ولذلك ذكرت السياقة بطولها.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما، عن رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم، فإذا بلغ قيمة الذهب مائتي درهم، ففي كل أربعين درهمًا درهم.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهو دليل على الكتاب المشروح المفسر٣.
_________________
(١) ١ اسم إشارة بمعنى "هذين". ٢ المستدرك للحاكم "١/ ٣٩٤، ٣٩٥" كتاب الزكاة، السنن الكبرى للبيهقي "٤/ ٩١، ٩٢" كتاب الزكاة. ٣ المستدرك للحاكم "١/ ٣٩٥" ووافقه الذهبي في تصحيح الحديث.
[ ٥١ ]
أخبرناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارَى، ثنا صالح بن عبد الله بن محمد بن حبيب الحافظ، ثنا الحكم بن موسى.
وحدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي، ثنا أبو صالح الحكم بن موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث مع عمرو بن حزم فقُرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن كلال، قيل: ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد..
فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خُمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ما سقت السماء أو كانت سحاء أو كان بعلاء ففيه العشر إذا بلغت خمسة أوسق١، وما سُقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل السائمة٢ شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض٣، فإن لم توجد فابن لبون٤ ذكر إلى أن تبلغ خمسة وثلاثين، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسة وأربعين، فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حِقَّة٥ طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة ففيها
_________________
(١) ١ الوسق: ستون صاعًا. ٢ السائمة: التي ترعى. ٣ ابنة المخاض: هي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية وحملت فصارت من المخاض، وهي الحوامل، والمخاض: اسم جماعة للنوق الحوامل. ٤ ابن اللبون: الذي أتى عليه حولان ودخل في السنة الثالثة، فصارت أمه لبونًا بوضع الحمل؛ أي: ذات لبن. ٥ حِقَّة: هي التي أتى عليها ثلاث سنين، ودخلت في السنة الرابعة، فاستحقت الحمل والضراب.
[ ٥٢ ]
جَذَعَة١ إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت واحدة على خمسة وسبعين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت واحدة على تسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع٢، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ولا يوجد في الصدقة هرمة ولا عجفاء ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصَّدق، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة٣، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم وما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين دينارًا دينار.
إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيت محمد، إنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم ولفقراء المؤمنين وفي سبيل الله وابن السبيل، وليس في رقيق ولا في مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر، وأنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء".
قال: وكان في الكتاب: "إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم
_________________
(١) ١ جذعة: هي التي تمت لها أربع سنين ودخلت في الخامسة. ٢ التبيع: هو ما دخل في الثانية، وسُمي تبيعًا لأنه فُطم عن أمه فهو يتبعها. ٣ إنما يقع هذا في زكاة الخلطاء، وفيه إثبات الخلطة في المواشي، قال الإمام مالك: وتفسير قوله: "لا يجمع بين مفترق" أن يكون النفر الثلاثة الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة، قد وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة، فإذا أظلهم المصدق جمعوها؛ لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك، وتفسير قوله: "ولا يفرق بين مجتمع" أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا أظلهما المصدق فرقا غنمهما، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنُهي عن ذلك "الموطأ ١٧" كتاب الزكاة "١٣" باب صدقة الخلطاء - رقم "٢٥". وأظلهم: أي أشرف عليهم، والمصدق: أي آخذ الصدقة.
[ ٥٣ ]
الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد وشقه باد١، ولا يصلين أحد منكم عاقص٢ شعره، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء".
وكان في الكتاب أن من اعتبط٣ مؤمنًا قتلًا عن بينة فله قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف الذي جدعه٤ الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجْل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة٥ ثلث الدية، وفي الجائفة٦ ثلث الدية، وفي الْمُنَقَّلة٧ خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرِّجْل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضَّحة٨ خمس من الإبل، وأن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار.
هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وأقام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري بالصحة، كما تقدم ذكرى له، وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان يحيى بن معين غمزه، فقد عدله غيره كما أخبرنيه أبو أحمد الحسين بن علي ثنا
_________________
(١) ١ باد: ظاهر. ٢ عاقص شعره: عقص الشعر: ضفره وليُّه على الرأس. ٣ اعتبطه: أي ذبحه. ٤ جدعه: قطعه. ٥ المأمومة: الشجة تبلغ أم الدماغ "أو أم الرأس". ٦ الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف والتي تخالط الجوف. ٧ المنقلة: الشجة التي تنقل العظم -أي: تكسره- حتى يخرج منها فراش العظام، "وفراش العظام: القشور التي تكون على العظم، وقيل: العظام التي تخرج من رأس الإنسان إذا شج وكسر". ٨ الموضَّحة: الشجة التي تُبدي وضح العظم.
[ ٥٤ ]
عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي وسئل عن حديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله الذي كتبه له في الصدقات، فقال لسليمان بن داود الخولاني: عندنا ممن لا بأس به قال أبو محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول ذلك.
قال الحاكم: قد بذلت ما أدى إليه الاجتهاد في إخراج هذه الأحاديث المفسرة الملخصة في الزكاة ولا يستغنى هذا الكتاب عن شرحها، واستدللت على صحتها بالأسانيد الصحيحة عن الخلفاء والتابعين بقبولها واستعمالها بما فيه غنية لمن أناطها١، وقد كان إمامنا شعبة يقول في حديث عقبة بن عامر الجهني في الوضوء: لأن يصح لي مثل هذا عن رسول الله -ﷺ- كان أحب إلَيَّ من نفسي ومالي وأهلي، وذاك حديث في صلاة التطوع، فكيف بهذه السنن التي هي قواعد الإسلام! والله الموفق، وهو حسبي ونعم الوكيل٢.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير: "قوله: روي عن
_________________
(١) ١ أناطها: أناط الشيء بغيره أي علقه. ٢ المستدرك "١/ ٣٩٥-٣٩٧"، وقال الذهبي معقبًا: سليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان ابن معين قد غمزه، فقد عدله غيره، قال أبو حاتم: عندي لا بأس به، وكذا قال أبو زرعة، وهذا الحديث بطوله رواه البيهقي في سننه الكبرى "٤/ ٨٩، ٩٠"، والنسائي في سننه "٨/ ٥٧" "٤٥" كتاب القسامة - حديث "٤٨٥٣". وقال البيهقي: وقد أخرج أحمد هذا الحديث في مسنده عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، ورواه النسائي في سننه "٨/ ٥٧-٦٠" "٤٥" كتاب القسامة "٤٧، ٤٦"، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري به "٤٨٥٤"، ومن طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: قرأت كتاب رسول الله -ﷺ- الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فكتب رسول الله ﷺ: "هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ " وكتب الآيات - الحديث رقم "٤٨٥٥". ومن طريق سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري قال: جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب من أدَم عن رسول الله ﷺ: "هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ " وتلا منها آيات - الحديث "٤٨٥٦". ومن طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول - الحديث "٤٨٥٧". ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه "١٤/ ٥٠١-٥١٥ إحسان" "٦٠" كتاب البيوع "٧" باب كتب المصطفى ﷺ - ذكر كتبة المصطفى ﷺ - كتابه إلى اليمن - حديث "٦٥٥٩". وذكر الزيلعي في نصب الراية "٢/ ٣٣٩-٣٤٤"، وابن عبد البر في جامع بيان العلم "١/ ٧١"، والطبري في تاريخه "١/ ١٧٢٧"، وابن هشام في سيرته "٩٦١"، وانظر أيضًا: كتاب الأموال "٣٦٢-٣٦٨"، تقييد العلم "٧٢".
[ ٥٥ ]
عمرو بن حزم أن النبي -ﷺ- كتب في كتابه إلى أهل اليمن: "إن الذكر يقتل بالأنثى"، هذا طرف من كتاب النبي -ﷺ- وهو مشهور، قد رواه مالك والشافعي عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم في العقول، ووصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي ولكن لم يسمع منه، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر، ومن طريقه الدارقطني، ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلًا، ورواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال: قرأت في كتاب رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي موصولًا مطولًا، من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود: حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وفرقه الدارمي في مسنده عن الحكم مقطعًا.
وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، فقال أبو داود في المراسيل: قد أُسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم؛ وإنما هو سليمان بن أرقم، وقال في موضع آخر: لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود، وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي: إنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي وغيرهما، وقال جزرة: نا دُحَيم قال: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: كتب هذه الحكاية عني مسلم بن الحجاج، قلت: ويؤكد هذا ما رواه النسائي عن الهيثم بن مروان عن محمد بن بكار، عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وقال: هذا أشبه بالصواب،
[ ٥٦ ]
وقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطة لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه، وقال عبد الحق: سليمان بن داود هذا الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم، وتعقبه ابن عدي فقال: هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود وقد جوَّده الحكم بن موسى. انتهى.
وقال أبو زرعة: عرضته على أحمد، فقال: سليمان بن داود هذا ليس بشيء، وقال ابن حبان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي له هو اليمامي، قلت: ولولا ما تقدم من أن الحكم بن موسى وهم في قوله: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم لكان لكلام ابن حبان وجه، وصححه الحاكم وابن حبان كما تقدم والبيهقي، ونُقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، قال الحاكم: وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي عن ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم، فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به.
وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد؛ بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ، وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف بما فيه عند أهل العلم معرفة يُستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما رواه ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وُجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب
[ ٥٧ ]
المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله -ﷺ- والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد عبد العزيز، وإمام عصره الزهري، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما١.
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير "٤/ ١٧، ١٨" رقم "١٦٨٨".
[ ٥٨ ]
الفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث في القرن الأول الهجري
يمكن القول بأن هناك عدة أسباب ملحة لتدوين الحديث الشريف وكتابته:
١- منها: الباعث الديني والتشريعي:
حيث إن السُّنَّة تشتمل على الأحكام الفقهية والقواعد التشريعية، وكان لا بد من تدوينها وتسجيلها لتُحفظ خشية التحريف أو النسيان، وخاصة الأحاديث الطويلة نحو: أحاديث الزكاة والصدقات وأحاديث أحكام الديات ونحوها.
٢- ومنها: الحرص على تسجيل حياة النبي ﷺ وكل ما فيها من تفاصيل وأعمال في بيته وفي المسجد وفي السوق وفي الغزوات وكافة المواقف والأفعال؛ وذلك للاقتداء به في الأفعال والأعمال وغيرها.
٣- ومنها: تدوين السُّنَّة في رسائل إلى الملوك والأمراء من غير المسلمين؛ لدعوتهم إلى الإسلام، وبيان أهم سمات الإسلام وأبرز أهدافه.
٤ ومنها: تدوين السُّنَّة في مكاتبات إلى أمراء الأجناد وقادة الثغور والسرايا وحكام الأقاليم، وعمال المسلمين في شتى البلاد، ونحو ذلك. ومن المكاتبات والمراسلات التي اشتملت على بعض الحديث الشريف، سواء بين الصحابة، أو بين الصحابة والتابعين، ومن ذلك:
- كتب معاوية بن أبي سفيان للمغيرة بن شعبة يطلب منه بعض الأحاديث، فاستجاب المغيرة لطلب معاوية وأرسل له بعض الأحاديث بالبريد١.
- وكتب ابن عباس لأبي موسى الأشعري يستفسر منه عن بعض الأحاديث، فأرسلها له بالبريد٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٤/ ٤٢٣" كتاب الاعتصام بالسُّنَّة. ٢ مسند أبي داود الطيالسي "٢/ ٧١".
[ ٥٩ ]
- وأرسل أبو موسى الأشعري إلى عبد الله بن مسعود١.
- وأرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية بن أبي سفيان٢.
- وأرسل سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء٣.
- وأرسل عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح٤.
- وأرسل زيد بن أرقم إلى أنس بن مالك٥.
- وأرسل النعمان بن بشير إلى قيس بن الهيثم٦.
- وأرسل الضحاك بن قيس بن خالد إلى قيس بن الهيثم٧.
- وأرسل عبد الله بن عمرو إلى عبد العزيز بن مروان٨.
٥- ومنها: تتدوين السُّنة من أجل حفظها من الاندراس، والمحافظة عليها من التحريف؛ وذلك ليرجع إليها الصحابة صحيحة منزهة عن الخطأ والتحريف، وليرجع إليها مَن بعدهم من التابعين ثم أتباعهم إلخ، وهكذا الأجيال اللاحقة، ومن الصحابة الذين حفظوا السُّنة مكتوبة أصحاب الصحف والكتب الذين سبق ذكرهم.
٦- ومنها: تدوين ضعيفي الحفظ؛ وذلك ليتمكنوا من حفظ حديث رسول الله -ﷺ- كما صدر عنه، وليتمكنوا من الرجوع إليه كلما أرادوا لتثبيت الحفظ وتجنب الخطأ. ومن ذلك الكتابة "لأبي شاه" بأمر من النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ المسند "٤/ ٣٩٦، ٤١٤". ٢ المسند "٤/ ٣٦١". ٣ ميزان الاعتدال "٤/ ٥٤٦" رقم "١٠٣٧٥". ٤ سنن ابن ماجه "٢/ ١٦٦" كتاب الفرائض "٩" بباب ذوي الأرحام - في الحديث رقم "٢٧٣٧". ٥ تهذيب التهذيب "٣/ ٣٩٤". ٦ المسند "٤/ ٢٧٧". ٧ المسند "٣/ ٤٥٣"، أسد الغابة "٣/ ٣٧"، الإصابة "٢/ ٢٠٧" رقم "١٤٦٩". ٨ طبقات ابن سعد "٤/ ١/ ١١٠، ١١١".
[ ٦٠ ]
٧- التدوين بغرض الاستخدام الخاص: فقد رغب بعض الصحابة أن يكون لديهم سجل فيه حديث رسول الله ﷺ، فكان لعبد الله بن عمر كتب ينظر فيها من آنٍ لآخر، وكذلك غيره من الصحابة الذين كانت لهم صحف وكتب.
٨- مكاتبات خاصة بالنبي ﷺ: فقد حُفظت بعض السنن من خلال المراسلات الرسمية للنبي، ومنها العقود والاتفاقات والمعاهدات.
٩- التسجيل الثانوي من جانب طلاب الحديث: وذلك في حلقات العلم التي كان يعقدها الصحابة خاصة، فقد اعتاد واثلة بن الأسقع "ت٨٣هـ" أن يملي الأحاديث على طلابه في تلك المرحلة المبكرة١.
وممن كانوا يعقدون حلقات لدراسة الأحاديث وحفظها وتدوينها: أُبي بن كعب "ت٢٢هـ"٢، وعبد الله بن مسعود "ت٣٢هـ"٣، وعبادة بن الصامت "ت٣٤هـ"٤، وعمران بن حصين "ت٥٢هـ"٥، وأبو هريرة "ت٥٩هـ"٦، وعبد الله بن عمرو بن العاص "ت٦٥هـ"٧، وعبد الله بن عباس "ت٦٨هـ"٨، وجابر بن عبد الله "ت٧٨هـ"٩، وغيرهم ﵁.
وغير ذلك من العوامل والأسباب والبواعث التي استدعت كتابة الحديث.
_________________
(١) ١ الإملاء "١٣"، الميزان "٤/ ١٤٥" رقم "٨٦٥٨"، تقييد العلم "٩٩". ٢ طبقات ابن سعد "٣/ ٢/ ٦١". ٣ طبقات ابن سعد "٣/ ١/ ١١٠"، "٣/ ٢/ ٦١". ٤ التراتيب الإدارية "١/ ٤٨". ٥ طبقات ابن اسعد "٤/ ٢/ ٢٩". ٦ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٤٠، ٤٤١، ٤٣٣، ٤٣٦". ٧ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ١٢، ١٣". ٨ طبقات ابن سعد "٢/ ١/ ١٢١، ١٢٢"، "٧٩/ ٦"، الكنى "٢/ ١٢٦"، تاريخ بغداد "١/ ١٧٥"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٥". ٩ تهذيب التهذيب "٢/ ٤٣".
[ ٦١ ]
الفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف ١
كما احتاط الصحابة في التحديث احتاطوا أيضًا وتثبتوا في قبول الأخبار عن رسول الله -ﷺ- خشية الوقوع في الخطأ، ومن مظاهر ذلك ما يلي:
الأول: طلبهم شاهدًا على السماع: قال الحافظ الذهبي: كان أبو بكر -﵁- أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله -ﷺ- ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه٢.
وروى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع"، فقال: والله لتقيمن عليه ببينة٣، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أُبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي -ﷺ- قال ذلك٤، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك؛ ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
_________________
(١) ١ راجع: المدخل إلى توثيق السنة "ص٣٢-٣٤". ٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٣" والحديث في الموطأ "٢/ ٥١٣"، وسنن أبي داود "٣/ ٣١٦، ٣١٧" "١٣" كتاب الفرائض "٥" باب في الجدة - حديث "٢٨٩٤"، سنن الترمذي "٤/ ٣٦٥، ٣٦٦" "٣٠" كتاب الفرائض "١٠" باب ما جاء في ميراث الجدة - حديث "٢١٠٠"، "٢١٠١"، سنن ابن ماجه "٢/ ١٠٨، ١٠٩" "٢٣" كتاب الفرائض "٤" باب ميراث الجدة - حديث "٢٧٢٤". ٣ في لفظ مسلم: فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. ٤ صحيح البخاري بحاشية السندي "٤/ ٨٨"، صحيح مسلم "٣/ ١٦٩٤". وهو في الموطأ "٢/ ٩٦٤". ٥ الموطأ "٢/ ٩٦٤".
[ ٦٣ ]
وروى الإمام مسلم عن المسور بن مخرمة قال: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة١، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي قضى فيه بغُرَّة٢: عبد أو أمة. قال: فقال عمر ﵁: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة٣.
وروى صفوان بن عيسى: أخبرنا محمد بن عمار عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان للعباس بيت في قبلة المسجد، فضاق المسجد على الناس، فطلب إليه عمر البيع فأبى، فذكر الحديث٤. وفيه: فقال عمر لأُبي: لتأتيني على ما تقول ببينة، فخرجا فإذا ناس من الأنصار قال: فذكرهم، قالوا: قد سمعنا هذا٥ من رسول الله -ﷺ- فقال عمر: أما إني لم أتهمك؛ ولكني أحببتُ أن أتثبت٦.
_________________
(١) ١ ملاص: هو جنين المرأة، والمشهور لغة: إملاص المرأة. ٢ الغرة: العبد والأمة، فعبر عن الكل بالبعض، وأصل الغرة بياض الوجه، وغرة كل شيء أوله وأكرمه. ٣ صحيح مسلم "٣/ ١٣١١" "٢٨" كتاب القسامة "١١" باب دية الجنين حديث رقم "٣٩/ ١٦٨٩". ٤ انظر طبقات ابن سعد "٤/ ١/ ١٣، ١٤" و"٣/ ١/ ٢٠٣" ونصه كما رواه ابن سعد عن سالم أبي النضر أن عمر قال له: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فتوسع بها في مسجدهم، فقال: لا ولا واحدة منها، فقال عمر: بيني وبينك من شئت، فقال: أُبي بن كعب، فانطلقا إلى أُبي، فقصا عليه القصة فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي -ﷺ- فقالا: حدثنا، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتًا أُذكر فيه، فخط له هذا الخطة خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياه، فأبَى فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتًا أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيت الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك ألا تبنيه، قال: يا رب فمن ولدي، قال: من ولدك". قال: فأخذ عمر -﵁- بمجامع ثياب أبي بن كعب -﵁- وقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشهد منه لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله -ﷺ- فيهم أبو ذر، فقال: إني نشدت إليه رجلًا سمع رسول الله -ﷺ- يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره، فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ، وقال آخر: أنا سمعته، وقال آخر: لنا سمعته -يعني من الرسول ﷺ- قال: فأرسل عمر أُبيًّا، قال: وأقبل أُبي على عمر فقال: يا عمر، أتتهمني على حديث رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما اتهمتك عليه؛ ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله -ﷺ- ظاهرًا، وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، فقال العباس: أما إذ فعلت هذا، فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسِّع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا، فخط عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم، وبناها من بيت مال المسلمين. ٥ أي: حديث بناء بيت المقدس الذي ذكره أبي بن كعب ﵁. ٦ تذكرة الحفاظ "١/ ٨" وانظر: طبقات ابن سعد "٤/ ١/ ١٣، ١٤".
[ ٦٤ ]
وعن مالك بن أوس قال: سمعت عمر يقول لعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض به أعلمتم أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنا لا نورث، ما تركناه صدقة"؟ قالوا: اللهم نعم١.
وعن بُسر بن سعيد قال: أتى عثمانُ المقاعد، فدعا بوضوء، فتمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله -ﷺ- هكذا يتوضأ، يا هؤلاء أكذاك؟ "لنفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- عنده" قالوا: نعم٢.
الثاني: التشدد في الحفظ والأداء خشية أن يكون الواحد منهم سمع الحديث أو حفظه على وجه لا ينبغي فيخطئ في أدائه، ويكذب على رسول الله -ﷺ- وإن كان غير متعمد، فقللوا من روايتهم عن رسول الله ﷺ، ولا شك أن المقل في الرواية أضبط وأتقن لما يُروى. قال عثمان بن عفان ﵁: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله -ﷺ- ألا أكون أوعى أصحابه عنه؛ ولكني أشهد لَسَمِعتُه يقول: "مَن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
ويقول الإمام علي كرم الله وجهه: "إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخرَّ من السماء أحب إليَّ من أن أقول عليه ما لم يقل"٤.
وصح عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه خطبهم فقال: "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار"٥. فأبو بكر يبين للناس جميعًا أنه لا يحدث إلا بما يعلم ويثق منه، ثم إنه لم يكتفِ بالحيطة لنفسه؛ بل أمر الناس بذلك أيضًا، وحثهم على التثبت فيما يحدثون به أو يستمعونه، ومن
_________________
(١) ١ مسند أحمد "١/ ٢٨٨، ١٨٦، ١٨٧" وإسناده صحيح. ٢ مسند أحمد "١/ ٣٧٢" بإسناد صحيح. ٣ مسند أحمد "١/ ٦٥". ٤ صحيح مسلم بشرح النووي "٣/ ١١٦". ٥ تذكرة الحفاظ "١/ ٤"، وفي مقدمة التمهيد "١/ ١١" ولفظه: قال أبو بكر الصديق ﵁: "إياكم والكذب؛ فإنه مجانب الإيمان".
[ ٦٥ ]
ذلك ما رواه الذهبي من مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله -ﷺ- أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافًا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحِلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه".
ثم قال الحافظ الذهبي: "يدلك هذا أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنن، فلما أُخْبِرَه ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل: حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج"١.
الثالث: أنهم تشددوا مع الآخرين الذين يتلقون عنهم حديث رسول الله ﷺ: كما يوضح ذلك قول البراء بن عازب ﵁: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله -ﷺ- كان يحدثنا أصحابنا وكنا منشغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله -ﷺ- فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه"٢، فروى الزهري أنا أبا بكر -﵁- حدث رجلًا حديثًا فاستفهمه إياه، فقال أبو بكر: هو كما حدثتك، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا أنا قلت ما لم يقل٣.
الرابع: ومن مظاهر هذا التشدد: أنهم كانوا يستحلفون الراوي عن الرسول مهما كانت منزلته من رسول الله -ﷺ- وفي الإسلام؛ فقد روى علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فقام إليه عَبِيدَة السلماني فقال: "يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو لَسَمِعتَ هذا الحديث عن رسول الله ﷺ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو" حتى استخلفه ثلاثًا وهو يحلف٤.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ "١/ ٣، ٤"، وانظر: السنة قبل التدوين "ص١١٣". ٢ معرفة علوم الحديث للحاكم "ص١٤". ٣ راجع: السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب "ص١١٢، ١١٣" ومصادره. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي "٣/ ١١٨، ١١٩".
[ ٦٦ ]
وكذلك كان علي -﵁- يفعل، فروى الترمذي في سننه عن أسماء بن الحكيم الفزاري قال: سمعت عليًّا يقول: إني كنت رجلًا إذا سمعتُ من رسول الله -ﷺ- حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف صدقته، وإنه حدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" الحديث١.
الخامس: ومن مظاهر هذا التشدد أيضًا أن بعضهم حَرَصَ على ألا يأخذ حديثًا منقطعًا لم يسمعه ناقله من رسول الله -ﷺ- إلا إذا بيَّن إسناده الموصل إلى رسول الله ﷺ، ومثال ذلك حديث مسلم الذي رواه أربعة من الصحابة: عمرو بن السعدي عن حُويطب، عن السائب، عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله -ﷺ- كان يعطي عمر بن الخطاب -﵁- العطاء فيقول عمر: أعطِه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ: "خذه فتموَّلْه أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تُتْبِعهُ نفسَك" ٢.
وقال النووي في شرحه للحديث: "وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة صحابيون يروي بعضهم عن بعض، أو أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض"٣.
السادس: ومن مظاهر الحيطة التوقف في قبول الحديث وعرضه على القرآن الكريم: مثاله: إنكار السيدة عائشة -﵂- حديث عمر: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"؛ حيث فهم سيدنا عمر -﵁- أن ذلك عام، وأن التعذيب بسبب بكاء الأهل على الميت، فأنكرت عليه ذلك، وقالت: إنما قال النبي -ﷺ- في يهودية
_________________
(١) ١ سنن الترمذي "٢/ ٢٥٧، ٢٥٨"، ومسند أحمد "١/ ١٥٤، ١٧٤، ١٧٨". ٢ صحيح مسلم بشرح النووي "٣/ ٨٤، ٨٥". و"مشرف" أي: قائم على عمل بالإشراف، "فلا تتبعه نفسك" أي: لا تحرص عليه. ٣ المصدر السابق.
[ ٦٧ ]
أنها تعذب وهم يبكون عليها؛ يعني: تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء، واحتجت بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] وقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] . فهي -﵂- ترى أن الحديث يخص الكافر وحده ولم تكذِّبْ عمر ولا ابنه عبد الله في رواية الحديث وخاصة الذي جاء فيه لفظ "المؤمن" "في الصحيحين"؛ وإنما ترى أنهما أخطآ أو نَسِيَا، واستندت إلى القرآن الكريم في الفَهْم الذي بان لها من روايات الحديث المختلفة.
ففي رواية في الصحيحين قالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله -ﷺ- أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه؛ ولكن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ١.
وفي رواية في المستدرك٢: وأما قوله: إن الميت يعذب ببكاء الحي، فلم يكن الحديث على هذا؛ ولكن رسول الله -ﷺ- مر بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه فقال: "إنهم ليبكون عليه، وإنه ليعذب" ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٢] وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وفي رواية عند مسلم قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن -أي: ابن عمر- أما إنه لم يكذب؛ ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله -ﷺ- على يهودية يُبكى عليها، فقال: "إنهم يبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها" ٣.
وفي رواية عند مسلم أيضًا قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله -ﷺ- جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: "أنتم تبكون عليه وإنه ليعذب" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "١/ ٣٩٧" كتاب الجنائز "٢٣" باب قول النبي ﷺ: "يعذب الميت ببكاء أهله عليه" - حديث "١٢٨٦، ٢٨٨". صحيح مسلم "٢/ ٦٤١، ٦٤٢" "١١" كتاب الجنائز "٩" باب الميت يعذب ببكاء أهله - حديث "٩٢٨/ ٢٣". ٢ المستدرك للحاكم "٢/ ٢١٥" كتاب العتق. ٣ صحيح مسلم "٢/ ٦٤٣" "١١" كتاب الجنائز "٩" باب الميت يعذب ببكاء أهله - حديث "٩٣٢/ ٢٧". ٤ صحيح مسلم "٢/ ٦٤٢" الموضع السابق - الحديث "٩٣١/ ٢٥".
[ ٦٨ ]
وقد جاء في رواية أخرى تصريحها أيضًا بعدم تكذيب عمر وابنه عبد الله -﵄- ففي رواية: "إنكم لتحدثوني من غير كاذبين ولا مكذِّبين؛ ولكن السمع يخطئ"١، وفي رواية: "رحم الله عمر، ما كذب؛ ولكنه أخطأ، أو نسي"٢.
وقد ذكر القرطبي أن عمر وابنه -﵄- لم ينفردا برواية الحديث؛ وإنما رُوي عن عدة من الصحابة، فلا وجه لإنكار هذا الحديث، والأَوْلَى حمله على محمل صحيح.
قال القرطبي: "إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا -بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون؛ فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل الصحيح، ومن هؤلاء: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة"٣.
وقد ذكر العلماء عدة أوجه محتملة في الجمع بين هذا الأحاديث التي رواها سيدنا عمر وغيره، والتي روتها السيدة عائشة ﵂.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب الجمع:
- منها: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا أوصى أهله بذلك، وممن قال ذلك: المزي وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية.
وقال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، ونقله النووي عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:
إذا مِتُّ فانعيني بما أنا أهله وشُقِّي عليَّ الجيب يابنة مِعبَدِ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "٢/ ٥٨٩-٥٩٣". ٢ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - للزركشي "ص٧٦، ٧٧". ٣ المفهم "٢/ ٥٨١".
[ ٦٩ ]
ثم ذكر أن ذلك يقع أيضًا لمن نهى أهله عن ذلك ممن كان شأنهم ذلك، وهو قول داود وابن المرابط وطائفة.
- ويرى الإمام البخاري صحة الحديثين جميعًا؛ ولكن ليسا على إطلاقهما، فحديث عمر إنما هو في النوح المنهي عنه، والذي فيه التفوه بمعارضة القدر والتمرد عليه، وإذا كان من سنته ذلك، ولا يكون فيه معارضة للآية الكريمة: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٢] .
وقال نحو ذلك ابن حزم وطائفة، واستدل ابن حزم بحديث ابن عمر عند البخاري في قصة موت إبراهيم ابن النبي -ﷺ- وفيه: "ولكن يُعذب بهذا"، وأشار إلى لسانه، قال ابن حزم: فصح أن البكاء الذي يُعذب به الإنسان ما كان منه باللسان.
- وقيل: معنى التعذيب: توبيخ الملائكة له بما يَنْدُبه أهله به.
- وقيل: معنى التعذيب: تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها. اختاره الطبري ورجحه القاضي عياض وابن المرابط وابن تيمية١.
ومما سبق يتبين أنه لا تعارض بين السُّنَّة الصحيحة والقرآن الكريم.
وقد قال العلماء: إن السيدة عائشة حملت اللام للعهد، وحملها سيدنا عمر على الاستغراق، وذلك في رواية: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" ٢.
السابع: ومن مظاهر الحيطة عرض السُّنَّة على السُّنَّة، ومثاله ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلتُ على عائشة فقلت: يا أماه! إن جابر بن عبد الله يقول: "الماء من الماء" فقالت: "أخطأ، جابر أعلم مني برسول الله ﷺ؟ يقول: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل"، أيوجب الرجم ولا يوجب الغسل؟! "٣
_________________
(١) ١ راجع: فتح الباري "٣/ ١٨٥" وما بعدها في ترجمة الباب السابق للبخاري. ٢ راجع: الإجابة للزركشي "ص٩٢". ٣ الإجابة "ص١٤٥".
[ ٧٠ ]
ومثاله أيضًا حديث شريك بن عبد الله عن المقدام بن شُريح بن هانئ عن عائشة قالت: "من حدثكم أن رسول الله -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا" رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه١.
قال الترمذي: هو أحسن شيء في هذا الباب وأصح.
وقال الإمام بدر الدين الزركشي: وإسناده على شرط مسلم٢.
الثامن: ومن مظاهر الحيطة عرض الحديث على القياس: ومثاله: ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط"، فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يابن أخي، إذا سمعتَ حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فلا تضرب له مثلًا٣.
التاسع: ومن هذه الوسائل أيضًا عرض الحديث على ما يقول به الصحابة، متى كان الحديث مخالفًا لفتواهم دل ذلك على أن الرسول لم يقله أو أنه منسوخ، ومثاله: قال عبيد بن رفاعة الأنصاري: كنا نجلس في مجلس فيه زيد بن ثابت، فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة" فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل: اذهب أنت بنفسك فائتني به، حتى
_________________
(١) ١ سنن الترمذي "١٧/ ١" أبواب الطهارة "٨" باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا - حديث "١٢". وقال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح، سنن النسائي "١/ ٢٦" "١" كتاب الطهارة "٢٥" باب البول في البيت جالسًا - حديث "٢٩" سنن ابن ماجه "١/ ١١٢" "١" كتاب الطهارة "١٤" في البول قاعدًا - حديث "٣٠٧". ٢ الإجابة "ص١٦٦". ٣ سنن الترمذي "١/ ١١٤، ١١٥" أبواب الطهارة "٥٨" باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار - حديث "٧٩". قال أبو عيسى: وفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي موسى، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين من بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار، و"الأقط": لبن مجفف يابس، كأنه نوع من الجبن، و"الثور": القطعة منه، و"الحميم": الماء الحار.
[ ٧١ ]
تكون أنت الشاهد عليه، فذهب فجاء به وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله -ﷺ- منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي عُدي نفسه، تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد: أما والله ما ابتدعتُه؛ ولكن سمعته من أعمامي: رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاري. فقال عمر لمن عنده: يا عباد الله، قد اختلفتم، وأنتم أهل بدر الأخيار، فقال له علي: فأرسل إلى أزواج النبي، فإنه إن كان شيء من ذلك ظَهَرْنَ عليه، فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: "لا علم لي بذلك"، ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل"، فقال عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلتُه نكالًا"١.
العاشر: ومن مظاهر الحيطة في قبول الحديث الشريف أنهم كانوا إذا وجدوا كتابًا لا يحدثون بما فيه إلا إن تأكدوا من سماعه أو قراءته على صاحبه، فقد كان عمر بن الخطاب -﵁- يكره تلقي الحديث من الكتب دون سماع أو قراءة، فقال: "إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليَدْعُ بإناء وماء فلينقعه فيه حتى يختلط سواده مع بياضه"٢.
تلك آثار تبين منهج الصحابة في التثبت والتأكد من الأخبار، وهذا لا يعني أبدًا أن الصحابة اشترطوا لقبول الحديث أن يرويه راويان فأكثر أو أن يشهد الناس على الراوي أو يُستحلف، فإذا لم يحصل شيء من هذا رُدَّ خبرُه؛ بل كان الصحابة يثبتون في قبول الأخبار ويتبعون الطريقة التي تطمئن إليها نفوسهم، فلم يكن ذلك شأنهم المستمر؛ بل كان يحصل إذا ما ارتابوا في ضبط الراوي ونحوه، كما كان الهدف حمل المسلمين على جادَّة التثبت العلمي والتحفظ في دين الله حتى لا يتقول أحد على الرسول -ﷺ- ما لم يقل، ويتضح هذا في قول عمر -﵁- عندما رجع أبو موسى الأشعري مع أبي سعيد الخدري وشهد له: "أما إني
_________________
(١) ١ الإجابة لما استدركته السيدة عائشة على الصحابة "ص٧٨". ٢ الكفاية في علم الرواية "ص٣٥٣" طبعة الهند.
[ ٧٢ ]
لم أتهمك؛ ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ"١، وكما قال الذهبي: "إن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به الواحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد"٢.
وقال أيضًا بعد إيراد طريقة الصديق في التثبت: "إن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية"٣.
وكما طلب الصحابة من الراوي شهادة غيره أيضًا، قبلوا أحاديث كثيرة برواية الآحاد وبَنَوْا عليها أحكامهم٤.
فقد قبل عمر -﵁- رواية الضحاك بن سفيان: أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دينه، ولم يطلب بينة، وقد سبق قول سيدنا عمر أيضًا لأُبي: إما إني لم أتهمك؛ ولكن أحببت أن أتثبت.
وقال علي: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر.
_________________
(١) ١ موطأ مالك "٢/ ٩٦٤"، والرسالة "٤٣٥"، وتوجيه النظر "ص١٦". ٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٦، ٧". ٣ المصدر السابق "١/ ٤". ٤ راجع: السنة قبل التدوين "ص١١٦، ١١٧".
[ ٧٣ ]
الفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف
عرَف الصحابة منزلة السُّنَّة، فتمسكوا بها، وتتبعوا آثار الرسول -ﷺ- وأبَوْا أن يخالفوها متى ثبتت عندهم.
واحتاطوا في رواية الحديث عن النبي -ﷺ- خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا من أن يتسرب إلى السُّنَّة المطهرة الكذبُ أو التحريف، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم؛ ولهذا فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- اتَّبعوا كل سبيل يُمكِّنهم من حفظ السُّنَّة المطهرة.
وكان سيدنا عمر شديد الإنكار على مَن أكثر الرواية وكان يأمر بأن يُقِلوا من الرواية، يريد بذلك ألا يتسع الناس فيها حتى لا يدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر.
وقد كان المنهج العام عند الصحابة هو: التشدد في رواية الحديث، والتثبت في السماع، والتروي في الأداء لأسباب؛ أهمها: حتى لا ينصرف الناس عن الحفظ الجيد للقرآن الكريم، وخشية الخطأ أو وقوع التحريف، ويتضح ذلك خلال العرض الآتي: تشدد عمر بن الخطاب في رواية الحديث الشريف، فحمل الناس على التثبت مما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فكان له الفضل الكبير في صيانة الحديث من الشوائب والدخل.
ويصور لنا أبو هريرة -﵁- محافظة الصحابة على السُّنَّة في عهد عمر بإجابته عن سؤال طرحه عليه أبو سلمة، قال له: أكنتَ تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته. وفي رواية قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثتُ بها زمن عمر لضربني عمر بالدرة١.
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٢١".
[ ٧٥ ]
وقد كان تشدد عمر والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم، بجانب المحافظة على السُّنَّة، فقد خَشِي أن يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم، وهو دستور الإسلام، فأراد أن يحفظ المسلمون القرآن جيدًا، ثم يعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن قد دُوِّن كله في عهد الرسول -ﷺ- كالقرآن. فنهج لهم التثبت العلمي والإقلال من الرواية مخافة الوقوع في الخطأ، وقد عُرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد فسُمح لهم بالتحدث.
ويتجلى منهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- في وصيته التي أوصى بها وفده إلى الكوفة فيما رُوي عن قرظة بن كعب أنه قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة، وشيَّعنا إلى موضع قرب المدينة يقال له: "صرار"، قال: أتدرون لِمَ مشيتُ معكم؟ قال: قلنا: لحقِّ صحبة رسول الله -ﷺ- ولحق الأنصار. قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنكم تَقْدُمون على قوم للقرآن في قلوبهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله -ﷺ- وأنا شريككم١. وفي رواية: فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدِّثنا، فقال: نهانا عمر رضي الله عنه٢.
ورُوي عن أمير المؤمنين عثمان -﵁- أنه اتبع منهج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- ومنع الإكثار من الرواية، قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحل لأحد يروي حديثًا عن رسول الله لم أسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر؛ فإنه لم يمنعنا أن نحدث عن رسول الله -ﷺ- ألا أكون أوعى لأصحابي عنه؛ إلا أني سمعته يقول: "من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوأ
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه "١/ ٩"، وطبقات ابن سعد "٦/ ص٢"، والهزيز: الصوت. وقوله: وأنا شريككم أي: شريككم في الإقلال أي: أنصحكم بذلك وأعمل بنصيحتي، لا كما ذهب إليه السندي من أنه شريك في الأجر؛ بسبب أنه الدال الباحث لهم عن الخير. ٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٧"، وجامع بيان العلم "٢/ ١٢٠"، وانظر: سنن الدارمي "١/ ٨٥"، وسنن البيهقي "١/ ١٢".
[ ٧٦ ]
مقعده من النار"١، وفي رواية: "مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٢.
ويُروى أن معاوية كان يقول: "اتقوا الروايات عن رسول الله -ﷺ- إلا ما كان يذكر منها في زمن عمر؛ فإن عمر كان يُخوِّف الناس في الله تعالى"٣.
والتزم جمهور الصحابة في الخلافة الراشدة منهج عمر بن الخطاب -﵁- خشية أن يقعوا في الخطأ مع كثرة تحملهم عن الرسول ﷺ. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الحديث؛ ولكن العلم الخشية٤.
ومن الصحابة من لم يُحدث إلا بأحاديث معدودة، ومنهم من لم يحدث إلا بحديث واحد مثل:
أُبي بن عمارة المدني، قال المزي: له حديث واحد في المسح على الخفين، رواه أبو داود وابن ماجه٥.
وآبِي اللحم الغفاري، قال المزي: له حديث واحد في الاستسقاء، رواه الترمذي والنسائي٦.
أحمد بن جزء البصري، قال المزي: له حديث واحد؛ أن رسول الله -ﷺ- كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، رواه أبو داود وابن ماجه وتفرد به عنه الحسن البصري٧.
_________________
(١) ١ قبول الأخبار "ص٢٩"، انظر الحديث في مسند أحمد "١/ ٣٦٣" مختصرًا بإسناد صحيح. ٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١/ ١٤٣"، وقال: ورجاله رجال الصحيح. ٣ رد الدارمي على بشر المريسي "ص١٣٥"، وانظر: تذكرة الحفاظ "١/ ٧" وانظر: السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب "ص٩٦-٩٨". ٤ مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول "ص١". ٥ سنن أبي داود "١/ ١٠٩، ١١٠" "١" كتاب الطهارة "٦٠" باب التوقيت على المسح - حديث رقم "١٥٨"، سنن ابن ماجه "١/ ١٨١" كتاب الطهارة "٨٧" باب ما جاء في المسح بغير توقيت - حديث رقم "٥٥٧". ٦ سنن الترمذي "٢/ ٤٤٣" كتاب الطهارة "٢٧٨" باب ما جاء في صلاة الاستسقاء - حديث رقم "٥٥٧"، سنن النسائي "٣/ ١٥٩" كتاب الطهارة "١٧" رفع الإمام يده في الاستسقاء - حديث رقم "١٥١٤". ٧ سنن أبي داود "٢" كتاب الصلاة "١٥٨" باب صفة السجود - حديث رقم "٩٠٠" سنن ابن ماجه "٥" كتاب إقامة الصلاة "١٩" باب السجود - حديث رقم "٨٨٦".
[ ٧٧ ]
أدْرُع السلمي، قال المزي: له حديث: جئت ليلة أحرس النبي -ﷺ- فإذا رجل قراءته عالية، رواه ابن ماجه١.
حَدْرَد بن أبي حدرد السلمي، روى حديثًا واحدًا: "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" رواه أبو داود٢.
ولا يتعارض إكثار بعض الصحابة في الرواية مع مبدأ التحري من صحة الرواية، فهذا المبدأ التزم به المكثرون والمقلون معًا:
فمثلًا أنس بن مالك الذي كان من المكثرين قال: "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي -ﷺ- قال: "مَن تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب محمد -ﷺ- ما منهم أحد يحدث بحديث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إياه، ولا يُستفتَى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه"، وفي رواية: "يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول".
وقال مجاهد: صحبتُ ابن عمر من مكة إلى المدينة فما سمعتُه يحدث عن رسول الله -ﷺ- إلا هذا الحديث: "مَثَلُ المؤمن مَثَلُ النخلة" ٤.
وقال السائب بن يزيد: صحبتُ سعد بن أبي وقاس من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدث عن النبي -ﷺ- حديثًا حتى رجع٥.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه "٦" كتاب الجنائز "٤١" باب ما جاء في حفر القبر - حديث رقم "١٥٥٩". ٢ سنن أبي داود "٥" كتاب الأدب "٥٥" باب فيمن يهجر أخاه المسلم - حديث رقم "٤٩١٥". ٣ صحيح البخاري بحاشية السندي "١/ ٣١". صحيح مسلم "١/ ١٠" المقدمة "٢" باب تغليظ الكذب على رسول الله - حديث رقم "٢". ٤ صحيح مسلم "٢/ ٢١٦٥" "٥٠" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم "١٥" باب "مثل المؤمن مثل النخلة" - حديث رقم "٦٤/ ٢٨١١". ٥ سنن ابن ماجه "١/ ٩" السنن الكبرى للبيهقي "١/ ١٢"، المحدث الفاصل "ص١٣٤" - طبقات ابن سعد "٣/ ١/ ١٠٢".
[ ٧٨ ]
فتشدد الصحابة في الرواية كراهة التحريف أو الزيادة والنقصان في الرواية عن رسول الله ﷺ؛ لأن كثرة الرواية كانت في نظر الكثيرين منهم مظنة الوقوع في الخطأ والكذب على الرسول ﷺ، وقد نهى النبي -ﷺ- عن الكذب عليه فقال: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، ونهى عن رواية ما يُرى أنه كذب فقال: "من حدث عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ١، وفي الحديث الصحيح: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" ٢.
تلك هي طريقة الصحابة ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله خشية الوقوع في الخطأ، أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أن تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذوا به، ففعلوا ذلك كله احتياطًا للدين ورعاية لمصالح المسلمين، لا زهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلًا له، فقد ثبت عن الصحابة جميعًا تمسكهم بالحديث الشريف، وإجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه ما يريدون تمسكوا به، وأجروا "حكم الحادثة" على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى "السُّنَّة"، فإن رُوي لهم خبر أخذوا به، ونزلوا على حكمه، وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي٣.
وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة؛ كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به التزمه، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله -ﷺ- فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله -ﷺ- قضى فيه بقضاء؟
_________________
(١) ١ رواه مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب، وحديث المغيرة بن شعبة "١" المقدمة "١" باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله ﷺ. ٢ صحيح مسلم "١/ ١٠" المقدمة "٣" باب النهي عن الحديث بكل ما سمع - من حديث أبي هريرة "٥". ٣ انظر: الملل والنحل للشهرستاني "ص٤٤٦، ٤٤٧".
[ ٧٩ ]
فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي -ﷺ- جمع رؤساء الناس فاستشارهم١ وكان عمر -﵁- يفعل ذلك.
هكذا كان منهج الصحابة جميعًا في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أن يتخذ بعض ما ورد عن بعض الصحابة ذريعة لهواه فينكر السُّنة أو يشكك فيها، وخاصة الأحاديث التي رواها المكثرون من رواية الحديث الشريف من الصحابة؛ كأبي هريرة وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعائشة ﵃ أجمعين.
وقد وضح هذه المسألة الأئمة والحفاظ ومنهم ابن عبد البر والخطيب البغدادي، يقول ابن عبد البر: احتج بعض مَن لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم، الطاعنين في السنن، بحديث عمر -﵁- هذا قوله: "أقِلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ"، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله -ﷺ- التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها، ولا حجة في هذا الحديث، ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه ذكرها أهل العلم؛ منها:
أن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصَوْا القرآن، فخَشِي عليهم الاشتغال بغيره عنه؛ إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك.
وقال غيره: إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حُكمًا ولا يكون سُنة.
وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وردَّه؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه، منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب، في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهى به راحلته، ومن خشي ألا يعيَها فإني لا أحل له أن يكذب عليَّ٢.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين "١/ ٦٢". ٢ انظر هذا القول لعمر -﵁- رواه الخطيب البغدادي عن ابن عباس في الكفاية "ص١٦٦".
[ ٨٠ ]
وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله -ﷺ- إنما كان خوف الكذب على رسول الله -ﷺ- وخوفًا من أن يكونوا -مع الإكثار- يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلَّت روايته أكثر من ضبط المتكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يُؤمن مع الإكثار؛ فلهذا أمرهم عمر بالإقلال من الرواية، ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: "فمن حفظها ووعاها فليحدث بها"، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله -ﷺ- وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم؛ بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله -ﷺ- ويأمرهم بالإقلال منه، وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله: من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته؟! ثم قال: ومن خشي ألا يعيها فلا يكذب عليَّ، وهذا يوضح لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث هذا؛ وإنما يدور على "بيان١" عن "الشعبي" وليس مثله جدة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنن والكتاب.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه٢ والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه، فكيف يتوهم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به. وقد قال رسول الله ﷺ: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى مَن لم يسمعها " الحديث، وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه ﷺ، وقال: "خذوا عني في غير ما حدثت وبلِّغوا عني"، والكلام في هذا أوضح من النهار لأُولى النهى
_________________
(١) ١ هو بيان بن بشر الأحمي أبو بشر الكوفي، موثق، وطعن ابن عبد البر في روايته هذه؛ لأنه خالف من هو أوثق منه، وهذا لا يمنع صحتها؛ ولكن يجمع بينهما. انظر: الإحكام لابن حزم "٢/ ١٣٧"، وانظر كلام ابن عبد البر الآتي. ٢ أي: اتباع الرسول ﷺ.
[ ٨١ ]
والاعتبار، ولا يخلو الحديث عن رسول الله -ﷺ- من يكون خيرًا أو شرًّا، فإن كان خيرًا -ولا شك في أنه خير- فالإكثار من الخير أفضل، وإن كان شرًّا فلا يجوز أن يُتوهم أن عمر يوصيهم بالإقلال من الشر١.
وهذا يدلك أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله -ﷺ- وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه.
وذكر مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز عن قيس بن عبادة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: من سمع حديثًا فأداه كما سمع فقد سلم.
ومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يروى عن عمر أنه كان يقول: تعلموا الفرائض والسُّنة كما تتعلمون القرآن. فسوى بينهما.
وكتب عمر: تعلموا السُّنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن. قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف؛ بل في مواقف شتى: من عنده علم عن رسول الله -ﷺ- في كذا، نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط ميتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك.
وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم وهو القائل: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها". وعمر أيضًا هو القائل: خير الهدى هدى محمد ﷺ. وهو القائل: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.
ثم يقول ابن عبد البر: وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة، ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئًا وأتقنه جاز له أن يحدث به، وإن كان الإكثار يحمل الإنسان على التقَحُّم٢ في أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء، وغث وسمين، وقد قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ١ انظر: إعلام الموقعين "١/ ٥٥" لمعرفة المزيد من حرص سيدنا عمر على السُّنة. ٢ التقحم: عدم المبالاة.
[ ٨٢ ]
ﷺ: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم١. ولو كان مذهب عمر ما ذكرنا؛ لكانت الحجة في قول رسول الله -ﷺ- دون قوله، فهو القائل: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها وبلغها"، وقال النبي: "تسمعون ويُسمع منكم" رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم٢.
ويقول الخطيب البغدادي:
إن قال القائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله -ﷺ- وتشديده عليهم في ذلك؟ قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين؛ لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال، ويتكلوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها، ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يرد الحديث مجملًا ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أن يُحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحكم بخلاف ما أُخذ، ونحو من هذا.
الحديث الآخر عن معاذ قال: كنت ردف رسول الله -ﷺ- على حمار له يقال له: عُفَيْر، فقال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله"؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب مَن لا يشرك به"، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا، فيتكلوا" ٣.
وفي تشديد عمر على الصحابة في رواياتهم حِفْظٌ لحديث رسول الله -ﷺ- وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يُدخل في السنن ما ليس منها؛ لأنه إذا رأى الصحابي المقبول القول، المشهور بصحبة النبي -ﷺ- قد تُشُدِّدَ عليه في
_________________
(١) ١ صحيح مسلم "١/ ١٠" المقدمة "٣" باب النهي عن الحديث بكل ما سمع - حديث رقم "٥". ٢ جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٢١-١٢٤". ٣ رواه البخاري في صحيحه "١/ ٢٣٦ - فتح " من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ومعاذًا رديفه على الرحل قال: "يا معاذ بن جبل " الحديث.
[ ٨٣ ]
روايته، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، وبهذا يسلم حديث رسول الله -ﷺ- فلا يتطرق إليه الكذب، ولا يزاد عليه ما ليس منه١.
وروى الخطيب عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية على المنبر بدمشق يقول: "يأيها الناس، إياكم وأحاديث رسول الله -ﷺ- إلا حديثًا كان يذكر على عهد عمر -﵁- فإن عمر كان يخيف الناس في الله ﷿"٢.
وإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله -ﷺ- حديث السلام؛ لكن فعله على الوجه الذي بيناه من الاحتياط؛ لحفظ السنن والترهيب في الرواية، والله أعلم. انتهى٣.
فلقد كان الصحابة جميعًا يتثبتون في الحديث، ويتأنون في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحته، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تقضي إلى ذلك، فاتبعوا منهجًا سليمًا يمنع الشوائب من أن تدخل السُّنة النبوية فتفسدها.
وتميز في حمل لواء هذه المحافظة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد ظهر لنا -مما رُوى عنه- اهتمامه الكبير بالسُّنة النبوية وإجلاله للحديث الشريف، وإن الأخبار التي رُويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُّنة؛ ومن ثَم ليس لأحد أن يرى تناقضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية، فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السنن والترهيب في الرواية، وأما من كان يتقن ما
_________________
(١) ١ انظر: السنة قبل التدوين للدكتور/ محمد عجاج الخطيب "ص١٠٤" ومصادره. ٢ انظر نحو هذا القول عن معاوية في تذكرة الحفاظ "١/ ٧". ٣ شرف أصحاب الحديث "ص٩٢، ٩٣" وحديث السلام هو حديث أبي سعيد الخدري قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره فقال: لِمَ رجعت؟ فقال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثًا فلم يجب فليرجع"، فقال عمر: لتأتيني على ما تقول ببينة إلخ.
[ ٨٤ ]
يحدث به ويعرف فقهه وحكمه، فلا يتناوله أمر عمر -﵁- فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُّنة ونشرها وتبليغها صحيحة، والسبيل إلى ذلك أن يتثبت حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظنة عدم الوقوع في الخطأ؛ ولهذا أمر به -﵁- وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي من أئمة الحديث، وإليه أذهب، وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السُّنة؛ بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها١.
وثَمَّة رواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه حبس بعض الصحابة؛ لأنهم أكثروا الرواية عن رسول الله ﷺ! وقد ناقش بعض العلماء هذه الرواية وردوها:
روى الحافظ الذهبي٢ عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: "ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ". هؤلاء ثلاثة من أجلة أصحاب الرسول -ﷺ- وأتقاهم وأورعهم، هل يُعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟! وهل يكفي لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية؟
وقد ناقش ابن حزم هذا الخبر وردَّه وقال: "هذا مرسل ومشكوك فيه من "شعبة" فلا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله -ﷺ- إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وألا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي -ﷺ- فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلًا، ولئن
_________________
(١) ١ السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب "ص١٠٥، ١٠٦" بتصرف يسير. ٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٧" وفيه سعيد بن إبراهيم، والصواب سعد، وهو حفيد عبد الرحمن بن عوف. انظر: مجمع الزوائد "١/ ١٤٩".
[ ٨٥ ]
كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما ".
ثم قال: "وقد حدث عمر بحديث كثير؛ فإنه قد روى خمسمائة حديث ونيفًا على قرب موته من موت النبي -ﷺ- فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة عشر منهم"١.
قال الدكتور محمد عجاج الخطيب: ولو سلمنا جدلًا بصحة الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، بينما يذكر ابن حزم: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، فهل تكرر الحبس من عمر؟ ولو تكرر لاشتهر، ثم إن حادثة كهذة سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين؛ لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سلمنا أن العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه بعض الصحابة دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم؛ لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثًا ولم يردنا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة هم فيها سواء، وهي الإكثار من الحديث، معاذ الله أن يفعل هذا عمر -﵁- فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة مثلًا وهو أكثر حديثًا منهم، فقد رُوي عن أبي هريرة "٥٣٧٤" خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وعن ابن مسعود "٨٤٨" ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثًا، وعن أبي الدرداء "١٧٩" مائة وتسعة وسبعون حديثًا، وعن أبي ذر "٢٨١" مائتان وواحد وثمانون حديثًا٢.
فإن قيل: إن أبا هريرة لم يكثر من الرواية في عهد عمر -﵁- لأنه خشيه. فنقول: لِمَ لَمْ يخشه هؤلاء؟
_________________
(١) ١ الإحكام لابن حزم "٢/ ١٣٩" وما بعدها. ٢ ذكر ذلك الإمام الحافظ بقي بن مخلد في مسنده. انظر: البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح لأبي البقاء الأحمدي الشافعي. مخطوطة دار الكتب المصرية "ص٩-١٣ ب".
[ ٨٦ ]
إن عمر نفسه سمح لأبي هريرة أن يروي عن رسول الله -ﷺ- عندما عرف ورعه وخشيته من الله -﷿- روى الذهبي عن أبي هريرة -﵁- قال: "بلغ عمر حديثي فأرسل إليَّ، فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله -ﷺ- في بيت فلان؟ قلت: نعم، وقد علمت لأي شيء سألتني. قال: ولِمَ سألتك؟ قلت: إن رسول الله -ﷺ- قال يومئذ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، قال: أما لا، فاذهب فحدث١.
ومن جهة أخرى، فإن عمر -﵁- عندما أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة كتب إليهم: "إني والله الذي لا إله إلا هو، أثرتكم به على نفسي فخذوا منه"٢، وذكر عمرُ ابنَ مسعود فقال: كنيف مليء علمًا، آثرت به أهل القادسية٢. كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه؟!
وما ورد على حبس ابن مسعود -﵁- يرد على حبس الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء -﵁- إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن.
وبهذا البيان لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة -﵃- لأنهم أكثروا من الرواية عن رسول الله -ﷺ- بل إنه يُروى عن ابن مسعود أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتصور منه أن ينهى عن شيء وهو يفعله؟! وقد رُوي عنه قوله: "ليس العلم بكثرة الحديث؛ ولكن العلم الخشية"٣. وفي رواية سعد بن إبراهيم عن أبيه -التي ذكرها الخطيب- ما يدل على أنه استبقاهم في المدينة حتى عرف لفظهم سواء، وهذه هي رواية الخطيب.
قال: بعث عمر بن الخطاب -﵁- إلى عبد الله بن مسعود -﵁- وإلى أبي الدرداء -﵁- وإلى أبي مسعود الأنصاري -﵁- فقال: ما هذا الحديث الذي
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٤". ٢ سير أعلام النبلاء "١/ ٣٥١"، والكنيف: الوعاء. ٣ مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول "ص٦".
[ ٨٧ ]
تكثرون عن رسول الله ﷺ؟ فحبسهم بالمدبنة حتى استشهد لفظهم سواء١. فيكون هذا من باب تثبت عمر -﵁- في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لم يزجَّ بهم في السجن؛ بل استبقاهم في المدينة ريثما يتثبت من لفظهم، فإن صح هذا فلا ضير عليهم.
ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا -وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة- ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابن البري من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي -ﷺ- فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله -ﷺ- قال أبو عبد الله بن البري: يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس"٢، فقد فسر ابن البري الخبر تفسيرًا جيدًا وإن جاء مقتضبًا، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث خوفًا من ألا يتدبر السامعون كلام رسول الله -ﷺ- إذا كثر عليهم.
فالخلاصة أن ما ورد من أخبار حول حبس عمر -﵁- للصحابة؛ لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أخبار فيها نظر.
وفي عهد التابعين ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار، ثم ما لبث التابعون أن تصدروا للرواية، ومع هذا سلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى، وليس بعيدًا ما نقول لأنهم تخرجوا في مدارس الصحابة تلامذة رسول الله ﷺ.
فنسمع الشعبي -وهو أحد كبار التابعين الحفاظ الثقات- يقول: ليتني أنفلت من علمي كفافًا لا لي ولا عليَّ٣، وكأنه يشعر بأنه أكثر من التحديث فيقول: "كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث"٤.
وكان شعبة بن الحجاج يقول: التدليس في الحديث أشد
_________________
(١) ١ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي - مطبعة جامعة أنقرة "١٩٧١م" تحقيق: د/ محمد سعيد خطيب "ص٨٧، ٨٨" رقم "١٩٠". ٢ المحدث الفاصل "ص١٤٥". ٣ جامع بيان العلم "١٣٠/ ٢" ويروى نحوه عن سفيان الثوري، جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٢٩". ٤ تذكرة الحفاظ "١/ ٧٧".
[ ٨٨ ]
من الزنا، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلَيَّ من أن أدلِّس١. وفي رواية عنه أنه كان يقول: لأن أقع من فوق هذا القصر -لدار حياله٢- على رأسي أحب إليَّ من أقول لكم: قال فلان، لرجل ترونه، أني قد سمعت ذاك منه ولم أسمعه٣.
ومنهم من كان يقتصد في رواية الحديث على طلابه؛ ليفهموا ما يحدثهم به ويعقلوه ويتدبروه، ومن هذا ما رواه خالد الحذاء قال: كنا نأتي أبلا قلابة، فإذا حدثنا بثلاثة أحاديث قال: قد أكثرتُ٤، ويؤكد هذا ما قاله ابن عبد البر: إنما عابوا الإكثار خوفًا من أن يرتفع التدبر والتفهم، ألا ترى إلى ما حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: "سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير فأجبته، فقال لي: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتني أنت، ثم حدثته، فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يُجمع أبواك٥، ما عرفت تأويله إلى الآن٦"، وروي نحو هذا: أنه جرى بين الأعمش وأبي يوسف وأبي حنيفة، فكان من قول الأعمش: "أنتم الأطباء ونحن الصيادلة٧"٨.
_________________
(١) ١ الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي "ص٥٠٨"، طبع دار الكتب الحديثة، القاهرة. ٢ هكذا النص والمعنى: لدار قريبة منه. ٣ مقدمة الجرح والتعديل "ص١٧٤" ويروى نحوه عن مطرف بن طريف. انظر: نفس المصدر "ص٤٢". ٤ انظر المحدث الفاصل "ص١٤٥، ١٤٦". ٥ أي: من قبل أن يخلق، كناية عن أنه حفظه منذ زمن بعيد. ٦ هكذا في الأصل ولعله: "إلا الآن". ٧ جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٣٠". ٨ انظر: السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب "ص١٠٧-١١١" بتصرف يسير.
[ ٨٩ ]
الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف
أبو هريرة راوية الإسلام
الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف
هناك كوكبة من الصحابة الأخيار الذين أكثروا من رواية الحديث الشريف، وقد اعتبر العلماء أن من رَوى أكثر من ألف حديث يُعد مكثرًا، وأشهر هؤلاء الصحابة سبعة هم على الترتيب: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وفيهم أُنْشِدَ:
سبْعٌ من الصحب فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضر
أبو هريرة سعد جابر أنس صدِّيقة وابن عباس كذا ابن عمر
١- أبو هريرة راوية الإسلام ١:
هو عبد الرحمن بن صخر بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غنم بن دوس اليماني، وكان اسمه في الجاهلية "عبد شمس"، وقيل غير ذلك، فسماه النبي -ﷺ- "عبد الرحمن"، وأمه "ميمونة بنت صخر" وقيل "أميمة"، وكنيته "أبو هريرة"، و"أبو هِر" بسبب هرة حملها في كُمه، أو هرة كان يداعبها.
وهو من قبيلة دَوْس اليمنية، تُوفي والده وهو صغير فنشأ يتيمًا، وكان بعيد المنكبين، أبيض، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يُخضب شيبه بالحمرة.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: طبقات ابن سعد "٤/ ١/ ١٥٧-١٧٦"، "٥٢/ ٢/ ٤"، الإصابة "٣/ ٢٨٧"، جمهرة أنساب العرب "ص٣٦٠، ٣٦١"، الاستيعاب "٤/ ١٧٦٨"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٥٧٨-٦٣٢"، البداية والنهاية "٨/ ١٠٣"، تذكرة الحفاظ "١/ ٣١"، تهذيب التهذيب "١٢/ ٢٦٢"، الكامل في التاريخ "٣/ ٨٨"، تاريخ الطبري "٣/ ٣٨٩"، تاريخ الإسلام "٢/ ٣٣٩".
[ ٩١ ]
أسلم قديمًا قبل الهجرة وهو بأرض قومه على يد "الطفيل بن عمرو الدوسي"، وكان رجلًا شريفًا شاعرًا مضيافًا، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه.
وهاجر من اليمن إلى المدينة في أيام فتح خيبر، وقد لازم النبي -ﷺ- إلى آخر حياته، وكان يلازمه في حله وترحاله في ليله ونهاره حتى حمل عنه الحديث الكثير وقد أسلمت أمه بعد الهجرة وفرح بإسلامها فرحًا شديدًا.
وقد أرسله النبي -ﷺ- مع العلاء الحضرمي إلى البحرين؛ لنشر الإسلام وتعليم الناس أمور دينهم.
وكانت خيبر أول غزوة شارك فيها مع الرسول -ﷺ- ثم شهد جميع غزواته بعدها، وقاتل مع أبي بكر في حرب الردة، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا " الحديث، وفيه المناقشة التي دارت بين أبي بكر وعمر، وفي آخره: "قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا"١. ولما وُلِّيَ عمر استعمله على البحرين، ودافع عن عثمان في الفتنة.
وفي عهد "معاوية" ولاه على المدينة، كما ولى "مروان بن الحكم"، فكان إذا غضب من أبي هريرة ولى مروان، وإذا غضب من مروان ولى أبا هريرة.
ورَوى عنه نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين.
وتوفي بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة عن ثمانية وسبعين عامًا، وقيل: توفي "٥٨هـ"، وقيل: "٥٩ هـ".
لقد كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم٢.
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد "١/ ١٨١" بإسناد صحيح. ٢ راجع "أبو هريرة راوية الإسلام" لمحمد عجاج الخطيب، و"دفاع عن أبي هريرة" لعبد المنعم صالح العلي.
[ ٩٢ ]
وأبو هريرة كغيره من الصحابة مُعدَّل بتعديل الله تعالى له في كتابه، ومُنزه عن الكذب والتقول على رسول الله ﷺ، والصحابة جميعًا ملتزمون بما وعَوْه من توجيهات وتحذيرات نبوية، وخاصة قوله ﷺ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١.
- محفوظات أبي هريرة:
لقد بلغت محفوظات أبي هريرة -﵁- حدًّا يثير الدهشة والإعجاب، إلا أنها دهشة تزول وإعجاب ينمحي حين يعلم المرء أن ذلك ببركة دعاء النبي -ﷺ- له بكثرة الحفظ وعدم النسيان.
ولم يُحدِّث أبو هريرة بكل ما علم من رسول الله -ﷺ- قال أبو هريرة: "حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم"٢.
وقال أيضًا: "لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخرق٣ وقالوا: أبو هريرة مجنون".
وفي رواية: "لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر"، قال الحسن راوي الحديث عن أبي هريرة: صدق والله! لو أخبرنا أن بيت الله يُهدم أو يُحرق ما صدقه الناس٤.
وفي رواية: "يقولون: أكثرت يا أبا هريرة، والذي نفسي بيده لو حدثتكم بكل شيء سمعتُه من رسول الله -ﷺ- لرميتموني بالقشع -يعني بالمزابل- ثم ما نظرتموني"٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٩/ ١٣٣". ٢ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ٥٧"، "١١٨/ ٢/ ٢"، وفتح الباري "١/ ٢٧٧"، وحلية الأولياء "١/ ٣٨١"، والبداية والنهاية "٨/ ١٠٥"، وتذكرة الحفاظ "١/ ٣٤"، وسير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٠". ٣ المراد: الكذب، ففي لغة أنها من التخلق بالكذب، والْخُرْق: الجهل والحمق. ٤، ٥ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ٥٧، "١١٩/ ٢/ ٢".
[ ٩٣ ]
- مرويات أبي هريرة:
اجتمعت عدة أسباب جعلت أبا هريرة أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا عن رسول الله ﷺ:
١- حبه للرسول ﷺ.
٢- دعاء الرسول -ﷺ- له بالحفظ.
٣- ملازمته له ﷺ.
٤- حرصه على طلب الحديث.
٥- جرأته في السؤال.
٦- مذاكرته لحديث الرسول ﷺ.
٧- وأنه عاش "٧٨" عامًا أتاحت له فرصة رواية قدر كبير من الحديث الشريف.
- له في الصحيحين "٦٠٩"، منها "٣٢٦" متفق عليها، و"٩٣" انفرد البخاري بروايتها له، و"١٩٠" انفرد مسلم بروايتها له.
- وروى له أصحاب السنن الأربعة والإمام مالك في الموطأ "١٦٠٩".
- وروى له الإمام أحمد في مسنده "٣٨٤٨" بالمكرر، ويصفو له بعد حذف المكرر عدد كبير جدًّا.
- وروى له الإمام بقي بن مخلد "٢٠١-٢٧٦هـ" في مسنده "٥٣٧٤".
- وجمع أبو إسحاق إبراهيم بن حرب العسكري "ت٢٨٢هـ" مسند أبي هريرة، وتوجد نسخة منه في خزانة كوبرلي بتركيا١.
_________________
(١) ١ راجع تاريخ الأدب "٣/ ١٥٤".
[ ٩٤ ]
روى الشيخان أن أبا هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي ﷺ، إني كنت امرأً مسكينًا، صحبت النبي -ﷺ- على بطني، وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي -ﷺ- مجلسًا، فقال: "مَن يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئًا سمعه مني"؟ فبسطت ردائي عليَّ حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليَّ، فوالذي نفسي بيده لم أنسَ شيئًا سمعته منه صلى الله عليه وسلم١.
ورَوى النسائي وغيره أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة؛ فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا النبي -ﷺ- حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: "عودوا إلى الذي كنتم فيه". قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل رسول الله -ﷺ- يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي وأسألك علمًا لا يُنسى، فقال رسول الله ﷺ: "آمين"، فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي٢.
وقد شهد له إخوانه من الصحابة بكثرة أحاديثه التي سمعها من رسول الله -ﷺ- ومن ذلك:
أن رجلًا جاء إلى طلحة بن عُبيد الله ﵁، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أهو أعلم بحديث رسول الله منكم، نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول عن رسول الله ما لم يقل؟
قال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع فلا أشك، سأحدثك عن ذلك: إنا
_________________
(١) ١ فتح الباري "١/ ٢٢٤"، مسند أحمد "١٢/ ٢٧٠". ٢ فتح الباري "١/ ٢٦٦"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٢"، تهذيب التهذيب "١٢/ ٢٦٦"، حلية الأولياء "١/ ٣٨١"، البداية والنهاية "٨/ ١١١".
[ ٩٥ ]
كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله -ﷺ- طرفي النهار، وكان مسكينًا ضيفًا على باب رسول الله -ﷺ- يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول عن رسول الله -ﷺ- ما لم يقل١.
وفي رواية: قد سمعنا كما سمع، ولكن حفظ ونسينا٢.
فقد كان أعلم الصحابة بالسُّنة وأحفظهم لها، ومما يدل على ذلك ما رُوي عن أبي هريرة بسند صحيح أنه قال: أخذَتِ الناسَ ريحٌ بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح، فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته فقلت: يا أمير المؤمنين، أُخبرتُ أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الريح من رَوْح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها" ٣.
وكان هذا الحديث دليلًا قاطعًا على قناعة عمر -﵁- بحفظ أبي هريرة بالرغم من كثرة حديثه٤.
وروى الوليد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدَّث عن النبي -ﷺ- قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها وتبعها فله قيراطان"، فقال عبد الله بن عمر ﵄: انظر ما تُحدِّث، فإنك تكثر من الحديث عن النبي -ﷺ- فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت: صدق أبو هريرة! ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله ما كان يشغلني عن رسول الله -ﷺ- الصفق في الأسواق، إنما كان يهمني كلمة من رسول الله -ﷺ- يُعَلِّمنيها، أو
_________________
(١) ١ البداية والنهاية "٨/ ١٠٩"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٦"، فتح الباري "١/ ٢٢٥". ٢ فتح الباري "٨/ ٧٧". ٣ مسند أحمد "١٤/ ٥٢" رقم "٧٦١٩"، والأدب المفرد للبخاري برقم "٣١٢"، وأبو داود برقم "٥٠٩٧"، وابن ماجه برقم "٣٧٢٧". ٤ أبو هريرة راوية الإسلام "ص١٤٨" هامش.
[ ٩٦ ]
لقمة يطعمنيها١. وفي رواية: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله -ﷺ- غرس بالوادي وصفق بالأسواق٢. فقال ابن عمر ﵄: "أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله -ﷺ- وأحفظنا لحديثه"٣. وفي رواية: "أنت كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ- وأحفظنا لحديثه"٤.
وعن أشعث بن سُليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب "الأنصاري" يحدث عن أبي هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ، وتحدث عن أبي هريرة؟! فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحب إليَّ من أن أحدث عن رسول الله ﷺ؛ يعني: ما لم أسمعه منه٥.
ومن أهم العوامل التي أتاحت له كثرة مسموعاته وضخامة مروياته ملازمته للنبي ﷺ:
روى قيس بن حازم عن أبي هريرة: صحبت النبي -ﷺ- ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني، ولا أحب إليَّ أن أعي ما يقول رسول الله -ﷺ- فيهن٦.
ومن العوامل التي ساهمت في كثرة مسموعاته وأتاحت له كثرة رواياته:
- جرأته في سؤال الرسول ﷺ:
قال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي -ﷺ- يسأله عن أشياء لا نسأله عنها٧.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ٥٧" ونحوه في مسند أحمد "١٢/ ١٧٥" رقم "٧١٨٨" بسند صحيح. ٢ طبقات ابن سعد "٢/ ٢/ ١١٨"، والبداية والنهاية "٨/ ١٠٧". ٣ المصدرين السابقين. ٤ سنن الترمذي "٥/ ٦٤٢" "٥٠" كتاب المناقب "٤٧" باب مناقب أبي هريرة ﵁ - حديث رقم "٣٨٦٣"، وقال: هذا حديث حسن. ٥ البداية والنهاية "٨/ ١٠٩"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٦". ٦ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ٥٤". ٧ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٥١".
[ ٩٧ ]
ومن العوامل أيضًا: المداومة على مراجعة ما يحفظ ويأخذ عن رسول الله ﷺ، قال أبو هريرة: إني لأجزِّئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
- ثبات حفظه وقوة ذاكرته:
قال أبو الزعيزعة كاتب مروان: دعا مروان أبا هريرة فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان رأس الحول دعا به، فأقعده من وراء حجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخَّر٢، وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم٣.
- هل وضع أبو هريرة الأحاديث كَذِبًا على رسول الله ﷺ؟
قد اتهم عبد الحسين وأبو رية أبا هريرة بالكذب على رسول الله -ﷺ- إرضاء للأمويين ونكاية بالعلويين٤، وأبو هريرة بريء من كل هذا، وقد أوردا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها٥.
مواقف عملية تتنافَى مع اتهامه بالكذب في السُّنة لأهواء شخصية:
هناك العديد من المواقف التي تحسب لأبي هريرة -﵁- وتتنافى مع أي تهمة توجه إليه بالكذب أو التهاون في الحديث الشريف، ومنها ما يأتي:
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة أبي هريرة "ص١٢٩" طبع دار صادر - بيروت. ٢ البداية والنهاية "٨/ ١٠٦"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣١". ٣ السنة قبل التدوين "ص٤٢٧"، وأبو هريرة راوية الإسلام "ص١٥٨". ٤ راجع: أبو هريرة لعبد الحسين "ص٣٥" وما بعدها، وأضواء على السنة المحمدية لأبي رية "ص١٩٠" وما بعدها. ٥ السنة قبل التدوين "ص٤٤١".
[ ٩٨ ]
الأول: أنه كان معروفًا بكثرة العبادة والنسك والزهد، قال أبو هريرة: إني لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
الثاني: أنه عارض مروان بن الحكم -والي المدينة- يوم أراد المسلمون دفن الحسن بن علي بن أبي طالب -﵄- مع جده سيدنا محمد -ﷺ- وقال لمروان: تدَّخَّل فيما لا يعنيك؟!
الثالث: وقف ضد الثوار مع الصحابة يدافع عن عثمان بن عفان ﵁.
الرابع: وقف محايدًا في الفتنة التي قامت بين علي ومعاوية -﵄- ولم ينضم مع أحد الفريقين.
قال الدكتور رفعت فوزي: "وكان موضع ثقة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكانت أحاديثه محل عناية الفقهاء وأئمة المجتهدين في مختلف أمصار الإسلام"٢.
ودخل رجل على "طلحة بن عبيد الله" فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري! هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أعلم برسول الله منكم، أو يقول على رسول الله ما لم يسمع أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله -ﷺ- ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله -ﷺ- طرفي النهار ثم نرجع، وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع.
وفي رواية: كان أبو هريرة رجلًا مسكينًا يلزم رسول الله -ﷺ- يأكل معه، فوالله ما أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
_________________
(١) ١ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ترجمة أبي هريرة "ص١٢٩" طبع دار صادر - بيروت. ٢ المدخل إلى توثيق السنة "ص٢١٢". ٣ العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل "١/ ٧٢".
[ ٩٩ ]
ولقد كان أبو هريرة -﵁- أحرص الصحابة على سماع الحديث، ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: "لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أولَى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" ١.
ومما يدل على حرصه على رواية الحديث الشريف قوله: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] ٢ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله -ﷺ- بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"٣.
فإذا كان أبو هريرة ألزم الصحابة بالرسول -ﷺ- وأنه كان يدور معه حيثما دار ويحضر ما لا يحضرون -بشهادة الصحابة أنفسهم- فمن البدهي إذن أن يكون أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف، ومعرفة بما كان عليه رسول الله ﷺ. وحرصه على التبليغ كان انطلاقًا من الآيات التي تحذر من كتم العلم، وانطلاقًا من قول النبي -ﷺ- في مواقف عديدة: "اللهم هل بلغت، فليبلغ الشاهد الغائب" ٤،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "١/ ٢٠٣". ٢ وفي رواية: "وايم الله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا، وتلا الآية ١٥٩ من البقرة". صحيح البخاري "١/ ٢٤٤ فتح". ٣ صحيح البخاري "١/ ٤٠، ٤١". ٤ راجع: صحيح البخاري "أحاديث: ٦٧، ١٠٥، ١٧٣٩، ١٧٤١، ١٨٣٢، ٤٢٩٥، ٥٥٥٠، ٧٤٤٧"، وصحيح مسلم "حديث رقم ١٦٧٩".
[ ١٠٠ ]
وقوله: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع" ١، وقوله: "من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة" ٢، ونحو ذلك.
فلهذا كان من الطبيعي أن يبلغ أبو هريرة الناس أكثر مما يبلغهم غيره؛ فهو أكثر الصحابة سماعًا للحديث وأكثرهم رواية له، وقد أقرت الصحابة بذلك ولم يشكوا في سماعه البتة.
ومن جهة أخرى، قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي: "إن أحاديث أبي هريرة قد محصها أئمة السنة وبينوا ما صح منها وما هو ضعيف أو موضوع، ولم تصح نسبة حديث واحد من الموضوع أو الضعيف إلى أبي هريرة، وإنما كان ذلك من بعض الرواة، والصحيح منها إذا دُرس وقُورن بأحاديث الصحابة تبين أنه لم ينفرد إلا بالقليل منه، فسمنده شائع في المسانيد كلها"٣.
- أصح الطرق عن أبي هريرة:
ذكر العلماء هذه الطرق٤:
- حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
- أبو الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة.
- ابن عون وأيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي في سننه "حديث رقم ٢٦٥٧"، وابن ماجه "حديث رقم ٢٣٣"، وأحمد في مسنده "٤١٥٧" من حديث عبد الله بن مسعود، ورواه أبو داود في سننه "حديث ٣٦٦"، والترمذي في سننه "٢٦٥٨" وحسنه، وابن ماجه "٢٣٠" من حديث زيد بن ثابت، ورواه الحاكم في المستدرك "١/ ٢٩٤" كتاب العلم، وابن ماجه "٢٣١" من حديث جبير بن مطعم، ورواه ابن ماجه "٢٣٦"، وأحمد في مسنده "١٣٣٤٩" من حديث أنس بن مالك. ٢ مسند أحمد "١٤/ ٥" رقم "٧٥٦١" بإسناد صحيح. ٣ المدخل إلى توثيق السنة "ص٢١٣". ٤ راجع: تدريب الراوي "١/ ١٠١/ ١٠٦"، الكفاية "ص٣٩٨"، توضيح الأفكار "١/ ٣٥"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٨"، مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر "١/ ١٤٩، ١٥٠".
[ ١٠١ ]
- مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس، وعقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه.
- إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عنه.
- معمر، عن همام بن منبه، عنه.
- يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
- الثناء على أبي هريرة والشهادة له بالحفظ والضبط:
لقد حظي أبو هريرة -﵁- بثناء الرسول -ﷺ- والصحابة ومن تبعهم من كبار الأئمة والعلماء، قال رسول الله ﷺ: "لقد ظننت لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث" ١، وفي رواية: "والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم" ٢، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المرفوع: "أبو هريرة وعاء من العلم" ٣.
وكان عمر بن الخطاب -﵁- قد نهى أبا هريرة وغيره من الإكثار من الحديث؛ لأن الكثرة مظنة الخطأ، وخوفًا من أن يشتغل الناس بالحديث عن القرآن، ولكن عمر -﵁- سمح لأبي هريرة بعد ذلك بالتحديث، فروى الذهبي في السير عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديث، فأرسل إليَّ، فقال: كنتَ معنا يوم كنا مع رسول الله -ﷺ- في بيت فلان؟ قلتُ: نعم، وقد علمتُ لأي شيء سألتني. قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله -ﷺ- قال يومئذ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" قال: أما لا فاذهب فحدث٤، وفي رواية قال عمر: حدِّث الآن عن النبي -ﷺ- ما شئت٥.
_________________
(١) ١ مسند أحمد "١٥/ ٢٠٨". ٢ فتح الباري "١/ ٢٠٣"، وسير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٠" بسند صحيح. ٣ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٠"، وفي سنده زيد العمي مختلف فيه. انظر: الميزان "١/ ٣٦٣". ٤ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٤" وفي سند يحيى بن عبد الله مختلف فيه. انظر: الميزان "٣/ ٢٩٧"، وقد رُوي من طرق أخرى ثابتة. ٥ تاريخ دمشق لابن عساكر "٤٧/ ٤٨٧".
[ ١٠٢ ]
وقال عبد الله بن عمر: يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ- وأعلمنا بحديثه١.
وقيل لعبد الله بن عمر: هل تنكر مما يحدث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا؛ ولكنه أجترأ وجَبُنا٢، وفي رواية قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث٣، وكان يكثر الترحم عليه ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله -ﷺ- على المسلمين٤.
وقال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي -ﷺ- يسأله عن أشياء لا نسأله عنها٥.
وقال طلحة بن عبيد الله: لا نشك أنه سمع ما لم نسمع٦، وفي رواية: قد سمعنا كما سمع؛ ولكنه حفظ ونسينا٧.
وقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم٨- وذلك حين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله -ﷺ- وهو يحدثهم، فلا يعرف بعضهم الحديث ثم يتراجعون فيه فيعرفونه.
وقال أبو صالح السمان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم٩-
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٥"، طبقات ابن سعد "١١٨/ ٢/ ٢" فتح الباري "١/ ٢٢٥"، وسنن الترمذي "٢/ ٢٢٤" وقال الترمذي: حديث حسن. ٢ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٧"، تاريخ دمشق "٤٧/ ٤٩٢". ٣ الإصابة "٧/ ٢٠٤"، سنن الترمذي "٢/ ٢٢٤". ٤ سير أعلام النبلاء "٤٣٥/ ٢"، البداية والنهاية "٨/ ١٠٧"، تاريخ دمشق "٤٧/ ٤٩٣"، طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ٦٣". ٥ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٥١". ٦ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٦"، الإصابة "٧/ ٢٠٤". ٧ فتح الباري "٨/ ٧٧". ٨ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٤٤"، فتح الباري "١/ ٢٢٥". ٩ تذكرة الحفاظ "٢/ ٣٤"، تاريخ دمشق "٤٧/ ٤٨١".
[ ١٠٣ ]
وفي رواية عنه: ما أزعم أن أبا هريرة كان أفضلهم -يعني الصحابة- ولكن كان أحفظ١.
وقال الإمام الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَن روى الحديث في دهره٢.
وقال الإمام البخاري: روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره٣.
وقال ابن عبد البر "٣٦٨-٤٦٣هـ": كان أحفظ أصحاب رسول الله -ﷺ- وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغالهم بالتجارة والأنصار بحوائجهم٤.
وقال ابن الأثير الجزري "٥٥٥-٦٣٠هـ": أبو هريرة صاحب رسول الله -ﷺ- وأكثرهم حديثًا عنه٥.
وقال الحافظ الذهبي "٦٧٣-٧٤٨هـ": أبو هريرة الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو هريرة الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات٦، وقال أيضًا: أبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ، وأدائه بحروفه٧، وقال أيضًا: كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث٨.
وقال الحافظ ابن كثير "٧٠١-٧٧٤هـ": وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم٩، وقال
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق "٤٧/ ٤٨٢". ٢ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٣٢"، تاريخ دمشق "٤٧/ ٤٨٣". ٣ تهذيب التهذيب "١٢/ ١٧٧١". ٤ الاستيعاب "٤/ ١٧٧١". ٥ أسد الغابة "٥/ ٣١٥". ٦ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤١٧". ٧ المصدر السابق "٢/ ٤٤٥". ٨ المصدر السابق "٢/ ٤٤٦". ٩ البداية والنهاية "٨/ ١١٠".
[ ١٠٤ ]
أيضًا: روى أبو هريرة عن رسول الله -ﷺ- الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة١.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني "٧٧٣-٨٥٢هـ": إن أبا هريرة كان أحفظ كل من يروي الحديث في عصره، ولم يأتِ عن أحد من الصحابة كلهم ما عنه٢.
وقال المؤرخ عبد الحي أحمد "ابن العماد" الحنبلي "١٠٣٢-١٠٨٩هـ":
كان كثير العبادة والذكر، وحَسَن الأخلاق، ولِيَ إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة وأكثرهم رواية ٣.
وقال يحيى بن أبي بكر العامري "٨١٦-٨٩٣هـ": أبو هريرة كان عريف أهل الصفة، حلفاء الفقر والصبر، وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ، ملازمًا له في جميع الأحوال، لا يشغله عنه دنيا ولا أهل ولا مال، ولملازمته لوصيته الأخرى في الحفظ عن رسول الله -ﷺ- كان أكثر الصحابة رواية على وأحفظهم، وقال: وكان حافظًا مثبتًا ذكيًّا مفتيًا، صاحب صيام وقيام٤.
- أبو هريرة وبعض الباحثين ٥:
قد كشفت الصورة الصادقة التي رسمها التاريخ لأبي هريرة عن مناقب جمة كثيرة، والتي منها: تقواه وورعه في شبابه وهرمه وغناه وفقره، ومواقفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزامه بالسنة، واعتزاله وحبه للجماعة وسعيه للخير، وأخلاقه النبيلة، وسجاياه الكريمة، وكثرة وقوة حافظته.
إن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية
_________________
(١) ١ السابق "٨/ ١٠٣". ٢ التهذيب "١٢/ ٢٦٦". ٣ الذهب "١/ ٦٣". ٤ المستطابة "ص٧٠". ٥ أبو هريرة راوية الإسلام "ص٢٠١-٢٦٩"، وانظر: رد الدارمي على المريسي.
[ ١٠٥ ]
والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى تزييف هذه الصورة الواقعية الصادقة، فرأوا في صحبته للرسول -ﷺ- غايات خاصة له؛ حيث يشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وحديثه الكثير كذبًا على رسول الله -ﷺ- وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذلًّا، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونًا من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزُّبًا، فهو صنيعة الأمويين الذين طوَوْه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على الرسول -ﷺ- افتراء وزورًا.
هكذا كان أبو هريرة في نظر بعض أهل الأهواء مثل: النظام: إبراهيم بن سيار النظام، والمريسي: بشر المريسي، والبلخي، وأحمد أمين.
وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين مثل: "جولد تسيهر" و"شبرنجر".
ومن دعاة العلم عبد الحسين شرف الدين العاملي "الإمامي" في كتابه "أبو هريرة"، ومحمود أبو رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" الذي استقى كتابه هذا من أستاذه عبد الحسين، فكان أشد تعنتًا ومجانبة للصواب، وغيرهم.
وقد زعموا أن أبا هريرة أكثر فأفرط، وروى عنه أصحاب الصحاح والمسانيد فأكثروا وأفرطوا، وتصوروا أن أحاديثه موضوعة ومكذوبة، وقد تغلغلت في أصول الدين وفروعه وغفل عنها المسلمون، فلا بد من الدفاع عن الشريعة الغراء وحمايتها من الأكاذيب والأوهام.
وتصوروا غموض نسبه في الجاهلية والإسلام، وأنه شب جاهليًّا لا يستضيء بنور بصيرة، وصعلوكًا قد أخمله الدهر، ويتيمًا أزرى به الفقر، مؤجِّرًا نفسه بطعام بطنه حافيًا عاريًا راضيًا بهوان الذل، وأنه لم يكن مذكورًا في عهد أول خليفتين؛ بل كان مهملًا، ولم يذكروا له سوى أن عمر بعثه واليًا على البحرين ثم عزله سنة إحدى وعشرين، وفي سنة ثلاثين عزله وولَّى عثمان بن أبي العاص الثقفي، وانتزع منه عشرة آلاف درهم سرقها من مال الله.
[ ١٠٦ ]
وهذه المزاعم كلها باطلة، ويكذبها الواقع التاريخي والأمانة في التوثيق والاستقراء، فقد اشترك في حرب الردة في عهد أبي بكر، وروى الإمام أحمد في مسنده: "فلما كانت الردة قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرَّق بينهما، قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا"١.
واستشهدوا برواية مجردة من السند وفيها: أن عمر اتهم أبا هريرة وهو على البحرين بسرقة مال المسلمين، وأنه ضربه بالدرة حتى أدماه.
والثابت أن عمر قال لأبي هريرة: فمن أين هي لك؟ قلتُ: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطِيَة تتابعت عليَّ، فنظروا فوجدوه كما قال٢، وفي رواية أن عمر أخذ منه اثني عشر ألفًا٣، وفي رواية أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله، وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله٤.
ويصورونه مستغلًّا للفتنة في عهد عثمان، وأنه راح يضع الأحاديث التي روجها بنو أمية وأولياؤهم للاحتجاج بها لتحقيق مآربهم.
وفي عهد علي صوروا أبا هريرة بان صوته خفت وخمل، وأن معاوية جنده للقيام بأعمال ترضيه.
وأنه في عهد معاوية وضع الأحاديث التي تشيد بفضل معاوية وحدث بأحاديث لا يقبلها عقل ولا يرضاها ضمير، وله في صحيحي البخاري ومسلم أحاديث أفرغها على هذا القالب وحاكها على هذا المنوال ، إلى غير ذلك من المزاعم والأباطيل التي دللوا عليها بالروايات المكذوبة والأخبار الموضوعة والآثار التي لا أصل لها.
_________________
(١) ١ مسند أحمد "١/ ١٨١" بسند صحيح. ٢ تاريخ الإسلام "٢/ ٣٣٨"، البداية والنهاية "٨/ ١١١"، حلية الأولياء "١/ ٣٨٠". ٣ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ٥٩". ٤ العقد الفريد "١/ ٣٣".
[ ١٠٧ ]
٢- عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ١:
- نسبه ومولده وإسلامه:
عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزي بن رباح بن قرط بن رزايح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني.
ولد في السنة الثانية أو الثالثة من البعثة، وأسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم.
وقال الذهبي: أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه ولم يحتلم، واستُصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمه أمُّ أمِّ المؤمنين حفصة: زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي٢.
- أوصافه:
قال أبو إسحاق السبيعي: رأيت ابن عمر آدم جسيمًا، إزاره إلى نصف الساقين يطوف٣.
وقال هشام بن عروة: رأيت ابن عمر له جُمَّة٤.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٣-٢٣٩"، وطبقات ابن سعد "٢/ ٣٧٣" و"٤/ ١٤٢-١٨٨"، نسب قريش "٣٥٠ وما بعدها"، المحبر "٤٤٢، ٢٤"، التاريخ الكبير "٥/ ٢" و"٥/ ١٢٥"، التاريخ الصغير "١/ ١٥٥، ١٥٤"، المعرفة والتاريخ "١/ ٤٩٠، ٢٤٩"، الجرح والتعديل "٥/ ١٠٧"، المستدرك "٣/ ٥٥٦"، الحلية "١/ ٢٩٢" و"٢/ ٧"، جمهرة أنساب العرب "١٥٢"، الاستيعاب "٩٥٠"، تاريخ بغداد "١/ ١٧١" طبقات الفقهاء "٤٩"، الجمع بين رجال الصحيحين "٢٣٨/ ١"، تاريخ ابن عساكر: مصورة المجمع ١١/ ١٦٥، جامع الأصول "٩/ ٦٤"، أسد الغابة "٣/ ٢٢٧"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ٢٧٨"، وفيات الأعيان "٣/ ٢٨"، تهذيب الكمال "١٥/ ٣٣٢/ ٣٤١"، تاريخ الإسلام "٣/ ١٧٧"، العبر "١/ ٨٣"، تهذيب التهذيب "٢/ ١٦٨"، مرآة الجنان "١/ ١٥٤"، البداية والنهاية "٩/ ٤"، مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٦"، العقد الثمين "٥/ ٢١٥"، الإصابة "٣٤٧/ ٢"، تهذيب التهذيب "٥/ ٣٢٨"، النجوم الزاهرة "١/ ١٩٢"، خلاصة تهذيب الكمال "١٧٥"، شذرات الذهب "١/ ٨١". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٦". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٩". ٤ المصدر السابق، طبقات ابن سعد "٤/ ١٨١". والجمة: شعر الرأس.
[ ١٠٨ ]
ورُوي عن نافع: كان ابن عمر يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة١.
وقال أبو بكر البرقي: كان رَبْعةً يخضب بالصفرة٢.
وقال هشام بن عروة: رأيت شعر ابن عمر يضرب منكبيه، وأُتِي به إليه فقبلني٣.
ورُوي عنه بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن أنه كان يصفر لحيته بالخلوق والزعفران، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله -ﷺ- يصبغ بها٤.
وقال موسى بن دهقان: رأيت ابن عمر يتزر إلى أنصاف ساقيه٥.
وعن نافع: أن ابن عمر اعتم، وأرخاها بين كتفيه٦.
وعن وكيع: عن النضر أبي لؤلؤة، قال: رأيت على ابن عمر عمامة سوداء٧.
وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم ابن عمر: "عبد الله بن عمر"٨.
وروى ابن سعد عن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة٩.
وروى البخاري في صحيحه عن نافع: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فَضُل أخذه١٠.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٨"، وطبقات ابن سعد "٤/ ١٨١" بسند حسن. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٩". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٨"، وطبقات ابن سعد "٤/ ١٨١"، ونحوه في تاريخ دمشق لأبي زرعة "١/ ٦١٦". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٨"، طبقات ابن سعد "٤/ ١٨١، ١٨٠، ١٧٩". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢"، طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٤". ٦ المصدران السابقان. ٧ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢". ٨ طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٩ طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٨"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢١". ١٠ صحيح البخاري "١٠/ ٢٩٥، ٢٩٦ فتح".
[ ١٠٩ ]
- أولاده:
قال الذهبي: وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.
ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن، وبه يُكنى.
ومن سُرِّيَّة أخرى: زيد، وعائشة.
ومن أخرى: أبو سلمة وقلابة.
ومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر١.
وعن أبي مجلز، عن ابن عمر قال: إليكم عني، فإني كنت مع من هو أعلم مني، ولو علمت أني أبقى حتى تفتقروا إليَّ لتعلمت لكم٢.
- مشاهده:
روى البخاري في صحيحه قوله: عرضت على رسول الله -ﷺ- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني٣.
فالخندق هي أول غزوة شارك فيها، ولم يتخلف عن غزوة أو عن معركة بعدها، فشارك في مؤتة واليرموك وفتح مصر وإفريقية، وقدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازيًا، ولم يصح أنه شارك في بدر كما روى علي بن جدعان عن أنس وابن المسيب٤، فهذا خطأ وغلط كما قال الذهبي٥.
وروى البخاري عن البراء قال: عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
_________________
(١) ١، ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨". ٣ صحيح البخاري "٧/ ٣٠٢" كتاب المغازي، باب غزوة الخندق. ٤، ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٩". ٦ صحيح البخاري "٧/ ٢٢٦" كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر.
[ ١١٠ ]
وقال مجاهد: شهد ابن عمر الفتح وله عشرون سنة١.
وقال ابن يونس: شهد ابن عمر فتح مصر، واختط بها، وروى عنه أكثر من أربعين نفسًا من أهلها٢.
وقد أضافت أمجاده الحربية إليه مكانة في النفوس وخاصة أهل الشام.
- علمه وفتواه:
لقد تربَّى ابن عمر في مدرسة النبوة واغترف من فيوضها، وكان من النابهين فيها، قال النبي -ﷺ- يومًا لأصحابه وهو فيهم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي"؟ قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ووقع الناس في شجر البوادي، ثم قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "النخلة"، وقد أخبر أباه بأن حياءه منعه من الجواب، فقال له أبوه: وددت لو قلتها ولا أملك كذا وكذا، تشجيعًا له.
وقال الذهبي: روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي -ﷺ- وعن أبيه، وأبي بكر، وعلي، وبلال، وصهيب، وعامر بن ربيعة، وزيد بن ثابت، وزيد عمه، وسعد، وابن مسعود، وعثمان بن طلحة، وأسلم، وحفصة أخته، وعائشة وغيرهم٣.
ولقد نهم ابن عمر من المدرسة النبوية علمًا غزيرًا جاد به على بعض الصحابة وجماهير التابعين ومن بعدهم. قال الذهبي: ولابن عمر أقوال وفتاوى يطول الكتاب بإيرادها٤.
وقد مَنَّ الله تعالى عليه بعشرات السنين التي مكنته من إفادة الناس بعلمه
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٠". ٢ المصدر السابق "٣/ ٢٠٩". ٣ المصدر السابق "٣/ ٢٠٤". ٤ المصدر السابق "٣/ ٢٣٢".
[ ١١١ ]
وفتاواه، قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس١.
وروى مالك عن نافع: كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج، فكنت أجلس إلى هذا يومًا، وإلى هذا يومًا، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يُفتي٢، قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمر جماعتهم، فافعل٣.
وروى الحارث بن أبي أسامة عن رجل: بعثت أم ولد لعبد الملك بن مروان إلى وكيلها تستهديه غلامًا وقالت: يكون عالمًا بالسنة، قارئًا لكتاب الله فصيحًا، عفيفًا، كثير الحياء، قليل المراء، فكتب إليها: قد طلبتُ هذا الغلام، فلم أجد غلامًا بهذه الصفة إلا عبد الله بن عمر، وقد ساومت به أهله، فأبوا أن يبيعوه٤.
قال ابن حزم في كتاب "الإحكام" في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من الفتيا من الصحابة: عمر وابنه عبد الله، وعلي، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سِفْر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا.
وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ٢٢١"، تاريخ الفسوي "١/ ٤٩١"، تاريخ بغداد "١/ ١٧٢". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢٢". ٣، ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢٢".
[ ١١٢ ]
وروى أبو حمزة السكري عن إبراهيم الصائغ، عن نافع: أن ابن عمر كان له كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، قال الذهبي: هذا غريب١.
- ثناء النبي -ﷺ- عليه وتبشيره بالجنة:
روى الشيخان عن سالم عن أبيه قال: كان الرجل في حياة رسول الله -ﷺ- إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله -ﷺ- وكنت غلامًا عَزَبًا شابًّا، فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر، فرأيت فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملَك، فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" قال: فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل٢، وروى نحوه نافع، وفيه: "إن عبد الله رجل صالح".
وروى سعيد بن بشير عن قتادة، عن ابن سيرين، عن ابن عمر قال: كنت شاهد النبي -ﷺ- في حائط نخل، فاستأذن أبو بكر، فقال النبي ﷺ: "ائذنوا له وبشروه بالجنة" ثم عمر كذلك، ثم عثمان فقال: "بشروه بالجنة على بلوى تصيبه" فدخل يبكي ويضحك، فقال عبد الله: فأنا يا نبي الله؟ قال: "أنت مع أبيك"٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨". ٢ أخرجه البخاري "٣/ ٥، ٦" في التهجد، باب فضل قيام الليل، وباب من تعار من الليل، فصلى، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب مناقب عبد الله بن عمر، وفي التعبير: باب الإستبرق ودخول الجنة في المنام، وباب الأمن وذَهَاب الروع، وباب الأخذ على اليمين في النوم، وأخرجه مسلم "٢٤٧٩" في فضائل الصحابة: باب فضائل عبد الله بن عمر، والترمذي "٣٨٢٥" في المناقب. ٣ إسناده ضعيف لضعف سعيد بن بشير؛ لكن متن الحديث صحيح من طريق آخر إلى قوله: "على بلوى تصيبه"، فقد أخرجه البخاري "١٣/ ٤٢" وفي مواطن عدة من صحيحه، ومسلم برقم "٢٤٠٣"، والترمذي برقم "٣٧١١". من حديث أبي موسى الأشعري.
[ ١١٣ ]
- تلاميذه:
لما كان ابن عمر من أحرص الصحابة على تلقي العلم الكثير من رسول الله -ﷺ- مباشرة، ومن أكثرهم حفظًا لحديث رسول الله -ﷺ- وروايته؛ كان من الطبعي أن يكثر تلاميذه الذين حرصوا على الأخذ عنه، فقد روى عنه خلق كثير؛ منهم:
أسلم مولى أبيه، وأمية بن عبد الله الأموي، وأنس بن سيرين، وبشر بن حرب، وبشر بن عائذ، وبكر المزني، وبلال بن عبد الله ابنه، وتميم بن عياش، وثابت البناني، وجبير بن نفير، وحبيب بن أبي ثابت، وحبيب بن أبي مليكة، وحرملة مولى أسامة، والحسن البصري، وابن أخيه حفص بن عاصم، والحكم بن ميناء، وحميد بن عبد الرحمن الزهري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وذكوان السمان، وزياد بن جبير الثقفي، وزيد بن جبير الطائي، وابنه زيد، وابنه سالم، وسالم بن أبي الجعد، والسائب والد عطاء، وسعد مولى أبي بكر، وسعد مولى طلحة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مرجانة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن يسار، وسليمان بن يسار، وشهر بن حوشب، وطاوس، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الله بن شقيق، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الله بن كيسان، وعبد الله بن مالك الهمداني، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن مرة الهمداني، وعبد الله بن موهب الفلسطيني، وحفيده عبد الله بن واقد العمري، وعبد الرحمن بن سعد مولاه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني، وعبد الملك بن نافع، وعبيد بن عمير، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وعمرو بن دينار، وعمير بن هانئ، والعلاء بن اللجلاج، والقاسم بن عوف، والقاسم بن محمد، وقَزَعة بن يحيى، وكثير بن مرة، وكُليب بن وائل، ومجاهد بن جبر،
[ ١١٤ ]
ومحارب بن دثار، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأبو جعفر الباقر، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنتشر، ومسروق، ومسلم بن جندب، ومعاوية بن قرة، والمغيرة بن سلمان، ومكحول الأزدي، وموسى بن طلحة، وميمون بن مهران، ونافع مولاه، وواسع بن حبان، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ويحيى البكاء، ويونس بن جبير، وأبو أمامة التيمي، وأبو بردة بن أبي موسى، وأبو بكر بن حفص، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الصديق الناجي، وأبو عثمان النهدي وخلق آخرون.
- عبادته، وورعه، وتقواه، وزهده، ورقة قلبه:
كان عبد الله بن عمر -﵄- مثالًا يُحتذى به في كثرة العبادة، وشدة التقوى، والزهد في أطايب العيش، والزهد في السلطة، والخوف من الله، ورقة القلب.
قال إبراهيم: قال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر١.
وقال ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله: لقد رأيتنا ونحن متوافرون وما فينا شاب هو أملك لنفسه من ابن عمر٢.
وروى سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به، إلا ابن عمر٣.
وعن عائشة: ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر٤.
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه٥.
وقال أبو إسحاق السبيعي: كنا نأتي ابن أبي ليلى، وكانوا يجتمعون إليه،
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١١"، طبقات ابن سعد "٤/ ١٤٤"، حلية الأولياء "١/ ٢٩٤". ٢ الإصابة "٢/ ٣٤٧"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١١". ٣ حلية الأولياء "١/ ٢٩٤"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١١". ٤، ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢".
[ ١١٥ ]
فجاءه أبو سامة بن عبد الرحمن فقال: أعُمَر كان أفضل عندكم أم ابنه؟ قالوا: بل عمر، فقال:١ إن عمر كان في زمان له فيه نظراء، وإن ابن عمر بقي في زمان ليس فيه نظير.
وقال ابن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر، قال الذهبي٢: رواه ثقتان عنه.
وقال قتادة: سمعت ابن المسيب يقول: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي٣.
وعن طاوس وميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر٤.
وبإسناد وسط عن ابن الحنفية: كان ابن عمر خير هذه الأمة٥.
وروى عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا ليلته٦.
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا ابن جابر، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة إلى أن أقول: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح٧.
وقال طاوس: ما رأيت مصليًا مثل ابن عمر أشد استقبالًا للقبلة بوجهه وكفيه وقدميه٨.
_________________
(١) ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢". ٦ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء "١/ ٣٠٣". ٧ الحلية "١/ ٣٠٣"، سير أعلام النبلاء "١/ ٢٣٥". ٨ الحلية "١/ ٣٠٤"، سير أعلام النبلاء "١/ ٢٣٥"، وروى ابن سعد في الطبقات "٤/ ١٥٧" من طريق حماد بن مسعدة، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كان ابن عمر يحب أن يستقبل كل شيء منه القبلة إذا صلى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.
[ ١١٦ ]
وروى نافع أن ابن عمر كان يحيي بين الظهر والعصر١.
وروى هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة: أن ابن عمر قرأ فبلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فبكى حتى خر، وامتنع عن قراءة ما بعدها٢.
وروى معمر، عن أيوب، عن نافع أو غيره: أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابنَ خير الناس. فقال: "ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه"٣.
وروى الذهبي في السير، وأبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن عروة يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقُدِّر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت فدخلت مسجد الرسول -ﷺ- فسلمت عليه، وأديب إليه حقه، فرحب بي وقال: متى قدِمتَ؟ قلت: الآن، فقال: كنتَ ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن، فقلتُ: كان أمرًا قُدِّر، قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط، فدعا ابنيه: سالمًا وعبد الله وزوَّجني٤.
وروى عبد الرزاق، وأبو نعيم، والبيهقي، والذهبي بسند صحيح عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر زاحم على الحجر قط، ولقد رأيته مرة زاحم حتى رثم أنفه وابتدر منخراه دمًا٥.
_________________
(١) ١ الحلية "١/ ٣٠٣"، سير أعلام النبلاء "١/ ٢٣٥". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٥، ٢٣٦". ٣ المصدر السابق "٣/ ٢٣٦"، الحلية "١/ ٣٠٧" بسند صحيح. ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٦، ٢٣٧"، الحلية "١/ ٣٠٩"، الطبقات "٤/ ١٦٧، ١٦٨". ٥ المصنف لعبد الرزاق رقم "٨٩٠٤"، الحلية "١/ ٣٠٨"، السنن الكبرى للبيهقي "٥/ ٨١"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٦".
[ ١١٧ ]
ورُوي عن ابن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله -ﷺ- وآثاره وحاله، حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك١.
وروى وكيع عن أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعل خُفًّا يقع على خف، يعني: خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم٢.
ورُوي عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله -ﷺ- كان مكان صلى فيه، حتى إن النبي -ﷺ- نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس٣.
وقال نافع: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لو تركنا هذا الباب للنساء"، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات٤.
وروى عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: ما سمعت ابن عمر ذكر النبي -ﷺ- إلا بكى٥.
وروى عكرمة بن عمار عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه: أنه تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فجعل ابن عمر -﵄- يبكى حتى لثِقَت لحيته وجيبه من دموعه، فأراد رجل أن يقول لأبي: أقْصِر، فقد آذيتَ الشيخ٦.
وروى عثمان بن واقد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء ٧.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٧"، حلية الأولياء "١/ ٣١٠". ٣ أسد الغابة "٣/ ٣٤١"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٤ طبقات ابن سعد "٤/ ١٦٢" بإسناد صحيح، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٦ طبقات ابن سعد "٤/ ١٦٢"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٧ الحلية "١/ ٣٠٥" بسند صحيح، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤".
[ ١١٨ ]
وقال حبيب بن الشهيد: قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما١.
وقال ابن المبارك: أخبرنا عمر بن محمد بن زيد، أخبرنا أبي أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءه الطائرة، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة٢.
وقال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر٣.
وروى أبو الزبير المكي، عن عطاء مولى ابن سباع قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفَّانيها بزائد مائتي درهم٤.
وروى معمر عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله قال: لو أن طعامًا كثيرًا كان عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جمسه، فكلمه فقال: إنه ليأتي عليَّ ثمان سنين ما أشبع فيها شبعة واحدة، أو قال: إلا شبعة، فالآن تريد أن أشبع حين لم يبقَ من عمري إلا ظِمْءُ حمار! ٥
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٠" بسند صحيح، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٥". ٢ رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٥" بسند صحيح، والمهراس: صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقد يعمل منها حياض للماء. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٥". ٤ المصدر السابق، وفي الهامش "٣/ ٢١٥، ٢١٦": رجاله ثقات، وأخرجه بنحوه مالك "٢/ ١٦٨"، ومن طريقه ابن سعد "٤/ ١٦٩" عن حميد، عن قيس، عن مجاهد: أن ابن عمر وإنما تحمل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه، وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ "٢/ ٦٨٠" في البيوع، ومسلم "١٦٠٠" من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: أن رسول الله -ﷺ- استلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا، فقال: "أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء"، وأخرجه البخاري "٤/ ٣٩٤"، ومسلم "١٦٠١" من حديث أبي هريرة. ٥ مصنف عبد الرزاق "٢٠٦٣٠"، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية "١/ ٢٩٨"، وإسناده صحيح، وقوله: "ظمء حمار" أي: شيء يسير، وخص الخمار بذلك لأنه أقل الدواب صبرًا على الماء.
[ ١١٩ ]
وروى ابن سعد عن ميمون قال: ولقد دخلت على ابن عمر، فقوَّمت كل شيء في بيته من أساس ما يساوي مائة درهم١.
روى أبو حازم المديني، عن عبد الله بن دينار، قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرَّسنا، فانحدر علينا راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: أراعٍ؟ قال: نعم، قال: بعني شاة من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ﷿؟ قال ابن عمر: فأين الله!! ثم بكى، ثم اشتراه فأعتقه.
وروى أسامة بن زيد عن نافع، عن ابن عمر نحوه. وفي رواية ابن أبي روَّاد، عن نافع: فأعتقه، واشترى له الغنم٢.
وروى الذهبي قال: أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب عن قزعة، قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة أو جَشَبة، فقلت له: إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك، قال: أرِنيهِ، فلمسه وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن، قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أن أكون مختالًا فخورًا، والله لا يحب كل مختال فخور٣.
_________________
(١) ١ الطبقات "٤/ ١٦، ١٦٥"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٢ عزاه الهيثمي للطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة. مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٧". ونحوه في أسد الغابة "٣/ ٣٤١"، وهو في سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٦". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٣"، وهو في الحلية "١/ ٢٠٣"، ورجاله ثقات، غير أن هلال بن خباب تغير بآخره. والجشب من الثياب: الخشن الغليظ، قال الذهبي معلقًا: قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرًا فتركه متعين ولو كان من غير ذهب ولا حرير، فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف بفرو من أثمان أربعمائة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق كابر وقال: ما فيَّ خيلاء ولا فخر، وهذا السيد ابن عمر يخاف على نفسه. وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ: "ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار"، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء. فتراه يكابر ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث =
[ ١٢٠ ]
- سخاؤه:
روى ابن سعد بسند حسن عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ١.
وروى عبد الله بن وهب عن عبيد الله، عن نافع قال: ما أعجبَ ابنَ عمر شيءٌ من ماله إلا قدَّمه، بينا هو يسير على ناقته؛ إذ أعجبته فقال: إخ إخ، فأناخها وقال: يا نافع، حط عنها الرحل، فجللها وقلدها وجعلها في بدنه٢.
وروى عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حُمُر له حتى أدى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تعذب نفسك، وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم، ارجع إليه فقل: عجزت، فجاء إليه بصحيفة فقال: يا أبا عبد الرحمن، قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا،
_________________
(١) = آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري، فقال: "لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء"، فقلنا: أبو بكر -﵁- لم يكن يشد إزاره مسدولًا على كعبيه أولا؛ بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال ﷺ: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لاجناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين"، ومثل هذا في النهي لمن فصَّل سراويل مغطيًا لكعابه، ومنه طول الأكمام زائدًا، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس. وقد يعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة، فإن خلع على رئيس خلعة سيراء من ذهب وحرير وقندس، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها، الشخص يسحبها ويختال فيها، ويخطر بيده ويغضب ممن لا يُهنِّيه بهذه المحرمات، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مكس، أو ولاية شرطة. فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب وفي الآخرة أشد عذابًا وتنكيلًا. فرضي الله عن ابن عمر وأبيه، وأين مثل ابن عمر في دينه، وورعه وعلمه وتألهه وخوفه، من رجل تُعرض عليه الخلافة فيأباها، والقضاء من مثل عثمان، فيرده، ونيابة الشام لعلي فيهرب منها. فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. "سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤"، "وقوله: الفرجية: ثوب واسع طويل الأكمام، يتخذ من قطن أو حرير أو صوف. والسيراء: بكسر السين وفتح الياء والمد، نوع من البرود تتخذ من حرير. والمكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار". ١ الطبقات "٤/ ١٤٨"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٩"، والنبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والذبيب. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٧".
[ ١٢١ ]
ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله وقال: اذهب فأنت حر، قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابنيَّ. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولديَّ. قال: هما حرتان١.
وروى أبو نعيم من طريق الإمام أحمد بسند صحيح عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها قالت: فما تنتظر؟ فهلا ما هو خير من ذلك، وهو حر لوجه الله. فكان يخيل إلى أنه كان ينوي قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ٢.
وروى جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن نافع: أُتِيَ ابن عمر ببضعة وعشرين ألفًا، فما قام حتى أعطاها٣، ورواها عيسى بن كثير، عن ميمون وقال: باثنين وعشرين ألف دينار.
وقال أبو هلال: حدثنا أيوب بن وائل قال: أتَى ابن عمر بعشرة آلاف فرقها، وأصبح يطلب لراحلته عَلَفًا بدرهم نسيئة٤.
وروى برد بن سنان، عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليُفرِّق في المجلس ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم٥.
وروى عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد٦.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٧". ٢ الحلية "١/ ٢٩٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٧، ٢١٨". ٣، ٤ الحلية "١/ ٢٩٦". ٥ مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٧"، وعزاه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح غير برد بن سنان وهو ثقة. والحلية "١/ ٢٩٥، ٢٩٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٨". والمزعة: القطعة الصغيرة من اللحم. ٦ الحلية "١/ ٢٩٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٨".
[ ١٢٢ ]
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم قال: ما لعن ابن عمر خادمًا له قط إلا واحدًا، فأعتقه١.
وروى أيوب، عن نافع قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء٢.
وروى الأعمش وغيره، عن نافع قال: مرض ابن عمر، فاشتهى عنبًا أول ما جاء، فأرسلت امرأته بدرهم، فاشترت به عنقودًا، فاتبع الرسولَ سائلٌ، فلما دخل قال: السائل، السائل. فقال ابن عمر: اعطوه إياه. ثم بعثت بدرهم آخر، قال: فاتبعه السائل، فلما دخل قال: السائل، السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه، وأرسلت صفية إلى السائل تقول: والله لئن عدت لا تصيب مني خيرًا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به٣.
- تواضعه وحب الناس له:
روى أبو جعفر الرازي، عن حصين، قال ابن عمر: إني لأخرج وما لي حجة إلا أن أسلم على الناس، ويسلمون عليَّ٤.
وروى معمر، عن أبي عمرو النَّدَبي قال: خرجت مع ابن عمر، فما لقي صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه.
- شجاعته في الحق:
روى الذهبي بسند صحيح عن ابن عمر: أنه قام إلى الحجاج وهو يخطب فقال: يا عدو الله، استحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخًا قد
_________________
(١) ١ المصنف عبد الرزاق "١٩٥٣٤" وإسناده صحيح. ٢ الحلية "١/ ٢٩٦" وإسناده صحيح. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢٠" وإسناده صحيح، وأخرجه ابن سعد في الطبقات "٤/ ١٥٨" من طريق عارم: محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع به، وإسناده صحيح. ٤ الهيثمي للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح غير نعيم بن حماد، وهو ثقة. مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٧"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢١"، ورواه ابن سعد في الطبقات "٤/ ١٥٥، ١٥٦، ١٧٠" بعدة طرق.
[ ١٢٣ ]
خَرِف. فلما صدر الناس، أمر الحجاج بعض مسودته، فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض ومات منها. ودخل عليه الحجاج عائدًا فسلم، فلم يرد عليه، وكلمه فلم يجبه١.
وروى الذهبي وابن سعد بسند صحيح، عن ابن سيرين: أن الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدَّل كلام الله. فعلم ابن عمر فقال: كذب، لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال: إنك شيخ قد خرفت الغد. قال: أما إنك لو عدتَ عدتُ.
وقال الأسود بن شيبان: حدثنا خالد بن سُمَيْر قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير حرف كلام الله. فقال ابن عمر: كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك ولا أنت معه. قال: اسكت، فقد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يُضرب عنقه، فيخر قد انتفخت خصيتاه، يطوف به صبيان البقيع٢.
وأخرج البخاري في العيدين: باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، من طريق أحمد بن يعقوب، حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: "دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، قال: مَن أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله". يعني الحجاج. ورواه البخاري أيضًا من طريق محمد بن سوقه، عن سعيد بن جبير٣.
- منهجه في رواية الحديث:
عُرف عن ابن عمر التحري والتثبت في الرواية والضبط والإتقان، وكان أحيانًا
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢١". ٢ الطبقات الكبرى "٤/ ١٨٤"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٠". ٣ صحيح البخاري "٢/ ٣٧٩" حديث رقم "٩٦٦" ورقم "٩٦٧"
[ ١٢٤ ]
يُقل من الرواية جدًّا، حتى قال الشعبي: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن النبي -ﷺ- إلا حديثًا واحدًا١.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعت يحدث عن رسول الله -ﷺ- إلا حديثًا٢.
وقال أبو جعفر الباقر: كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله -ﷺ- حديثًا لا يزيد لا ينقص، ولم يكن أحد في ذلك مثله٣.
- وفاته:
تُوفي ابن عمر سنة ثلاث وسبعين، وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعًا وثمانين سنة.
قال أبو بكر بن البرقي: تُوفي بمكة، ودفن بذي طُوى، وقيل: بفخِّ مقبرة المهاجرين سنة أربع.
قال الذهبي: قلت: هو القائل: كنت يوم أُحُد ابن أربع عشرة سنة٤، فعلى هذا يكون عمره خمسًا وثمانين سنة، ﵁ وأرضاه٥.
وروى ابن سعد من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن ابن أبي رَوَّاد، عن نافع: أن ابن عمر أوصى رجلًا يُغسِّله فجعل يدلكه بالمسك٦.
وعن سالم بن عبد الله: مات أبي بمكة، ودفن بفخ سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وثمانين، وأوصاني أن أدفنه خارج الحرم، فلم نقدر، فدفناه بفخ في الحرم في مقبرة المهاجرين٧.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٢ تاريخ أبي زرعة الدمشقي "١/ ٥٥٧"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٢". ٥ المصدر السابق "٣/ ٢٣٢، ٢٣٣". ٦ طبقات ابن سعد "٤/ ١٨٧"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣١". ٧ طبقات ابن سعد "٤/ ١٨٨"، والسير "٣/ ٢٣١"، و"فخ" وادٍ بمكة يقال: هو وادي الزاهر.
[ ١٢٥ ]
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه: قال ابن عمر حين احتضر: ما أجد في نفسي شيئًا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب١.
قال الذهبي: وله قول ثالث في الفئة الباغية، فقال روح بن عبادة: حدثنا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير، قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا؛ يعني: الحجاج٢.
- مروياته:
قال الذهبي: ولابن عمر في "مسند بقي" ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا بالمكرر، واتفقا له على مائة وثمانية وستين حديثًا. وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٢"، ورواه من طريق آخر عن ابن عمر نحوه في نفس الموضع. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٢"، والطبقات الكبرى "٤/ ١٨٥" وسنده صحيح. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨".
[ ١٢٦ ]
٣- أنس بن مالك ﵁ ١:
- نسبه وإسلامه وشخصيته:
أنس بن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. وأمه: أم سليم بنت ملحان. وكنيته: أبو حمزة، ويقال: أبو ثمامة الأنصاري البخاري، وروى الترمذي وغيره عن أنس قال: كناني النبي -ﷺ- أبا حمزة ببقلة اجتنيتُها٢.
لقبه: روى أبو داود والترمذي أن النبي -ﷺ- قال لأنس: يا ذا الأذنين٣.
مولده: قال الذهبي: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين٤.
وكان -﵁- مرجع الصحابة والتابعين في الرواية والفتوى، وقد لخص الحافظ الذهبي مناقبه في صدر ترجمته فقال: الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله -ﷺ- وقرابته من النساء، وتلميذه وتبعه، وآخر أصحابه موتًا.
روى عن النبي -ﷺ- علمًا جمًّا، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ، وأسيد بن الحضير، وأبي طلحة. وأمه: أم سليم بنت ملحان، وخالته أم
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٥٩، ٤٠٦"، وطبقات ابن سعد "٧/ ١٧"، المحبر "٣٠١، ٣٣٤، ٣٧٩"، التاريخ الكبير "٢/ ٢٧"، التاريخ الصغير "١/ ٢٠٩"، الجرح والتعديل "٢/ ٢٨٦"، المستدرك "٣/ ٥٧٣"، الاستيعاب "١٠٨"، طبقات الشيرازي "٥١"، الجمع بين رجال الصحيحين "١/ ٣٥"، جامع الأصول "٩/ ٨٨"، أسد الغابة "١/ ١٥١"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ١٢٧" نهاية الأرب "١٨/ ٢٢٣"، تهذيب الكمال "٣/ ٣٥٣-٣٧٨"، تاريخ الإسلام "٣/ ٣٣٩"، تذكرة الحفاظ "١/ ٤٢"، العبر "١/ ١٠٧"، مرآة الجنان "١/ ١٨٢"، البداية والنهاية "٨٨/ ٩"، مجمع الزوائد "٩/ ٣٢٥"، تهذيب التهذيب "١/ ٣٧٦"، الإصابة "١/ ٧١"، النجوم الزاهرة "١/ ٢٢٤"، خلاصة تهذيب الكمال "٣٥"، شذرات الذهب "١/ ١٠٠، ١٠١"، تهذيب ابن عساكر "٣/ ١٤٢". ٢ راجع: سنن الترمذي "حديث ٣٩١٨". ٣ راجع: سنن أبي داود "٥٠٠٢" كتاب الأدب، وسنن الترمذي "٣٨٢٨". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٥".
[ ١٢٧ ]
حرام، وزوجها عبادة بن الصامت، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وفاطمة النبوية، وعدة.
ورَوى عنه خَلْق عظيم؛ منهم: الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، والزهري، وقتادة، وابن المنكدر، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد العزيز بن صهيب، وشعيب بن الْحَبْحاب، وعمرو بن عامر الكوفي، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وكثير بن سليم، وعيسى بن طهمان، وعمر بن شاكر، وخلق كثير.
وبقي أصحابه الثقات إلى بعد الخمسين ومائة، وبقي ضعفاء أصحابه إلى بعد التسعين ومائة، وبقي بعدهم ناس لا يُوثق بهم؛ بل اطُّرح حديثهم جملة؛ كإبراهيم بن هُدبة، ودينار أبو مكيس، وخراش بن عبد الله، وموسى الطويل، عاشوا مُدَيْدَة بعد المائتين، فلا اعتبار بهم.
وإنما كان بعد المائتين بقايا مَن سمع مِن ثقات أصحابه؛ كيزيد بن هارون، وعبد الله بن بكر السهمي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبي عاصم النبيل، وأبي نُعيم١.
وقد سرد صاحب "التهذيب" نحو مائتي نفس من الرواة عن أنس. وقد كان النبي -ﷺ- يخصه ببعض العلم، فنقل أنس عن النبي -ﷺ- أنه طاف على تسع نسوة في ضحوة بغُسل واحد٢.
- هيئته وبعض أوصافه وغيره:
قال سلمة بن وردان: رأيت على أنس عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٩٦، ٣٩٧". ٢ انظر: صحيح البخاري "١/ ٣٢٤"، صحيح مسلم "٣٠٩"، سنن أبي داود "٢١٨"، سنن الترمذي "١٤٠"، سنن النسائي "١/ ١٤٤"، سنن ابن ماجه "٥٨٨". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٣".
[ ١٢٨ ]
وروى ابن سعد عن أنس: نهى عمر أن نكتب في الخواتيم عربيًّا، وكان في خاتم أنس ذئب أو ثعلب١.
وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم أنس أسد رابض٢.
وروى همام، عن ابن جريج عن الزهري، عن أنس: أنه نقش في خاتمه: "محمد رسول الله"، فكان إذا دخل الخلاء نزعه٣.
وقال ابن عون: رأيت على أنس مِطرَفَ خَزٍّ، وعمامة خز، وجُبَّة خز٤.
وروى عمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: كان أنس بن مالك أبرص وبه وَضَحٌ شديد، ورأيته يأكل، فيلقم لقمًا كبارًا٥.
- خدمته لرسول الله -ﷺ- ودعاء الرسول له:
شَرُف أنس بخدمة رسول الله -ﷺ- وملازمته، فاستقى منه علمًا غزيرًا، وظفر منه دعاء مستجابًا.
روى مسلم وغيره: كان أنس يقول: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكنَّ أمهاتي يحثُثْنَني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
وروى أبو داود الطيالسي بسند صحيح والترمذي بإسناد حسنه عن أبي خلدة، قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك٧.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى "٧/ ١٨" بسند صحيح. ٢ رواه ابن سعد بسند صحيح في الطبقات الكبرى "٧/ ١٨". ٣ طبقات ابن سعد "٧/ ٢٢، ٢٣"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٤". ٤ طبقات ابن سعد "٧/ ٢٣"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٤". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٥". ٦ راجع: صحيح مسلم حديث رقم "٢٠٢٩/ ١٢٥"، ومسند أحمد "٣/ ١١٠"، وطبقات ابن سعد "٧/ ٢٠"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٩٧". ٧ سنن الترمذي: كتاب المناقب "٤٥" باب مناقب أنس بن مالك ﵁، حديث رقم "٣٨٣٣" وقال: هذا حديث حسن غريب، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٠".
[ ١٢٩ ]
قال ثُمامة بن عبد الله: كان كَرْمُ أنس يحمل في السنة مرتين١.
قال سليمان التيمي: سمعت أنسًا -﵁- يقول: ما بقي أحد صلى القبلتين غيري٢.
وروى أبو يعلى والترمذي بنحوه عن أنس -﵁- قال: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي فانطلقت بي إليه، فقالت: يا رسول الله! لم يبقَ رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أُتحفك به إلا ابني هذا، فخذه، فليخدمك ما بدا لك. قال: فخدمته عشر سنين، فما ضربني، ولا سبني، ولا عبس في وجهي٣.
وروى مسلم عن أنس قال: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله -ﷺ- قد أزَّرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه، فقالت: يا رسول الله! هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدمك، فادعُ الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده" فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادُّون على نحو من مائة اليوم٤.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أمه: أنها رأت أنسًا متخلقًا بخلوق وكان به برص، فسمعني وأنا أقول لأهله: لهذا أجلد من سهل بن سعد، وهو أسن من سهل، فقال: إن رسول الله -ﷺ- دعا لي٥.
وقال أبو اليقظان: مات لأنس في طاعون الجارف٦ ثمانون ابنًا، وقيل: سبعون٧.
_________________
(١) ١، ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٣". ٣ راجع: مجمع الزوائد "١/ ٢٧١، ٢٧٢"، سنن الترمذي حديث "٥٨٩، ٢٦٧٨، ٢٦٩٨". ٤ صحيح مسلم "٢٤٨١/ ١٤٣" فضائل الصحابة/ باب فضائل أنس بن مالك. ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٥". ٦ كان طاعون الجارف بالبصرة سنة ٦٩هـ، قال المدائني: حدثني مَن أدرك ذلك قال: كان ثلاثة أيام، فمات فيها نحو مائتي ألف نفس، وقال غيره: مات في طاعون الجارف لأنس من أولاده سبعون نفسًا. " دول الإسلام ١/ ٢٥". ٧ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٥".
[ ١٣٠ ]
وروى الشيخان من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن أم سليم قالت: يا رسول الله! خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، فأخبرني بعض أهلي أنه دفن من صلبي أكثر من مائة١.
وروى البخاري في الأدب المفرد، وابن سعد بسند حسن عن أنس قال: دعا لي رسول الله -ﷺ- فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته" فالله أكثر مالي حتى إن كَرْمًا لي لتحمل في السنة مرتين، ووُلِدَ لصلبي مائة وستة٢.
وروى البخاري في صحيحه عن حميد، عن أنس ﵁: دخل النبي -ﷺ- على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: "أعيدوا تمركم في وعائه، وسمنكم في سقائه، فإني صائم" ثم قام إلى ناحية البيت فصلى صلاة غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت: يا رسول الله! إن لي خويصة، قال: "ما هي؟ " قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به، ثم قال: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له" قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مَقْدِمَ الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة٣.
- مشاهده:
لم يتخلف أنس -ﷺ- عن غزوة مع رسول الله -ﷺ- حتى غزوة بدر، فقد شهدها صغيرًا. قال الذهبي: فصحب أنس نبيه -ﷺ- ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "١١/ ١٢٢، ١٥٤" في الدعوات، ومسلم "٢٤٨٠" في فضائل الصحابة دون قوله: "فأخبرني بعض أهلي"، وأخرجه معها بنحوه "٤/ ١٩٨، ١٩٩" في الصوم: باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، من طريق حميد، عن أنس وفيه: وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي عند مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة. ٢ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" "٦٥٣"، وابن سعد "٧/ ١٩". ٣ أخرجه البخاري "٤/ ١٩٨، ١٩٩" في الصوم: باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.
[ ١٣١ ]
وقد روى محمد بن سعد في "طبقاته": حدثنا الأنصاري١، عن أبيه، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر. ثم قال الأنصاري: خرج مع رسول الله -ﷺ- إلى بدر وهو غلام يخدمه.
وقد رواه عمر بن شبة، عن الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: فذكر نحوه. قلت: لم يعده أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيًّا ما قاتل؛ بل بقي في رحال الجيش، فهذا وجه الجمع٢.
وقال موسى بن أنس: إن أنسًا غزا ثمان غزوات٣.
- عبادته وورعه:
روى ابن سعد بسند صحيح عن ثابت البناني: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه بصلاة رسول الله -ﷺ- من أبن أم سليم؛ يعني: أنسًا٤.
وقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر٥.
وروى الأنصاري عن أبيه، عن ثمامة قال: كان أنس يصلي حتى تفطَّر قدماه دمًا، مما يطيل القيام رضي الله عنه٦.
وروى معاذ بن معاذ، حدثنا عمران، عن أيوب قال: ضَعُف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم٧.
_________________
(١) ١ الأنصاري: هو محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري ثقة، وأبوه عبد الله صدوق، خرج له البخاري إلا أنه كثير الغلط، ومولى أنس لا يعرف؛ لكن تابعه ثمامة في رواية عمر بن شبة، وهو صدوق. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٩٧، ٣٩٨".
(٢) ٦ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٠". ٧ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٥"، وفي صحيح البخاري "٨/ ١٣٥": فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كَبِرَ عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر. وقال الحافظ: وروى عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس، عن أنس: أنه أفطر في رمضان وكان قد كَبِرَ، فأطعم مسكينًا كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام بن ملاس، عن مروان، عن معاوية، عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام تُوفي، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما عرف أنه لا يطيق القضاء، أمر بجفان من خبز ولحم، فأطعم العدة أو أكثر.
[ ١٣٢ ]
وروى ابن سعد في طبقاته من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا شيخ لنا يكنى أبا الحباب قال: سمعت الجريري يقول: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق، قال: فما سمعناه متكلمًا إلا بذكر الله حتى حل، قال: فقال له: يابن أخي هكذا الإحرام١.
- كرامته:
قال ثابت البناني: جاء قيِّمُ أرض أنس فقال: عطشت أرَضوك، فتردَّى أنس ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه ومطرت حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله فقال: انظر أين بلغت؟ فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرًا٢.
قال الذهبي معلقًا: هذه كرامة بيِّنة ثبتت بإسنادين٣.
- رؤيته للنبي -ﷺ- بعد وفاته:
روى ابن سعد بسند صحيح عن المثنى بن سعيد قال: سمعت أنسًا يقول: ما ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي، ثم يبكى٤.
- إكرام عمر له:
روى حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال: استعملني أبو بكر على الصدقة، فقدمت وقد مات، فقال عمر: يا أنس، أجئتنا بظهره؟ قلت: نعم. قال: جئنا به، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك، قال: وإن كان فهو لك. وكان أربعة آلاف٥.
_________________
(١) ١ الطبقات "٧/ ٢٢"، وانظر: سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠١". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠١"، طبقات ابن سعد "٧/ ٢١". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠١". ٤ الطبقات الكبرى "٧/ ٢٠"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٣". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠١".
[ ١٣٣ ]
- موقفه من الفتنة:
لم يتغير أنس لعثمانَ ولا لعلي في الفتنة، ولم ينضم إلى أحد الفريقين، ولم يشترك في محاربة أحدهما، وقد صرح بأن الله تعالى منحه حبهما جميعًا.
قال حميد عن أنس: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب، وقد جمع الله حبهما في قلوبنا١.
- إيذاء الحجاج بن يوسف الثقفي له:
كان أنس -﵁- يقف للحجاج بالمرصاد، وكان يؤلب عليه كلما وجد منه خطأ؛ ولذلك كان إيذاء الحجاج له وإهانته إياه.
قال جعفر بن سليمان: حدثنا علي بن زيد قال: كنت بالقصر، والحجاج يَعرِض الناسَ ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس فقال الحجاج: يا خبيث، جوَّال في الفتن ، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفسي بيده، لأستأصلنَّك كما تُستأصل الصَّمْغَة، ولأجردنك كما يُجرَّد الضب. قال: يقول أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني أصمَّ الله سمعك. قال: فاسترجع أنس، وشُغل الحجاج، فخرج أنس، فتبعناه إلى الرحبة فقال: لولا أني ذكرتُ ولدي وخشيت عليهم بعدي، لكلمته بكلام لا يستحييني بعده أبدًا٢.
قال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الملك بن مَرْوان -يعني: لما آذاه الحجاج: إني خدمتُ رسول الله -ﷺ- تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلًا خدم نبيهم لأكرموه٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٥". ٢ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير "٧٠٤"، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وأعله الهيثمي في مجمع الزوائد "٧/ ٢٧٤"، وانظره في سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٢، ٤٠٣". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٢".
[ ١٣٤ ]
وروى عبد الله بن سالم الأشعري، عن أزهر بن عبد الله قال: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك، وكان فيمن يؤلب على الحجاج، وكان مع ابن الأشعث، فأتوا به الحجاج، فوسم في يده: عتيق الحجاج١.
قال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الله: قد خدمتُ رسول الله -ﷺ- تسع وتسعين، وإن الحجاج يُعرِّض بي حَوَكَة البصرة، فقال: يا غلام! اكتب إلى الحجاج: ويلك قد خشيت ألا يصلح على يدي أحد، فإذا جاءك كتابي فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه، فلما أتاه الكتاب قال الرسول: أمير المؤمنين، كتب بما هنا؟ قال: إي والله، وما كان في وجهه أشد من هذا. قال: سمعًا وطاعة، وأراد أن ينهض إليه فقلت: إن شئتَ أعلمتُه. فأتيت أنس بن مالك فقلت: ألا ترى قد خافك وأراد أن يجيء إليك فقم إليه، فأقبل أنس يمشي حتى دنا منه، فقال: يا أبا حمزة غضبت؟ قال: نعم، تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي لك كقول الذي قال: "إياك أعنى وأسمعي يا جارة" أردت ألا يكون لأحد عليَّ منطق٢.
- وفاته ٣:
كان أنس -﵁- آخر الصحابة موتًا، والأرجح أنه مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين وهو ابن مائة وثلاث سنين.
قال قتادة: لما مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، فقيل:
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٤". ٢ المصدر السابق، وانظر: المستدرك "٤/ ٥٧٤". ٣ في السير "٣/ ٤٠٥، ٤٠٦"، قال الذهبي: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين، وأما موته فاختلفوا فيه، فروى معمر عن حميد: أنه مات سنة إحدى وتسعين، وكذا أرخه قتادة، والهيثم بن عدي، وسعيد بن عفير، وأبو عبيد، وروى معن بن عيسى عن ابن لأنس بن مالك: سنة اثنتين وتسعين. وتابعه الواقدي، وقال عدة وهو الأصح: مات سنة ثلاث وتسعين. قاله ابن علية، وسعيد بن عامر، والمدائني، وأبو نعيم، وخليفة، والفلاس، وقعنب، فيكون عمره على هذا مائة وثلاث سنين. قال الأنصاري: اختلف علينا في سن أنس، فقال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مائة وسبع سنين.
[ ١٣٥ ]
وكيف ذلك يا أبا المغيرة؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث من رسول الله -ﷺ- قلنا له: تعالَ إلى من سمعه منه.
- مروياته:
قال الذهبي: مسنده ألفان ومائتان وستة وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مائة وثمانين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانين حديثًا، ومسلم بتسعين١.
- أصح الأسانيد عنه:
قيل: مالك، عن الزهري، عنه.
وقيل: حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عنه.
وقيل: هشام الدستوائي، عن قتادة، عنه.
- أوهى الأسانيد إليه:
داود بن المحبر، عن قحذم، عن أبيه، عن أبان بن أبي عياش، عنه.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٤٠٦".
[ ١٣٦ ]
٤- عائشة ﵁ ا ١:
- نسبها وكنيتها ومولدها:
عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن غالب، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي -ﷺ- إلا خديجة، ففيها خلاف شهير كما قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب.
- كنيتها:
أم عبد الله، فكناها بذلك رسول الله -ﷺ- لما قالت له: إن النساء قد اكتنين، فكنني، فكناها رسول الله -ﷺ- بأم عبد الله؛ يعني: ابن الزبير؛ لأنها قد حنكته لما وُلد بتمرة، وتُسمى أيضًا الحميراء لغلبة البياض على لونها.
- وأمها:
أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس.
ولدت عائشة -﵂- بمكة في السنة الثامنة أو نحوها قبل الهجرة، تزوجها رسول الله -ﷺ- بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بسنة ونصف، أو نحو ذلك، وهي بنت ست سنين، وبَنَى بها بالمدينة بعد منصرفه من غزوة بدر في شوال سنة اثنتين من الهجرة وهي ابنة تسع سنين، وقيل: بَنَى بها في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة.
وكانت -﵂- كثيرة التعبد والتهجد والصوم، وكانت تؤم النساء في الصلاة المكتوبة، وكانت شديدة الحياء حتى أنها كانت تدخل البيت الذي دُفن فيه رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وهي واضعة ثوبها وتقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر بن الخطاب لم تكن تدخله إلا مشدودة عليها ثيابها حياء من عمر.
_________________
(١) ١ راجع ترجمة السيدة عائشة -﵂- في: أعلام النساء لعمر رضا كحالة "٣/ ٩/ ١٣١" وفيه مصادر ترجمتها "ص١٣٠، ١٣١". وانظر: تهذيب الكمال "٣٥/ ٢٢٧-٢٣٦"، ولها ترجمة مستفيضة في سير أعلام النبلاء "٢/ ١٣٥-٢٠١"، وطبقات ابن سعد "٨/ ٥٨-٨١"، وانظر: المستدرك للحاكم "٤/ ٤-١٤"، الاستيعاب "٤/ ١٨٨١"، أسد الغابة "٧/ ١٨٨"، البداية والنهاية "٨/ ٩١-٩٤"، مجمع الزوائد "٩/ ٢٢٥-٢٤٤"، تهذيب التهذيب "١٢/ ٤٣٣- ٤٣٦"، الإصابة "١٣/ ٣٨"، شذرات الذهب "١/ ٩ و٦١ - ٦٣"، صفة الصفوة "٢/ ١٦"، هداية العارفين للبغدادي "ص٢٣٣"، جوامع السيرة لابن حزم "ص٢٧٥ - ٣١٥"، وغيرها.
[ ١٣٧ ]
ولم تكذب أبدًا، فكان ابن الزبير إذا حدَّث عن عائشة قال: والله لا تكذب على رسول الله -ﷺ- أبدًا، وكانت كثيرة الصدقات والعطايا حتى قال عبد الله بن الزبير في عطاء أعطته عائشة: والله لتَنْتَهيَنَّ عائشة أو لأحجرَنَّ عليها، فقالت عائشة: هو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: فلله عليَّ نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدًا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: والله لا أشفع فيه أبدًا. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة فقال: أنشدكما بالله أن تدخلاني على عائشة، فإنه لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: أكلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم -ولا تعلم أن معهما ابن الزبير- فلما دخلوا، دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه ويقولان: إن النبي -ﷺ- نهى عما عملت من الهجر، وإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فلما أكثروا على عائشة طفقت تبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك وتبكي حتى تبل دموعُها خمارَها.
- دورها في الجهاد:
استأذنت عائشة النبي -ﷺ- في الجهاد فقال: "جهادُكن الحج"، ولما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي -ﷺ- ولقد رأى أنس عائشة وأم سليم، وإنهما لمشمرتان تنقلان القِرَب على متنيهما، ثم تفرغانها في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم.
[ ١٣٨ ]
- مكانتها العلمية والأدبية:
لقد كانت السيدة عائشة -﵂- حاملة لواء العلم في عصرها، ونبراسًا منيرًا لمريدي العلم وطلابه، وقد حسمت كثيرًا من الخلاف الفقهي، وكانت دقيقة في استنباط الحكم من العلة وجمع أطراف الحديث.
قال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه: ما أُشكل علينا -أصحابَ محمد- حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وقال مسروق: لقد رأيت أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.
وتُعد عائشة من أبرع الناس في القرآن والحديث والفقه والشعر وأحاديث العرب وأخبارهم وأيامهم وأنسابهم. قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدًا أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة. وقال أيضًا: ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة. قال أبو عمر بن عبد البر: إن عائشة كانت وحدية بعصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر.
وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة، فقلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.
وكان عروة يقول لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله -ﷺ- وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت عائشة على منكبه وقالت: أي عرية -تصغير عروة- إن رسول الله -ﷺ- كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجهة فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها فمن ثَمَّ.
قال الزهري: لو جُمِع علم عائشة بعلم جميع أزواج النبي -ﷺ- وجميع علم الناس لكان علم عائشة أكثر. وفي رواية: أفضل.
[ ١٣٩ ]
وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁: يا زياد، أي الناس أعلم؟ قال زياد: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك، قال: أما إذا عزمت عليَّ فعائشة. وقال محمد بن عمر: ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتًا والمائة بيت.
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة، وقال المقداد بن الأسود: ما كنت أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- أعلم بشعر ولا فريضة من عائشة.
- شيوخها:
عُدَّ الذين حفظت عنهم الفتوى من الصحابة مائة ونيف وثلاثون نفسًا ما بين رجل وامرأة، كان المكثرون منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو.
وقال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سِفْرٌ ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس في عشرين كتابًا، وفي شرح الزرقاني وفتح الباري: إن عائشة كانت فقيهة جدًّا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها.
وقال الذهبي في الكاشف: إن عائشة أفقه نساء الأمة، وكانت -﵂- مرجع كبار الصحابة في العديد من المسائل، قال الزركشي في المعتبر: إن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب كانا يسألانها في مسائل فقهية عديدة.
- الذين رَوَوْا عنها:
روى عنها خَلْقٌ كثير؛ منهم: أخوها من الرضاعة عوف بن الحارث بن الطفيل، وأختها أم كلثوم بنت أبي بكر، وابنا أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر الصديق، وابنتا أخيها حفصة وأسماء ابنتا عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنُ ابنِ أخيها عبد الله بن أبي عتيق، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنا
[ ١٤٠ ]
أختها عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام، وابن أختها أسماء وعباد بن حبيب بن عبد الله بن الزبير، وعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، وابنته أختها عائشة بنت طلحة، أبو يونس وذكوان أبو عمر، وابن فروخ مولى عائشة.
وروى عنها من الصحابة:
عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن خالد الجهني، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن عمرو الجرشي، والسائب بن يزيد١، والحارث بن عبد الله بن نوفل، وغيرهم.
وروى عنها من أكابر التابعين:
سعيد بن المسيب، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعلقمة بن قيس، وعمرو بن ميمون، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وهمام بن الحارث، وأبو عطية الوادعي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن حكيم، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابناه أبو بكر ومحمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأسود بن يزيد النخعي، وأيمن المكي، وثمامة بن حزن القشيري، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وسعد بن هشام بن عامر، وسليمان بن يسار، وشريح بن هانئ، وزر بن حبيش، وأبو صالح السمان، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وطاوس، وعبد الله بن شقيق العقيلي، وعبد الله بن شهاب الخولاني، وابن أبي مليكة، وعبد الله البهي، وعبد الرحمن بن شماسة، وعبيد بن عمير الليثي، وعراك بن مالك، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعكرمة، وعلقمة بن وقاص، وعلى بن الحسين بن علي، وعمران بن حطان، ومجاهد بن جبر، وكريب، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، وفروة بن نوفل الأشجعي، ومحمد بن قيس بن مخرمة، ومحمد بن المنتشر، ونافع بن جبير بن مطعم، ويحيى بن يعمر، ونافع مولى ابن عمر، وأبو بردة بن أبي موسى، وأبو الجوزاء الربعي، وأبو الزبير المكي، وخيرة أم
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب، وفي شرح الزرقاني: السائب بن زيد.
[ ١٤١ ]
الحسن، وصفية بنت أبي عبيد، وصفية بنت شيبة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وآخرون.
- استدراكاتها على الصحابة:
ألَّف بدر الدين الزركشي الشافعي كتابًا سماه: "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" وقال في مقدمته: "وبعد، فهذا كتاب أجمع فيه ما تفردت به الصديقة -﵂- أو خالفت فيه سواها برأي منها، أو كان عندها فيه سُنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى".
ثم ذكر المؤلف ما استدركته على عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، ومروان بن الحكم، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وزينب بنت أرقم، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجابر، وعلي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف، وفاطمة بنت قيس، وأزواج النبي -ﷺ- وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب.
ومما استدركته عائشة -﵂- على أبي هريرة -﵁- أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يُحدِّث أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة" فطارت شفقًا ثم قالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم مَن حدث بهذا عن رسول الله ﷺ، كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في الدابة والدار والمرأة، ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
وكانت عائشة -﵂- شديدة التمحيص والتنقيب، فقد ذكر المزي أنها كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه.
[ ١٤٢ ]
وقال عروة: سألت عائشة عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بين الصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يابن أخي، إن هذه لو كانت كما أولتها كانت لا جناح ألا يطوف بهما؛ ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل١، وكان من أهلَّ بها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ﴾ الآية.
وقالت عائشة ﵂: وقد سَنَّ رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما فليس لأحد يترك الطواف بينهما، فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس -إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة- كانوا يطوفون كلهم بين الصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، قال أبو بكر: فأحسب هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية في الصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام٢.
- فصاحتها وبلاغتها:
كانت عائشة -﵂- فصيحة اللسان بليغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم. قال الأحنف بن قيس: سمعتُ
_________________
(١) ١ المشلل: جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر، وقديد وادٍ وموضع. ٢ صحيح البخاري: "٢٥" كتاب الحج "٧٩" باب "وجوب الصفا والمروة وجُعل من شعائر الله" حديث "١٦٤٣"، وأطرافه: "١٧٩٠"، "٤٤٩٥"، "٤٨٦١"، وصحيح مسلم: "١٥" كتاب الحج "٤٣" باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، حديث "١٢٧٧".
[ ١٤٣ ]
خطبة أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والخلفاء هلم جرًّا إلى يومي هذا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه في عائشة.
وقال موسى بن طلحة: ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة١، وقال معاوية: والله ما رأيت خطيبًا قد أبلغ ولا أفصح من عائشة٢.
وقالت عائشة: قُبض رسول الله -ﷺ- فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضَها٣، اشرأَبَّ النفاق بالمدينة وارتدت العرب، فوالله ما اختلف المسلمون في لفظة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام، ومن رأى ابن الخطاب علم أنه خُلق غناءً للإسلام، كان والله أحوذيًّا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها.
ودخلت عائشة -﵂- على أبيها أبي بكر الصديق في مرضه الذي مات فيه فقالت: يا أبتِ، اعْهَد إلى خاصتك، وأنفذ رأيك في سامتك٤، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك، وإنك محضور، ومتصل بقلبي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك وانتفاع لونك وإليَّ تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك، أرقأ فلا أرقى٥، وأبل فلا أنقى، وأشكو فلا أشكى. فرفع رأسه وقال: يا بنية، هذا يوم يجلى فيه عن غطائي وأعاين جزائي، إن فَرَح فدائم، وإن تَرَح٦ فمقيم، إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم حين كان النكوص إضاعة والحزم تفريطًا، فشهيدي الله ما كان هبلى إياه. تبلغت بصفحتهم وتعللت٧ بدَرَّة لقحتهم وأقمت صلاتي
_________________
(١) ١ سنن الترمذي "٥/ ٦٦٣" "٥٠" كتاب المناقب "٦٣" باب فضل عائشة ﵂ حديث رقم "٣٨٨٤" وقال: حسن صحيح غريب، والمستدرك للحاكم "٤/ ١١" كتاب معرفة الصحابة. ٢ المستدرك للحاكم والتذهيب للذهبي وأخرجه الترمذي وقال: حسن. كذا في هامش أعلام النساء لعمر رضا كحالة "٣/ ١١٢" مؤسسة الرسالة. ٣ هاضها: أي كسرها وألانها. ٤ السامة: الخاصة. يقال: السامة والعامة. ٥ رَقَأ الدمع: سكن. ٦ التَّرَح: ضد الفرح. ٧ أي: تلهيت.
[ ١٤٤ ]
معهم لا مختالًا أَشِرًا ولا مكاثرًا بَطِرًا١، لم أعد سد الجوعة وروى العورة وقوامة القوام، حاضري الله من طوي ممعض٢ تهفو منه الأحشاء وتجب له الأمعاء، واضطررت إلى ذلك اضطرار البرض٣ إلى المتعتت الآجن٤، فإذا أنا مت فردي إليهم صحفتهم، ولقحتهم، وعبدهم، ورحاهم، ووثارة ما فوقي اتقيت بها أذى البرد، ووثارة ما تحتي اتقيت بها نز الأرض٥ كان حشوها قطع السعف المشع.
وقالت عائشة -﵂- وأبوها يغمض:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل
- وفاتها:
وتوفيت عائشة أم المؤمنين بالمدينة المنورة في "١٧" من رمضان سنة "٥٧هـ" على الصحيح. وقيل: "٥٨هـ"، وقيل: "٥٦هـ"، وقيل: "٥٩هـ" وهي ابنة ست وستين سنة، وأمرت أن تدفن من ليلتها، واجتمع الأنصار وحضروا فلم تُرَ ليلة أكثر ناسًا منها، فدفنت بعد الوتر بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم وعبد الله ابنا أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
- مروياتها:
كانت السيدة عائشة -﵂- كبيرة محدثات عصرها بالإضافة إلى شهرتها بالذكاء والفصاحة والبلاغة، وكانت عاملًا كبيرًا ذا تأثير عميق في نشر تعاليم الإسلام ومبادئه.
_________________
(١) ١ الأشر والبطر: المغالاة في المرح والكبر، وأيضًا: الجحود والكفر. ٢ أي: موجع. ٣ بَرَضَ الماء: قل. ٤ الماء الذي تغير طعمه ولونه ورائحته. ٥ نز الأرض: ما تَحَلَّبَ من الأرض من الماء.
[ ١٤٥ ]
روت عن رسول الله -ﷺ- وأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وفاطمة الزهراء، وسعد بن أبي وقاص، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وجذامة بنت وهب ﵃.
وبلغ عدد أحاديثها:
"٢٢١٠" حديثًا، أُخرج لها منه في الصحيحين "٢٩٧" حديثًا، والمتفق عليه منها "١٧٤" حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، ومسلم بتسعة وستين حديثًا.
[ ١٤٦ ]
٥- عبد الله بن عباس ﵄ ١:
- نسبه ومولده وإسلامه وأبرز ملامحه:
هو حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس: عبد الله ابن عم رسول الله -ﷺ- العباس بن عبد المطلب بن شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قُصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير ﵁. والصحيح الراجح أنه ولد بشِعْب٢ بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.
تنقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء٣.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣١ - ٣٥٩"، طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٥"، نسب قريش "٢٦"، المحبر "١٦، ٢٤، ٩٢، ٢٨٩، ٢٩٢، ٣٧٨"، التاريخ الكبير "٥/ ٣"، التاريخ الصغير "١/ ١٢٦، ١٢٧، ١٣٧"، أنساب الأشراف "٣/ ٢٧، ٥٥"، المعرفة والتاريخ "١/ ٢٤١، ٢٧٠، ٤٩٣"، الجرح والتعديل "٥/ ١١٦"، المستدرك "٣/ ٥٣٣"، الحلية "١/ ٣١٤"، جمهرة أنساب العرب "١٩، ٢٠"، الاستيعاب "٩٣٣"، تاريخ بغداد "١/ ١٧٣"، الجمع بين رجال الصحيحين "١/ ٢٣٩"، جامع الأصول "٩/ ٦٣"، أسد الغابة "٣/ ٢٩٠"، الحلة السيراء "١/ ٢٠" تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ٢٧٤"، وفيات الأعيان "٣/ ٦٢"، تهذيب الكمال "٣/ ١٥٤- ١٦٢"، تاريخ الإسلام "٣/ ٣٠، تذكرة الحفاظ "١/ ٣٧"، العبر "١/ ٧٦"، معرفة القراء "٤١"، البداية والنهاية "٨/ ٢٩٥"، العقد الثمين "٥/ ١٩٠"، الإصابة "٢/ ٣٣٠"، تهذيب التهذيب "٥/ ٢٧٦"، المطالب العالية "٤/ ١١٤"، النجوم الزاهرة "١/ ١٨٢"، خلاصة تهذيب الكمال "١٧٢". ٢ شِعْب بكسر الشين: كان منزل بني هاشم غير مساكنهم، ويعرف بشعب أبي يوسف، وهو الشعب الذي أوى إليه رسول الله -ﷺ- وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم وكتبوا الصحيفة. انظر شرح المواهب "١/ ٢٧٨". ٣ أخرجه بهذا اللفظ الإسماعيلي من طريق إسحاق بن موسى، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، عن ابن عباس فيما ذكره الحافظ في "الفتح"، وأخرجه البخاري في صحيحه "٨/ ١٩٢" من طريق محمد عبد الله بن محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وأخرجه البخاري أيضًا والطبري في تفسيره "١٠٢٧٠" من طريقين عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله. وهو في سنن البيهقي "٩/ ١٣"، وقد رُوي من طرق عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفى النبي -ﷺ- وأنا ابن عشر. راجع: مسند أحمد "١/ ٢٥٣، ٣٣٧، ٣٥٧" وفي رواية: جمعت المحكم في عهد رسول الله -ﷺ- وقبض وأنا ابن عشر حجج. راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٥" =
[ ١٤٧ ]
صحب النبي -ﷺ- نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق.
وقرأ على أُبَي، وزيد بن ثابت، وقرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة.
_________________
(١) = والمعجم الكبير للطبراني "١٠٥٧٧" ومسند الطيالسي "٢/ ١٤٨" وما رواه أبو بشر معارض بالروايات الصحيحة التي ذكرت أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: "حديث أبي بشر عندي واه" "سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٦". وقد روى مالك في "الموطأ" "١/ ١٥٥" في قصر الصلاة في السفر: باب الرخصة في المرور بين يدي المصلي، والبخاري "١/ ٤٧٢" في أول سترة المصلي: باب الإمام سترة من خلفه، وفي صفة الصلاة: باب وضوء الصبيان، وفي الحج: باب حج الصبيان، وفي العلم: باب متى يصح سمع الصغير، ومسلم في الصلاة: باب سترة المصلي "حديث ٥٠٤"، وأحمد في المسند "١/ ٢٦٤" أن ابن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -ﷺ- يصلي بالناس بمنًى، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك على أحد. قوله: وناهزت الاحتلام، أي: قاربته. قلت: وكان ذلك في حجة الوداع. وقال الواقدي: لا خلاف أنه ولد في الشعب وبنو هاشم محصورون فولد قبل خروجهم منه بيسير وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. ألا تراه يقول: وقد راهقنا الاحتلام، وهذا أثبت مما نقله أبو بشر في سنه "سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٥". وقال شعبة: عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة وأنا ختين، أخرجه الطيالسي "٢/ ١٤٩"، والحاكم "٣/ ٥٣٣"، والطبراني "١٠٥٧٨" وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وأورده الهيثمي في "المجمع" "٩/ ٢٨٥"، ونسبه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البخاري في صحيحه "١١/ ٧٥" في الاستئذان: باب الختان بعد الكبر من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" "١١/ ٧٦": المحفوظ الصحيح أنه ولد بالشعب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، وأورد بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: ولدت وبنو هاشم في الشعب، وهذا لا ينافي قوله: "ناهزت الاحتلام" ولا قوله: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك؛ لاحتمال أن يكون أدرك، فختن قبل الوفاة النبوية وبعد حجة الوداع، وأما قوله: وأنا ابن عشر، فمحمول على إلغاء الكسر، ورواية أحمد: "وأنا ابن خمس عشرة" يمكن ردها إلى رواية ثلاث عشرة بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء، وولد في أثناء السنة، فجبر الكسرين، بأن يكون ولد مثلا في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلق عليها سنة، وقبض النبي -ﷺ- في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال: "ثلاث عشرة" ألغى الكسرين، ومن قال: "خمس عشرة" جبرهما، والله أعلم.
[ ١٤٨ ]
قال الذهبي: "وكان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال"١.
وقال أيضًا: "وكان أبيض، طويلًا، مُشْرَبًا صفرة، جسيمًا، وسيمًا، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، دعا له النبي -ﷺ- بالحكمة"٢.
وروى سعيد بن سالم، حدثنا ابن جريج قال: كنا جلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس، فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه ابن عباس٣.
وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا مر في الطريق، قلن النساء على الحيطان: أمرَّ المسك، أم مر ابن عباس؟ ٤
وروى مالك بن دينار عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت٥.
وعن رشدين بن كريب، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس يعتم بعمامة سوداء، فيرخي شبرًا بين كتفيه ومن بين يديه.
وقال أبو نعيم: حدثنا سلمة بن شابور، قال رجل لعطية: ما أضيق كمك! قال: كذا كان كم ابن عباس، وابن عمر٦.
وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية من هلال بن عامر، أخت أم المؤمنين "ميمونة".
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٣". ٢ المصدر السابق "٣/ ٣٣٦". ٣ المصدر السابق "٣/ ٣٣٦، ٣٣٧". ٤ المصدر السابق "٣/ ٣٣٧". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٦"، والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، والمصمت: هو الذي جميعه إبريسم لا يخالطه قطن ولا غيره. ٦ ما سبق من سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٥".
[ ١٤٩ ]
وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلي أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.
والفضل، ومحمد، وعبيد الله ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة لها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء، وكانت عند ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنًا وحسينًا.
- تلاميذه:
روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد الله بن معبد، ومواليه عكرمة، ومقسم، وكريب، وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بن العباس، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وطاوس، وأبو الشعثاء جابر، وعلي بن الحسين، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبير، والقاسم بن محمد، وأبو صالح السمان، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد، وأربدة التميمي صاحب التفسير، وأبو صالح باذام، وطليق بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، وشهر بن حوشب، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، والضحاك بن مزاحم، وأبو الزبير المكي، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن أبي الحسن، وإسماعيل السدي، وخَلْق سواهم.
وذكر صاحب تهذيب الكمال من الرواة عنه مائتان سوى ثلاثة أنفس.
قال أبو سعيد بن يونس: "غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا"١.
_________________
(١) ١ نقلًا عن سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٦".
[ ١٥٠ ]
- دعاء الرسول -ﷺ- له بالحكمة، والعلم، والفقه:
ثبت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- مسح رأسه وضمه إلى صدره ودعا له بالحكمة والفقه في الدين:
روى البخاري وغيره من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ضمني النبي -ﷺ- إلى صدره وقال: "اللهم علمه الحكمة" ١.
وأخرج ابن سعد من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: دعاني رسول الله -ﷺ- فمسح على ناصيتي وقال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" ٢.
وروى أحمد بن حنبل والحاكم والطبراني وغيرهم بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة وغيره، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي -ﷺ- غُسلًا، فقال: "من وضع هذا"؟ قالوا: عبد الله. فقال: "اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "١/ ١٥٥" في العلم: باب قول النبي ﷺ: "اللهم علمه الكتاب" و"٧/ ٧٨" في فضائل الصحابة: باب ذكر ابن عباس، و"١٣/ ٢٠٨" في أول كتاب الاعتصام، والترمذي "٣٨٢٤"، وابن ماجه "١٦٦"، والطبراني "١٠٥٨٨"، والبلاذري في "أنساب الأشراف" "٣/ ٢٩" كلهم من طريق خالد الحذاء به. ٢ الطبقات الكبرى "٢/ ٣٦٥". ٣ المسند "١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥"، والطبراني في المعجم الكبير "١٠٥٨٧"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٤"، وابن سعد "٢/ ٣٦٥"، والبلاذري "٣/ ٢٨"، وصححه الحاكم "٣/ ٥٣٤"، ووافقه الذهبي. وكان ابن عباس -﵁- من أعلم الصحابة في تفسير القرآن، فقد روى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" "١/ ٤٩٥" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وروى هذه الزيادة ابن سعد في "الطبقات" "٢/ ٣٦٦" من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد. وروى يعقوب أيضًا "١/ ٤٩٥" بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن عباس سورة النور، ثم جعل يفسرها، فقال رجل: "لو سمعت هذا الديلم لأسلمت"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" "١/ ٣٢٤" من وجه آخر بلفظ "سورة البقرة"، وزاد أنه كان على الموسم -يعني: سنة خمس وثلاثين- كان عثمان -﵁- أرسله لما حصر.
[ ١٥١ ]
- رؤيته جبريل ﵇:
روى الإمام أحمد في مسنده وغيره بسند صحيح عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: كنت مع أبي عند النبي -ﷺ- وكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم ترَ ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: أوكان عنده أحد؟ قلت: نعم. فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحد؟ فقال لي: "هل رأيته يا عبد الله"؟ قال: نعم، قال: "ذاك جبريل فهو الذي شغلني عنك" ١.
وروى بأسانيد صحيحة عن موسى بن ميسرة: أن العباس بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله -ﷺ- في حاجة، فوجد عنده رجلًا، فرجع ولم يكلمه. فلقي العباس رسول الله -ﷺ- بعد ذلك فقال: أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلًا، فلم يستطع أن يكلمه. فقال: "يا عم! تدري من ذاك الرجل" قال: لا، قال: "ذاك جبريل لقيني، لن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا" ٢.
- عبادته وورعه:
روى صالح بن رستم الخزاز، عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس -﵄- من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل، فسأله أيوب: كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] فجعل يرتل ويكثر في ذلك النَّشِيج٣.
وفي رواية عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس عن مكة إلى المدينة، فكان
_________________
(١) ١ المسند "١/ ٢٩٣، ٢٩٤، ٣١٢"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٩/ ٢٧٦" وقال: "رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح"، ورواه أبو داود والطيالسي في مسنده "٢/ ١٤٩". ٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٩/ ٢٧٧" وقال: "رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٢"، الحلية "١/ ٣٢٧"، والنشيج: أحر البكاء، وهو مثل البكاء للصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه.
[ ١٥٢ ]
يصلي ركعتين، فإن نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب١.
وعن مُعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشِّرَاك البالي من البكاء٢.
وعن أبي أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يابن عباس! كيف صومك؟ قال: أصوم الإثنين والخميس. قال: ولِمَ؟ قال: لأن الأعمال تُرفع فيهما، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم٣.
وعن طاوس قال: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس٤.
وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط٥.
وروى أبو عوانة عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه لم يكن يدخل الحمام إلا وحده، وعليه ثوب صفيق، يقول: إني أستحيي الله أن يراني في الحمام متجردًا٦.
- تواضعه في طلب العلم:
روى الحاكم والطبراني وغيرهما بسند صحيح عن جرير بن حازم، عن يعلى
_________________
(١) ١، ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٢"، الحلية "١/ ٣٢٩". ٣ إسناده ضعيف لضعف أبي أمية بن يعلى، واسمه إسماعيل بن يعلى الثقفي البصري، قال يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء، وقال مرة: متروك الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال البخاري: سكتوا عنه، وفعل ابن عباس ثابت عن النبي -ﷺ- فقد روى الترمذي "٧٤٧" من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم " وهو حديث حسن كما قال الترمذي، فإن له شاهدًا من حديث أسامة بن زيد عند أبي داود "٢٤٣٦"، والنسائي "٤/ ٢٠١، ٢٠٢" وسنده حسن، ومن حديث حفصة عند النسائي "٤/ ٢٠٣، ٢٠٤". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٢"، الحلية "١/ ٣٢٩". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥١". ٦ المصدر السابق "٣/ ٣٥٥".
[ ١٥٣ ]
ابن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله -ﷺ- قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله -ﷺ- فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا يابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي -ﷺ- من ترى؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يابن عم رسول الله! ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني١.
روى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول الله -ﷺ- عند هذا الحي من الأمصار، إن كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قلبه٢.
- تثبته في العلم:
كان ابن عباس -﵁- معروفًا بالتشدد في قبول الرواية، وأخذ العلم من الصحابة -﵃- فقد روى يزيد بن إبراهيم، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس -﵄- قال: إن كنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣.
- علمه وفقهه:
لقد بلغ علم ابن عباس -﵄- وفقهه مبلغًا يثير الدهشة والإعجاب، وذلك
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٧، ٣٦٨"، المستدرك "٣/ ٥٣٨"، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في "المجمع" "٩/ ٢٧٧" وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٤"، وطبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٨"، وأخرجه البلاذري "٣/ ٣٤، ٣٥" بسند حسن، ولفظه عند الأخيرين: لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ فأجلس على بابه تسفي الريح على وجهي التراب حتى يستيقظ متى استيقظ فأسأله عما أريد ثم أنصرف. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٤"، وقال الذهبي: "إسناده صحيح".
[ ١٥٤ ]
بشهادة الصحابة وكبار التابعين، وقد بلغ هذه الدرجة من العلم والفقه بفضل دعاء النبي -ﷺ- له بالعلم والفقه ومعرفة التأويل.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: سمعتُ أبي يقول: ما رأيت أحدًا أحضر فَهْمًا، ولا ألب لبًّا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر١.
وقال الواقدي: حدثنا موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، عن مالك بن أبي عامر، سمع طلحة بن عبيد الله يقول: لقد أُعطي ابن عباس فهمًا، ولَقْنًا، وعلمًا، ما كنت أرى عمر يُقدِّم عليه أحدًا٢.
وروى ابن سعد بسند صحيح عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد٣، وفي رواية: ما عاشره٤.
وقال الأعمش: حدثونا أن عبد الله قال: ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس٥. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا ما تعلقنا معه بشيء٦.
وعن محمد بن أُبي بن كعب، سمع أباه يقول -وكان عنده ابن عباس فقام- فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلًا وفهمًا. وقد دعا له رسول الله -ﷺ- أن يفقهه في الدين٧.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٩". ٢ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٧٠". ٣ الطبقات" "٢/ ٣٦٦"، و"تاريخ الفسوي" "١/ ٤٩٥"، والمستدرك "٣/ ٥٣٧" من طرق عن الأعمش به. ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٧". ٥ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٦"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٥"، وأخرجه الحاكم "٣/ ٥٣٧"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ٦ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٧". ٧ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٨"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٥"، وابن سعد "٢/ ٣٦٩".
[ ١٥٥ ]
وعن عكرمة: سمعتُ معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه مَن مات ومَن عاش١.
ويُروى عن عائشة قالت: "أعلم من بقي بالحج ابن عباس"٢.
قال الذهبي: قلت: "وقد كان يرى متعة الحج حتمًا"٣.
قال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله قال: كان ابن عباس -﵄- قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، ونائل. وما رأيت أحدًا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله -ﷺ- ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر٤.
وعن طاوس قال: ما رأيت أروع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس٥. وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة٦.
وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يُسمى البحر؛ لكثرة علمه٧.
وعن مجاهد أيضًا قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٨.
_________________
(١) ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٨"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٥"، وابن سعد "٢/ ٣٦٩". بقي بالحج: أن يحرم قاصد الحج من الميقات بنية العمرة، فإذا فرغ منها تحلل من إحرامه، وبقي متحللًا إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم يحرم في اليوم الثامن بنية الحج. انظر: "زاد المعاد" "٢/ ١٧٨" وما بعدها. ٤ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٨"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٥ تاريخ الفسوي "١/ ٤٩٦"، وابن سعد "٢/ ٣٦٦"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٦ أخرجه الحاكم "٣/ ٥٣٥"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٧ أنساب الأشراف "٣/ ٣٣"، والمستدرك "٣/ ٥٣٥"، والحلية "١/ ٣١٦"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٨ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠".
[ ١٥٦ ]
وعن طاوس قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه، فلم يزل يُقرِّرهم حتى ينتهوا إلى قوله.
وقال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم.
وعن الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: حطبنا ابن عباس، وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلتُ أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعَتْه فارس والروم والترك لأسلمَتْ، وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل مثله١.
وقال إسرائيل: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا ثلاثًا: "الرقيم"، و"غِسلين"، و"حَنَانًا"٢.
وروى يحيى بن يمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمتَ علمًا ما علمناه٣.
وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس. فإذا نطق، قلت: أفصح الناس. فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس٤.
وقال سفيان بن عيينة: لم يُدرَك مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه٥.
_________________
(١) ١ ما سبق في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥١"، وانظر: أنساب الأشراف "٣/ ٣٨"، والمستدرك للحاكم "٣/ ٥٣٧"، والحلية "١/ ٣٢٤". ٢ تفسير الطبري "١٥/ ١٩٩" من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل به، وذكره السيوطي في "الإتقان" "١٠/ ١١٣"، ونسبه للفريابي من طريق سماك، عن عكرمة ، وقد ورد عن ابن عباس تفسير "الرقيم" بالكتاب واللوح، أو أنه اسم جبل أصحاب الكهف، و"حنانًا" بالرحمة، و"غسلين" بأنه صديد أهل النار. انظر: الطبري "١٥/ ١٩٨، ١٩٩ و١٦/ ٥٥ و٢٩/ ٦٥". ٣ أخرجه البلاذري "٣/ ٣٧" من طريق عبد الله بن صالح وعمرو، عن يحيى بن يمان بهذا الإسناد. ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥١"، وأخرجه البلاذري "٣/ ٣٠" بسند حسن عن مسروق به. ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٢".
[ ١٥٧ ]
وروى البخاري وآخرون غيره بسند صحيح عن أيوب، عن عكرمة: أن عليًّا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم أنا بالنار، إن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، وكنت قاتلهم لقوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه". فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الْهَنَات١.
وقد خلَّف ابن عباس تراثًا ضخمًا من العلم وكمًّا هائلًا من الفقه.
قال ابن حزم في كتاب "الإحكام"٢: جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون أحد أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا.
وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له الأمر من الأمور، وكان النبي -ﷺ- قال: "اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل"، فلما عمي، أتاه الناس من أهل الطائف ومعهم علم من علمه -أو قال: كتب من كتبه- فجعلوا يستقرئونه، وجعل يُقدِّم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تَلِهْتُ من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، فيلقرأ عليَّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه،
قال: فقرءوا عليه٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٦/ ١٠٦" في الجهاد: باب لا يعذب بعذاب الله، و"١٢/ ٢٣٧" في استتابة المريدين: باب حكم المرتد والمرتدة، والنسائي "٧/ ١٠٤" في تحريم الدم: باب الحكم في المرتد، من طرق عن أيوب، عن عكرمة. دون قوله: "فبلغ ذلك "، وأخرجه أبو داود "٤٣٥١" في أول الحدود، والحاكم "٣/ ٥٣٨، ٥٣٩" وفيه: "فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن عباس". قال الخطابي: قوله: "ويح ابن عباس" لفظه لفظ الدعاء عليه ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقول الرسول -ﷺ- في أبي بصير: "ويل أمه مسعر حرب"، وكقول عمر -﵁- حين أعجبه قول الوادعي في تفضيل سُهمان الخيل على المقاريف: "هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به" يريد: ما أعلمه، أو ما أصوب رأيه، ولفظ الترمذي "١٤٥٨" في الحدود: "فبلغ ذلك عليًّا فقال: صدق ابن عباس"، ولفظ البلاذري "٣/ ٣٥": "فبلغ ذلك عليًّا فقال: لله در ابن عباس". ٢ الإحكام في أصول الأحكام "٥/ ٩٢"، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٤، ٣٥٥"، وقال الذهبي عقبه: تلهت: تحيرت، والأصل: ولهت، كما قيل في وجاه تجاه. وفي لسان العرب مادة "تله" التله: الحيرة، تله الرجل يتله تلهًا: حار، ورأيته يَتَتَلَّه: أي يتردد متحيرًا. وقيل: أصل التله بمعنى الحيرة: الوله، قلبت الواو ياء، وقد وله يوله، وتله يتله، وقيل: كان في الأصل: ائتله يأتله، فأدغمت الواو في التاء فقيل: اتَّله يتَّله، ثم حذفت التاء فقيل تَلِه يتلَه، كما قالوا: تَخِذ يتْخذ، وتقي يتقى، والأصل فيهما: اتَّخذ يتَّخذ، واتقى يتقي. وقال الأزهري: تَلِهتُ كذا وتلهت عنه: أي ضللته وأُنْسِيتُه.
[ ١٥٨ ]
- مكانته عند عمر ﵄:
روى ابن عيينة عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية. وكان عمر -﵁- إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول، له لسان سَئُول، وقلب عَقول١.
وروى معمر عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول؛ إن له لسانًا سئولًا وقلبًا عقولًا٢.
وروى عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: دعاني عمر مع الأكابر ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يقبل عليهم فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستوِ شئون رأسه٣.
وروى البخاري في صحيحه من طريقين، عن أبي بشر، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني من أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني "١٠٦٢٠"، وعنه أبو نعيم "١/ ٣١٨"، والبلاذري "٣/ ٧٣"، وأورده الهيثمي في "المجمع" "٢٧٧/ ٩"، ونسبه للطبراني وقال: وأبو بكر الهذلي ضعيف. ٢ المستدرك "٣/ ٥٣٩، ٥٤٠" ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٥". شئون الرأس: عظامه والشعب التي تجمع بين قبائل الرأس وهي أربعة أشؤن. ٤ صحيح البخاري: المناقب، وفي "٨/ ٩٩" المغازي: باب منزل النبي يوم الفتح، وفي المغازي: باب مرض النبي ووفاته، وفي التفسير: باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وأخرجه أحمد "١/ ٣٣٧، ٣٣٨"، والترمذي "٣٣٦٢"، والطبراني "١٠٦١٦" و"١٠٦١٧"، وابن جرير "٣٠/ ٣٣٣"، والحاكم "٣/ ٥٣٩"، وأبو نعيم "١/ ٣١٦، ٣١٧"، وذكره السيوطي في الدر المنثور "٦/ ٤٠٧"، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وقوله: "قد وجدوا على عمر" معناه: غضبوا، ولفظ "وجد" الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب، والحب، والغنى، واللقاء.
[ ١٥٩ ]
وقال أبو يحيى الحماني: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس.
وعن مجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس ﵄: قال لي أبي: يا بني، إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يُجَرِّينَّ عليك كذبًا١.
وروى عبد الرزاق في مصنفه، عن معمر، عن علي بن بَذِيمة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجلٌ، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذا المسارعة. قال: فزَبَرَني عمر، ثم قال: مَهْ. فانطلقت إلى منزلي مكتبئًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت. قال: لتخبرني. قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتَقُّوا٢، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك. لقد كنتُ أكتمها الناس حتى جئتَ بها٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٦"، والحلية "١/ ٣١٨"، ونسب قريش "٣٦"، وأنساب الأشراف "٣/ ١٥"، والطبراني "١٠٦٩"، والفسوي "١/ ٥٣٣، ٥٣٤"، وفي مجالد كلام، وباقي رجاله ثقات، وانظر: المجمع "٤/ ٢٢١". ٢ أي: يختصمون ويقول كل واحد منهم: الحق في يدي. ٣ المصنف رقم "٢٠٣٦٨"، وفي تاريخ الفسوي "١/ ٥١٦، ٥١٧"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٨، ٣٤٩" بسنده عن عبد الرزاق به.
[ ١٦٠ ]
- بعض شعره:
قال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس١: هو القائل ما رُوي عنه من وجوه:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دَخَل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
- بعض ما قيل فيه من الشعر:
مما قال حسان -﵁- فيه:
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه رأيتَ له في كل أقواله فضلا
إذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتَظَمَات لا ترى بينها فصلا
كفَى وشفَى ما في النفوس فلم يدع لذي أَرَبٍ في القول جِدا ولا هزلا
سموتَ إلى العليا بغير مشقة فنِلْتَ ذراها لا دَنِيًّا ولا وغلا
خُلِقْتَ حليفًا للمروءة والندى بَلِيجًا ولم تُخْلَقْ كَهَامًا ولا خَبْلا٢
ولأبي الطفيل الكناني حين منع ابن الزبير عبدَ الله بن عباس من الاجتماع بالناس، كان يخافه، وإنما أخَّر الناس عن بيعة ابن عباس -أن لو شاء الخلافة- ذَهاب بصره:
_________________
(١) ١ الاستيعاب "٢/ ٣٥٦"، وعنه الذهبي في السير "٣/ ٣٥٧". ٢ الأبيات بتمامها في سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٣"، وفي الاستيعاب "٢/ ٣٥٤"، ومجمع الزوائد "٩/ ٢٨٥"، وهي عدا الأول والأخير في ديوان حسان "ص٢١٢"، وأنساب الأشراف "٣/ ٤٣"، ونسب قريش "٢٧"، والمستدرك "٣/ ٥٤٥"، والإصابة "٢/ ٣٣٠". وقوله: "بليجا" أي: طلق الوجه بالمعروف، قالت الخنساء: كأن لم يقل أهلا لطالب حاجة وكان بليج الوجه منشرح الصدر الكهام: يقال: سيف كهام: كليل لا يقطع، ومن المجاز: رجل كهام: لا غناء عنده، ولسان كهام: عيي، وفرس كهام: بطيء عن الغاية، والخبل: الفساد. وقد تحرفت في المطبوع من "الاستيعاب" "بليجا" إلى "فليجا" و"خبلا" إلى "جبلا".
[ ١٦١ ]
لا دَرَّ دَرُّ الليالي كيف تضحكنا منها خُطُوب أعاجيب وتُبكينا
ومثل ما تُحدث الأيام من غير في ابن الزبير عن الدنيا تُسَلِّينا
كنا نجيء ابن عباس فيقبسنا فقهًا ويكسبنا أجرًا ويَهدينا
ولا يزال عبيد الله مُتْرَعة جفانه مُطعِمًا ضيفًا ومسكينًا
فالبر والدين والدنيا بدارهما ننال منها الذي نبغي إذا شينا
إن الرسول هو النور الذي كُشف به عَمَايات ماضينا وباقينا
ورهطه عصمةٌ في ديننا ولهم فضلٌ علينا وحق واجب فينا
ففيم تمنعهم منا وتمنعنا منهم وتؤذيهم فينا وتؤذينا
لن يُؤتِيَ الله إنسانًا ببغضهم في الدين عزًّا ولا في الأرض تَمْكِينا١
- وفاته:
قال ابن الحنفية لما دفن ابن عباس: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة٢.
وروى غير واحد عن أبي الزبير قال: لما مات ابن عباس جاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فكانوا يرون أنه علمه٣.
قال الذهبي: وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد: فما رُئي بعد؛ يعني الطائر٤.
وروى حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن بُجَيْر بن أبي عبيد قال:
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٦، ٣٥٧"، والأبيات في الاستيعاب "٢/ ٣٥٥، ٣٥٦". ٢ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٨"، البلاذري في أنساب الأشراف "٣/ ٥٤"، المستدرك للحاكم "٥/ ٥٤٣"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٧"، تاريخ الفسوي "١/ ٥٤٠". ٣ المستدرك "٣/ ٥٤٣"، أنساب الأشراف "٣/ ٥٤". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٧".
[ ١٦٢ ]
مات ابن عباس بالطائف، فلما خرجوا بنعشه، جاء طير عظيم أبيض من قِبَلِ وَجٍّ حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه علمه١.
وروى الذهبي بسنده عن سالم الأفطس، عن سعيد قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم يُرَ على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرَى من تلاها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] الآية٢.
وقال الذهبي رواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين، وسَمَّى الطائر: غُرْنوقًا٣.
وروى فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس بنحو من حديث سالم الأفطس٤، قال الذهبي: فهذه قضية متواترة٥.
قال علي بن المديني: تُوفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة٦.
- مروياته:
قال الحافظ الذهبي في السير٧: ومسنده ألف وستمائة وستون حديثًا. وله من ذلك في "الصحيحين" خمسة وسبعون، وتفرد البخاري له بمائة وعشرين حديثًا، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨"، وأورده في المجمع "٩/ ٢٨٥" وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وهو في المستدرك "٣/ ٥٤٣، ٥٤٤". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨"، والخبر في تاريخ الفسوي "١/ ٥٣٩". ٤ حلية الأولياء "١/ ٣٢٩". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨". ٦ المصدر السابق "٣/ ٣٥٩". ٧ المصدر السابق "٣/ ٣٥٩".
[ ١٦٣ ]
٦- جابر بن عبد الله ١:
- نسبه وأهم ملامحه:
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله -ﷺ- أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه.
من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر مَن شهد ليلة العقبة الثانية موتًا، وكان مفتي المدينة في زمانه، عاش بعد ابن عمر أعوامًا. شهد ليلة العقبة مع والده، وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أُحُد وأحياه الله تعالى وكلمه كِفَاحًا٢، وقد انكشف عنه قبره؛ إذ أجرى معاوية عينًا عند قبور شهداء أُحُد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًّا لم يَبْلَ، وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصره، وقارب التسعين.
روى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: استغفر لي رسول الله -ﷺ- ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة٣.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ١٨٩ - ١٩٤"، المحبر "٢٩٨"، التاريخ الكبير "٢/ ٢٠٧"، الجرح والتعديل "٢/ ٤٩٢"، المستدرك "٣/ ٥٦٤"، الاستيعاب "٢١٩"، الجمع بين رجال الصحيحين "١/ ٧٢"، جامع الأصول "٩/ ٨٦"، أسد الغابة "٢٥٦/ ١"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ١٤٢"، تهذيب الكمال "٤/ ٤٤٣- ٤٤٥"، تاريخ الإسلام "٣/ ١٤٣"، تذكرة الحفاظ "١/ ٤٠"، العبر "١/ ٨٩"، تذهيب التهذيب "١/ ٩٩ب"، الإصابة "١/ ٢١٣"، تهذيب التهذيب "٢/ ٤٢"، معجم الطبراني "٢/ ١٩٤"، خلاصة تهذيب الكمال "٥٠"، شذرات الذهب "١/ ٨٤"، وفيه ابن عمر بن حرام، تهذيب ابن عساكر "٣/ ٣٨٩". ٢ أي: مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول، والحديث أخرجه الترمذي "٣٠١٠" في التفسير، وابن ماجه "١٩٠" في المقدمة من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، عن طلحة بن خراش، عن جابر، وهذا سند حسن، وأخرجه بنحوه أحمد في "المسند" "٣/ ٣٦١" من طريق علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، وهذا سند حسن في الشواهد، وانظر المستدرك "٣/ ٢٠٣"، انظر تفصيل ذلك في "طبقات ابن سعد" "٣/ ٥٦٢، ٥٦٣"، والسند صحيح. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩٠" ورجاله ثقات. وهذا الحديث أخرجه الترمذي "٣٨٥٢" في المناقب، من طريق ابن أبي عمر، عن بشر بن السري بهذا الإسناد وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، ومعنى قوله: "ليلة البعير" ما رُوي عن جابر من غير وجه: أنه كان مع النبي -ﷺ- في سفر، فباع بعيره من النبي -ﷺ- واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر: ليلة بعت من النبي -ﷺ- البعير استغفر لي خمسًا وعشرين مرة.
[ ١٦٤ ]
قال يعلى بن عبيد: حدثنا أبو بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه١.
وقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه مُلاءتان -وقد عمي- مُصفِّرًا لحيته ورأسه بالوَرْس٢، وفي يده قدح٣.
وقال الواقدي: أخبرنا سلمة بن وَرْدان: رأيت جابرًا أبيض الرأس واللحية رضي الله عنه٤.
- شيوخه وتلاميذه:
روى علمًا كثيرًا عن النبي -ﷺ- وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.
وحدث عنه: ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن أبي الجعد، والحسن البصري، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن ميناء، وأبو الزبير، وأبو سفيان طلحة بن نافع، ومجاهد، والشعبي، وأبو المتوكل الناجي، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومعاذ بن رفاعة، ورجاء بن حيوة، ومحارب بن دثار، وسليمان بن عتيق، وشرحبيل بن سعد، وطاوس، وعبيد الله بن مقسم، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو بكر المدني، وطلحة بن خراش، وعثمان بن سراقة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وعبد الله بن أبي قتادة وخلق.
- مشاهده:
قال الذهبي: قد رُوي أنه شهد بدرًا٥.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩٤". ٢ والورس: نبت أصفر يصبغ به. ٣، ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩٤". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩٠".
[ ١٦٥ ]
وروى أبو عوانة وغيره عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: كنت أمنح لأصحابي الماء يوم بدر١.
قال الذهبي: وقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا كان عمره يوم بدر ثماني عشرة سنة.
قال الواقدي: أخبرنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ست عشرة غزوة، لم أقدر أن أغزو حتى قُتل أبي بأُحُد، كان يخلفني على أخواتي، وكن تسعًا، فكان أول ما غزوت معه حمراء الأسد٢.
وروى الطبراني من طريق محمد بن عبد الله الحضري، حدثنا عمر بن الحسن، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن ياسين الزيات، عن أبي الزبير، عن جابر قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ثلاث عشرة غزوة٣.
ورُوي عن جابر قال: كنت في جيش خالد في حصار دمشق٤.
وقال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم٥.
وروى الشيخان عن جابر: قال لنا رسول الله يوم الحديبية: "أنتم اليوم خير أهل الأرض"، وكنا ألفًا وأربعمائة٦.
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام للذهبي "٣/ ١٤٣"، سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩١"، وأخرجه البخاري في "تاريخه"، وصحح الحافظ ابن حجر في "الإصابة" إسناده، وهو في المستدرك "٣/ ٥٦٥"، وأنكر الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر هذه وقال: وهذا وهم من أهل العراق، وعلق الذهبي على قول الواقدي هذا في "تاريخه" بقوله: صدق، فإن زكريا بن إسحاق روى عن أبي الزبير، عن جابر قال: لم أشهد بدرًا ولا أحدًا منعنى أبي، فلما قتل لم أتخلف عن غزوة. أخرجه مسلم "١٨١٣". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩١". ٣ المعجم الكبير "١٧٤٢". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩٢". ٥ المصدر السابق "٣/ ١٩٢". ٦ صحيح البخاري "٧/ ٣٤١" كتاب المغازي، صحيح مسلم "١٨٥٦".
[ ١٦٦ ]
- رحلته في طلب الحديث:
روى غير واحد من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله -﵄- يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله -ﷺ- فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس -﵁- فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -ﷺ- في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "يحشر الناس يوم القيامة- أو قال العباد- عراة غرلًا بُهْمًا"، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ -أحسبه قال- كما يسمعه مَن قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله -﷿- عراة غرلًا بُهمًا؟! قال: "بالحسنات والسيئات" ١.
- وفاته:
قال محمد بن عمر: حدثني خارجة بن الحارث قال: مات جابر بن عبد الله سنة ثمان وسبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وكان قد ذهب بصره، ورأيت على سريره بُردًا، وصلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة٢.
والصحيح والراجح وفاته سنة ثمان وسبعين، كما جاء في الرواية السابقة،
_________________
(١) ١ المسند للإمام أحمد "٣/ ٤٩٥"، الأدب المفرد للبخاري "٩٧٠"، "الرحلة" للخطيب البغدادي "٣١"، كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به. وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري "١/ ١٥٨"، ورواه الحاكم أيضًا في المستدرك "٢/ ٤٣٧، ٤٣٨" وصححه ووافقه الذهبي. ٢ رواه الطبراني في المعجم الكبير "١٧٣٣"، والحاكم في المستدرك "٣/ ٥٦٥".
[ ١٦٧ ]
وكما قال الواقدي، ويحيى بن بكير، وطائفة، وقد قال أبو نعيم: سنة سبع وسبعين١.
وكان -﵁- آخر مَن شهد العقبة موتًا٢.
- مروياته:
بلغ مسنده ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا، اتفق له "الشيخان" على ثمانية وخمسين حديثًا، وانفرد له "البخاري" بستة وعشرين حديثًا، و"مسلم" بمائة وستة وعشرين حديثًا.
_________________
(١) ١ راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ١٩٤". ٢ المصدر السابق "٣/ ١٩٤".
[ ١٦٨ ]
٧- أبو سعيد الخدري ١:
هو: الإمام، المجاهد، الفقيه، المجتهد، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج. واسم الأبجر: خُدْرَة، وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر٢.
وأخو أبي سعيد لأمه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين.
قال عبد الله بن عمر عن وهب بن كيسان قال: رأيت سعيد الخدري يلبس الخز٣.
- مشاهده:
عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: عرضت يوم أُحُد على النبي -ﷺ- وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله! إنه عَبْل العظام. وجعل نبي الله يصعد فيَّ النظر ويصوبه، ثم قال: رده، فردني٤.
وروى الطبراني من طريق زيد بن جارية قال: استصغر النبي -ﷺ- ناسًا يوم أحُد، منهم زيد بن جارية- يعني نفسه- والبراء بن عازب، وسعد بن خيثمة، أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله٥.
واستشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ١٦٨- ١٧١"، تهذيب الكمال "١٠/ ٢٩٤- ٣٠٠"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٢/ ٢٣٧"، تاريخ الإسلام "٣/ ٢٢٠"، تذكرة الحفاظ "١/ ٤١" المحبر "٢٩١، ٤٢٩"، أسد الغابة "٢/ ٢٨٩"، "٥/ ٢١١"، العبر: "١/ ٨٤"، الوافي بالوفيات "١٥/ ١٤٨"، مرآة الجنان "١/ ١٥٥"، الجمع بين رجال الصحيحين "١/ ١٥٨"، المستدرك "٣/ ٥٦٣"، جمهرة أنساب العرب "٣٦٢"، معجم الطبراني الكبير "٦/ ٤٠"، الاستيعاب "٦٠٢"، تاريخ بغداد "١٨٠"، طبقات الشيرازي "٥١"، البداية والنهاية "٩/ ٣"، الإصابة "٢/ ٣٥"، تهذيب التهذيب "٣/ ٤٧٩"، النجوم الزاهرة "١٩٢/ ١"، خلاصة تهذيب الكمال "١١٥"، شذرات الذهب "١/ ٨١"، تهذيب ابن عساكر "٦/ ١١٠". ٢ انظر: المستدرك "٣/ ٥٦٣"، وأسد الغابة "٢/ ٣٦٥"، والاستيعاب "٢/ ٤٧". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٧٠"، تاريخ الإسلام "٣/ ٢٢١". ٤ راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ١٦٩"، تاريخ الإسلام "٣/ ٢٢٠"، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر "٦/ ١١٣". ٥ المعجم الكبير "٥١٥٠".
[ ١٦٩ ]
- علمه:
روى حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله -ﷺ- أعلم من أبي سعيد الخدري١.
حدث عن النبي -ﷺ- فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين.
حدث عنه: ابن عمر، وجابر، وأنس، وجماعة من أقرانه، وعامر بن سعد، وعمرو بن سليم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ونافع العمري، وبسر بن سعيد، وبشر بن حرب الندبي، وأبو الصديق الناجي، وأبو المتوكل الناجي، وأبو ندرة العبدي، وأبو صالح السمان، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن خباب، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار، وأبو هارون العبدي، وعياض بن عبد الله، ومحمد بن علي الباقر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وخلق كثير.
روى الذهبي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش: أنبأنا عقيل بن مدرك أن رجلًا أتى أبا سعيد فقال له: أوصني يا أبا سعيد. فقال له: سألتَ عما سألتُ من قبلك، قال: عليك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان٢.
روى الذهبي بسنده عن حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله -ﷺ- ونحن أناس من ضَعَفَة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وأن بعضهم
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٧٤"، تاريخ الإسلام "٣/ ٢٢٠"، سير أعلام النبلاء "٣/ ١٧٠". ٢ راجع: تاريخ الإسلام "٣/ ٢٢٠"، سير أعلام النبلاء "٣/ ١٧٠".
[ ١٧٠ ]
ليتوارى من بعض العُرْي، فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بِمَ كنتم تراجعون"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعو لنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليُبشَّر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة يتنعمون، وهؤلاء يُحاسبون" ١.
وقال الذهبي: تابعه جعفر بن سليمان عن المعلى، أخرجه أبو داود٢ وحده.
- وفاته:
توفى -رحمه الله تعالى- سنة أربع وسبعين من الهجرة على الصحيح.
- مروياته:
بلغ مسند أبي سعيد الخدري ألفًا ومائة وسبعين حديثًا، في البخاري ومسلم ثلاثة وأربعون حديثًا، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، وانفرد مسلم باثنين وخمسين حديثًا.
وقال الواقدي: أخبرنا سلمة بن وردان: رأيت جابرًا أبيض الرأس واللحية رضي الله عنه٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ١٧١، ١٧٢". ٢ سنن أبي داود كتاب العلم باب في القصص رقم "٣٦٦٦"، والعلاء بن بشير: قال ابن المديني: مجهول لم يروِ عنه غير المعلى، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد "٢/ ٢٩٦"، والترمذي "٢٣٥٤"، وابن ماجه "٤١٢٢" بلفظ: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام" وسنده حسن، وصححه الترمذي، وابن حبان "٢٥٦٧". ٣ انظر: علوم الحديث للحاكم "ص١٣٠".
[ ١٧١ ]
الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف
الفصل السابع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف
يرجع تفاوت الصحابة -﵃- في رواية الحديث إلى عدة أسباب؛ منها ما يلي:
أحدها: طول الصحبة للنبي -ﷺ- وطول مدة ملازمته له، وكثرة مصاحبته في السفر والحضر.
ثانيها: طول الأجل بعد وفاته كان مدعاة للإكثار من تحمل الحديث وروايته، ومَن مات في حياة النبي أقل رواية ممن مات بعده.
ثالثها: الانشغال بأمور الخلافة والحروب؛ ولذلك نجد الخلفاء أقل رواية من كثيرين غيرهم، فالشواغل تعيق الكثرة تحملًا ورواية.
رابعها: ظهور الحوادث المختلفة؛ حيث يحتاج الناس إلى بيان أحكامها؛ فحينئذ يظهر الحرص على طلب الحديث لمعرفة الأحكام الشرعية في هذه الحوادث وغيرها.
خامسها: وقوع الفتنة وظهور الكذب في الرواية من أصحاب البدع الداعين إلى بدعتهم من شيعة وخوارج وغيرهم.
سادسها: كثرة الأتباع وقلتهم ونشاطهم وخمولهم كان له الدور الكبير في كثرة الرواية وقلتها.
سابعها: التفرغ للعبادة والانشغال بها.
ثامنها: الحيطة من الرواية مخافة وقوع الخطأ أو التحريف، ولأن الكذب في الحديث يبوء بصاحبه إلى النار.
تاسعها: التفاوت في الحفظ قوة وضعفًا.
عاشرها: الاستعداد الفطري والموهبة.
أحد عشر: ضعف الطريق إلى بعض الصحابة فيترك هذه الطريق؛ ولذلك لم يخرج أصحاب الصحيحين عن أبي عبيدة بن الجراح شيئًا١.
_________________
(١) ١ انظر: علوم الحديث للحاكم "ص١٣٠".
[ ١٧٣ ]
الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف
مدخل
الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف ١
من عهد النبوة والنساء شقائق الرجال في خدمة الدين ورواية الحديث الشريف، وقد بلغ عدد الصحابيات اللاتي روين الحديث في مسند الإمام أحمد "١٤١" صحابية، وإن كان بعضهن لم يروِ إلا حديثًا واحدًا.
وقد كان لأمهات المؤمنين٢ خاصة -﵅- فضل عظيم في تبليغ الدين، ونشر السنة النبوية بين الناس وخاصة بين النساء، فكانت حجراتهن -﵅- مدارس يقصدها طلاب العلم، فيجد السائل عندهن جوابه والمستفتي فتواه، والشاك يقينه ومن نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن تعددت هذه المدارس بتعدد زوجاته -ﷺ- حيث توفي -ﷺ- عن تسع نسوة أو إحدى عشرة كلهن سمعن منه وشاهدن تفاصيل حياته المعيشية والعبادية على تفاوت بينهن في الحفظ والرواية.
ولقد كان لأمهات المؤمنين -﵅- مكانة جليلة لدى الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين، كما كان الناس يستنكرون أن يسألهم أحد أو يستفتيهم في الأحوال الخاصة مع وجود أمهات المؤمنين٣.
_________________
(١) ١ يراجع هذا البحث في كتاب: دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الثلاثة الأولى "ص٤٥-٩٠" رسالة ماجستير -لآمال قرداش بنت الحسين- العدد رقم "٧٠" من كتاب الأمة. ٢ تُوفي النبي -ﷺ- عن تسع من النساء متفق عليهن لم يختلف فيهن اثنان؛ وهن: سودة وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة -﵅ جميعًا- ولم نذكر خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، وهو ظاهر في كونهما لم ترويا شيئًا، فخديجة -﵂- توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، انظر الإصابة "٤/ ٢٧٦"، وتوفيت زينب بنت خزيمة سنة أربع للهجرة. الإصابة "٤/ ٣٩". ٣ قال مروان: كيف نسأل وفينا النبي -ﷺ- فأرسل إلى أم سلمة -﵂- في حديث: ترك الوضوء مما مست النار، رواه النسائي في كتاب الوليمة، باب رقم "٣٥".
[ ١٧٤ ]
دور أم المؤمنين عائشة -﵂- في رواية الحديث:
الحديث عن عائشة -﵂- يأخذ أبعادًا شتى، في فضلها أو سَعَة علمها أو فقهما أو أدبها.
- مناقبها ﵂:
مناقب عائشة -﵂- كثيرة منثورة في كتب السنة، بفضلها ومكانتها، ولقد فتحت -﵂- عينيها في بيت قد نوَّره الله بنور الإسلام، فكانت تقول: "لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدين"١. فنشأت في هذا البيت النقي العظيم البركات تحت رعاية أبيها أبي بكر -﵂- أحب رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢- وأول مَن ساند الدعوة الإسلامية، وأنفق من ماله ليشتد عود الإسلام.
ثم انتقلت -﵂- إلى البيت النبوي وهي ما زالت صبية تلعب٣، فاستقبلها سيد الخلق -ﷺ- فأتم رعايتها وتوجيهها، فصلب عودها في بيت كان منزل الوحي، وكتب له فيما بعد أن يكون منارة من منارات العلم، وفوق هذا أحبها -ﷺ- حبًّا شديدًا كان يعلن به، وكثيرًا ما كانت تفخر بهذه المزية، وتعدها ضمن الخصال الكثيرة التي حباها الله تعالى بها دون سائر أمهات المؤمنين ﵅ جميعًا٤، ولو لم يكن لها -﵂- إلا هذه المنقبة لكفتها. فرسول الله -ﷺ- لا يحب إلا طيبًا. وكانت مظاهر حب النبي -ﷺ- لعائشة -﵂- بيِّنة عليه، وكان يعتبر إيذاء
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٣/ ١٨"، كتاب المناقب، هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة "٣٩٠٥" عن عائشة. ٢ سأل عمرو بن العاص النبي: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة"، فمن الرجال؟ قال: "أبوها". أخرجه البخاري في كتاب المغازي، غزوة ذات السلاسل "٤٣٥٨" عن عمرو. ٣ قالت عائشة ﵂: "تزوجني رسول الله -ﷺ- بعد متوفى خديجة وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مجممة، وصنعنني ثم أتين بي إليه". رواه أبو داود في السنن، كتاب الأدب "١٤٣٥"، وسنده صحيح، ومجممة: أي ذات جُمة بالضم، وهي مجتمع شعر الرأس، وهي أكثر من الوفرة، وما سقط على المنكبين، انظر: لسان العرب "٢/ ١٠٧". ٤ كانت عائشة -﵂- تقول: "فضلت عليكن بعشر ولا فخر " فذكرت حب النبي -ﷺ- لها، ذكره الذهبي في السير "٢/ ١٤٧".
[ ١٧٥ ]
عائشة -﵂- من إيذائه، معللًا ذلك بأن الوحي كان ينزل عليه في لحافها دون غيرها من نسائه، فقال ﷺ: "فإنه والله ما نزل عليه وهو في لحاف امرأة منكن غيرها" ١.
وقد تعددت بذلك مناقبها وفضائلها، وقد جمع لها الزركشي في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" أربعين منقبة لها وحدها لم تشترك معها فيها امرأة من نساء النبي ﷺ.
وهذه الأفضلية كان النبي -ﷺ- حريصًا على بيانها للناس؛ ليعرفوا قدرها فقال كما روى البخاري: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٢.
ويعلق الإمام الذهبي على هذا الحديث بقوله: "وقرائن تدل على أن هذه الأفضلية بأمر إلهي، وإن هذا من أسباب حبه -ﷺ- الشديد لها"٣.
وقد أدرك الناس مكانة عائشة عند النبي -صلى الله عليه وسلم٤- وقبيح كل مَن ينال منها، كما صرح بذلك عمار بن ياسر وهو يرد على رجل نال من عائشة بقوله: "اغرب مقبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ؟! "٥.
- سعة علمها ﵂:
لقد وهبها الله تعالى ذكاء وذاكرة قوية وحفظًا سريعًا، فقد نشأت في بيت أبي بكر -﵁- وعاشت في بيت النبوة، ونهلت من المعين النبوي الصافي، وعُرِفت
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٣/ ٦٣"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة، عن عائشة - حديث رقم "٣٧٧٥". ٢ صحيح البخاري "٤/ ١٨٩٥"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة عن أنس - حديث رقم "٢٤٦". ٣ انظر: سير أعلام النبلاء "٢/ ١٣٧". ٤ راجع: صحيح البخاري "٣/ ٦٣"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة، من حديث عائشة رقم "٣٧٥٥". وفيه قصة، وقد رواه الحاكم مختصرًا بنحو اللفظ المذكور هنا، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي "المستدرك ٤/ ١٠". ٥ سنن الترمذي "٥/ ٧٠٧" كتاب المناقب، باب فضل عائشة ﵂ - حديث "٣٨٨٨". وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
[ ١٧٦ ]
بالتطلع الواسع إلى الاستفادة من العلم والفَهْم، فكانت كثيرة السؤال والاستفسار، شديدة التمحيص والتنقيب، وقد شهد لها بذلك الأكابر، فعن أبي مليكة -﵁- قال: "إن عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلا راجعت فيه حتى تعرفه"١.
- علمها بالقرآن:
لقد كانت ﵂وهي صبية تلعب- تسمع الآية من القرآن فتحفظها وتضبط مكان نزولها ووقت النزول؛ حيث تقول: لقد نزل بمكة على محمد -ﷺ- وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت البقرة ولا النساء إلا وأنا عنده٢.
ثم بعد أن انتقلت إلى البيت النبوي حضرت الكثير من نزول القرآن، وإن الوحي كان ينزل على النبي -ﷺ- في لحافها؛ لذلك وصفت أحواله حين نزول الوحي عليه٣، الأمر الذي جعلها تلتقط الآية من فم النبي -ﷺ- فتحفظها وتعي الأحكام والمقاصد٤، فجمعت إلى حفظ القرآن معرفة معانيه وتفسيره، فأصبحت من كبار المفسرين للقرآن الكريم، وساعدها على ذلك معرفتها باللغة العربية وأشعارها وآدابها٥، وكان لها مصحف خاص بها جمعت القرآن إلى تفسيره؛ ولذا كان بحجم المصحف ثلاث مرات٦.
- علمها بالحديث ﵂:
لقد كانت -﵂- من كبار المحدثين المتميزين، وحُفاظ السنة المتقنين الضابطين،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "١/ ٥٤" كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع فيه حتى يعرفه، عن ابن أبي مليكة "١٠٣". ٢ صحيح البخاري "٣/ ٣٠١" كتاب التفسير، تفسير: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ عن عائشة "٤٨٧٦". ٣ صحيح البخاري "١/ ١٣، ١٤"، كتاب بدء الوحي، عن عائشة "٣٠٢". ٤ كانت عائشة تقول: "إن الآية تنزل علينا في عهد رسول الله -ﷺ- فنحفظ حلالها وحرامها وأمرها وزجرها ". انظر: أعلام النساء، رضا كحالة "٣/ ١٠٦"، مؤسسة الرسالة بيروت. ٥ كانت عائشة تقول: "رويت للبيد ألف بيت" سير أعلام النبلاء، الذهبي "٢/ ١٤٠". ٦ الإتقان في علوم القرآن، السيوطي "١/ ٩٦"، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.
[ ١٧٧ ]
وقد امتازت عن غيرها من الصحابة أنها سمعت تلك الأحاديث مشافهة من النبي -ﷺ- وأنها انفردت برواية أحاديث لم يروها عنه غيرها لمكانتها عنده.
ولذلك يرجع الفضل إليها في نقل السنة النبوية ونشرها بين الناس، ولو لم تنقلها لضاع قسم كبير منها، خاصة في الأمور التي تتعلق بتصرفات النبي -ﷺ- في بيته ومع أهله.
وكان حفظها لحديث رسول الله -ﷺ- وإتقانه مرجعًا للصحابة فيما اختلفوا فيه من الأحاديث، فيجدون عندها الجواب الشافي الذي يحسم الخلاف ويرد الشك١، وقد كان أبو هريرة من عادته الجلوس إلى حجرة عائشة يُسمعها ما يحدث به الناس، ثم يقول: "يا صاحبة الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئًا؟ "٢.
وقد بلغت درجة عالية في التمكن من العلم حتى صارت مرجعًا لكبار الصحابة، و"صار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلًا عن حكم، أو حديث، أو شيء من فعل النبي -ﷺ- ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره"٣.
- فقهها ﵂:
إن عائشة -﵂- كانت فقيهة جدًّا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها٤، وجزم الإمام الزهري بأنها أفقه نساء الأمة على الإطلاق٥، وذكر ابن حزم أن فتواها يمكن أن تجمع في سِفْرٍ ضخم٦.
_________________
(١) ١ وقد حظيت استدراكاتها على الصحابة باهتمام العلماء، وصنفوا في ذلك، كما فعل الزركشي في الإجابة، وأبو منصور عبد المحسن بن محمد البغدادي "٤١١-٤٨٩هـ" وغيرهم. ٢ صحيح مسلم "٤/ ١٩٤" فضائل أبي هريرة عن عائشة "٢٤٩٣". ٣ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل "٦/ ٨٧"، دار صادر بيروت. ٤ فتح الباري، ابن حجر "٧/ ١٧"، دار الريان للتراث، القاهرة ط٢، ١٩٨٧م. ٥ سير أعلام النبلاء، الذهبي "٢/ ١٣٥". ٦ تلقيح فهوم أهل الأثر، لابن الجوزي "ص٣٠٥" مكتبة الآداب، القاهرة، وكذا جوامع السيرة، لابن حزم "ص١٣٤" طبعة كراتشي.
[ ١٧٨ ]
وأقوال العلماء المشهود لهم بالفضل والعلم في مكانة عائشة -﵂- العلمية تعكس إمامة عائشة -﵂- فيما ورثته من العلم النبوي، فقد كانت من القلة القليلة التي حظيت بهذا المركز المرموق، وكان يأتيها صحابة رسول الله -ﷺ- يسألونها عن عويص العلم ومشكله، فتجيبهم جوابًا مشبعًا بروح التروي والتحقيق، وقد شهد لها بهذا أبو موسى الأشعري إذ قال: "ما أُشكل علينا -أصحابَ محمد- أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علم"١.
وكانت بعد وفاة النبي -ﷺ- قد استقلت بالفتوى مدة خلافة أبي بكر وعمر إلى أن تُوفيت٢.
- علمها بالطب والشعر وأخبار العرب:
وكما كانت عائشة مرجعًا مهمًّا في الشئون الفقهية والتشريعية وكبيرة محدثات عصرها، كانت من أبرع الناس في الطب والشعر وأحاديث العرب وأنسابهم، قال ابن أختها عروة بن الزبير: "لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا سنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا ولا كذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من أين تعلمتيه؟ فقالت: كنت أمرض فيُنعت لي الشيء، أو يمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه"٣.
كما امتازت بفصاحة اللسان، وبلاغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم، وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم، فعن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والخلفاء هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من مخلوق أفخم ولا أحسن من فِي عائشة٤.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي: المناقب، فضل عائشة "٣٩٢٨" وقال: حسن صحيح. ٢ سير أعلام النبلاء "٢/ ١٤٥". ٣ سير أعلام النبلاء "٢/ ١٨٤" وقال فيه المحقق: رجاله ثقات. ٤ المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري "٤/ ١١" دار المعرفة، بيروت.
[ ١٧٩ ]
كما كان لأم المؤمنين دورها في حياة المسلمين في مختلف مجالات الحياة، ولم تكن بمنأى عن الأحداث التي مرت بالمسلمين خلال حياتها التي اقتربت من السبعين، وكانت لها مواقف مشهورة، وآثار معروفة في الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بالمسلمين بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان، وقد سجلت كتب التاريخ كثيرًا من الأحداث التي تركت فيها أم المؤمنين لمسات بارزة١.
- تلاميذها ﵂:
لقد شاع علم السيدة عائشة -﵂- وانتشر فضلها، وفاقت غيرها في الفرائض والسنن والفقه.
وروى عنها خلق كثير من طبقات مختلفة، وقد قضت حياتها -التي قاربت السبعين- تروي حديث رسول الله -ﷺ- وتفتي في الدين، فقد تزوجها النبي -ﷺ- وهي ابنة تسع، وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، فكانت من آخر أمهات المؤمنين وفاة -﵅ جميعًا- وقد استفاد الناس من ذلك كثيرًا، فتيسر لكبار الصحابة وصغارهم، وكبار التابعين وصغارهم، السماع منها والإفادة من علمها وفقهها.
وقد روى عنها من الصحابة أبوها أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن الجرشي، والسائب بن يزيد، وعمرو بن العاص، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وصفية بنت شيبة، وغيرهم.
وروى عنها من آل بيتها: عروة بن الزبير ابن أختها أسماء، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وأختها أم كلثوم، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث، وبنتا أختها عبد الرحمن: حفصة وأسماء، وابن أختها أسماء عبد الله
_________________
(١) ١ لمزيد من التفصيل في دور عائشة السياسي انظر أعلام النساء، عمر كحالة "٣/ ٣٠".
[ ١٨٠ ]
ابن الزبير، وحفيدا أسماء: عباد وحبيب ولدا عبد الله بن الزبير، وبنت أختها أم كلثوم عائشة بنت طلحة وغيرهم.
ومن مواليها: ذكوان، وأبو يونس، وفروخ.
ومن التابعين: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد النخعي، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والشعبي، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وخيرة أم الحسن البصري، وصفية بنت أبي عبيد، وعلقمة بن قيس، وابن أبي مليكة، وسليمان بن يسار، وخلق سواهم.
- مروياتها ﵂:
روت أم المؤمنين عائشة عن النبي -ﷺ- الكثير الطيب، وحديثها منثور في كتب الحديث المختلفة، ولتتضح مرتبتها بين المكثرين في الرواية نورد هنا عدد مرويات كل واحد من المكثرين مرتبين حسب الكثرة١:
١- أبو هريرة: رُوي له عن النبي -ﷺ- خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا٢.
٢- عبد الله بن عمر: ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا "٢٦٣٠".
٣- أنس بن مالك: ألفان ومائتان وستة وثمانون حديثًا "٢٢٨٦".
٤- عائشة: ألفان ومائتان وعشرة أحاديث "٢٢١٠".
٥- عبد الله بن عباس: ألف وستمائة وستون حديثًا "١٦٦٠".
_________________
(١) ١ تلقيح فهوم أهل الأثر، ابن الجوزي "٣٦٣"، جوامع السيرة، لابن حزم "ص٢٧٥، ٢٧٦"، وقال أحمد بن حنبل: هم ستة لم يذكر فيهم أبو سعيد الخدري. انظر: الباعث الحثيث "٨٥". ٢ ذكر لها هذا العدد ابن حزم في جوامع السيرة "٢٧٥"، والذهبي في السير "٣/ ١٣٩"، والزركشي في الإجابة "٣٣"، والسيوطي في تدريب الراوي "٢/ ٢١٧".
[ ١٨١ ]
٦- جابر بن عبد الله: ألف وخمسمائة وأربعون حديثًا "١٥٤٠".
٧- أبو سعيد الخدري: ألف ومائة وسبعون حديثًا "١١٧٠".
فإذا كانت عائشة -﵂- تروي "٢٢١٠"١ حديثًا، فهل تحتل الدرجة الرابعة باعتبار كثرة الرواية عامة٢، أما باعتبار الكثرة في الكتب الستة فتحتل الدرجة الثانية بعد أبي هريرة مباشرة؛ إذ له في الكتب الستة ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعون حديثًا "٣٣٧٠"، ورُوي لعائشة في الكتب الستة ألفا حديث وواحد وثمانون حديثًا "٢٠٨١"٢.
- واتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا "١٧٤".
- وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا "٥٤".
- وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثًا "٦٩"٣.
وبهذا يصبح مجموع حديثها عند الشيخين مجتمعًا ومنفردًا "٢٩٧"٤.
- محتوى مروياتها:
المتفحص لكتب الحديث المختلفة -كالصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع- يلحظ كثرة روايتها وتنوعها، وأن مروياتها طرقت معظم أبواب الأحكام، وإن غلب على مروياتها طابع الأفعال على الأقوال، ولا سيما ما يتعلق بأعمال رسول الله -ﷺ- البيتية والمعيشية، كما تميزت عائشة -﵂- في مروياتها بنقل أحكام النساء الخاصة بهن، ولم يضارعها في ذلك أحد.
إن مروياتها تناولت أحاديث تتعلق بأبواب الإيمان والوحي والعلم والقراءة
_________________
(١) ١ وقول أحمد شاكر في الباعث الحثيث: "أكثر الصحابة رواية للحديث أبو هريرة ثم عائشة ثم " غير دقيق، والصحيح الترتيب الذي ذكره ابن حزم في جوامع السيرة "٢٧٥" أي: الدرجة الرابعة. ٢ اعتمدت في هذا العدد على ترقيم تحفة الأشراف للمزي من مسند عائشة "١١/ ٣٤٨، و١٢/ ٤٤٨". ٣ سير أعلام النبلاء، الذهبي "٢/ ١٣٩". ٤ ذكره ابن الجوزي في تلقيح الفهوم "ص٤٠٣".
[ ١٨٢ ]
التفسير، وآداب قضاء الحاجة، والوضوء والغسل في يوم الجمعة، وفي الجنابة، وبمسائل في الحيض والاستحاضة، وما يتعلق بجواز مباشرة الرجل الحائض، وقد برعت وفاقت غيرها في هذا المجال
وكذا أحاديث في التيمم، تتعلق بسبب نزول آية التيمم -وهي صاحبة القصة- وكذا حوت مروياتها أبوابًا في الصلاة تتعلق بالأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وبكيفية فريضة الصلوات، وأحاديث في الأذان، وما كان لرسول الله -ﷺ- من المؤذنين، وأحاديث تتعلق بأحكام الصلاة، وما ورد من الأذكار والأدعية خلالها وفي دبرها، وبالإمامة، وفضل الجماعة، وأحاديث في المساجد وآدابها وفضلها، وحضور النساء المساجد، وأحاديث بخصوص صلاة العيدين، والخسوف والكسوف، وما يتعلق بالسنن الراتبة والنوافل وقيام الليل، وصلاة التراويح، وما ورد في الوتر، وصلاة الجنازة وما يتعلق بها من ثياب الكفن، وأحاديث في إثبات عذاب القبر، والتحذير من اتخاذ القبور مساجد، وغير ذلك مما يتعلق بالقبور وأهلها.
كما تناولت مروياتها أحاديث كثيرة في الصدقة وأجرها، وإنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وكذا اشتملت على أحاديث كثيرة في الصوم تتعلق بمسائل شتى في تحري هلال شعبان لمعرفة هلال رمضان، وفي السحور، وفي الصائم الذي يصبح وهو جنب، وتقبيل الصائم، وأحاديث في صيام التطوع، وأخرى في الاعتكاف، وفي تحري ليلة القدر، وفي قضاء الصيام، وفي النهي عن الوصال في الصوم، وأيضًا روايات كثيرة جدًّا في الحج تتعلق بالتلبية وأنواع الحج الثلاثة، واستعمال الطيب قبل الدخول في الإحرام وقبل طواف الإفاضة وبعد التحلل الأصغر، وبفتل القلائد للهدي، وبعدد عُمَرِ النبي -ﷺ- وعمرة عائشة نفسها من التنعيم ونزول المحصب، وما يتعلق ببناء الكعبة وفضلها.
وكذا روايات في الأضاحي وفي الذبائح وبعض ما يتعلق بهما نحو العقيقة، كما أن لها مرويات في
[ ١٨٣ ]
البيوع وما يتعلق بها، وفي العتق، والمكاتبة. وتشتمل على أحاديث في باب اللباس، والأطعمة، والأشربة، والطب فيما يتعلق بعلاج المريض والدواء وبالرقية والدعاء، وبأحاديث في النذور والشهادات، وأيضًا أحاديث تتعلق بالجهاد، والمغازي، والإمارة.
كما تتضمن مروياتها مجموعة من الأحاديث تدور حول النكاح وحسن المعاشرة بين الزوجين، والطلاق وما يتعلق به، وروايات في أبواب الحدود، وأبواب المناقب والسير، وجملة كبيرة من الأحاديث في الآداب المعيشية، وفي البر والصلة، كما روت أحاديث في الزهد والرقاق، وأحاديث في الفتن، وأشراط الساعة، والقدر، وما يتعلق بالقيامة، وأحاديث في الاستغفار، والدعاء، والتوبة.
- مكثرو الرواية عن عائشة -﵂- ورواياتهم عنها في الكتب الستة:
نبغ كثير من تلاميذ عائشة -﵂- وأصبحوا بدورهم مثابة لطلاب العلم يضرب الناس إليهم أكباد الإبل ابتغاء ما ورثوه من علم عائشة، فتلاميذها أوعية حافظة لعلمها، نذكر هنا ستة، هم أكثر الرواة المكثرين عنها ﵂:
١- عروة بن الزبير: ابن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، مشهور من الثانية مات سنة ٩٤هـ على الصحيح، مولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، وهو أكثر رواية عن خالته عائشة -﵂- حتى روى عنها وحده "١٠٥٠" حديثًا من مجموع أحاديثها البالغ عددها "١٩٩٩"، وهو نصف مسندها١.
قال عنه الزهري: "كان عروة بحرًا لا ينزف ولا تكدره الدلاء"٢، وقد كان شديد الملازمة لخالته عائشة، كثير السؤال، مما كان يثير غبطة طلاب العلم من كثرة دخوله عليها؛ فأصبح مرجعًا لعلمها.
_________________
(١) ١ انظر: سير أعلام النبلاء "٤/ ٤٢١-٤٣٧"، طبقات ابن سعد "٥/ ١٧٨"، وأعداد الأحاديث مأخوذة من تحفة الأشراف للحافظ المزي. ٢ سير أعلام النبلاء "٤/ ٤٢٨".
[ ١٨٤ ]
٢- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق١: التيمي أبو عبد الرحمن، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، ومن كبار الثالثة، مات سنة "١٠٦هـ" على الصحيح، قُتل أبوه محمد سنة "٣٨هـ" في مصر لما قدم أميرًا عليها من قبل علي بن أبي طالب، فبقي القاسم يتيمًا في حجر عمته عائشة ﵂.
وكان يلازمها مع ما عرف به من النباهة، وهو حديث السن مما يسر له استيعاب ما تسمعه آذانه وإدراك ما يحفظه من حديث رسول الله -ﷺ- أو فتاوى من عائشة وغيرها، وله "١٣٧" حديثًا يرويها عنها في الكتب الستة فقط.
٣- الأسود بن يزيد النخعي٢: الكوفي أبو عمرو، الثقة، العابد، من الثانية، روى الأسود عن عائشة "١١٧" حديثًا في الكتب الستة فقط.
٤- عمرة بنت عبد الرحمن٣: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، وكانت في حجر عائشة، مدنية تابعية ثقة ثبت حجة، قال ابن حبان: "كانت من أعلم الناس بحديث عائشة"، وقال ابن سعد: "كانت عالمة"، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة كما شهد لها الزهري بقوله: "فأتيتها -أي عَمْرَة- فوجدتها بحرًا لا ينزف". ولها في الكتب الستة "٧٢" حديثًا ترويها عن عائشة ﵂.
- أصح الأسانيد عن عائشة:
من ذلك:
١- هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٥/ ٥٣-٦٠". ٢ سير أعلام النبلاء "٤/ ٥٠-٥٣"، طبقات ابن سعد "٦/ ٧٠"، وتذكره الحفاظ للذهبي وغيرها. ٣ سير أعلام النبلاء "٤/ ٥٠٧، ٥٠٨"، طبقات ابن سعد "٨/ ٤٨٤"، وتهذيب الكمال وغيرها. ٤ شرح الباعث الحثيث، أحمد شاكر "١١".
[ ١٨٥ ]
٢- يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمرو بن حفص العمري، عن القاسم، عن عائشة -﵂- قال ابن معين: ترجمة مشبكة الذهب١.
٣ عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قال ابن معين: "ليس إسناد أثبت من هذا"٢.
٤- أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة٣.
٥- الزهري، عن عروة، عن عائشة٤.
فمن خلال هذا الغرض الموجز جدًّا في حق أكبر المحدثات عبر العصور، أم المؤمنين عائشة -﵂- ندرك الجهود الكبيرة التي قدمتها للأمة الإسلامية، فكانت وما زالت -﵂- قدوة النساء والرجال في العلم والفقه والزهد وسائر أعمال المعروف.
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث الحاكم "ص٥٥"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، ١٩٧٧م. ٢ الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، تحقيق أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي، بيروت ط١٩٨٦م، والنكت لابن حجر، المجلس العلمي لإحياء التراث الإسلامي، المدينة، ط١. ٣ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي "٢/ ٢٢٩"، مكتبة المعارف، الرياض، ط١٩٨٣م. ٤ طرح التثريب شرح التقريب، زين الدين العراقي "١/ ٢٢" دار المعارف، حلب، سوريا، دون ذكر الطبعة.
[ ١٨٦ ]
دور أم المؤمنين أم سلمة -﵂- في رواية الحديث:
- ترجمتها وفضلها:
هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أبوها أحد أبناء قريش المعدودين، وأجوادهم المشهورين، وكان يُدعَى بـ"زاد الراكب"١.
كانت قبل النبي -ﷺ- عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الصحابي ذو الهجرتين، ابن عمة المصطفى -ﷺ- برَّة بنت عبد المطلب، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وكانت وزوجها من السابقين الأولين، وهاجرا مع العشرة الأولين إلى الحبشة، حيث وُلد ابنهما "سلمة".
ثم هاجر إلى المدينة بعد قدومهما مكة بعد بيعة العقبة٢، فكانت أم سلمة -﵂- بهذا أول ظعينة دخلت المدينة، وفي المدينة عكفت -﵂- على تربية صغارها، وعكف زوجها على الجهاد، فشهد بدرًا وأحدًا وأبلى فيها بلاء مشهودًا، ورُمي في عضده، ثم انتكأ هذا الجرح فظل به حتى مات سنة أربع للهجرة "٤هـ"، وكان من دعاء أبي سلمة: "اللهم اخلفني في أهلي بخير"، فأخلفه رسول الله -ﷺ- على زوجته أم سلمة، فصارت أمًّا للمؤمنين، وعلى بنيه: سلمة، وعمر، وزينب، فصاروا ربائب في حجره المبارك -ﷺ- وذلك سنة أربع للهجرة "٤هـ".
وكانت أم سلمة -﵄- آخر مَن مات من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها قتل الحسين، لم تلبث بعده إلا يسيرًا، وانتقلت إلى الله تعالى سنة "٦٢هـ"، وكانت قد عاشت نحوًا من تسعين سنة٣.
_________________
(١) ١ زاد الراكب: أنه كان إذا سافر، فخرج معه الناس، فلم يتخذوا زادًا معه ولم يوقدوا، يكفيهم ويغنيهم. انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة "زود" "٣/ ١٩٨". ٢ انظر: السمط الثمين "٨٧"، والسيرة النبوية لابن هشام، دار الجيل "٢/ ٨٠، ٨١". ٣ سير أعلام النبلاء، الذهبي "٢/ ٢٠٩".
[ ١٨٧ ]
وأما منزلتها في قوة البلاغة، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، ودقة الفهم، فقريبة من منزلة السيدة عائشة ﵄، وقد أشارت على النبي -ﷺ- يوم الحديبية بما يدل على ذلك؛ حيث أشارت عليه بأن يتقدم الناس بنحر الهدي والحلق لما امتنعوا أن ينحروا ويحلقوا ليحلوا من الإحرام، فلما فعل ذلك قام الناس فنحروا وحلقوا١.
كما كانت تُعد من فقهاء الصحابة ممن كان يفتي؛ إذ عدها ابن حزم ضمن الدرجة الثانية التي تشمل متوسطي الفتوى بين الصحابة -﵃- حيث قال: "المتوسطون فيما روى عنهم من الفتوى: عثمان، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأم سلمة " إلى أن عدهم ثلاثة عشر، ثم قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير"٢.
- مروياتها -﵂- وتلاميذها:
روت أم المؤمنين أم سلمة -﵂- الكثير الطيب؛ حيث تعد ثاني راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة -﵂- إذ لها جملة أحاديث قدرت حسب كتاب بقي بن مخلد ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا "٣٧٨". اتفق لها البخاري ومسلم على ثلاثة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر٣.
ومجموع مروياتها حسب ما ورد في تحفة الأشراف مائة وثمانية وخمسون حديثًا "١٥٨"٤.
_________________
(١) ١ زاد المعاد "٢/ ١٢٥"، الإصابة "٤/ ٤٤٠"، وانظر الحديث في صحيح البخاري "٢/ ٢٧٩" كتاب الشروط. ٢ جوامع السيرة، ابن حزم "١٣٤"، تلقيح فهوم الآثر، ابن الجوزي "٣٠٥". ٣ سير أعلام النبلاء "٢/ ١٠١". ٤ تحفة الأشراف، للحافظ المزي "١٣/ ٣ - ٨٢".
[ ١٨٨ ]
- محتوى مروياتها ﵂:
كان وجود أم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة -﵄- خاصة بين الصحابة، وتأخر وفاتهما بعد النبي -ﷺ- من العوامل المهمة التي جعلت الناس يقصدونهما خاصة للسؤال والفتيا، وبعد وفاة أم المؤمنين عائشة -﵂- سنة "٥٨هـ"، تربعت أم سلمة -﵂- على باب الرواية؛ لكونها آخر مَن تبقى من أمهات المؤمنين، الأمر الذي جعل مروياتها كثيرة؛ إذ جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية والفتن إلخ.
ففي أبواب الطهارة روت في: غسل الجنابة، وغسل الرجل مع زوجه، وكيفية اغتسال النساء، وفي دخول الحائض والجنب المسجد، والنوم مع الحائض في لحاف واحد، والاستحاضة، وفي ذيول النساء وما يطهرها وغيرها.
وفي أبواب الصلاة وما تعلق بها من أحكام روت في: الركعتين بعد العصر، وهي صاحبة هذه الرواية، وقد أخذتها عنها عائشة وغيرها، كما روت في قراءة النبي -ﷺ- وكيفية صلاته، ووتره ونوافله، وروت في الدعاء دبر الصلاة، كما روت في عدم قضاء الحائض الصلاة، وصلاة النبي -ﷺ- جالسًا، والمرأة تصلي في درع وخمار ليس لها إزار إذا لم تظهر قدماها، وفي القنوت
وفي الزكاة روت في: الإنفاق على الأولاد والزوج، وفي فضل الصدقة، في زكاة الحلي.
وفي أبواب الصوم روت في: الجنب يدركه الفجر، وفي القُبْلة للصائم، وفي فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وفي الصوم في ذي الحجة.
كما روت في أبواب الحج: في حج النساء، وفي ما بين بيت النبي -ﷺ- ومنبره، وفيمن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى، وفي طواف الخروج.
وروت أيضًا في الجنائز: في الدعاء للميت، والدعاء عند المصيبة، والنهي عن اكتحال الحادَّة.
[ ١٨٩ ]
وروت في الأدب، وفي ستر العورة، وفي رفع الرأس إلى السماء عند الخروج من البيت، والمرأة ترخي من إزارها ذراعًا، وروت في الأشربة، والنهي عن عجم النوى طبخًا، وخلط النبيذ بالتمر، وفي النكاح، روت زواجها، وفي الإحداد والرضاع. كما روت في المغازي، والمظالم والفتن، في الجيش الذي يخسف به، وفي المهدي، وروت في المناقب في ذكر علي وذكر عمار.
فهذا الكم من المرويات وغيرها -كما نلاحظ- تغلب عليه الصفة العلمية مع وجود مرويات في غير ذلك، في الأقوال النبوية وفي الأدعية، مما يعطي أم المؤمنين أم سلمة -﵂- شهادة أيضًا على حفظها واهتمامها بما يصدر عن النبي -ﷺ- وروايته للناس.
وقد نقل عنها مروياتها جيل من التلاميذ رجالًا ونساء، من مختلف الأقطار؛ حيث روى عنها -﵂- خلق كثير:
- فمن الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وأبو سعيد الخدري، وعمر بن أبي سلمة، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة بن الحصيب الأسلمي، وسليمان بن بريدة، وأبو رافع، وابن عباس.
- ومن التابعين: أشهرهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن أبي مليكة، وعامر الشعبي، والأسود بن يزيد، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، ونافع بن جبير بن مطعم وآخرون.
- ومن النساء: ابنتها زينب، وهند بنت الحارث، وصفية بنت شيبة، وصفية بنت أبي عبيد، وأم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرة بنت عبد الرحمن، وحكيمة، ورميثة، وأم محمد بن قيس.
- ومن نساء أهل الكوفة: عمرة بنت أفعى، وجسرة بنت دجاجة، وأم مساور الحميري، وأم موسى "سُرِّيَّة علي"، وجدة ابن جدعان، وأم مبشر١.
_________________
(١) ١ تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج يوسف المزي "٣٥/ ٣١٩".
[ ١٩٠ ]
دور أم المؤمنين ميمونة -﵂- في رواية الحديث:
بعد أم المؤمنين أم سلمة التي تحتل المرتبة الثانية من حيث كثرة الرواية بين كل الروايات عمومًا وبين أمهات المؤمنين خصوصًا، تأتي أم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وأم المؤمنين حفصة، في الدرجة الثالثة، وقد صنفهن بقي بن مخلد في أصحاب العشرات بهذا الترتيب١.
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية٢، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد وابن عباس.
تزوجها أولًا مسعود بن عمر الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها، فتزوجها النبي -ﷺ- في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة "٧هـ" في ذي القعدة، وبَنَى بها بسَرِف٣.
كانت ميمونة -﵂- من سادات النساء، وخير شهادة على ذلك ما ذكرته عنها ضرتها عائشة لابن أختها يزيد بن الأصم، وقد أقبلت تلومه في أمر؛ حيث يقول: " ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمَى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"٤.
_________________
(١) ١ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "٣٦٥"، وبقي بن مخلد هو شيخ الإسلام أبو عبد الله عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، الحافظ، صاحب "التفسير"، "المسند"، وهو أول من كثر الحديث ونشره بالأندلس، توفي سنة ٢٧٣هـ. انظر: طبقات الحفاظ، السيوطي "ص٢٧٧". ٢ لها ترجمة في الإصابة، ابن حجر "٤/ ٣٩٧"، طبقات ابن سعد "٨/ ١٣٢"، السير "٢/ ٢٣٨- ٢٤٦" وغيره. ٣ سَرِف: بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء، وهو موضع على ستة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر بيروت "٣/ ٢١٢". ٤ أخرجه ابن سعد في الطبقات "٨/ ١٣٨"، والحاكم في المستدرك "٤/ ٣١".
[ ١٩١ ]
وفي هذا الخبر ما يفيد أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فقد ذكر خليفة بن خياط موتها سنة "٥١هـ"١.
وقد دفنت في الظلة التي بَنَى فيها رسول الله -ﷺ- بسرف٢.
- تلاميذها ومروياتها ﵂:
روت أم المؤمنين ميمونة ستة وسبعين حديثًا "٧٦"٣، وبالتالي تأتي مباشرة بعد أم المؤمنين أم سلمة في الترتيب حسب كثرة الرواية، وعدد أحاديثها في الكتب الستة واحد وثلاثون حديثًا "٣١"٤، ورُوي لها في الصحيحين سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث٥.
وقد روى عنها: ابن عباس ابن أختها، وابن أختها الثاني عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن اختها الثالث عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس -وكان يدخل على أمهات المؤمنين- ومولاها سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعمران بن حذيفة، ومولاتها ندبة، والعالية بنت سُبَيْع، وأم منبوذ.
- محتوى مروياتها:
يلاحظ أن مروياتها توزعت على هؤلاء الرواة السابق ذكرهم، وأغلبهم من محارمها وفيهم الحبر ابن عباس، إضافة إلى أن مروياتها غلبت عليها الصفة العملية؛ أي: أنها تصف فعل النبي -ﷺ- في بيته ومع أهله.
فقد رُوي عنها في أبواب الطهارة: في كيفية الغسل من الجنابة، وفي
_________________
(١) ١ تاريخ خليفة، تحقيق أكرم ضياء العمري، دار طيبة، ط١، ١٩٨٥م "ص٢١٨". ٢ انظر: ابن سعد في الطبقات "٨/ ١٣٩"، والحاكم في المستدرك "٤/ ٣١". ٣ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "ص٣٦٥". ٤ العدد مأخوذ من تحفة الأشراف "١٣/ ٤٨٤- ٤٩٨". ٥ سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٤٥".
[ ١٩٢ ]
وضوء النبي -ﷺ- بفضل غسل نسائه، ومباشرة الحائض وهي مؤتزرة، وقراءة القرآن في حجر الحائض، والصلاة بعد الأكل بدون وضوء، وهي كلها أفعال نبوية. وفي أبواب الصلاة: رُوي عنها في فضل الصلاة في مسجد النبي -ﷺ- وفي سجود النبي ﷺ ، وفي الجنائز: في الميت يصلي عليه أمة من الناس ، وروت في الصيام: في صيام النبي -ﷺ- في عرفة.
ورُوي عنها في الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، وفي رقية النبي -ﷺ- كما رُوي عنها في العتق، ولعل أبرز حكم ارتبط باسم ميمونة -﵂- هو تزويج المحرم، فقد تضاربت الروايات في قصة تزويج النبي -ﷺ- ميمونة، هل كان حلالًا أم محرما؟
وقد عاشت أم المؤمنين ميمونة في البيت النبوي ثلاث سنوات، وبقيت بعده إلى سنة "٥١هـ"، فثلاث سنوات وإن كانت مدة قصيرة إلا أنها سمحت لها بأن تنقل عنه -ﷺ- مجموعة لا بأس بها من الأحاديث -كما رأينا- ساهمت في إعطاء نظرة مفصلة عن حياته -ﷺ- في بيته، وكفى بها شرفًا أن قصة زواجها منه -ﷺ- فرع من الفروع المهمة في الفقه الإسلامي، الذي كثرت حوله الآراء.
ومما ساعد على كثرة مروياتها -مقارنة بغيرها من أمهات المؤمنين، رغم كونها آخر مَن تزوجها النبي ﷺ من نسائه- أمران؛ هما:
- تأخر وفاتها ﵂ "٥١هـ".
- كون أحد المكثرين من الرواية من محارمها وهو ابن عباس، ولا شك أن هذا يسهل عليه الدخول عليها وسؤالها في القضايا المختلفة؛ إذ إن أمهات المؤمنين كانت لهن حرمة خاصة.
[ ١٩٣ ]
دور أم المؤمنين حبيبة ﵂
دور أم المؤمنين أم حبيبة ﵂:
- ترجمتها وفضلها:
هي بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي١، وهي من بنات عم الرسول -ﷺ- ليس في أزواجه مَن هي أقرب نسبًا إليه منها، كانت قبل رسول الله -ﷺ- عند عبيد الله بن جحش، وهاجر بها إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم تنصر هناك ومات على النصرانية، وبقيت أم حبيبة -﵂- على دينها، فأرسل النبي -ﷺ- مَن يخطبها له بالحبشة سنة ست للهجرة، فتزوجها -ﷺ- زوجها إياه النجاشي٢، ومهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي، فلا يوجد في نسائه -ﷺ- من هي أكثر صداقًا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، فلما بلغ أبا سفيان نكاح النبي -ﷺ- ابنته قال: "ذاك الفحل لا يُقرع أنفه"٣.
تُوفيت أم حبيبة -﵂- سنة أربع وأربعين للهجرة٤، وكانت ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وقبيل موتها دعت عائشة -﵂- فقالت: "قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولكِ ما كان من ذلك". فقالت عائشة: "غفر الله لكِ ذلك كله وحللت من ذلك"، فقالت: سررتني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك٥.
_________________
(١) ١ انظر ترجمتها في الإصابة، ابن حجر "٤/ ٢٩٨". ٢ النجاشي: أصحمة ملك الحبشة، معدود في الصحابة، وكان ممن حسن إسلامه، ولم يهاجر، ولا رؤية له، وقد توفي في حياة النبي -ﷺ- فصلى النبي -ﷺ- عليه صلاة الغائب. صحيح البخاري "٣/ ١٥١" المناقب، موت النجاشي "٣٨٧٧". وانظر: سير أعلام النبلاء "١/ ٤١٨- ٤٤٣". ٣ أخرجه ابن سعد في الطبقات "٨/ ٩٩"، والحاكم في المستدرك "٤/ ٢٢". ٤ السير "٢/ ٢٢٠". ٥ أخرجه ابن سعد في الطبقات "٨/ ١٠٠"، والحاكم في المستدرك "٤/ ٢٢، ٢٣".
[ ١٩٤ ]
- مروياتها وتلاميذها ﵂:
روت أم المؤمنين أم حبيبة -﵂- عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، عدها بقي بن مخلد فوجدها خمسة وستين حديثًا١، ولها في مجموع الكتب الستة تسعة وعشرون حديثًا٢، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين٣.
روى عنها: أخواها معاوية وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وشتير بن شكل، وشهر بن حوشب، وأبو سفيان بن سعيد بن الأخنش وهي خالته، وأبو صالح ذكوان السمان، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة.
- محتوى مروياتها:
حديثها -﵂- مشهور في تحريم الربيبة وأخت المرأة٤، وأيضًا حديثها في فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن مشهور، وقد رواه عنها معظم التلاميذ الذين ذكرناهم.
كما حوت مروياتها أحاديث في وجوب الإحداد للمرأة المتوفَّى عنها زوجها، وعدم جوازه لغير الزوج فوق ثلاثة أيام، والكحل للحادة وفي الحج، كما روت في استحباب دفع الضعفة من النساء وغيرهن من المزدلفة إلى منًى في أواخر الليل قبل زحمة الناس.
وفي أبواب الطهارة: ترك الوضوء مما مسته النار، وفي صلاة الرجل في الثوب الذي جامع فيه، وما يجوز للرجل من المرأة الحائض وفي أبواب الصوم: روت في جواز القبلة للصائم، وفي الدعاء بعد الأذان وروت في العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة، وغيرها.
_________________
(١) ١ تلقيح الفهوم "ص٣٦٥". ٢ تحفة الأشراف "١١/ ٣٠٦ - ٣٢٣". ٣ سير أعلام النبلاء "٢/ ٢١٩". ٤ صحيح البخاري "٣/ ٥" كتاب النكاح"، باب ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، حديث "٥١٠٧".
[ ١٩٥ ]
دور أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂:
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي١، كانت قبل النبي -ﷺ- عند خنيس بن حذافة السهمي، فلما توفي عنها "بأحد" خطبها النبي -ﷺ- بعد أن كان عمر عرضها على أبي بكر ثم على عثمان، فلم يردا عليه بالقبول إلا لكون النبي -ﷺ- قد ذكرها، ولما شكى عمر إلى رسول الله -ﷺ- ما كان من أبي بكر وعثمان، وقال له: "يتزوج حفصة مَن هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان مَن هي خير من حفصة" ٢، وقد تزوج عثمان -﵁- أم كلثوم بنت رسول الله -ﷺ- وتزوج النبي -ﷺ- حفصة سنة ثلاث من الهجرة "٣هـ"، وكان مولدها -﵂- قبل البعثة بخمس سنين.
ورُوي أن النبي -ﷺ- كان قد طلق حفصة -﵂- ثم راجعها٣ لتحافظ على مكانتها أُمًّا للمؤمنين.
توفيت حفصة سنة إحدى وأربعين عام الجماعة "٤١هـ"٤.
- مروياتها وتلاميذها ﵂:
روت حفصة عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، مسندها في كتاب بقي بن مخلد بلغ ستين حديثًا٥، اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث، ومجموع مروياتها في الكتب الستة ثمانية وعشرون حديثًا "٢٨"٦.
_________________
(١) ١ انظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٢٧"، الإصابة "٤/ ٢٦٤". ٢ صحيح البخاري "٣/ ٣٦٨" كتاب النكاح، باب عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير - حديث "٥٢٢٢" عن ابن عمر. ٣ سنن أبي داود "٢/ ٢٩٤" كتاب الطلاق، باب في المراجعة. ٤ سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٩٢". ٥ جوامع السيرة، ابن حزم "ص١٤"، تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "٣٦٥". ٦ تحفة الأشراف، المزي "١١/ ٢٧٨ - ٢٩٢".
[ ١٩٦ ]
- محتوى مروياتها:
روت في الطهارة في وجوب الغسل على كل محتلم يوم الجمعة، وجعل اليد اليمنى للطعام والشراب. وفي أبواب الصلاة، روت في الركعتين الخفيفتين إذا نودي بالصبح، وهي من فعل النبي ﷺ.
وفي الصوم روت في: لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر، وصوم النبي -ﷺ- ثلاثة أيام من كل شهر، وفي القبلة للصائم، وفيمن يصبح جنبًا ثم يتم صومه، وفي صيام الإثنين والخميس، وصيام عاشوراء وغيرها.
كما روت في المناسك: في الدواب التي لا جناح على مَن قتلهن، كما روت في الزينة في لبس الديباج للرجل، وفي الشمائل: في فراش النبي ﷺ، وفي الآداب: فيما يفعل الرجل إذا أراد النوم، وفي الطب: في رقية النملة، وفي تعبير الرؤيا، وفي الفتن: في قصة ابن الصائد وخروج الدجال من غضبة يغضبها، وهذا أشهر ما روت.
ويلاحظ غلبة السُّنَّة الفعلية في وصف أعمال النبي -ﷺ- التي اشتركت في نقلها إلى الناس مع بقية أمهات المؤمنين، مع تفاوت في الرواية بينهن -كثرة وقلة- إلا أنها كسائر أمهات المؤمنين تختص برواية بعض الأحاديث التي لم تروها بقية أمهات المؤمنين؛ كروايتها في الرقية من النَّمِلَة، وقصة ابن صائد، وخروج الدجال من غضبة يغضبها، والدواب التي لا جناح في قتلهن.
وهكذا شرف الله أمهات المؤمنين كل واحدة بأحاديث ترويها ويلتصق اسمها بها؛ لتبين للعالم نور الحكمة الذي ينبع من حجرات هؤلاء السيدات، رضوان الله عليهن جميعًا.
[ ١٩٧ ]
دور أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂:
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة١، وهي ابن عمة الرسول -ﷺ- أمها: أميمة بنت عبد المطلب من المهاجرات الأُوَل، كانت زينب -﵂- عند زيد بن حارثة مولى النبي -ﷺ- فزوجها الله تعالى بنبيه بنص كتابه بعد أن فارقها زيد٢، فكان زواجها -﵂- بالنبي -ﷺ- فريدًا، بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين٣.
كانت -﵂- من سادة النساء، دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، تزوجها النبي -ﷺ- في ذي القعدة سنة خمس للهجرة، وكانت صالحة قوامة صوامة بارة، وقد شهد لها بذلك سيد الخلق زوجها -ﷺ- وهو يقول لعمر: "إن زينب بنت جحش أواهة" قيل: يا رسول الله، ما الأواهة؟ قال: "الخاشعة المتضرعة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ " [هود: ٧٥] ٤.
وكان النبي -ﷺ- ذكر لأزواجه أن: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا" ٥، فبشرها بسرعة لحوقها به -ﷺ- وهي زوجته في الجنة، وفيه شهادة على برها وصدقها؛ حيث إنها كانت امرأة صنَّاعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق.
وشهادة لها أخرى من أم المؤمنين عائشة إذ تقول: "كانت زينب بنت
_________________
(١) ١ انظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء "٢/ ٢١١"، الإصابة "٤/ ٣٠٧"، أسد الغابة "٥/ ٤٦٣". ٢ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . ٣ كانت زينب تفتخر على أمهات المؤمنين وتقول: "زوجكن أهليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات". انظر: صحيح البخاري "٤/ ٣٨٨" كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء، عن أنس، حديث رقم "٧٤٢". ٤ ذكره الذهبي في السير "٢/ ٢١١"، وفي الهامش: هو مرسل وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف. ٥ صحيح مسلم "٤/ ٧- ١٩" كتاب الفضائل، من فضائل زينب بنت جحش "٢٤٥٢" عن عائشة، وهو في البخاري "١/ ٣٩" بلفظ يوهم أن: أسرعهن لحوقًا سودة، كتاب الزكاة - الباب رقم "١١" من حديث عائشة "١٤٢٠".
[ ١٩٨ ]
جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله -ﷺ- ما رأيت امرأة خيرًا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل رحمًا، وأعظم صدقة ﵂"١.
- تلاميذها ومروياتها ﵂:
كانت أم المؤمنين زينب أول مَن لحق بالنبي -ﷺ- وكان ذلك سنة عشرين للهجرة٢، فقد عاشت خمس سنوات معه -ﷺ- وعشر سنوات بعدها.
وبلغت مروياتها وفق كتاب بقي بن مخلد أحد عشر حديثًا٣، ولها في الكتب الستة خمسة أحاديث٤، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين٥، وأشهر من روى عنها: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد.
ورغم أن مروياتها قليلة بالمقارنة بما ذكرنا من مرويات أمهات المؤمنين، إلا أنها صاحبة رواية خروج يأجوج ومأجوج٦، وما صح واشتهر في هذا الجانب مروي عنها، كما أن حديثها في الاستحاضة معروف، وروت أيضًا في إحداد المرأة على غير زوجها وهو مما اتفق عليه٧، كما روت في الطهارة في باب الوضوء، وفي بول الغلام وبول الجارية، وهو في غير الكتب الستة، فكانت لها -﵂- إسهاماتها في خدمة السُّنَّة.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم "٤/ ١٨٩١" كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة، عن عائشة "٢٤٢". ٢ سير أعلام النبلاء "٢/ ٢١٢". ٣ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "ص٣٧٠". ٤ تحفة الأشراف للمزي "١١/ ٣٢١- ٣٢٣". ٥ سير أعلام النبلاء "٢/ ١٢١". ٦ صحيح البخاري "٤/ ٣٢٧"، الفتن، خروج يأجوج ومأجوج، حديث رقم "٧١٣٥". ٧ صحيح البخاري "١/ ٣٩٥"، الجنائز، إحداد المراة على غير زوجها، حديث رقم "١٢٨٢".
[ ١٩٩ ]
دور أم المؤمنين صفية ﵂:
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي صفية بنت حُيي بن أخطب بن سعية، من سبط "اللاوِي" ابن نبي الله إسرائيل "يعقوب" بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، ثم من ذرية رسول الله هارون عليه السلام١.
كانت قبل النبي -ﷺ- عند سلام بن أبي حقيق، ثم خلف عليها كنانة بن أبي حقيق، وكانا من شعراء اليهود، فقتل كنانة يوم خيبر، فسبيت صفية وصارت في سهم دحية الكلبي، فقيل للنبي -ﷺ- عنها، فاصطفاها لنفسه، ثم لما طهرت تزوجها وجعل عتقها صداقها٢.
كانت -﵂- امرأة شريفة عاقلة، ذات حسب ودين، وكان النبي -ﷺ- يكرمها ويحنو عليها كلما طالتها غَيْرة نسائه -ﷺ- حتى إنه هجر زينب -﵂- محرم وصفر ولم يأتها؛ لأنها نالت منها بكلمة٣، كما كان يساندها في الرد على أزواجه إذا عايرنها لكونها من غير العرب٤.
وكانت ذا حلم ووقار، ومن الشواهد على ذلك عتقها الجارية التي افترت عليها لدى عمر أنها تحب السبت وتصل اليهود، ولما عرفت أن الشيطان أوحى للجارية بذلك عفت عنها وأعتقتها٥.
تُوفيت -﵂- سنة "٣٦هـ"٦.
_________________
(١) ١ انظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٢"، الإصابة "٤/ ٣٣٧، ٣٣٨"، أسد الغابة "٥/ ٤٩٠". ٢ صحيح البخاري "٣/ ٣٥٩" كتاب النكاح، باب من جعل عتق الأمة صداقها، حديث رقم "٥٠٨٦". ٣ لما برك بصفية أم المؤمنين الجمل، وهن مع النبي في الحج، طلب من زينب أن تفقر "تعير" صفية جملًا، فقالت: "أنا أفقر يهوديتك! " فغضب النبي الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في المسند "٦/ ٣٣٧، ٣٣٨". ٤ سنن الترمذي "٥/ ٧٠٨" كتاب المناقب "٣٨٩٨"، وقال: حسن صحيح غريب. ٥ الاستيعاب "٤/ ٣٣٧". ٦ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٢".
[ ٢٠٠ ]
- تلاميذها ومروياتها ﵂:
حدث عنها: علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وكنانة مولاها وغيرهم.
مسندها في كتاب بقي بن مخلد عشرة أحاديث١؛ منها حديث واحد متفق عليه، كما روت في الكتب الستة ستة أحاديث٢.
- محتوي مروياتها:
روت في باب الاعتكاف وهو مما اتفق عليه الشيخان، والمعتكف يخرج لحوائجه إلى باب المسجد، وفي استحباب من رُؤي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا أن يقول: هذه فلانة، كما روت في صاع النبي -ﷺ- وفي الدعوات، ورواية في تزويج النبي -ﷺ- ميمونة وهو حلال، كما روت في مناقبها هي، كما روت أيضًا في حديث الجيش الذي يُخسف به، وكان راوية لسنن لم يروها أحد غيرها، فكانت شاهدة على أحكام نقلتها للناس واقترن اسمها بها.
_________________
(١) ١ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "ص٣٦٩". ٢ تحفة الأشراف "١١/ ٣٣٧- ٣٤٠".
[ ٢٠١ ]
دور أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂:
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ثم المصطلقية١، كانت قبل النبي -ﷺ- عند ابن عم لها يقال له: مسافع بن صفوان بن ذي الشفر، فقُتل عنها في غزوة المريسيع سنة خمس للهجرة، فكانت في السبي، فوقعت في سهم أحد الصحابة فكاتبها على نفسها، فأتت النبي -ﷺ- تستعين به في فكاكها، فأجابها في أكرم من ذلك، تزوجها٢، وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله -ﷺ- يُسْترقُّون! فأعتقوا مَن كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة أهل بيت، فكانت عظيمة البركة على قومها، وكان أبوها سيدًا مطاعًا، تُوفيت -﵂- سنة خمسين، وقيل: ست وخمسين٣.
- تلاميذها ومروياتها ﵂:
حدث عنها: ابن عباس، وعبيد بن السَّبَّاق، وكريب مولى ابن عباس، ومجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي.
بلغ مسندها في كتاب بقي بن مخلد سبعة أحاديث٤، منها أربعة في الكتب الستة، حديث عند البخاري، وحديثان عند مسلم.
وقد تضمنت مروياتها أحاديث في الصوم، في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وحديث في الدعوات في جواب التسبيح، وفي الزكاة في إباحة الهدية للنبي -ﷺ- وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة، كما روت في العتق.
وهكذا بسبعة أحاديث شريفة خلَّدتْ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث -﵂- اسمها في عالم الرواية؛ لتضيف إلى شرف صحبتها للنبي -ﷺ- وأمومتها للمسلمين، تبليغها الأمة سنن المصطفى -ﷺ- ما تيسر لها ذلك.
_________________
(١) ١ لها ترجمة في الإصابة "٤/ ٢٥٧"، سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٦١"، المستدرك للحاكم "٤/ ٢٧". ٢ صحيح مسلم "٢/ ٤٣" كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، عن أنس "١٣٦٥". ٣ الأول قال به ابن سعد في الطبقات "٨/ ١٢١"، والثاني قاله خليفة بن خياط في تاريخه "ص٢٣٤". ٤ تلقيح الفهوم، لابن الجوزي "ص٣٧٠"، جوامع السيرة، لابن حزم "ص١٤٣".
[ ٢٠٢ ]
دور أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂:
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية١، وهي أول مَن تزوج بها النبي -ﷺ- بعد خديجة -﵂- وانفردت به نحو ثلاث سنين أو أكثر حتى تزوج عائشة ﵂.
وكانت أولًا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري، كانت سيدة جليلة نبيلة، وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله -ﷺ- وكانت قد فركت٢، كانت عائشة تتمنى أن لو كانت على طريقتها؛ إذ تقول: "ما رأيت امرأة أحب إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة"٣.
وكان النبي -ﷺ- تزوج سودة في رمضان سنة عشر من النبوة، وهاجر بها، وماتت بالمدينة سنة أربع وخمسين على رأي٤، وعلى رأي توفيت زمن عمر٥.
- تلاميذها ومروياتها ﵂:
حدَّث عن سودة -﵂- ابن عباس، ويحيى بن عبد الله الأنصاري، وغيرهما، ولها خمسة أحاديث -فقط- حسب ما جمعه بقي بن مخلد٦، ولها حديثان في الكتب الستة٧، لم يُروَ لها إلا حديث واحد في البخاري، وهو في الذبائح.
_________________
(١) ١ راجع ترجمتها في سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٦٥"، الإصابة، ابن حجر "٤/ ٣٣٠". ٢ صحيح البخاري "٣/ ٣٩١" كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها "٥٢١٢" عن عائشة، وفركت وامرأة فروك: أي لا أرب لها في الرجال، انظر أساس البلاغة "ص٣٤٠". ٣ صحيح مسلم "٢/ ١٠٨٩" كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، عن عائشة، وقولها: "مسلاخها" كأنها تمنت ان تكون في مثل هديها وطريقتها، والمسلخ، الجلد، حديث رقم "١٤٦٣". ٤ الطبقات لابن سعد "٨/ ٥٣". ٥ التاريخ الصغير، البخاري "ص٥٣"، دار الكتب العلمية، بيروت. ٦ تلقيح الفهوم "٣٧١"، وجوامع السيرة "١٤٣". ٧ تحفة الأشراف "١١/ ١٤٥".
[ ٢٠٣ ]
وقال: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا نبذ فيه حتى صار شَنًّا١.
فمن خلال العرض الموجز السابق يتبين بوضوح دور أمهات المؤمنين في رواية الحديث وخدمة السُّنَّة، وتوضيح الكثير من الأحكام الفقهية، ولولا كثير من الأحاديث التي رُويت عنهن لفاتنا الكثير من السنن، فهذه الميزة وحدها كفيلة بأن تجعل منهن أعمدة رواية أفعال النبي -ﷺ- المعيشية، خاصة أم المؤمنين عائشة سيدة المحدثات في هذه الأمة، رضوان الله عليهن أجمعين.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٨٣" كتاب الأَيمان والنذور - حديث رقم "٦٦٨٦". و"مَسْكها" أي: جلدها، و"شَنًّا" أي: باليًا، والشنة: القربة العتيقة.
[ ٢٠٤ ]
الفصل الحادى عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين ﵂ في الرواية
الفصل الحادي عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين -﵅- في الرواية:
يتفاوت الصحابة جميعًا في الرواية قلة وكثرة، فبينما نجد أحدهم روى عن رسول الله -ﷺ- الآلاف من الأحاديث، نجد الآخر لم يروِ إلا حديثًا واحدًا، وبعضهم لم يروِ شيئًا، وكذلك الأمر مع أمهات المؤمنين، وقد سبق ذكر أسباب التفاوت بالنسبة للصحابة، وأما التفاوت بالنسبة لأمهات المؤمنين فمرجعه إلى جملة أسباب؛ منها ما يلي:
١- تفاوت درجات الحفظ عندهن.
٢- تفاوت مدة ملازمتهن للنبي ﷺ.
٣- التفاوت في مشاركتهن أو حضورهن الأحداث والغياب عنها.
٤- تحفُّظ بعضهن من إكثار الرواية.
٥- الاستعداد الفطري، وتفاوت الذكاء والوعي.
٦- التفاوت في قصر أعمارهن أو طولها بعد وفاة النبي ﷺ.
٧- انصراف بعضهن إلى العبادة أكثر من انصرافهن إلى الحفظ والرواية.
[ ٢٠٥ ]