الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري
المبحث الأول: أهم المشكلات التى واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري
الباب الثالث: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري
الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري
يعتبر القرن الثالث الهجري أزهى عصور السُّنَّة وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية، وخبراء الجرح والتعديل، كما سعد بالتآليف الخالدة والمصنفات الهامة في الحديث وعلومه المختلفة، وعلى رأسها الكتب الستة "صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه" التي جمعت أصول الإسلام وفروعه، وفيه أيضًا اعتنى أئمة الحديث بالكلام على الأسانيد والرجال، وبيان منزلتهم في الجرح والتعديل، هذا بالرغم من المشكلات الخطيرة التي واجهت علماء الحديث.
- وإليك توضيح كل ما سبق من خلال عدة مباحث نعرضها فيما يلي:
المبحث الأول: أهم المشكلات التي واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري
في هذا القرن -وخاصة بمجيء المأمون للخلافة "١٩٨- ٢١٨هـ"- أمسك المحدثون عن رواية أحاديث الصفات والرؤيا، فقد جاء المأمون، فوجد العلماء فريقين مختلفين، ووجد الخلاف محتدمًا بين علماء الكلام والفقهاء والمحدثين، فقد خاض علماء الكلام في مسائل عدة في أصول الدين خالفوا فيها الجمهور، وأهم هذه المسائل وأشهرها مسألتان:
- إحداهما: مسألة أفعال العباد:
فيرى المعتزلة أن أفعال العباد مخلوقة لهم، لا لله تعالى؛ ولهذا استحقوا عليها الثواب والعقاب، بينما رأى الجمهور أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس للعباد فيها سوى جريانها على أيديهم بكسبهم واختيارهم.
[ ٢٤٩ ]
- الثانية: مسألة صفات الله تعالى:
فيرى المعتزلة أن الله تعالى منزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته كالسمع والبصر والقدرة والكلام والحياة، بينما رأى الجمهور أن هذه الصفات قديمة قائمة بذات الله تعالى ليست عين الذات ولا غيرها.
والخلاف في هذه المسألة أدى إلى خلاف في القرآن الكريم، فرأى الجمهور أنه كلام الله، وأنه قديم؛ لأنه صفة لله تعالى، ولكن المعتزلة يرون أنه مخلوق وحادث.
وكان الخليفة المأمون عالمًا١ ميالًا إلى حرية البحث والمناظرة، فأفسح المجال أمام المتكلمين، فنشبت المعركة الكبيرة بينهم وبين المحدثين، وكان المأمون يعقد لهم مجالس للمناظرة والمحاورة أملًا في الاتفاق على رأي، ولكن هيهات فلما أخفق في القضاء على هذا الخلاف أراد أن يرغم الفقهاء والمحدثين على قبول رأي المعتزلة الذي مال إليه واعتنقه -وهو أن القرآن مخلوق- واعتبر المأمون أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر -وهم المخالفون- "لا نظر لهم ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلال عن حقيقة دينه " وغير ذلك من القذف الذي رمى به الفقهاء والمحدثين، مما جاء في كتابه إلى عامله على بغداد "إسحاق بن إبراهيم الخزاعي"، بينما هو كان يغزو بلاد الروم حتى أنه وصفهم في هذا الكتاب بأنهم شر الأمة وإخوان إبليس.
وأمر عامله هذا بأن يمتحن القضاة والمحدثين في هذه المسألة، وأن يقتل كل مَن لم يقل بخلق القرآن، وقال له: "فمن لم يجب فامنعه من الفتوى والرواية".
وأنفذ المأمون وصيته إلى أخيه المعتصم بالسير على طريقته في مسألة خلق القرآن، ففعل المعتصم، وأمر المتعلمين بأن يعلموا الصبيان رأي المعتزلة في هذه المسألة.
_________________
(١) ١ سمع الموطأ، واطلع على الفلسفة اليونانية وأقوال حكماء الفرس، وأمر بترجمة الكثير من كتب الروم، وأصبح عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني العباس.
[ ٢٥٠ ]
وقتل المعتصم في ذلك كثيرًا من العلماء، وأهان كثيرًا من أهل الحديث، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل -﵁- الذي أصر على رأيه، فأُوذي كثيرًا.
ومات المعتصم "٢٢٧هـ"، وجاء ابنه "الواثق" فأحيا الفتنة، وأمر أمير البصرة أن يمتحن الأئمة والمؤذنين في مسألة خلق القرآن، وقتل وأهان في ذلك الكثير من العلماء والمحدثين، وقد ساعد الواثق في ذلك وزيره أحمد بن أبي دؤاد الذي كان على رءوس الاعتزال.
ولكن الواثق ملَّ هذه المحنة فرجع عنها في آخر عمره، وسخط على "أحمد بن أبي دؤاد"؛ ولكن بعد إهانة المحدثين والفقهاء، وقتل وأذى الكثيرين منهم، من قبل الدولة والمعتزلة الذين قويت شوكتهم، ونالوا من أهل السنة، وانتقموا منهم، وخاصة بعد أن قربهم الخلفاء، وأخذوا بزمام الوزارات والقضاء.
وولي "المتوكل على الله بن المعتصم" الخلافة بعد أخيه الواثق "٢٣٢هـ" فرفع المحنة، وأظهر ميلًا عظيمًا إلى السُّنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، واستقدم المحدثين إلى "سامراء"، وأكرمهم وأجزل لهم العطاء.
فحدثوا بأحاديث الصفات والرؤيا، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألفًا أيضًا، ودعا الناس للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه حتى قال بعضهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق -﵁- في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز -﵁- في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السُّنَّة وإماتة التجهم١.
وكما ابتُلي المحدثون في هذا القرن بهذه المحنة التي انتصر عليهم فيها المعتزلة،
_________________
(١) ١ راجع: البداية والنهاية "١٠/ ٢٧٢"، تاريخ الخلفاء للسيوطي "ص٢٠٤"، والحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهو "ص٣١٦- ٣٢٢"، طبع دار الكتاب العربي، بيروت.
[ ٢٥١ ]
ابتلوا أيضًا بشرذمة انتسبوا لأهل الحديث، منهم المرتزقة والقصَّاصون والذين يتكسبون بالحديث، والجهلة بأحكام الشرع وأمور الدين.
وقد عاصرت هذه الفئة الضالة المحنة فاستغلتها أحسن استغلال، فأصبح أمام المحدثين عبء آخر يتمثل في محاربة الوضاعين من الزنادقة والقصاصين في هذه الفترة مستغلين انشغال العلماء بهذه المحنة.
ومما يحمد للمحدثين في المحنة سلامة موفقهم حيث الإمساك عن الخوص في مسألة خلق القرآن وغيرها، فأغلقوا بذلك أبوابًا من الشر لا نهاية لها؛ منها: استدراجهم إلى عقائد المعتزلة خاصة، وهم بموقفهم هذا حافظوا على الالتزام بمنهج السلف الصالح، فجزاهم الله عن الدين وأهله الجزاء الأوفَى.
- نتائج محنة خلق القرآن على الحديث والمحدِّثين:
نوجز هذه النتائج فيما يلي:
أولًا: السمو بمكانة المحدثين الذين أبوا إلا اتباع منهج السلف وعدم الخوض في هذه المسائل، وفي المقابل الحط من مكانة الذين خاضوا فيها.
ثانيًا: وضع الأحاديث، واختلاق الروايات من قِبَل أهل الأهواء والزنادقة والكذابين والمارقين عن الدين، ومن ذلك روايتهم عن أن رسول الله -ﷺ- قال: "من قال: القرآن مخلوق؛ فقد كفر"١.
وروايتهم عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "كل ما في السماوات والأرض وما بينهما مخلوق غير الله والقرآن؛ وذلك أنه كلامه، منه بدأ، وإليه يعود، وسيجيء أقوام من أمتى يقولون: القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر
_________________
(١) ١ الموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٠٧" كتاب التوحيد، الباب الأول: باب في أن الله ﷿ قديم، بسنده عن جابر بن عبد الله -﵄- مرفوعًا، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله -ﷺ- قال الدارقطني: محمد بن عبيد يكذب، ويضع الحديث.
[ ٢٥٢ ]
بالله العظيم، وطلقت امرأته من ساعته؛ لأنه لا ينبغي للمؤمنة أن تكون تحت كافر، إلا أن تكون سبقته بالقول"١.
وزعم الزنادقة أن الرسول -ﷺ- قال: "لما أراد الله خلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك"٢.
وقد كان للشعوبية دور في هذا الوضع، فهي قد نمت في القرن الثاني الهجري؛ ولكنها بلغت أوجهًا في القرن الثالث الهجري، ومما وضعوه واختلقوه: أنهم زعموا أن الأعاجم ذكرت عند النبي -ﷺ- فقال: "لأنا بهم أوثق مني بكم"٣، وقول العربي فيما نسبه إلى النبي ﷺ: "العرب سادات العجم"٤.
ثالثًا: الطعن في أهل الحديث وأئمة المسلمين وحتى الصحابة -﵃- وذلك من قِبَل أهل الأهواء الذين رموهم بالجهل الكبير، وادعاء الحديث، ورموهم بصفات المرتزقة، وقد استغل المستشرقون ذلك.
رابعًا: كان لهذه المحنة أثر في التجريح والتعديل، فمن جهة كان المأمون يرد رواية من لم يقل بخلق القرآن، ويحكم بفسق الشهود والقضاة إن لم يقروا بذلك.
ومن جهة أخرى سجل علماء الجرح والتعديل الذين خاضوا في هذه المسألة وعدُّوا ذلك جرحًا مؤثرًا.
_________________
(١) ١ المجروحين لابن حبان "٢/ ٣١٢"، ميزان الاعتدال "٤/ ٦٣"، تذكرة الموضوعات "ص١٨١" رقم "٦٠٦"، وقال: فيه محمد بن يحيى بن رزين، دجال يضع الحديث. ٢ الموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٠٥" كتاب التوحيد، الباب الأول: باب في أن الله ﷿ قديم - الحديث الأول في الباب، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع مثل هذا مسلم، وإنه لم أرك الموضوعات وأدبرها، إذ هو مستحيل؛ لأن الخالق لا يخلق نفسه، وقد اتهم علماء الحديث بوضع هذا الحديث محمد بن شجاع. ٣ نقلًا عن الحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهو "ص٣٣٩" طبع دار الكتاب العربي، بيروت. ٤ كشف الخفاء للعجلوني "٢/ ٧٥" رقم "١٧٢٣" وقال: ليس بحديث؛ بل هو من كلام بعضهم، وهو صحيح بالنظر للجنس. وقال القاري: لا أصل له، ومعناه صحيح. الأسرار المرفوعة لعلي القاري "رقم ٢٤٥"، طبعة مؤسسة الرسالة.
[ ٢٥٣ ]
ووضع الزنادقة حديث: "من أراد بر والديه فليعطِ الشعراء"١.
ووضعوا أيضًا حديث: "النظر إلى وجه عليٍّ عبادة"٢.
_________________
(١) ١ تذكرة الموضوعات "ص٢٠٠" رقم "٧٣٠"، المجروحين "١/ ١١٩"، الميزان "١/ ١٨"، اللسان "١/ ٣١". وقال ابن القيسراني: فيه إبراهيم بن إسحاق بن عيسى البغدادي، كذاب، والحديث باطل. ٢ تذكرة الموضوعات "ص٢٦٩" رقم "١١٠٩" وقال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني "ت٥٠٧هـ"، فيه الحسن بن علي العدوي هو كذاب دجال. وهو أيضًا في المجروحين "١/ ٢٤١"، الميزان "١/ ٥٠٧"، اللسان "٢/ ١٢٩".
[ ٢٥٤ ]
المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري
أولًا: أهم وأشهر المصنفات في الحديث الشريف
ألَّف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري "١٩٤ - ٢٥٦هـ" كتاب: "الجامع الصحيح" الذي عده العلماء أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
وألف الإمام مسلم بن الحجاج "٢٠٦ - ٢٦١هـ" كتابه الصحيح الذي يلي صحيح الإمام البخاري من حيث الصحة.
وألف أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني "٢٠٢- ٢٧٥هـ" كتابه "السنن".
وألف أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي "٢٠٩ - ٢٧٩هـ" كتابه الجامع.
وألف أحمد بن شعيب النسائي "٢١٥-٣٠٣هـ" كتابه "السنن الكبرى" ثم "المجتبى من السنن".
وألف أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني "٢٠٧-٢٧٥هـ" كتابه "السنن".
وغيرها من المصنفات في الحديث الشريف.
ثانيًا: أهم وأشهر المصنفات التي ألفت في نقد الحديث
زخر القرن الثالث الهجري بأئمة وحفاظ وخبراء بعلل الحديث، ومعرفة الجرح والتعديل، استفادوا من جهود السابقين، وأضافوا إليها كثيرًا من جهودهم، ودوَّنوا ذلك في مصنفاتهم، ومن هؤلاء: البخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم وابنه عبد الرحمن، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبزار، والترمذي، وغيرهم.
- ففي الصحابة: ألف الإمام محمد بن عبد الله بن عيسى المروزي "٢٢٠-٢٩٣هـ" "كتاب المعرفة".
- وفي الكنى: صنف كل من البخاري والنسائي والترمذي وغيرهم، فضلًا عن كتاب "الكنى والأسماء" لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي "٢٢٤-٣١٠هـ" جمع فيه خلقًا من المعروفين بكناهم، وذكر كثيرًا من رواياتهم.
[ ٢٥٥ ]
- وفي تواريخ الرجال وأحوالهم: صنف الإمام البخاري "التاريخ الكبير"، و"التاريخ الأوسط"، و"التاريخ الصغير"، و"الضعفاء". وألف الإمام أبو إسحاق الجوزجاني "ت٢٥٩ أو ٢٥٦هـ" "الجرح والتعديل" و"الضعفاء"، وألف ابن خيثمة "تاريخ الثقات والضعفاء"، وألف الترمذي "كتاب التاريخ"، وألف ابن ماجه "كتاب التاريخ" أيضًا جمع فيه الرجال من عصر الصحابة إلى وقته، وألف ابن أبي حاتم "٢٤٠ - ٣٢٧هـ" كتابه "الجرح والتعديل".
- وفي علل الحديث: صنف ابن أبي حاتم "٢٤٠-٣٢٧هـ" "علل الحديث"، وألف الأئمة: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، والترمذي، والبزار، ويعقوب بن أبي شيبة "المسند المعلل"، ويعتبر كتاب يعقوب بن أبي شيبة أفضل ما صُنف في هذا الباب، ولم يكمله، وألف محمد بن يحيى الذهلي "علل حديث الزهري"، وألف أبو جعفر بن جرير الطبري "٢٢٤-٣١٠هـ" كتابه "تهذيب الآثار" جمع فيه أخبارًا مرتبة على طريقة المسند وبيَّن فيها عللها.
- وفي المراسيل: ألف أبو داود السجستاني كتابه "المراسيل" ورتبه على الأبواب الفقهية، وألف ابن أبي حاتم كتابه "المراسيل" أيضًا، جمع فيه معظم الرواة الذين لهم روايات فيها انقطاع في السند، ورتبه على حروف المعجم.
- وفي الأوهام: ألف الإمام مسلم كتاب "بيان أوهام المحدثين".
- وفي مختلف الحديث: ألف الإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري "ت٢٧٦هـ" كتابه: "تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث" ليرد فيه على أعداء الحديث، ويزيل التناقض الذي أثاره مخالفو أهل الحديث في الرأي أو في المنهج.
ومعظم هذه المصنفات نقلت إلينا نقلًا صحيحًا ومطبوعة بين أيدينا الآن١.
_________________
(١) ١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٦٤، ٦٥".
[ ٢٥٦ ]
المبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري
يمكن حصر مناهج العلماء وطرق المحدِّثين في ثلاثة طرق:
- الطريقة الأولى: جمع الطعون التي وجهها أهل الكلام للمحدثين، سواء ما كان يرجع إلى ما حملوه من الحديث الشريف، أو ما كان يرجع إلى أشخاصهم من العدالة والضبط.
ومثال ذلك: أبو محمد بن مسلم بن قتيبة "ت٢٧٦هـ"١ في كتابه: "تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء الحديث"، دافع فيه عن السُّنَّة وأهلها، وذكر فيه طعون المعتزلة في أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان ﵃، ثم فند هذه الطعون جميعًا، ثم تناول بعض الطاعنين في الحديث وأهله؛ ومنهم: أبو الهذيل العلاف، وعبيد الله بن الحسن، وهشام بن الحكم.
كما تناول ابن قتيبة الجاحظ -خطيب المعتزلة- وبين أنه متذبذب في العقيدة، وأنه يكذب ويضع الحديث نصرة لمذهبه، وأنه يستهزئ بحديث رسول الله ﷺ.
ثم ذكر أهل الحديث، وبيَّن أنهم يلتمسون الحق من طريقه الصحيح، ودافع عنهم، وبرأهم مما ينسب إليهم، كما ذكر أسباب حملهم للأحاديث؛ حيث إنهم ينحلون المتون والأسانيد جميعًا، ويميزون صحيحها من سقيمها، ويبينونه للناس.
وقام بالجمع بين الأحاديث التي زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة، فرفع عنها التناقض، وأزال عنها الإشكال، كما سجل على أهل الكلام تعصبهم الذي أعماهم عن الحق.
_________________
(١) ١ من تصانيفه: غريب القرآن، غريب الحديث، إعراب القرآن، مشكل القرآن، مشكل الحديث، عيون الأخبار، إصلاح الغلط، كتاب التفقيه، كتاب الخليل، كتاب الميسر والقداح، المسائل والجوابات، وغيرها.
[ ٢٥٧ ]
وأيضًا علي بن المديني وكتابه "اختلاف الحديث" والذي جاء في خمسة أجزاء.
الطريقة الثانية: جمع الحديث على المسانيد مرتَّبة على الصحابة:
بحيث يذكر الصحابي وما يرويه من أحاديث عن رسول الله -ﷺ- سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا.
ومنهم مَن يرتب مسنده على السوابق في الإسلام، فيقدم العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنًّا، ثم النساء.
ومنهم من يرتب مسنده على القبائل، فيقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب نسبًا إلى رسول الله ﷺ.
ومنهم من لم يراعِ شيئًا مما سبق.
- ومن هذه المسانيد:
- مسند عبيد الله بن موسى "ت٢١٣هـ".
- مسند الحميدي "ت٢١٩هـ".
- مسند مسدَّد بن مُسَرْهَد "ت٢٢٨هـ".
- ومسند إسحاق بن راهويه "ت٢٣٧هـ".
- مسند عثمان بن أبي شيبة "ت٢٣٩هـ".
- مسند الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤-٢٤١هـ".
- مسند عبد بن حميد "ت٢٤٩هـ".
- المسند الكبير، ليعقوب بن شيبة "ت٢٦٢هـ" جمع الأحاديث وأبان عن عللها؛ ولذلك فهو متميز على غيره فيها؛ ولكنه لم يتمه.
[ ٢٥٨ ]
- مسند محمد بن مهدي "ت٢٧٢هـ".
- المسند الكبير، لبقي بن مخلد القرطبي "ت٢٧٦هـ" رتبه على أسماء الصحابة، ثم رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، وبلغ عدد الصحابة فيه "١٦٠٠"، وقد فضله ابن حزم على مسند الإمام أحمد بن حنبل؛ ولكن الحافظ ابن كثير قال في تاريخه: وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع. اهـ.
- مسند البزَّار "ت٢٩٢هـ".
- مسند أبي يعلى الموصلي "٢١٠-٣٠٧هـ".
ويؤخذ على هذه المصنفات عدم التمييز بن الحديث الصحيح والضعيف، وهذا التمييز لا يستطيعه غير العلماء المتخصصون، ففيه يتعذر الوقوف على درجة الحديث.
وأيضًا صعوبة الوقوف على الأحكام الفقهية والشرعية، فهذا أيضًا خاص بالحفاظ المتقنين، ففيها الخلط بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وفيها عدم التبويب الفقهي.
ولكن أهمية هذه المسانيد في استقلالها بحديث رسول الله -ﷺ- دون غيره من روايات الصحابة والتابعين.
الطريقة الثالثة: التصنيف على الأبواب الفقهية:
بحيث يصنف الحافظ أو المحدِّث الأحاديث وفقًا لموضوعها، ومنهم من اقتصر على الأحاديث الصحيحة؛ كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري "١٩٤ - ٢٥٦هـ" في صحيحه المسمى: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -ﷺ- وسننه وأيامه".
[ ٢٥٩ ]
وتبعه تلميذه: مسلم بن الحجاج القشيري "٢٠٦-٢٦١هـ" في صحيحه.
وقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنَّفة في الحديث الشريف على الإطلاق.
ومنهم من جمع الصحيح والضعيف؛ كأبي داود "٢٠٢- ٢٧٥هـ"، والترمذي "٢٠٩- ٢٧٩هـ"، والنسائي "٢١٥ - ٣٠٣هـ"، وابن ماجه "٢٠٩ - ٢٧٣هـ".
ومنهم من ذكر درجة الأحاديث في مصنفه مثل الترمذي.
ومنهم من ينبه أحيانًا على الضعيف مثل: أبي داود، والنسائي.
ومنهم من لم ينبه على درجة الحديث مثل ابن ماجه "٢٠٧- ٢٧٥هـ".
فميزة هذه المصنفات تيسير الاطلاع على درجة الأحاديث والأحكام الشرعية.
ولقد كان القرن الثالث الهجري أزهَى عصور الحديث وتدوينه، ففيه ظهر كبار المحدثين، وحذاق الناقدين، وخبراء العلل، وأهم المصنفات وعلى رأسها الكتب الستة التي حظيت بالشرح والاختصار والتعليق والجمع والمستخرجات عليها.
[ ٢٦٠ ]
المبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجري ومناهجهم
أولًا: الإمام البخاري "١٩٤-٢٥٦هـ" ١
هو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة٢، ولد ببخارَى يوم الجمعة الموافق الثالث عشر من شهر شوال سنة ١٩٤هـ، ومات ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦هـ٣.
قضى عمره في طلب الحديث وحفظه وتدوينه متنفلًا من بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان، ومن شيخ إلى شيخ، وحيثما كانت السُّنَّة جذبته إليها، فرحل إلى: مكة، والمدينة، وبغداد، وواسط، والبصرة، والكوفة، ومصر، ومرو، وهراء، ونيسابور، وقيسارية، وعسقلان، وحمص، وخراسان، وغيرهم. وقال: "كتبتُ عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده"٤. وقال مرة أخرى: "كتبت عن ألف وثمانين نفسًا ليس فيهم إلًا صاحب حديث، وليس فيهم صاحب بدعة، ولا زنديق"٥.
ومنهم: إبراهيم بن المنذر الحزامي، ومطرف بن عبد الله، وإبراهيم بن حمزة، ويحيى بن قزعة، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وأبو بكر الحميدي،
_________________
(١) ١ للإمام البخاري ترجمة في مواضع كثيرة؛ منها: تهذيب الكمال "٢٤/ ٤٣٠-٤٦٨"، تهذيب التهذيب "٩/ ٤٧-٥٥"، التقريب "٢/ ١٤٤"، خلاصة الخزرجي "٢/ ترجمة ٦٠٥٢"، شذرات الذهب "٢/ ١٣٤"، طبقات السبكي "٢/ ٢١٢"، وفيات الأعيان "٤/ ١٨٨"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٣٩١"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٥٥"، الكاشف "٣/ ترجمة ٤٧٨٦"، شروط الأئمة الستة "ص١٠". ٢ هكذا ضبطها غير واحد، وهي فارسية، ومعناها: الزراع، راجع: هدى الساري "ص٤٧٧"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٦٧". ٣ راجع: هدى الساري "ص٤٧٧"، تهذيب التهذيب "٩/ ٤٨"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٦٧، ٦٨"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٥٦"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٤٦٨"، تاريخ بغداد "٢/ ٦"، "٢/ ٣٤". ٤ مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ٨". ٥ راجع: هدى الساري "ص٤٧٩"، عمدة القاري "١/ ٢٢"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٣٩٥".
[ ٢٦١ ]
وإسماعيل بن سالم الصائغ، وعبد الله بن يزيد المقري، وأبو نعيم، وطلق بن غنام، وعمرو بن حفص، وخلاد بن يحيى، وأبو عاصم النبيل، وأبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وعارم: محمد بن الفضل، وعفان بن مسلم، ومحمد بن يوسف الفريابي، وحيوة بن شريح، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف البيكندي، وعبد الله بن محمد الْمُسْنِدِي، وآدم بن أبي إياس، وأبو اليمان: الحكم بن نافع، ومحمد بن يحيى الصائغ، ومحمد بن يحيى الذهلي، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن مقاتل، وعبدان بن عبد الله بن عثمان، وإسحاق بن راهويه، وخلائق من الأئمة وغيرهم.
ومن تلاميذه: محمد بن يوسف الفربري، وأحمد بن محمد البزار، ومحمد بن إسحاق الخزاعي، ومحمد بن دلويه الوراق، وأبو أحمد: محمد بن سليمان بن فارس، وعبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، وآدم بن موسى، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر، وأبو عبد الله: محمد بن أبي حاتم "وراقه".
ومن شيوخه الذين رووا عنه: عبد الله بن محمد المسندي، وإسحاق بن أحمد بن خلف، ومحمد بن خلف بن قتيبة وغيرهم.
ومن الحفاظ من أقرانه فمن بعدهم: أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر البزار صاحب المسند، ومسلم بن الحجاج في غير الصحيح، وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عمرو الخفاف، وجعفر بن محمد بن موسى النيسابوري، ومحمد بن عبد الله الحضرمي مطين الحافظ الكوفي، وأبو داود السجستاني، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق الفاكهي، ويحيى بن يحيى بن محمد بن صاعد، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وهو آخر من حدث عنه ببغداد، وأمم لا يحصون، ويكفي ما حكاه الفربري أنه سمع معه الصحيح من البخاري تسعون ألفًا.
وقد مكث في تصنيف صحيحه ست عشرة سنة، وانتقاه من زُهَاء ستمائة ألف حديث قال: "لقد خرجت كتابي الصحيح هذا من زهاء ستمائة ألف
[ ٢٦٢ ]
حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا واغتسلت وصليت ركعتين لله ﷾"١.
وقد اتفق الجمهور على أنه أصح كتاب بعد كتاب الله ﷾، وأطبق على قبوله بلا خلاف علماء الأسلاف والأخلاف٢، وأطنب العلماء في الثناء عليه وبيان منزلته، ومن ذلك ما قاله العلامة الشيخ محمد بن يوسف البنوري: "أصح كتاب بعد كتاب الله، أصبح تلو كتاب الله في المزايا التي قالها -ﷺ- في كتاب الله الحكيم: "لا يخلق على كثرة الرد، ولا يمل قاريه، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه"، فأضحى كالشمس في كبد السماء بلغ إلى أقصى القبول والمجد والثناء، فانتهض أعيان الأمة وأعلام العلم في كل عصر من أقدم العصور إلى اليوم لشرحه والتعليق عليه، وتلخيصه، واختصاره أو ترتيبه، وتأليف أطرافه، أو شرح تراجمه، أو ترجمة رجاله، أو بيان غريبه، أو وصل مرسله، وتعليقاته أو مبهمه، وإبراز فوائده، ولطائفه، حديثًا وفقهًا وعربية وبلاغة ووضعًا وترتيبًا وتوزيعًا وتبويبًا حتى في تعديد حروفه وكلماته وما إلى ذلك"٣.
وقال الإمام العيني: لم يحظَ كتاب من كتب الحديث بتناول العلماء -علماء فن الحديث- له شرحًا وإيضاحًا من المتقدمين والمتأخرين كما حظي صحيح البخاري٤، وانتهى الشيخ المباركفوري بقوله: "إنه الكتاب الوحيد -بعد كتاب الله تعالى- الذي يحل مشاكل الدين والدنيا كلها، ويشهد على المواهب وبراعة المؤلف في كل هذه الميادين"٥.
قال ابن الصلاح: "وجملة ما في كتاب البخاري سبعة آلاف حديث، إلا أن هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة
_________________
(١) ١ راجع: تهذيب التهذيب "٩/ ٤٩"، عمدة القاري "١/ ٢٢"، طبقات السبكي "٢/ ٢٢١"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٧٤". ٢ عمدة القاري "١/ ٥". ٣ من مقدمة كتاب: لامع الدراري على جامع البخاري "أ-ب". ٤ عمدة القاري "١/ ٢٦". ٥ سيرة الإمام البخاري "ص٣٢٢".
[ ٢٦٣ ]
والتابعين وربما عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين"١، وكلها صحيحة بالإجماع.
قال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: "لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة"٢.
- مؤلفات الإمام البخاري:
الجامع الصحيح، والأدب المفرد، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإمام، والتاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط، والتاريخ الصغير، والضعفاء الصغير، والمسند الكبير، والتفسير الكبير، والجامع الكبير "وهو غير الجامع الصحيح"، وخلق أفعال العباد، والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، وبر الوالدين، وأسامي الصحابة، والوحدان، والهبة، والمبسوط، والعلل، والكنى، والفوائد، والاعتقاد أو السنة، والسنن في الفقه، وأخبار الصفات، وقضايا الصحابة والتابعين، والأشربة٣.
- شروط البخاري في جامعه الصحيح، ومنهجه فيه:
هناك شروط معتبرة ومذكورة عند الأئمة، مَن احتوى عليها وتحلى بها لزم قبول خبره، وإخراج حديثه في الصحيح، وهذه الشروط هي:
١- الإسلام.
٢- العقل.
٣- الصدق.
_________________
(١) ١ المقدمة "ص١٠، ١١". ٢ هدى الساري "ص٧"، "ص٤٨٩"، ونحوه في مجموع الفتاوى لابن تيمية "١/ ٢٥٦"، "١٨/ ص١٩". ٣ راجع هذه المؤلفات وتقريرًا عن كل واحد منها في رسالتي للماجستير - مرويات البخاري في غير الصحيح "١/ ٤٦-٦٩".
[ ٢٦٤ ]
٤- ألا يكون مدلسًا.
٥- العدالة: وهي اتباع أوامر الشرع، واجتناب نواهيه، وتجنب الفواحش، وتحري العدل، وتوقي اللفظ.
٦- أن يكون معروفًا بطلب الحديث الشريف، والرحلة من أجله والعناية به.
٧- أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصحف.
٨- أن يكون ضابطًا لما يسمعه.
٩- أن يكون متيقظًا، سليم الذهن غير مغفل.
١٠- أن يكون قليل الغلط والوهم.
١١- أن يكون حسن السمت، موصوفًا بالوقار.
١٢- أن يكون مجانبًا للأهواء تاركًا للبدع.
وإذا كانت الشروط السابقة شروطًا عامة في الراوي، فإن الإمام البخاري قد زاد عليها مما يؤكد لنا أن ما أدخله في جامعه الصحيح لا يتطرق إليه الشك، وهذه هي شروط الإمام البخاري في جامعه الصحيح١.
من الملاحظ أنه لم ينقل عن الإمام البخاري أنه قال: شرطت أن أخرج ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سَبَرَ صحيحه ومصنفاته الأخرى.
- وقد ذكر علماء الحديث -الذين درسوا صحيحه- الشروط الآتية:
الشرط الأول:
طول ملازمة الراوي لشيخه، وذلك أدعى إلى حفظه وضبطه للحديث الذي يرويه عنه.
_________________
(١) ١ راجع: تدريب الراوي "١/ ١٢٧"، مقدمة ابن الصلاح "ص٧"، هدى الساري "ص٩، ١٠"، شروط الأئمة الخمسة "ص٤٣-٥٠"، شروط الأئمة الستة "ص١٧-١٩"، المدخل إلى توثيق السنة "ص٧٣، ٧٦"، سيرة الإمام البخاري "ص١٧٧-١٧٩"، الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا "ص٩٠، ٩١"، كتب السُّنَّة - دراسة توثيقية "الجزء الأول" "ص٧٣-٧٧".
[ ٢٦٥ ]
الشرط الثاني:
يشترط الإمام البخاري اللقاء والمعاصرة وعدم التدليس؛ بحيث يكون الراوي قد ثبت به لقاء من حدث عنه ولو مرة واحدة، مع اشتراط أن يكون ثقة، فإذا ثبت ذلك عنه حملت عنده "عنعنته" على السماع، وبعبارة أخرى: إذا قال الراوي: عن فلان، فإن الإمام البخاري يتوقف في إخراج الحديث حتى يتأكد من لقاء الراوي بشيخه، وأن هذه اللفظة تساوي عنده: "سمعت فلانًا"، وهذا ينطبق على جميع العنعنات الموجودة في جامعه الصحيح.
قال ابن حجر: وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه وجرى عليه في صحيحه، وأكثر منه، حتى أنه ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راوٍ من شيخه؛ لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئًا معنعنًا"١.
وللتأكد من السماع والاتصال ترك الإمام البخاري حديث بعض الأئمة مثل حماد بن سلمة -وهو إمام في علم الحديث- لما تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة؛ بسبب أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه، ولم يخرج له إلا في بعض مواضع الاستشهاد؛ ليبين أنه ثقة، وأخذ أحاديثه التي يرويها من أقرانه الذين لا تحوم حولهم شبهة، مثل: شعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وأبي الأحوص، وغيرهم، كما ترك سهيل بن أبي صالح لما تكلم بعض النقاد في سماعه من أبيه فقالوا: إنه أخذ أحاديث أبيه من صحفه ولم يسمعها منه٢، فلم يخرج له البخاري إلا مقرونًا أو تعليقًا٣.
وعلى أساس من هذه الشروط جاء صحيح البخاري مختصرًا، ولم يستوعب كل الصحيح؛ بل إنه ترك كثيرًا من الصحيح. يقول الإمام البخاري: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر"٤.
_________________
(١) ١ هدى الساري "ص٢٨٨". ٢ شروط الأئمة الستة "ص١٢، ١٣". ٣ تقريب التهذيب "ص٢٥٩" ترجمة رقم "٢٦٧٥". ٤ شروط الأئمة الخمسة "ص٦٤"، وهدى الساري "ص٥".
[ ٢٦٦ ]
وإذا كانت الأحاديث المسندة الموصولة في الصحيح كما عدها عدًّا دقيقًا الإمام ابن حجر العسقلاني "٢٦٠٢" حديثًا١، فإن الأحاديث الصحيحة تفوق هذا العدد كثيرًا.
- منهج الإمام البخاري في صحيحه ٢:
يقول الدهلوي: "أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدونًا في أربعة فنون: فن السنة أعني الذي يُقال له: الفقه، مثل موطأ مالك، وجامع سفيان. وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج. وفن السِّير مثل كتاب محمد بن إسحاق. وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري -﵀- أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب، ويجرده لما حكم له العلماء بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند، وما فيه من الآثار، وغيرها إنما جاء تبعًا، لا بأصالة؛ ولهذا سمى كتابه "الجامع الصحيح المسند"٣.
ولهذا صنف البخاري هذه الأحاديث وغيرها على أبواب الفقه والعقائد والتفسير والآداب، وكل أبواب ينتظمها موضوع واحد جعلها كتابًا يضم معنى هذه الأبواب، وقد بدأ "بكتاب بدء الوحي" ثم ذكر بعده كتاب "الإيمان" ثم "العلم".
وقدم "بدء الوحي" -كما يقول البلقيني- لأنه منبع الخيرات، وبه قامت الشرائع وجاءت الرسالات، ومنه عرف الإيمان والعلوم٤.
وقال أ. د. عبد المجيد محمود: "فالبخاري بدأ كتابه بدء الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم، وقد يكون ملحظ البخاري في ذلك أن أول ما يطالب به الإنسان هو
_________________
(١) ١ هدى الساري "ص٤٧٨"، أما بالمكرر منها فعدده "٧٣٩٧" حديثًا "هدى الساري ص٤٦٨"، وقد حصرها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي فبلغت "٧٥٦٣" حديثًا. هذا عدا ما فيه من التعاليق والمتابعات التي يصل بها عدد أحاديث الكتاب "٩٠٨٢" حديثًا "هدى الساري ص٤٧٠". ٢ انظر: كتب السنة، الجزء الأول، للدكتور رفعت فوزي "ص٧٧-٨٠" ومصادره. ٣ شرح تراجم أبواب البخاري "ص٧". ٤ هدى الساري "ص٤٧١".
[ ٢٦٧ ]
٠الإيمان، وعن الإيمان تصدر بقية الأعمال، والإيمان أمر نفسي مستكن في القلب لا يكفي في إثباته إعلانه باللسان، فيجب أن يتوفر فيه عنصر الإخلاص؛ لهذا بدأ البخاري كتابه بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" وأول شيء يجب الإيمان به هو الوحي، لأن جميع متطلبات الإيمان -مما سيذكره في صحيحه- متوقف على كون محمد -ﷺ- نبيًّا موحى إليه، فإذا استقر ذلك وجب على الإنسان أن يتعلم الشرائع حتى يكون ممتمثلًا لربه، متصفًا بالإيمان، وأول ما يجب أن يتعلمه حينئذ هو الطهارة، ثم الصلاة، ثم تأتي بعد ذلك بقية الأحكام والفضائل.
وقد يكون بدؤه بالوحي إشارة منه إلى أن الحديث النبوي -الذي هو موضوع كتابه- من قبيل الوحي، فله من الطاعة والامتثال بالقرآن؛ حيث إن مصدرهما واحد، وهو الله ﷾"١.
وبعد الطهارة ذكر الصلاة، ثم الزكاة، ثم الحج، ثم الصوم، ثم البيوع، وبقية المعاملات.
وبعد أن انتهى من المعاملات ذكر المرافعات: فذكر كتاب الشهادات، ثم ذكر كتاب الصلح، ثم الوصية والوقف، ثم الجهاد، ثم عرض لأبواب غير فقهية مثل: بدء الخلق، وتراجم الأنبياء، والجنة والنار، ثم مناقب قريش، وفضائل الصحابة.
ثم ذكر السيرة النبوية والمغازي وما يتبعها، ثم كتاب التفسير، ثم فضائل القرآن، ثم عاد إلى الفقه من نكاح وطلاق ونفقات، ثم الأطعمة، ثم الأشربة، وبعد هذا ذكر كتاب الطب، ثم اللباس، ثم الأدب، ثم الاستئذان، ثم الدعوات، ثم الرقاق، ثم النذور، ثم الكفارات، ثم الفرائض، ثم الحدود، ثم الديات، ثم المرتدين، ثم الإكراه، ثم الحيل، وهذه بعضها فقه، وبعضها غير فقه، وأخيرًا ذكر كتاب تعبير الرؤيا، ثم كتاب الفتن، ثم كتاب الأحكام، ثم كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ثم كتاب التوحيد.
_________________
(١) ١ الاتجاهات الفقهية عند المحدثين في القرن الثالث الهجري "ص٣٠٠"، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م.
[ ٢٦٨ ]
وقد بيَّن البلقيني وابن حجر وجوه الربط بين كتب البخاري بعضها ببعض، وبين أبوابه وصلتها بكتبها١.
وعدد كتبه ٩٧ كتابًا، وعدد أبوابه "٣٩٣٤" بابًا، وفي بعض أبوابه هذه توجد الأحاديث المتصلة المسندة الصحيحة الكثيرة، وفي بعضها حديث واحد، وفي بعضها ما لا يوجد فيه أحاديث أصلًا، وكأن البخاري لم يجد في مثل هذه الأبواب أحاديث على شروطه التي أسلفنا القول فيها فتركه هكذا عسى أن يتيسر له حديث فيما بعد، أو يشير إلى أنه لم يصح فيه حديث٢، وذلك نحو البابين "٣"، "١٣" من كتاب "بدء الخلق"، ونحو الأبواب: "٤"، "١٣"، "٢٣"، "٢٦"، "٣٠"، "٣٣"، "٣٤"، "٣٦"، "٤٢"، "٥٢"، كل هذه الأبواب في كتاب "أحاديث الأنبياء"، ونحو الباب "٥" من كتاب النفقات.
وقد كرر الإمام البخاري بعض هذه الأحاديث الصحيحة في كتابه؛ لأن الحديث الواحد قد يشتمل على أكثر من معنى، وكل معنى يندرج تحت باب معين، فهو "يستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه"٣، "أو يكرر الحديث؛ لأنه يشمل على فائدة حديثية".
ولأنه يحرص على أن يكون كتابه مختصرًا، فإنه لا يكرر الحديث كاملًا دائمًا، وإنما يذكر الجزء الذي يتضمن معنى الباب الذي يدرجه تحته، إلا إذا تعددت طرق الحديث فإنه يذكر الحديث مع سنده بتمامه.
- عناية الأمة الإسلامية بصحيح الإمام البخاري:
نال الجامع الصحيح للبخاري عناية كبيرة من الأمة الإسلامية وعلمائها؛ بحيث لم يحظَ بهذه العناية كتاب آخر بعد كتاب الله -﷿- وتمثلت هذه العناية في عدة جوانب؛ منها: توثيق أحاديثه، والكشف عن صحتها، وانتقاله إلينا
_________________
(١) ١ هدى الساري "ص٤٧٠-٤٧٤". ٢ المصدر السابق "ص٦، ١٢". ٣ المصدر السابق "ص١٢٥".
[ ٢٦٩ ]
موثقًا عبر العصور السابقة، وحتى قيام الساعة، دون مساس بالتحريف أو التغيير، ونزيد الأمور وضوحًا بما يلي:
أولًا: انتهى الإمام البخاري من تأليف جامعه الصحيح قبل وفاته بثلاثة وعشرين عامًا على الأقل١، والدليل على ذلك أنه قدمه إلى شيوخه: يحيى بن معين "٢٣٣هـ-٨٤٧م"، وعلي بن المديني "٢٣٥هـ-٥٤٩م"، وأحمد بن حنبل "٢٤١هـ-٨٥٥م"، وقد توفي البخاري عام "٢٥٦هـ"، وبهذا يكون أتيح لألوف التلاميذ والمهتمين بالحديث سماعه -كله أو بعضه- من خلال حلقات الدرس التي كان يعقدها البخاري في عدة بلاد٢.
وانتقل صحيح البخاري بعد ذلك على أيد أمينة بطرق الرواية المختلفة من سماع وإجازة ومناولة وغيرها، وذلك مباشرة من أيد الرواة إلى تلاميذهم المشتغلين بالرواية والأمناء عليها.
وقد ذكر ابن خير الإشبيلي "٥٠٢-٥٧٥هـ" في فهرسته الطرق التي وصل بها صحيح البخاري دون تحريف أو تغيير، فقال في روايته لصحيح البخاري٣:
"مصنف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري؛ وهو الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -ﷺ- وسننه وأيامه".
١- أما رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهروي الحافظ -﵀- فحدثني بها شيخنا الخطيب، أبو الحسن شريح بن محمد شريح المقري -﵀- قراءة عليه بلفظي مرارًا، وسماعًا مرارًا، قال: حدثني به أبي -﵀- سماعًا من لفظه، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور القيسي -﵀- سماعًا عليه، قالا: حدثنا بها أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي سماعًا عليه، قال محمد بن شريح: سمعته عليه في المسجد الحرام عند
_________________
(١) ١ راجع: فهرسة ابن خير الإشبيلي عن شيوخه "ص٩٥". ٢ راجع: هدى الساري "ص٤٩٢"، تاريخ بغداد "٢/ ٩". ٣ "فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف" لأبي بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي "٥٠٢-٥٧٥هـ/ ١١٠٨-١١٧٩م" "ص٩٤-٩٨".
[ ٢٧٠ ]
باب الندوة سنة "٤٠٣هـ". وقال ابن منظور: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة سنة "٤٣١هـ"، وقرئ عليه مرة ثانية، وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي هذا في المسجد الحرام عند باب الندوة في شوال سنة "٤٣١هـ"، قال: أخبرنا به أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي بهراة سنة "٣٧٣هـ"، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم المستملي ببلخ سنة "٣٧٤هـ"، وأبو الهيتم محمد بن المكي بن محمد بن ذراع الكشميهني بها سنة "٣٨٧هـ"، قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صلح بن بشر الفربري بفربر، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي -﵀- قال أبو ذر: سمعت أبا إسحاق المستملي يقول: مات محمد بن يوسف الفربري -﵀- في شهر شوال لعشر بقين منه، من سنة "٣٢٠هـ"، وتوفي أبو إسحاق المستعلي سنة "٣٧٦هـ"، وكان سماعه ورحلته إلى الفربري سنة "٣١٤هـ"، وولد أبو محمد الحموي سنة "٢٩٣هـ"، وسمع الفربري سنة "٣١٥هـ"؛ قال أبو ذر: سمعت أبا الهيثم محمد بن المكي أيضًا يقول: سمعت الكلاباذي أبا نصر البخاري يقول: كان سماع محمد بن يوسف الفربري بهذا الكتاب من محمد بن إسماعيل البخاري مرتين مرة بفربر في سنة "٢٨٤هـ"، ومرة ببخارى، وذكر أبو الهيثم أنه سمع هذا الكتاب من الفربري بفربر في ربيع الأول سنة "٣٢٠هـ"، وتوفي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري -﵀- سنة "٢٥٦هـ"، وكان مولده يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال سنة "١٩٤هـ"، قال مسلمة بن قاسم: سمعت من يقول عن أبي جعفر العقيلي قال: لما ألف البخاري كتابه في صحيح الحديث عرضه على علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فامتحنوه، فكلهم قال له: كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث؛ قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة.
- وأما رواية ابن السكن:
فحدثني بها شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- قراءة
[ ٢٧١ ]
منى عليه قال: حدثني بها أبو عمر أحمد بن محمد بن الحذاء التميمي سماعًا عليه بقراءة أبي علي الجياني قال: نا بها أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قراءة عليه سنة "٣٩٤هـ"، قال: نا أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ في منزله بمصر سنة "٣٤٣هـ" قال: نا محمد بن يوسف بن مطر بن صلح بن بشر الفربري بفربر من ناحية بخارى، قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري سنة "٢٥٣هـ".
- وأما رواية الأصيلي:
فحدثني بها الشيخ الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي -﵀- قراءة مني عليه، والشيخ الفقيه أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- سماعًا لجملة منه، ومناولة منه لي لجميعه، قالا جميعًا: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج مولى محمد بن يحيى البكري المعروف بابن الطلاع، أما ابن بقي فقال: سمعت جميعه عليه، وأما ابن مغيث فقال: حدثنا به قراءة منه علينا لأكثر الكتاب، وإجازة لسائره، قال: سمعت جميعه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد عابد المعافري في سنة "٤٢٣ هـ" بقراءة محمد بن محمد بن بشير الصراف، قال: سمعت جميعها على الفقيه أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي سنة "٣٨٣هـ".
قال: قرأتها على أبي زيد محمد بن أحمد المروزي بمكة سنة "٣٥٣هـ"، قال أبو محمد الأصيلي: وسمعتها على أبي زيد أيضًا ببغداد في شهر صفر سنة "٣٥٩هـ"، قرأ أبو زيد بعضها، وقرأت أنا بعضها حتى كمل جميع المصنف، قال أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري سنة "٣١٨هـ" قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري سنة "٢٥٣هـ"، قال أبو محمد الأصيلي: وقرأتها على أبي أحمد بن يوسف الجرجاني، قال: نا محمد بن يوسف الفربري، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري، وحدثني أيضًا بهذه الرواية الشيخ أبو محمد بن عتاب
[ ٢٧٢ ]
-﵀- إجازة فيما كتب به إلَيَّ، قال: حدثني بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عابد المذكور إجازة لي فيما كتبه لي بخط يده، قال: نا أبو محمد الأصيلي بالإسناد المتقدم، وحدثني أيضًا برواية أبي زيد المروزي المذكور شيخنا القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي -﵀- سماعًا عليه لأكثرها ومناولة لجميعها، قال: حدثني بها أبي، وعماي أبو عمر أحمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي صاحب الصلاة أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، قالوا كلهم: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله، قال: كتب أبي أبو عمر أحمد بن عبد الله كتاب البخاري عن بعض ثقات أصحابه المصريين وسمعته بقراءته عليه، حدثنا به عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، عن محمد بن يوسف الفربري، عن محمد بن إسماعيل البخاري.
- وأما رواية القابسي:
فحدثني بها الشيخ أبو محمد بن عتاب -﵀- إجازة، قال: حدثني بها أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي قراءة عليه، قال: نا أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي الفقيه، قال: نا أبو زيد محمد بن أحمد المروزي بالسند المتقدم، وحدثني بها أيضًا الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، وغيرهما من شيوخي -﵏- قالوا: حدثنا بها أبو علي على حسين بن محمد بن أحمد الغساني، ثم الجياني -﵀- قال: قرأتها على أبي القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي -﵀- مرات، وحدثني بها عن أبي الحسن علي بن محمد بن الخلف القابسي الفقيه عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي عن أبي عبد الله الفربري عن البخاري ﵀.
[ ٢٧٣ ]
- وأما رواية النسفي:
فحدثني بها الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي -﵀- قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني، قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي إجازة، قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي بمكة سنة "٣٨٢هـ": سمعت بعضه، وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري، قال: نا إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، قال: نا البخاري، قال أبو علي: وروينا عن أبي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، أن البخاري أجاز له آخر الديوان من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النسفي عن البخاري من الديوان؛ لأن في رواية محمد بن يوسف الفربري زيادة على رواية النسفي نحوًا من تسع أوراق من نسختي، وقد أعلمت على الموضع من كتابي، قال أبو علي: وهذه الروايات كلها متقاربة، وأقرب الروايات إلى رواية أبي ذر رواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المروزي.
وبعد ابن خير جاء ابن حجر فبين أن روايته للجامع الصحيح تتصل إلى البخاري عن طريق أربعة من تلاميذه، وقد ذكر كل واحد منهم، وبيَّن تلاميذه والآخذين بروايته حتى انتهت إليه١، وقارن بين هذه النسخ في أثناء شرحه للكتاب، وهكذا فعل العلماء في كل عصر إلى يومنا هذا٢.
وقد ترتب على هذا المسلك العلمي الدقيق ضمان سلامة انتقال صحيح البخاري.
وقد يعترض أحد بأن هناك اختلافات في بعض النسخ، نقول: هذه الاختلافات أشار إليها ابن خير الإشبيلي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وهي
_________________
(١) ١ فتح الباري "١/ ٢ - ٥". ٢ راجع مثلًا: فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني، وغيره من الفهارس والأثبات "المطبوعة" والمنتشرة في العديد من المكتبات الخاصة والعامة.
[ ٢٧٤ ]
محصورة ومعزوة إلى أصحابها، وسببها اختلاف الأوقات التي يسمع فيها تلاميذ البخاري منه، أو لبعض أخطاء النساخ. قال أ. د. رفعت فوزي: "ومن هنا سهل على من يريد ضبطه وتحريره أن يرجع بكل وجه من رواياته إلى أصله١.
وهذا هو ما فعله علم من أعلام الحديث في القرن السابع الهجري، وهو الحافظ شرف الدين علي بن محمد بن عبد الله اليونيني "ت ٧٠١هـ-١٣٠٢م"؛ فقد قام بضبط رواية البخاري، وقابل أصله بأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن أحمد الهروي، وبأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، وبأصل الحافظ أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت. وقد حضر معه في هذه المقابلة الإمام النحوي جمال الدين بن مالك، فكان إذا مر في الألفاظ ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية المشهورة قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه: بأنها منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، وجمع هذه التوجيهات في كتابه "التوضيح في حل مشكلات الجامع الصحيح".
ولم يقصد اليونيني من هذه المقابلة أن يرجح بين ما في هذه الأصول من مختلف الروايات، وأن يخرج منها صورة مختارة في نظره لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد؛ تيسيرًا لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان، وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ، وصنع من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، ويرشد بها إلى الرواة المختلفين، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله٢.
_________________
(١) ١ وقد وضعت المؤلفات والأبحاث في روايات البخاري واختلافها والمقارنة بينها، انظر: تاريخ التراث العربي "١/ ٣١٠، ٣١١". ٢ التعريف بأمير المؤمنين في الحديث "ص١٣٠، ١٣١".
[ ٢٧٥ ]
والنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض النسخ، وقد أرسل هذا الأصل إلى السلطان عبد الحميد لينشر في مصر، وقد طبع في مطبعة بولاق١.
ثانيًا: وأيضًا هناك طرق أخرى نُقل بها صحيح البخاري على نحو آخر، وذلك على أيدي الشراح الذين حققوا في أثناء شرحهم الروايات والنصوص، كما في فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيره من شروح صحيح البخاري.
قال أ. د. رفعت فوزي: "وقد شرح صحيح البخاري أعلام بصراء بالحديث والفقه، منهم: أحمد بن محمد الخطابي "ت٣٨٦هـ-٩٩٦م"، ومحمد بن يوسف بن علي الكرماني "ت٧٨٧هـ-١٣٨٤م" في كتابه "الكواكب الدراري"، وأحمد بن علي بن حجر العسقلاني "ت٨٥٢هـ-١٤٤٨م" في كتابه "فتح الباري"، ومحمود بن أحمد بن موسى العيني "ت٨٥٥هـ-١٤٥٠م" في كتابه "عمدة القاري"، وأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني "ت٩٢٣هـ-١٥١٧م" في كتابه "إرشاد الساري"، وغيرهم كثيرون، وقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه "تاريخ التراث العربي" ٥٦ شرحًا، وبعضها مخطوط، وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب السابقة"٢.
ثالثًا: كما نقل على نحو آخر في الكتب التي جمعت بين صحيحي البخاري ومسلم، أو ذكر أطرافهما، وذلك كتاب "الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن عبد الله الجوزقي "ت٣٨٨هـ-٩٩٨م"، و"الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن أبي نصر الحميدي "ت٤٨٨هـ-١٠٩٥م"، و"الجامع بين الصحيحين" لأبي نعيم عبيد الله بن الحسن بن أحمد بن الحداد "ت٥١٧هـ-١١٢٣م"، وغيرهم٣.
_________________
(١) ١ كتب السُّنة "ص١٦٥، ١٦٦". ٢ كتب السُّنة "ص١٦٦"، وانظر: تاريخ التراث العربي "١/ ٣١٢- ٣٣١" "الطبعة الأولى"، وقد أشار إلى مواضع مخطوطاتها في مكتبات العالم المختلفة، كما أشار إلى ما طبع منها. ٣ تاريخ التراث "١/ ٣٤٥، ٣٤٦".
[ ٢٧٦ ]
ومن الكتب التي ذكرت أطراف الصحيحين كتاب "أطراف الصحيحين"، لخلف بن محمد الواسطي "ت٤٠١هـ-١٠١١م"١.
كما ألفت المستخرجات على الصحيحين، وهي تحمل متون أحاديث الصحيحين مع اختلاف في الأسانيد٢.
رابعًا: وقد ألفت الكتب التي تُعْنَى برواة البخاري، وبيان حالتهم في الرواية، والكشف عن أساميهم وكناهم وألقابهم، ووصل التعاليق فيه ببيان رجالها، ومن هذه الكتب كتاب "أسامي مَن روى عنهم البخاري" لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني بن القطان "ت٣٦٥هـ-٩٧٦م"، وكتاب "ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند محمد بن إسماعيل البخاري" لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني "ت٣٨٥هـ-٩٩٥م"، وكتاب "أحاديث التعليق" لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي "ت٥٩٧هـ-١٢٠٠م"، وكتاب "تغليق التعليق على كتاب البخاري" لابن حجر العسقلاني، وغيرها٣.
هذا عدا المؤلفات التي تُعْنَى بتيسير الاستفادة من هذا الكتاب العظيم مما ليس مجال تفصيلها هنا٤.
_________________
(١) ١ تاريخ التراث "١/ ٣٤٥". ٢ وهذه المستخرجات كثيرة حصرها الإمام السيوطي في اثنين وعشرين مستخرجًا "تدريب الراوي ١/ ١٣٧"، ومن أشهرها: المستخرج على الصحيحين لأبي نعيم الأصفهاني، والمستخرج على صحيح البخاري لأبي بكر الإسماعيلي، والمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة الإسفراييني. ٣ تاريخ التراث "١/ ٣٤١-٣٤٣". ٤ المرجع السابق "١/ ٣٤١-٣٤٦".
[ ٢٧٧ ]
ثانيًا: الإمام مسلم "٢٠٦-٢٦١هـ" ١
هو: أبو الحسين مسلم بن الححاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد بنيسابور سنة "٢٠٦هـ"، وتوفي بها -أيضًا- عشية الأحد، ودفن يوم الإثنين في رجب سنة "٢٦١هـ"، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقضى عمره في طلب الحديث وحفظه وتدوينه، ورحل في طلبه إلى بلدان كثيرة؛ منها: الحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، والري، وغيرها، وسمع من خلائق من الأئمة وغيرهم، منهم: قتيبة بن سعيد، وأحمد بن حنبل، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى بن يحيى، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وعبد الله بن أسماء، وشيبان بن فروخ، وحرملة بن يحيى صاحب الشافعي، ومحمد بن يسار، ومحمد بن مهران، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن سلمة المرادي، وخلائق من الأئمة غيرهم، وروى عنه: أبو عيسى الترمذي، ويحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء، وعلي بن الحسين، ومكي بن عبدان، وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، ونصر بن أحمد، وخلائق.
- مصنفات الإمام مسلم:
له العديد من المصنفات؛ منها: "المسند الصحيح"، و"المسند الكبير" رتبه على الرجال، و"الجامع" رتبه على الأبواب، و"كتاب التمييز"، و"العلل"، و"سؤالات
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في:الأعلام للزركلي "٨/ ١١٧"، الطبعة الثانية، تهذيب الأسماء واللغات للنووي "١/ ١٣١"، تهذيب الكمال "٢٧/ ٤٩٩ - ٥٠٧"، تهذيب التهذيب "١٠/ ٢٢٦"، التقريب "٢/ ٢٤٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٨"، تاريخ بغداد "١٣/ ١٠٠"، الأنساب للسمعاني "١٠/ ١٥٥"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٥٧"، الكاشف "٣" ترجمة "٥٥٠٥"، العبر "١/ ١٩٧"، شذرات الذهب "٢/ ١٤٤"، خلاصة الخزرجي "٣/ الترجمة ٦٩٦٢"، المنتظم "٥/ ٣٢"، شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٠٩ - ١٥٨"، فهرسة ابن خير "٩٨، ٢١٢، ٢١٣"، فتح الباري لابن رجب "٣/ ٢٠١"، ففيه ذكر كتاب التفصيل لمسلم.
[ ٢٧٩ ]
أحمد بن حنبل"، والانتفاع بأهُب السِّباع"، و"الأسماء والكنى" و"الأفراد"، و"الوحدان" و"الأقران"، و"كتاب عمرو بن شعيب"، و"تسمية شيوخ مالك"، و"مشايخ سفيان الثوري"، و"مشايخ شعبة"، و"كتاب المخضرمين"، وكتاب أولاد الصحابة فمن بعدهم من المحدثين"، و"أوهام المحدثين"، و"الطبقات"، و"أفراد الشاميين"، و"من ليس له إلا راوٍ واحد"، وكتاب "تفصيل السنن".
وقد كتب صحيحه -وهو المسمى بالمسند الصحيح- في خمس عشرة سنة، وهو أشهر كتبه. قال الزركلي في الأعلام: جمع فيه اثني عشر ألف حديث كتبها في خمس عشرة سنة، وهو أحد الصحيحين المعول عليهما عند المحدثين والفقهاء والأصوليين١.
وقال مسلم رحمه الله تعالى: "صنفتُ هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة"٢.
وقال أيضًا: "لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة، فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار إلَيَّ أن فيه علة تركته وما قال: هو صحيح ليس له علة أخرجته"٣.
وقال أيضًا: "ما وضعت شيئًا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه إلا بحجة"٤.
وقال أيضًا: "ليس كل شيء صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"٥.
_________________
(١) ١ الأعلام للزركلي "٨/ ١١٧"، وقوله: "اثنتي عشر ألف حديث" يعني بالأحاديث المكررة، وبإسقاط المكرر فهي نحو أربعة آلاف حديث، مقدمة ابن صلاح، هامش "ص١١"، وراجع: شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٢٩"، وبلغ العدد بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي "٣٠٣٣". ٢ تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٩"، شذرات الذهب "٢/ ١٤٤". ٣ تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي "١/ ٣٣"، هدى الساري "ص٣٤٥"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٦٨"، "١٢/ ٥٧٩"، شرح مسلم للنووي "١/ ١٢١، ١٣٦". ٤ تلخيص صحيح مسلم للقرطبي "١/ ٣٣"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٩٠"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٨٠". ٥ صحيح مسلم "١/ ٣٠٤" كتاب الصلاة، في الحديث رقم "٦٣".
[ ٢٨٠ ]
قال سراج الدين البلقيني: "أراد مسلم بقوله: "ما أجمعوا عليه" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني"١.
وحكى القاضي أبو الفضل عياض الإجماع على إمامته، وتقديمه، وصحة حديثه، وميزه٢، وثقته، وقبول كتابه٣.
وقد أبقى له صحيحه ذكرًا جميلًا، وثناء حسنًا، وثوابًا عظيمًا إلى يوم القيامة، قال الإمام النووي: "ومن حقق نظره في صحيح مسلم -﵀- واطلع على ما أودعه في أسانيده، وترتيبه، وحسن سياقته، وبديع طريقته، من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية، وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقاتها وانتشارها، وكثرة اطلاعه، واتساع روايته، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات، واللطائف الظاهرات والخفيات -علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يداينه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم"٤، حتى قال أبو علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم: "ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج"٥، والجمهور على أن صحيح البخاري مُقدَّم على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله جميعًا.
- دوافع تصنيف الإمام مسلم لصحيحه:
يمكن إرجاع الأسباب التي من أجلها صنف الإمام مسلم صحيحه إلى سببين رئيسيين هما:
_________________
(١) ١ محاسن الاصطلاح "ص٩١". ٢ المراد التمييز بين الأشياء، ويعني دقة فرز الإمام مسلم لأحاديث صحيحه. ٣ تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي "ص٣٢". ٤ في مقدمة شرح صحيح مسلم له "١/ ١١٥". ٥ مقدمة ابن الصلاح "ص١٠"، تلخيص صحيح مسلم للقرطبي "١/ ٣٢".
[ ٢٨١ ]
الأول: انتخاب طائفة من الأحاديث الصحيحة المتصلة والمشتملة على أحكام الدين وسننه، مرتبة فقهيًّا، خاصة وأن المصنفات الحديثة في عصره -أو قبله- كانت غير مرتبة فقهيًّا، وتجمع الصحيح والضعيف معًا، باستثناء صحيح الإمام البخاري، وموطأ الإمام مالك.
الثاني: صرف غير المشتغلين بعلوم الحديث المتخصصين إلى مصنف مشتمل على الأحاديث الصحيحة الجامعة لأحكام الدين بعيدًا عن روايات الزنادقة والقصاصين وجهلة المتصوفة.
- منهج الإمام مسلم، وشروطه في صحيحه:
رتب الإمام مسلم صحيحه ترتيبًا فقهيًّا دقيقًا على الكتب والأبواب، دون تكرار أو تجزئة لها كما صنع شيخه البخاري، ولتوضيح منهجه نسوق مثالًا من صحيحه:
يقول في باب تحريم إيذاء الجار والحث على إكرامه هو والضيف١:
١- حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر -جميعًا- عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
٢- حدثني حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: $"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
٣- حدثنا أبو بكر بن شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٣٧٧ - ٣٨٠".
[ ٢٨٢ ]
صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
٤- حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- بمثل حديث أبي حصين، غير أنه قال: "فليحسن إلى جاره ".
٥- حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن نمير، جميعًا عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو: أنه سمع نافع بن جبير يخبر عن أبي شريح الخزاعي أن النبي -ﷺ- قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت".
وواضح من هذا المثال -كما قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي- أن الإمام مسلمًا يجمع طرق المتن الواحد من غير تكرار، كما ألزم نفسه بذلك في مقدمة كتابه، فإذا اتحد المتن لا يكرره، فإذا كان الاختلاف يسيرًا نبه عليه فقط، أما إذا كان غير يسير فإنه يعيد المتن؛ لأنه يصبح حينئذ متنًا جديدًا.
وواضح أيضًا دقة الإمام مسلم في روايته للأحاديث، ويتمثل هنا في اعتنائه بضبط اختلاف ألفاظ الرواة، ففي الحديث الخامس حدثه زهير بن حرب، ومحمد بن نمير بحديث واحد؛ ولكنه ينبه إلى أن ما أثبته في كتابه إنما هي رواية ابن نمير وألفاظه، فقال: "قال ابن نمير: حدثنا سفيان " إلى آخره.
ومما يتصل بدقة الإمام مسلم في كتابه ما ذكره الإمام النووي من أنه يعتني بالتمييز بين "حدثنا" و"أخبرنا"، وتقييده ذلك على مشايخه، وفي روايته، وكان من مذهبه -﵀- الفرق بينهما، وأن "حدثنا" لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و"أخبرنا" لما قرئ على الشيخ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٣٠".
[ ٢٨٣ ]
ومن دقته أيضًا اعتناؤه بالأسانيد وتحويلها، وعدم الاكتفاء ببعضها، مع إيجاز العبارة وكمال حُسنها، ولا يجيز لنفسه أن يروي الصحيفة الواحدة بإسناد واحد، وإنما ينبه على الإسناد في كل حديث، ويتجلى ذلك في صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- فقد رويت هذه الصحيفة بإسناد واحد في أولها، وكان مسلم يستطيع أن يفعل ذلك بألا يذكر الإسناد إلا مع الحديث الأول فيها، كما أجاز ذلك وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيلي الشافعي؛ ولكنه "ورعًا واحتياطًا وتحريًا وإتقانًا" ذكر كل حديث منهما مقترنًا بإسناده١.
ومن دقته تحريه في مثل قوله: "حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى، وهو ابن سعيد"، فلم يستجز -﵁- أن يقول: سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد؛ لكونه لم يقع في روايته منسوبًا، فلو ذكره بنسبه إلى أبيه لكان مخبرًا عن شيخه أنه أخبره بنسبه، والحقيقة أنه لم يخبره.
فهو بهذا كله قد حافظ على التقاليد الأصيلة لعلم الإسناد وروايته، تلك التقاليد التي وضعها أئمة الحديث؛ صيانة للرواية من التبديل والتغيير، وتوثيقًا لها؛ بحيث يطمأن إلى ورود الحديث ورودًا نقيًّا دون تحريف فيه، وأصبح كتاب مسلم -كما قال أحد الدارسين المحققين المعاصرين- بهذا كله "كامل الأسانيد، واضح البناء، منطقيًّا في ترتيب مواده، موفقًا في اختيار مصادره٢" ٣.
هذا، وقد أعلن الإمام مسلم عن منهجه وشرطه في مقدمه صحيحه فقال:
"ثم إنَّا -إن شاء الله- مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو أنا نَعْمِدُ إلى جُمْلَةِ ما أُسند من الأخبار عن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) ١ مقدمة شرح صحيح مسلم "١/ ١٣١". ٢ فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي "١/ ٣٥٣". ٣ كتب السنة، الجزء الأول "ص١٩٦ - ١٩٩".
[ ٢٨٤ ]
فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يُستغنَى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن؛ ولكن تفصيله ربما عسر من جملته، فإعادته بهيئته -إذا ضاق ذلك- أسلم.
فأما ما وجدنا بُدًّا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه، فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى.
فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخبط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم، فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم؛ كعطاء بين السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار ونُقَّال الأخبار، فهم -وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية- يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية
فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله -ﷺ- فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم؛ كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن
[ ٢٨٥ ]
إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفتْ روايتُه أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن مُحرَّر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صُهْبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به؛ لأن حكم أهل العلم -والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدِّث من الحديث- أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجِدَ كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند الصحابة قُبِلَتْ زيادته
فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مُشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما -أو عند أحدهما- العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.
واعلم -وفقك الله تعالى- أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والسِّتارة١ في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع "٢.
_________________
(١) ١ الستارة: ما يستتر به، وكذلك السترة، وهي هنا إشارة إلى الصيانة، م "١/ ٨" هامش. ٢ صحيح مسلم "١/ ٤- ٨"، طبع دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢٨٦ ]
وحاصل كلام الإمام مسلم الذي عرض فيه منهجه وشروطه يتلخص فيما يلي:
أولًا: أنه يتحاشى التكرار إلا عند الحاجة الماسة.
ثانيًا: أنه قسم الأخبار المسندة إلى رسول الله -ﷺ- إلى ثلاثة أقسام تضم أربع طبقات تبعًا لدرجات الرواة ومكانتهم من حيث قبول رواياتهم وردها:
القسم الأول: أنه التزم بتخريج روايات أهل الحفظ والإتقان والاستقامة من أهل الطبقة الأولى أولًا.
القسم الثاني: أنه يُتْبِع روايات أهل الطبقة الأولى بروايات أهل الطبقة الثانية، ممن يشملهم الستر والصدق، وليسوا من أهل الحفظ والإتقان، وعنده أن أخبار أهل القسم الثاني لتقوية ومعاضدة روايات أهل القسم الأول عند الاحتياج إليها، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر العسقلاني قصد الإمام مسلم من المتابعات، وهو يرفع بها التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول إذا وجدت الحاجة لذلك، ويفيد قلة أحاديث القسم الثاني في الصحيح نسبيًّا؛ لأن هدفه الأول الصحة، وقد يتحقق في كثير من الأحيان بأحاديث أهل القسم الأول.
وحين تكلم ابن القطان على أحد رجال مسلم وقال: "وعيب على مسلم إخراج حديثه"، قال ابن القيم ردًّا عليه: "ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه"١.
وهذا يتفق مع تصريح الإمام مسلم نفسه حين قال: "ليس كل شيء صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"٢.
القسم الثالث: ويشمل المتهمين من أهل الطبقة الثالثة، والغالب على حديثه
_________________
(١) ١ زاد المعاد "١/ ٣٦٤". ٢ صحيح مسلم "١/ ٣٠٤" في الحديث رقم "٦٣".
[ ٢٨٧ ]
النكارة من أهل الطبقة الرابعة، فهؤلاء لا يعرج على حديثهم، ولا يتشاغل بتخريجه.
وهكذا تلاحظ اهتمام الإمام مسلم بالسند، وتحري عدالة الرواة وضبطهم؛ وذلك لأن الإسناد دليل على صحة الحديث أو ضعفه، مما ينعكس بوضوح على الأحكام التشريعية. قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء١.
وقد التزم الإمام مسلم بهذا المنهج الذي رسمه لنفسه، وليس كما زعم الحاكم والبيهقي، حين ذهبا إلى أنه لم يخرج في كتابه الصحيح إلا عن الطبقة الأولى، ولم يخرج عن الطبقة الثانية٢. قال القاضي عياض: "وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد، فإنك إذا نظرت إلى تقسيم مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال"٣، فجاء بحديث الحفاظ والمتقنين أولًا، ثم أتبعه بحديث أهل الستر والصدق، ثم استشهد بحديث من اتهم من قِبَل بعض العلماء بتهمة نفاها عنه آخرون، ممن ضعف أو اتهم ببدعة، قال النووي: "وهذا الذي اختاره القاضي عياض ظاهر جدًّا، والله أعلم"٤.
فكل الأحاديث التي رواها مسلم في أصول أبواب صحيحه متصلة الإسناد برواية الثقة عن الثقة من أوله إلى آخره، قال ابن الصلاح: شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ، ومن العلة، وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته٥.
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم "١/ ١٢٨"، المحدث الفاضل "ص٢٠٩"، مقدمة ابن الصلاح "ص١٣٠"، تدريب الراوي "٢/ ١٦٠"، شرف أصحاب الحديث "ص٤١"، معرفة علوم الحديث "ص٩"، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "١/ ١٢٣". ٢، ٣ شرح مسلم للنووي "١/ ١٣٢". ٤ المصدر السابق "١/ ١٣٣". ٥ صيانة صحيح مسلم "ص٧٢"، ونقله النووي بنحوه في مقدمة صحيح مسلم "١/ ١٢١، ١٢٢".
[ ٢٨٨ ]
وأخطأ الذين عابوا على الإمام مسلم روايته عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين، الذين ليسوا من شرط الصحيح، وذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها١:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، قال ابن الصلاح: "ولا يقال: إن الجرح مُقدَّم على التعديل، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب فإنه لا يعمل به".
الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول؛ وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجهة التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه.
الثالث: أن يكون ضَعْف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته، كما في "أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب"، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك ثم روى بسنده عن إبراهيم بن أبي طالب٢ يقول: قلت لمسلم بن الحجاج: قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي، وحاله قد ظهر؟ فقال: إنما نقموا عليه بعد خروجي من مصر.
_________________
(١) ١ راجع: صيانة صحيح مسلم "ص٩٤-٩٨"، شرح مسلم للنووي "١/ ١٣٤- ١٣٦". ٢ إبراهيم بن أبي طالب: محمد بن نوح بن عبد الله النيسابوري، أبو إسحاق شيخ خراسان، قال الحاكم: كان إمام عصره في معرفة الحديث والرجال، أملى كتاب العلل وغيره، تُوفي سنة خمس وتسعين ومائتين. راجع: تذكرة الحفاظ "٢/ ٦٣٨"، العبر "٢/ ١٠٠".
[ ٢٨٩ ]
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي أولًا بطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن بذلك، فقد بلغه إن أبا زرعة الرازي أنكر روايته في صحيحه عن "أسباط بن نصر"، وقطن بن نسير" "وأحمد بن عيسى"، فرد الإمام مسلم على ذلك بقوله: وإنما أدخلت من حديث "أسباط" و"قطن" و"أحمد" ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلَيَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
ذكر الحاكم أن من شروط الصحيحين إخراج الحديث عن عدلين إلى النبي -ﷺ- ونفى الحازمي هذا الشرط نفيًا قاطعًا، وقال: "فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا"١. وجاء من الصحيحين بأمثلة تؤكد عدم صحة ما ذهب إليه الحاكم٢، ومن بين الأمثلة الموجودة في صحيح البخاري -والتي تنفي ادعاء الحاكم وزعمه، كما يرى الحازمي- أن أول حديث في صحيح الإمام البخاري، وهو: "إنما الأعمال بالنيات "، وآخر حديث فيه، وهو: "كلمتان خفيفتان " فردان غريبان، كما نص على ذلك الحافظ البرهان البقاعي وغيره، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي مؤلفًا سماه: "غرائب الصحيحين"، وذلك فيه ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب والأفراد المخرجة في الصحيحين٣.
قلت: وقد يكون مراد الحاكم أن هذا الشرط استحسنه الشيخان؛ ولكنهما لم يلتزما به في كل الأحاديث!
- عناية الأمة الإسلامية بصحيح الإمام مسلم:
حَظِيَ صحيح الإمام مسلم بعناية كبيرة من الأمة الإسلامية وعلمائها في
_________________
(١) ١ شروط الأئمة الخمسة "ص٤٣، ٤٤". ٢ راجع: المصدر السابق "ص٤٤-٥٠". ٣ راجع: المصدر السابق، "التعليق في الهامش" "ص٤٣".
[ ٢٩٠ ]
مشارق الأرض ومغارها، وهذه العناية تلت العناية بصحيح البخاري مباشرة، وكانت هذه العناية من وجوه عدة تكاتفت جميعًا لتؤكد أن صحيح الإمام مسلم انتقل إلينا عبر الأجيال موثقًا ومحفوظًا ومصانًا من أي عبث أو تحريف أو تغيير، وسيظل كذلك حتى قيام الساعة، ونوضح هذه الوجوه فيما يلي١:
أولًا: انتقل صحيح الإمام مسلم إلى العلماء بالسماع، أو القراءة، أو المناولة، أو الإجازة جيلًا بعد جيل، شأنه في ذلك شأن المؤلَّفات في العلوم الإسلامية، وإن العناية هنا في هذا المجال أكثر وأوفر.
يصف الإمام النووي "٦٣١-٦٧٦هـ/١٢٣٣-١٢٧٧م" كيف انتقل صحيح الإمام مسلم إليه خاصة، وإلى عصره عامة فيقول:
"صحيح مسلم -﵀- في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجاج، وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بمسلم، فقد انحصرت طريقه عنده في هذه البلدان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، ويروي في بلاد المغرب -مع ذلك- عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم، ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودي، وعن الجلودي جماعة منهم الفارسي، وعنه جماعة منهم الفراوي، وعنه خلائق منهم منصور، وعنه خلائق منهم شيخنا أبو إسحاق"٢.
قال الشيخ الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وأما القلانسي فوقعت روايته عند أهل المغرب، ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليهم من جهة أبي عبد الله محمد بن يحيى الحذَّاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن الرحمن بن ماهان البغدادي، قال:
_________________
(١) ١ انظر كتب السنة، الجزء الأول "ص٢١٢ - ٢٢١". ٢ شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١١٦".
[ ٢٩١ ]
حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي، قال: حدثنا أبو محمد القلانسي، قال: حدثنا مسلم إلا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الإفك الطويل١، فإن أبا العلاء بن ماهان كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم رضي الله عنه٢.
وبلغ من دقتهم أن ميزوا بين ما أخذه أشهر الرواة عن مسلم سماعًا وما أخذوه إجازة، وينقل النووي عن ابن الصلاح ذلك، يقول: "اعلم أن لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتًا لم يسمعه من مسلم، يقال فيه: أخبرنا إبراهيم عن مسلم، ولا يقال فيه: أخبرنا مسلم، ولا: حدثنا مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة، وإما بطريق الوجادة٣.
وقد أغفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في فهارسهم وتسميعاتهم وإجازاتهم وغيرها؛ بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم قال: أخبرنا مسلم، وهذا الفوت في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة".
وهذه الفوائت قريبًا من ست وثلاثين ورقة٤.
وقد اجتهد العلماء في كل جيل وكل عصر لأن يسمعوا صحيح الإمام مسلم أكثر من مرة، وعلى أكثر من شيخ، وهذا من شأنه يزيد في الاطمئنان إلى سلامة وصول الكتاب إلى كل جيل لاحق دون تحريف أو تغيير.
وقد ذكر ابن خير الإشبيلي "٥٠٢-٥٧٥هـ" في فهرسته الطرق التي وصل بها
_________________
(١) ١ من "ص١١٢- ٢٤٦" آخر الكتاب ج٨ وهو الجزء الأخير من طبعة إستنابول سنة ١٣٢٩هـ. ومن "ص٦٢٨ - ٨٨٣"، من صحيح مسلم على شرح النووي، طبعة دار الشعب بالقاهرة. ٢ مقدمة شرح مسلم للنووي "١/ ١١٦، ١١٧" دار القلم، بيروت. ٣ وقد رجح النووي، كما هو موجود عنده في بعض الأصول أنه يروي هذا الجزء إجازة "١/ ١١٧" من شرح مسلم، وهذا بطبيعة الحال لا يتنافَى مع كون محمد بن سفيان سمع أحاديث هذا الجزء من مسلم في غير كتاب الصحيح. ٤ مقدمة شرح صحيح مسلم، النووي "١/ ١١٧-١١٩".
[ ٢٩٢ ]
صحيح الإمام مسلم دون تحريف أو تغيير، فقال في روايته لصحيح مسلم: مصنف الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، وهو "المسند الصحيح المختصر من السنن، بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ".
أما رواية الجلودي فحدثني بها الشيخ القاضي أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن العربي -﵀- قراءة مني عليه، قال: أنا به الشيخ أبو بكر محمد بن طرخان بن يلتكين بن يَحْكَم التركي، قال: أنا أبو الليث أبو الفتح نصر بن الحسن بن أبي القاسم التنكتي الشاسي.
قال ابن العربي أيضًا: وأخبرنا الشيخ الإمام جمال الإسلام إمام الحرمين أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري نزيل مكة بها سماعًا ومناولة، قالا: أنا عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الزكي العدل، قال: نا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، وفي بعض المواضع يقول ابن سفيان: حدثنا مسلم، وذلك مقيد مجود في أصلي بحمد الله، وحدثني بها أيضًا الشيخ الخطيب أبو بكر موسى بن سيد بن إبراهيم الأموي -﵀- قراءة مني عليه في أصل كتابه بالمسجد الجامع بالجزيرة الخضراء -حرسها الله- في ذي القعدة من سنة ٥٣٤هـ، والشيخ المحدث أبو الحسن عباد بن سرحان المعافري -﵀- مناولة منه لي في أصل كتابه، والشيخ الإمام أبو الحكم عبد الرحمن بن عبد الملك بن غشَلْيان الأنصاري -﵀- إجازة قالوا كلهم: حدثنا بها الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري المذكور، أما ابن سيد، وابن سرحان، فسمعاه عليه، وأما ابن غشليان فإجازة منه له، وقد تقدم سند الطبري فوق هذا، وحدثني بها أيضًا شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- قراءة عليه، وأنا أسمع إلا يسيرًا من آخره، فإنه أجازه لي وناولني الديوان كله، قال: حدثني به الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن بشير المعافري الصيرفي -﵀- قراءة عليه، قال: نا به أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري بمصر وكتبته من كتابه، قال: نا به أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن
[ ٢٩٣ ]
بِنْدَار بن جبريل الرازي، قال: نا أبو أحمد الجلودي، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: نا مسلم بن الحجاج، وحدثني بها أيضًا الشيخ الأديب أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد النفزي المالقي -﵀- مناولة منه لي، قال: حدثني به الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث العذري، ثم الدلائي -﵀- سماعًا مني عليه مرة وثانية، قال: نا به أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن بندار الرازي بمكة -حرسها الله- قراءة عليه وأنا أسمع سنة "٤٠٩هـ" بالإسناد المتقدم، وحدثني بها الشيخ المحدث أبو بكر محمد بن أحمد طاهر القيسي سماعًا عليه لبعضه وإجازة لجميعه، قال: حدثني به الشيخ الحافظ أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغسائي -﵀- قراءة عليه قال: حدثني به الشيخ أبو العباس العذري المذكور، قراءة مني عليه بمدينة بلنسية في أيام من رجب وشعبان سنة "٤٧٠هـ" قال: نا أبو العباس بن بندار المذكور بالسند المتقدم.
قال أبو علي: وأخبرني به أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي مناولة من يده إلى يدي، قال: أخبرني به أبو سعيد عمر بن محمد بن محمد بن داود السجزي بمكة سنة "٤٠٣هـ" قال: نا أبو أحمد الجلودي قراءة عليه في سنة "٣٦٩هـ" بنيسابور، قال: نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، قال حاتم: وحدثني به أبو محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي، قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي بنيسابور سنة "٣٨٢هـ"، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان سنة "٣٠٨هـ" قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج بنيسابور سنة "٢٥٧هـ".
قال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب لعشر خلون من رمضان من العام المذكور، وتوفي مسلم بن الحجاج -﵀- سنة "٢٦١هـ"، ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه مدينة السلام: أخبرني محمد بن علي المقري، قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعت محمد بن يعقوب أبا عبد الله الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة "٢٦١هـ"، وحدثني أيضًا الشيخ أبو محمد بن
[ ٢٩٤ ]
عتاب -﵀- إجازة فيما كتب به إليَّ، قال: أنا الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالي وأبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي إجازة، قالا: نا أبو سعيد عمر بن محمد السجزي بإسناده المتقدم، قال أبو محمد بن عتاب: وأخبرني بها أيضًا الشيخ أبو محمد مكي بن أبي طالب المقري إجازة عن أبي العباس أحمد بن محمد بن زكريا القسوي قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم.
وأما رواية ابن ماهان، فحدثني بها الشيخ القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي سماعًا عليه مرة وثانية، قال: حدثني بها أبي، وعماي أبو عمر أحمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي الفقيه أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد، قالوا كلهم: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه، قال: نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي سماعًا عليه مع أبي -﵀- بمصر، قدمها علينا، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الفقيه على مذهب الشافعي المعروف بالأشقر بنيسابور، قال: نا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسين بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري -﵀- وحدثني بها أيضًا أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي المذكور سماعًا عليه وإجازة على نحو ما تقدم، قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي أبو عمر أحمد بن محمد الحذاء التميمي قراءة عليه سنة ٤٥٧هـ، قال: نا أبي -﵀- قراءة مني عليه سنة "٣٩٥هـ"، قال: نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد الفقيه الأشقر، قال: نا أبو محمد أحمد بن علي القلانسي، قال: نا مسلم بن الحجاج، حاشا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها حديث عائشة في الإفك الحديث الطويل إلى آخر الديوان، فإن أبا العلاء بن ماهان يروي ذلك عن أبي الجلودي، عن إبراهيم بن محمد
[ ٢٩٥ ]
ابن سفيان عن مسلم بن الحجاج، وحدثني بها أيضًا الشيخ أبو محمد بن عتاب إجازة قال: نا أبو عمر بن الحذاء المذكور إجازة بالسند المتقدم، قال: وحدثني بها أبو محمد بن عتاب -﵀- قراءة عليه وأنا أسمع "٣٤ب" غير مرة قال: نا أبو القاسم أحمد بن فتح، قال: نا أبو العلاء بن ماهان بالإسناد المتقدم، قال أبو علي: سمعت أبا عمر بن الحذاء يقول: سمعت أبي -﵀- يقول: أخبرني ثقات أهل مصر: أن أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني كتب إلى أهل مصر من بغداد: أن اكتبوا عن أبي العلاء بن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج، ووصف أبا العلاء بالثقة والتمييز١.
قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي٢: "وقد انتقل صحيح مسلم بعد ذلك بنفس الطريقة كما يعلم ذلك بدهيًّا من الفهارس والأثبات، والنسخ المخطوطة التي لا يكاد يخلو عصر منها من العصور، كما لا تخلو مكتبة منها من مكتبات المخطوطات العربية في جميع أنحاء العالم، كما ذكر صاحب تاريخ التراث العربي"٣.
وعندنا أريد طبع صحيح مسلم انتضى له علماء أجلاء وحققوه، وقارنوا بين نسخ مخطوطة منه، فجاء على "أتم وأدق تصحيح" مقيدًا بالشكل الكامل، ومن ذلك ما طبع بدار الطباعة بالأستانة، عام "١٣٢٩هـ".يقول الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: "وهذه النسخة لم يأل القائمون على طبعها جهدًا في تصحيحها، ومراجعة النسخ المخطوطة التي كانت تحت أيديهم"٤. وما يزال العلماء يطبعون صحيح مسلم، ويعنون بضبطه٥ وتحقيقه.
_________________
(١) ١ فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة "ص٩٨ - ١٠٢". ٢ كتب السنة، الجزء الأول "ص٢١٨ - ٢٢١". ٣ فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي "١/ ٣٥٤". ٤ أول ورقة من طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. ٥ نشر صحيح مسلم في كلكتا عام "١٢٦٥هـ"، وفي القاهرة "١٣٢٧هـ"، "تاريخ الأدب العربي ٣/ ١٠٨"، ومن الطبعات الحديثة المحققة طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، بالقاهرة، عام "١٣٧٤هـ- ١٩٥٥م".
[ ٢٩٦ ]
ولم يكن انتقال صحيح الإمام مسلم -خاصة هو وصحيح البخاري- كتابة وسماعًا وقراءة فقط، وإنما كان علماء الأمة الإسلامية يعنون بحفظه ومدارسته، والتنبيه إلى ما فيه، وما ليس فيه من الأحاديث وألفاظها وزياداتها.
ويعطينا الشيخ عبد الحي الكتاني -وهو من كبار المحدثين في كتابه "فهرس الفهارس والأثبات"١- عند كلامه عن والده المحدث الكبير الكتاني فيقول: "وديوانه الصحيح ختمه نحو الخمسين مرة، ما بين قراءته له على المشايخ وإسماع له، وكان يعرفه معرفة جيدة وأتم سماع وإسماع الكتب الستة٢ يستحضر أحاديث الكتب الستة كأصابع يده، وإن أَنْسَ فلا أنسى أني كنت مرة أسمع عليه كتاب المجالس المكية لأبي حفص الميانسي المكي من أصل عتيق بخط الحافظ أبي العلاء العراقي، فوصلنا فيه إلى حديث عثمان في كيفية وضوء النبي -ﷺ- فمع عزو الميانسي له إلى مسلم ذكر فيه المسح على الأذنين، فقال لنا الشيخ الوالد: مسح الأذنين في الوضوء لا يوجد في الصحيحين من حديث عثمان، ولا غيره، فقمت بعد ذلك على ساق في مراجعة نسخ صحيح مسلم العتيقة المسموعة وغيرها من المستخرجات والمصنفات الأثرية، فلم أجد لذلك ذكرًا فيها، فأيقنت بحفظ الرجل، وقوة استحضاره وخوضه في السُّنَّة"٣.
ثانيًا: انتقل صحيح مسلم مرة أخرى على أيدي العلماء الذين شرحوه، ومخطوطات هذه الشروح منتشرة في مكتبات العالم، وبعضها طبع طبعًا محققًا٤، وبعضها قارن بين نسخ مسلم، ونبه على ما فيها من اختلافات سببها زيادات يسيرة، أو اختلاف أصحابها، واختلاف أوقات أخذهم لها من مسلم رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ طبع عام ١٣٤٦هـ، بالمطبعة الجديدة الفاسية بالطالعة. ٢ الكتب الستة: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه. ٣ فهرس الفهارس "٢/ ١٤١". ٤ انظر: أماكنها، وسنوات طباعة بعضها، ومتى طبعت في "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين "١/ ٣٥٤- ٣٦٢"، الطبعة الأولى.
[ ٢٩٧ ]
ومن هذه الشروح: "إكمال الْمُعْلِم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي" "٥٤٤هـ-١١٤٩م"، و"إكمال إكمال المعْلِم" لمحمد بن خليفة بن عمر الوشتاتي الأبي التونسي "ت٨٢٧هـ-١٤٢٤م"، وهو تكملة للشرح السابق، و"المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" ليحيى بن شرف النووي "ت٦٧٦هـ-١٢٧٧م".
ثالثًا: كما ألفت كتب تعنَى بنص صحيح مسلم، من حيث الجمع بينه وبين صحيح البخاري، وما اتفقا عليه وانفردا به، وما استخرج عليه، ومن هذه الكتب "الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن عبد الله الجوزقي "ت٣٨٨هـ-٩٩٨م"، و"الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن نصر الحميدي "ت٤٨٨هـ-١٠٩٥م"، و"المستدرك على الصحيحين" لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري "ت٤٠٤هـ-١٠١٤م"، و"أطراف الصحيحين" لخلف بن محمد علي الواسطي، و"المستخرج" للإسماعيلي، و"شرح زوائد مسلم على البخاري، لعمر بن رسلان البلقيني "٨٠٥هـ-١٤٠٣م"، وغيرها١.
رابعًا: هذا عدا الكتب الأخرى التي تُعْنَى بشرح غريب مسلم، وحل مشكلاته، وإحصاء رجاله، والكشف عن أحوالهم وضبطهم٢.
وهذا كله يدل على عناية العلماء بصحيح مسلم، وهو أمر يؤكد الثقة به وبنقله وبالمحافظة على نصه، وتواتر نقله، كما قال الإمام النووي رحمة الله عليه.
_________________
(١) ١ تاريخ التراث "١/ ٣٦٦- ٣٦٨"، تدريب الراوي "١/ ١١١". ٢ تاريخ التراث "١/ ٣٦٤- ٣٦٦".
[ ٢٩٨ ]
مقارنة بين الصحيحين:
لقد التزم الشيخان ألا يخرجا في صحيحيهما سوى الأحاديث الصحيحة، حتى وإن اختلفا في المنهج، وترجح أحدها على الآخر في قوة الشروط: فمن حيث المنهج، فإن الإمام البخاري كان يجزئ الحديث أو يكرره الواحد في عدة كتب أبواب فقهية؛ لأن الحديث الواحد قد يشتمل على أكثر من معنى، وكل معنى يندرج تحت باب معين، فهو بحسن استنباطه وغزارة فقهه يستخرج منه الفوائد الحديثية ويستنبط الأحكام الفقهية المختلفة، ومن هنا يكون السر في التكرار أو التجزئة.
وأما الإمام مسلم، فالتزم منهجًا دقيقًا في ترتيب الأحاديث؛ حيث تلافى ما فعله الإمام البخاري في صحيحه، فلم يكرر الأحاديث ولم يجزئها في أبواب عدة.
ومن حيث الموازنة في هذه الجزئية، فإن منهج الإمام البخاري يجعل العثور على الحديث بكماله أشد صعوبة من البحث عليه عند مسلم.
ومن جهة أخرى، فإن الإمام البخاري اهتم بالتراجم في الأبواب؛ لأنها عكست فقهه ومذهبه، وتوضح رأيه في المسألة التي يتناولها كل باب.
ولكن مسلمًا لم يذكر تراجم لأبوابه، ويعلل ذلك الإمام النووي بأنه ربما أراد ألا يزيد حجم الكتاب. قال النووي: "ثم إن مسلمًا -﵀- رتب كتابه على أبواب فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه؛ لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك"١. فقد يكون الأمر كذلك، وقد يكون غيره، مثل أن يقال: إنه فعل ذلك لئلا ينشغل الناس عن الأحاديث أو معانيها بالتماس أوجه الصلة بين عناوين الأبواب والأحاديث التي ذكرت تحتها، كما حدث ذلك في كتاب البخاري.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٢٩".
[ ٢٩٩ ]
قال فضيلة الدكتور/ رفعت فوزي: وقد سد هذا النقص شراح كتاب مسلم ومحققوه، فوضعوا له الأبواب التي تتلاءم مع معاني الأحاديث فيه١.
وأما من حيث الصحة وقوة الشروط، فإن صحيح الإمام البخاري مقدَّم على صحيح مسلم في هذا الجانب، ويدل على ذلك أمران:
الأول: شهادة جهابذة الحديث، ومن ذلك ما رواه الحافظ ابن حجر عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل".
قال الحافظ: والنسائي لا يُعْنَى بالجودة إلا جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره على إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح.
وقال الإسماعيلي في المدخل له: "أما بعد، فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري فرأيته جامعًا، كما سمى لكثير من السنن الصحيحة ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة، وتمكنًا وتبحرًا فيها، وكان -يرحمه الله- الرجل الذي قصر في زمنه على ذلك، فبرع، وبلغ الغاية، فحاز السبق، وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم، وكل قصد الخير، غير أن أحدًا لم يبلغ في التشدد مبلغ أبي عبد الله، ولا
_________________
(١) ١ كتب السنة "ص١٩٦"، وقال في الهامش: ولعل أكثرهم دقة -في وضع التراجم وصياغتها- الإمام النووي عندما شرح كتاب مسلم؛ لأنه اطلع على ما فعله العلماء، وتلافى نقص صنيعهم "شرح مسلم ١/ ١٦".
[ ٣٠٠ ]
تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له صلة بالحديث المروي فيه تسببه، ولله الفضل يختص به من يشاء".
قال الحافظ ابن حجر: هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلمًا تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره حتى قال الدارقطني "لما ذكره عند الصحيحين": "لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء"١. وقال مرة أخرى: "وأي شيء صنع مسلم؛ إنما أخذ كتاب البخاري فعمل عليه مستخرجًا، وزاد فيه زيادات".
الثاني: أن مدار الحديث الصحيح على اتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلة، مع الضبط والإتقان للرواة، وهذه الأوصاف في كتاب البخاري أقوى منها في كتاب مسلم، فهو أشد اتصالًا، وأوثق رجالًا، وأبعد عن الشذوذ والعلة.
- فمن حيث اتصال السند: إن الإسناد المعنعن الذي يقال فيه: "فلان عن فلان" اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة، أما البخاري فلا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، كما جرى مسلم على مذهبه المذكور في صحيحه، وصرح به في مقدمته، وبالغ في الرد على من خالفه، ولا شك أن مذهب البخاري في المعنعن أدخل في باب الاتصال، وأبعد عن شائبة الانقطاع، بخلاف ما ذهب إليه مسلم٢.
- ومن حيث السلامة من الشذوذ والإعلال: إن الأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت "٢١٠" اختص البخاري منها بـ"٧٨"، واختص مسلم بـ"١٠٠"، واشتركا في "٣٢"، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه٣.
_________________
(١) ١ شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر "ص١٠". ٢ راجع: المصدر السابق "ص١٠"، وتدريب الراوي "١/ ١١٤". ٣ راجع المصدرين السابقين.
[ ٣٠١ ]
- ومن حيث إتقان الرواة: يتبين رجحان صحيح البخاري على صحيح مسلم في هذا الباب بعدة أمور١:
أ- إن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلًا، المتكلم فيه بالضعف منهم "٨٠" رجلًا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري "٦٢٠" رجلًا، المتكلم فيه بالضعف منهم "١٦٠" رجلًا، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلًا أولى من التخريج عمن تكلم فيه وإن لم يكن ذلك الكلام قادحًا.
ب- إن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من التخريج عنهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس، بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ؛ كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت، وغير ذلك.
ج- إن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم، وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم، وميز جيدها من غيره، بخلاف مسلم فإن من انفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه أكثرهم ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم. ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه دون غيرهم.
د- إن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، وهي أعلى الطبقات في الحفظ والإتقان وطول الصحبة لمن أخذوا عنه استيعابًا، وينتقي من أحاديث الطبقة الثانية التي هي دون الأولى في الصفات المذكورة، ومسلم يخرج حديث الطبقة الثانية استيعابًا، وفي أصل موضوع كتابه، فكان البخاري أقوى إسنادًا وأوثق رجالًا.
هذا، وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: "ما تحت أديم السماء
_________________
(١) ١ راجع هذه الأمور في تدريب الراوي "١/ ١١٢، ١١٣".
[ ٣٠٢ ]
كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج" لا ينافي ما تقدم، فقد قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة؛ بل ذلك لأن مسلمًا صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه؛ بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندرة تبعًا لا مقصودًا؛ فلهذا قال أبو علي ما قال. قال: وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق، وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا لرده عليهم شاهد الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد، وشرطه فيها أقوى وأسد١.
الحديث المروي في الصحيحين هل يفيد العلم القطعي أم الظني؟
ذهب ابن الصلاح إلى أن ما رواه الإمام البخاري والإمام مسلم متفقين، أو ما رواه أحدهما منفردًا مقطوع بصحته، ويفيد العلم القطعي لا الظني؛ إلا أنه استثنى قائلًا: "سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل الشأن، والله أعلم"٢، قال ابن حجر العسقلاني: "وهو احتراز حسن"٢.
ووافق بعض العلماء ابن الصلاح فيما ذهب إليه قال ابن كثير: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه"٣، ونقل عن ابن تيمية أنه قال: "هو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة"٣.
_________________
(١) ١ شرح نخبة الفكر "ص١٠". ٢ هدى الساري "ص٣٤٦". ٣ اختصار علوم الحديث "ص٣٥، ٣٦".
[ ٣٠٣ ]
كما ذهب إلى هذا الرأي: داود الظاهري، وابن حزم، وابن حجر، والسيوطي١.
وحكاه السيوطي عن عدة من الحفاظ فقال: "فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية؛ كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفراييني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة؛ بل بالغ ابن طاهر المقدسي في صفة التصوف، فألحق به ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه"٢.
وقد احترز ابن حجر في رأيه فقال: "إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين -صحيح البخاري، وصحيح مسلم- وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه؛ حيث لا ترجيح؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضات العلم بصدقها من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته"٣.
ومن جهة أخرى، فقد عُورض رأي ابن الصلاح فيما ذهب إليه ومَن وافقه من كثير من المحققين كما زعم الإمام النووي حيث قال في التقريب٤: "وخالفه المحققون والأكثرون". وقالوا: إنما يفيد الحديث الصحيح الظن ما لم يكن متواترًا لجواز الخطأ والنسيان على الثقة٥. وقد دافع الإمام النووي عن هذا الرأي في غير موضع من كتبه، فقال في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: "وهذا الذي ذكره
_________________
(١) ١ اختصار علوم الحديث "ص٣٥، ٣٧". ٢ تدريب الراوي "١/ ١٦٦". ٣ شرح نخبة الفكر "ص٧". ٤ التقريب مع تدريب الراوي "١/ ١٦٥". ٥ تدريب الراوي "١/ ٧٥".
[ ٣٠٤ ]
الشيخ -يعني ابن الصلاح- في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن؛ فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك.
"قال": وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحًا لا يحتاج إلى النظر فيه؛ بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر فيه، ويوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي -صلى الله عليه ويسلم- "قال": وقد اشتد إنكار ابن برهان على مَن قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغطيته"١.
وقال الإمام السيوطي: "وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول"٢.
هذا، وقد رأى الدكتور/ مصطفى السباعي أن ذلك مذهب الجمهور٣.
قال الدكتور/ إسماعيل سالم عبد العال: "وهو ما نميل إليه ونأخذ به"٤.
قلت: وأنا أميل إلى ما ذهب إليه ابن الصلاح؛ وذلك لأسباب منها: دقة شروط البخاري في صحيحه، ومنها أن البخاري عرض هذه الأحاديث كلها على شيوخه وأئمة عصره، فأقروها سوى أحرف يسيرة.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم "١/ ١٥". ٢ تدريب الراوي "١/ ١٦٥". ٣ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "ص٥٠٢". ٤ دراسات في السُّنة "ص١٤٧".
[ ٣٠٥ ]
ويمكن أن ينطبق هذا القول الأخير على هذه الأحرف اليسيرة وحدها دون غيرها، وإن كان القول فيها للبخاري كما قال العقيلي١.
وقد اعترض بعض العلماء على ما ذهب إليه النووي والعز بن عبد السلام، فقال البلقيني: "ما قاله النووي وابن عبد السلام ومَن تبعهما ممنوع"٢.
- انتقاد بعض الحفاظ على الشيخين والجواب عنه:
انتقد جماعة من الحفاظ على البخاري ومسلم أحاديث زعموا أنهما أخلَّا فيها بشرطيهما ونزلت عن درجة ما التزماه؛ منهم: الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني، وألفوا في ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وليست عللها كلها قادحة؛ بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف.
قال: والأحاديث التي انتقدت عليهما إن كانت مذكورة على سبيل الاستئناس والتقوية -كالمعلقات، والمتابعات، والشواهد- أجيب عن الاعتراض عليها أن توجه بأنها ليست من موضوع الكتابين، فإن موضوعهما المسند المتصل؛ ولهذا لم يتعرض الدارقطني في نقده على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتابين، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا، وإن كانت من الأحاديث المسندة، فإما أن يكون الطعن مبنيًّا على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين فلا يقبل لضعف مبناه، وإما أن يكون مبنيًّا على قواعد قوية فحينئذ يكون قد تعارض تصحيحهما، أو تصحيح أحدهما، مع كلام المعترض، ولا ريب في تقدمهما في باب التصحيح والتضعيف على غيرهما.
قال الحافظ ابن حجر: وعدة ما انتقد عليهما من الأحاديث المسندة "٢١٠" مائتا حديث وعشرة، اشتركا في "٣٢" اثنين وثلاثين حديثًا، واختص البخاري بثمانية وسبعين، ومسلم بمائة.
_________________
(١) ١ نقلًا عن هدى الساري "ص٧"، "ص٤٨٩" - طبعة بولاق. ٢ نقلًا عن تدريب الراوي "١/ ١٦٥" - مؤسسة الرسالة.
[ ٣٠٦ ]
قال: والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم، على أهل عصرهما، ومن بعدهما من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل؛ فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك، فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا، وروى الفربري عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرت الله تعالى، وتيقنت صحته.
وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته. قال: فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام المنتقد عليها يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقدمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.
ثم أجاب الحافظ ابن حجر -﵀- عن النقد جوابًا تفصيليًّا، قسم فيه الأحاديث التي انتقدت عليهما إلى ستة أقسام، تكلم عليها، ثم أجاب عن الأحاديث التي أوردها الدارقطني على البخاري حديثًا حديثًا، ثم قال: فإذا تأمل المصنف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم.
قال: وإنما اقتصرت على ما ذكرته عن الدراقطني؛ لأني أردت أن يكون عنوانًا لغيره؛ فإنه الإمام المقدَّم في هذا الفن. اهـ.
هذا، وأما الأحاديث التي انتقدت على الإمام مسلم في صحيحه، فقد أجاب
[ ٣٠٧ ]
عنها واحدًا واحدًا جهابذة من أئمة الحديث، قال السيوطي: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفًا مخصوصًا فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته.
وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابًا في الرد عليه. قال السيوطي: "وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه وجادة، وهي في حكم الانقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابًا في الرد عليه، والجواب عنها حديثًا حديثًا، وقد وقفت عليه"١. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: "وأما الغلط، فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقل؛ بحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويًّا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه، فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح -بحمد الله- من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال: سيئ الحفظ، أو: له أوهام، أو: له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله؛ إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك"٢.
وهكذا يصرح الحافظ ابن حجر بأن أصول صحيح البخاري منزهة عن رواية هؤلاء المجرحين بكثرة الخطأ، والأوهام، والمناكير، وسوء الحفظ، وإذا كان الحافظ ابن حجر عَنِيَ نزاهة الإمام البخاري من رواية هؤلاء، فإن البحث أثبت أن أصول صحيح مسلم منزهة من روايتهم أيضًا.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي "١/ ١٦٩"، والرشيد العطار: هو أبو الحسين رشيد الدين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي الأموي النابلسي ثم المصري العطار المالكي الحافظ "ت٦٦٢هـ"، وقد لخص الإمام السيوطي كتابه في تدريب الراوي "١/ ٢٦١". والكتاب مطبوع باسم: غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ "١٤١٧هـ-١٩٩٦م". ٢ هدى الساري "ص٣٨١"، ط بولاق.
[ ٣٠٨ ]
وإذا كان الحافظ ابن حجر أشار إلى عدم الاحتجاج برواية المغفلين وكثيري الغلط، فإن هذا هو المذهب الذي أجمع عليه الأئمة، وصرح به السخاوي، والسيوطي، وغيرهما١، وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: متى يُترك حديث الرجل؟ قال: إذا حدَّث عن المعروفين بما لا يعرفه المعروفون، وإذا كثر الغلط، وإذا أتى بالكذب، وإذا روى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه، فلم يتهم نفسه فيتركه طُرح حديثه، وما كان على غير ذلك فاروِ عنه٢.
قال ابن حجر: "وينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل مَنْ ذكر فيهما"٣.
ومما لا شك فيه أن كل الروايات المدونة في أصول الصحيحين لا تحتمل نقدًا، يستوي في ذلك روايات الموثقين، والمختلف فيهم، والمجروحين، فقد أبَى الشيخان إلا أن ينتقيا مما صح عن رواتهما، وما تنطق عليه شروط الصحة عندهما، والتي أقرها أئمة عصرهما وتلقتها الأمة بالقبول من بعدهما.
وللإمام الحافظ أبي عمرو بن الصلاح جواب موجز محرر في الدفاع عن مسلم -﵀- يحسن بنا أن نذكره نقلًا عن الإمام النووي في مقدمته لشرح مسلم:
قال النووي ﵀: عاب عائبون مسلمًا بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقات الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح،
_________________
(١) ١ راجع: تدريب الراوي "١/ ٣٣٩"، فتح المغيث للسخاوي "١/ ٣٣١"، هدى الساري "ص٣٨١" ط بولاق. ٢ التعديل والتجريح "١/ ٢٨٨". ٣ هدى الساري "ص٣٨٤"، ط بولاق.
[ ٣٠٩ ]
ولا عيب عليه في ذلك؛ بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتًا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا، وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.
الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف، ورجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبعه بإسناد آخر، أو أسانيد بها بعض الضعف على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح؛ منهم: مطر الوراق، وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين.
الثالث: أن يكون ضَعْف الضعيف -الذي احتج به- طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فقد ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن في ذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصًا وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات
[ ٣١٠ ]
أولًا، ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.
روينا عن سعيد بن عمرو البردعي أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر صحيح مسلم وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقَطَن بن نُسَيْر وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضًا: يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا: إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح. قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع لي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية "من هو" أوثق منهم بنزول، فاقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات١
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: فهذا مقام وعر، وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعًا في مؤلَّف ولله الحمد. قال: وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ؛ بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك، والله أعلم٢.
- ومن الناحية العملية والعلمية:
لقد حصرت كل الرواة المتهمين في حفظهم من رجال الصحيحين، وذلك ضمن دراسة شاملة لرجال الصحيحين في رسالتي للدكتوراه٣، فوجدتهم أربعة وعشرين رجلًا، منهم اثنان من رجال الصحيحين معًا، وسبعة من رجال صحيح البخاري وحده، وخمسة عشر من رجال صحيح مسلم وحده، وتتبعت أقوال
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٣٤، ١٣٥" المقدمة. ٢ نقلًا عن المصدر السابق "١/ ١٣٦". ٣ راجع هذا البحث في رسالتي للدكتوراه وعنوانها: رجال الصحيحين في ميزان أئمة الجرح والتعديل، دراسة استيعابية - تحت الطبع.
[ ٣١١ ]
الأئمة فيهم، ورواياتهم المخرجة في الصحيحين والنقد الموجه إليها، وبعد تلك الدراسة المتأنية انتهيت إلى النتائج الآتية:
أولًا: أحاديثهم المروية في الصحيحين قليلة جدًّا، ولمعظمهم رواية واحدة.
ثانيًا: جاء كثير منهم مقرونًا بغيره من الثقات والأثبات.
ثالثًا: جاءت كل رواياتهم في المتابعات والمشاهد.
رابعًا: لم يوجه النقد إلا لأربعة أحاديث فقط، وقد ناقشتها جميعًا، وانتهيت إلى أن القول فيها للشيخين.
فلله الحمد على ما وفق الإمامين البخاري ومسلمًا للصواب والرشاد.
الانتقادات والطعون الموجهة إلى بعض أحاديث الصحيحين مدفوعة جملة وتفصيلًا:
الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة الأمر: أن كل ما كان من أحاديث في الصحيحين، أو أحدهما، أسفر فيه صبح الصحة لكل ذي عينين؛ لأنه قد قطع عرق النزاع ما صح من الإجماع على تلقي جميع الطوائف الإسلامية لما فيهما بالقبول، وهذه رتبة فوق رتبة التصحيح عند جميع أهل المعقول والمنقول، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة.
ونقرر -بداية- أنه لا مؤاخذة على الشيخين إذا كان الحديث المنتقد معلقًا أو ذُكر للاستشهاد؛ لأنه ليس من أصل الكتابين. قال الحافظ ابن حجر: "موضوع الكتابين إنما هو للمسندات، والمعلق ليس بمسند؛ ولهذا لم يتعرض الدارقطني -فيما تتبعه على الصحيحين- إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع
[ ٣١٢ ]
آخر؛ لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا"١.
فلا مؤأخذة إذن على البخاري ومسلم إذا كان الحديث المنتقد ليس من موضوع -أي أصل- الكتاب. وأما بالنسبة للطعن فيما كان من أصل الكتابين، فإن ذلك الطعن مبني على قواعد -لبعض المحدثين- ضعيفة جدًّا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الثقة والأصول وغيرهم٢.
وقد بلغ جملة الأحاديث المنتقدة من قِبَل بعض الحفاظ كالدارقطني وأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني الجياني -وغيرهم- مائتا حديث وعشرة، اشترك الشيخان في اثنين وثلاثين، واختص البخاري بثمانية وسبعين حديثًا، ومسلم بمائة حديث٣.
ومن تتبع الأحاديث -التي تكلموا فيها- وانتقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، قضى بصحتها وسلامتها من كل نقد، قد أجمع أهل العلم على أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في الصحيحين من المسندات -مما رُوي عن النبي ﷺ قد صح عنه، ورسوله ﷺ قاله لا شك فيه- أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته٤.
وقد ابتلينا هذه الأيام بمن سولت له نفسه نقد ما أجمع الأئمة -من علماء الحديث والخبراء بعلله- على صحته من حديث رسول الله -ﷺ- وادَّعى هؤلاء أنهم درسوا الصحيحين دراسة تفهم وتدبر، ونبذوا التعصب وتوصلوا إلى ما وصلوا إليه بفضل القواعد العلمية الحديثة لا الأهواء الشخصية أو الثقافة الأجنبية!! ٥
_________________
(١) ١ هدى الساري "ص٣٤٤، ٣٤٥"، ط بولاق. ٢ راجع: هدى الساري "ص٣٤٤". ٣ راجع: هدى الساري "ص٣٤٥". ٤ راجع: المقدمة لابن الصلاح "ص١٣"، وشرح مسلم للنووي "١/ ١٢٧". ٥ راجع كلام الألباني في: مقدمة شرح العقيدة الطحاوية "ص١٤، ١٥" ط المكتب الإسلامي، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل "حديث رقم ١٠٢١".
[ ٣١٣ ]
- وجدير بالذكر أن الطاعنين في بعض أحاديث الشيخين أو أحدهما يمكن تصنيفهم على النحو الآتي:
أولًا: بعض الحفاظ من أهل العلم المتقدمين ممن تأخروا عن الشيخين.
ثانيًا: بعض المعاصرين، وهم أنواع:
أ- منهم أهل علم يَهْوَى الطعن ليُعرف.
ب- ومنهم المحسوب على أهل العلم، يتبع أسياده من الغرب الذين درس عندهم، وتخرج على موائدهم.
جـ- ومنهم الجاهل.
د- ومنهم من كان منحرفًا وملحدًا، ثم صار في عشية وضحاها -في نظره ونظر أمثاله- من شيوخ الإسلام الداعين إلى التجديد.
- ويمكن حصر أهداف المعاصرين فيما يلي:
أولًا: الحقد على الشيخين.
ثانيًا: الطعن في السُّنَّة وتشويهها، ومن ثم هدمها والقضاء على المصدر الثاني للتشريع الإسلامي -كل ذلك تحت شعار الاجتهاد والتجديد في الفكر وإحياء المناظرات واستمرار الحوار- حتى قال بعضهم: "هذه نماذج قليلة أقدمها للقراء، وليس في نيتي مطلقًا أن أشكك أحدًا في عقيدته، أو في المصدر الذي يستقي منه شريعته، ويشهد الله أن دافعي الأول لكتابة هذه السطور، هو إذكاء روح الاجتهاد الذي خمد في المسلمين، وأقعدهم عن البحث والنظر والاستقصاء، كما كان يفعل السلف الصالح، أما إذا أراد المرجفون والحاقدون والمحنطون أن يجهزوا طبول الحرب ضد هذه اليوميات، فأنا على استعداد لإغراقهم في بحر متلاطم من الأدلة والبراهين"١.
_________________
(١) ١ نقلًا عن مكانة الصحيحين "ص٣٠١".
[ ٣١٤ ]
ثم يدعي أن في الصحيحين أحاديث ضعيفة وموضوعة فيقول: "ولكي لا يكون كلامي هذا ثرثرة بلا صدى، وادعاء بلا بينة، فإنني سأسوق هنا نماذج قليلة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اتفق عليها البخاري ومسلم".
ثم يحلف أنه لا يريد التشكيك! ١
علمًا بأن الأحاديث التي زعم أنها ضعيفة أو موضوعة ليست في الصحيحين، ولا في الكتب الستة، وبعضها لا وجود له في كتب الحديث المعتمدة، وألصقها هو بالصحيحين افتراء وكذبًا، ولا غرابة في ذلك، فإن هذا الكاتب كان مُلحدًا -يعتقد أنه لا يزال كذلك- وصار بين عشية وضحاها من الحاملين للواء التجديد في الإسلام "فقهًا وأصولًا وقرآنًا وتفسيرًا وحديثًا وفكرًا" قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقال الشيخ الألباني: "والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة، على قواعد متينة وشروط دقيقة، وقد وفقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يوفق إليه من بعدهم، ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح؛ كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، حتى صار عرفًا أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة، ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا"٢.
وليت الألباني سكت عند هذا التصريح، وإنما أعقب ذلك ببيان أعلن فيه أن الصحيحين لا يسلمان من الغلط، وضرب لذلك مثلًا من الصحيحين، وهو حديث ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- تزوج ميمونة وهو محرم٣.
_________________
(١) ١ مكانة الصحيحين "ص٣٠٢، ٣٠٣". ٢ مقدمة شرح العقيدة الطحاوية "ص١٧". ٣ خ "٤/ ٥١ فتح" "٢٨" ك جزاء الصيد "١٢" ب تزويج المحرم - رقم "١٨٣٧"، خ "٩/ ١٦٥ فتح" "٦٧" ك النكاح، "٣٠" ب نكاح المحرم، رقم "٥١١٤"، خ "٧/ ٥٠٩ فتح" "٦٤" ك المغازي "٤٣" ب عمرة القضاء - رقم "٤٢٥٨ و٤٢٥٩". م "٢/ ١٠٣١، ١٠٣٢" "١٦" ك النكاح "٥" ب تحريم نكاح المحرم - رقم "٤٦ و٤٧".
[ ٣١٥ ]
قال الألباني: "فإن المقطوع به أنه -ﷺ- تزوج ميمونة وهو غير محرم، ثبت ذلك عن ميمونة نفسها"، ثم نقل عن محمد بن عبد الهادي قوله: وقد عد هذه من الغلطات التي وقعت في الصحيح، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإنسان أعرف بحال نفسه١.
قلت: هذا المثال الذي أتَى به الألباني عليه لا له، فهو من الأحاديث المشهورة التي وقع التجاذب بين مدلوليها، ومثالها لا يفيد العلم؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم، وقد تكلم العلماء على هذا الحديث، واختلفوا فيه منذ القرن الأول٢؛ ولكن الألباني أَبَى إلا أن يُطلق في موضع التقييد -وهو خطأ فادح- علمًا بأن جمعًا من العلماء جمعوا بين ما جاء في تزوج النبي -ﷺ- من ميمونة وهو محرم، وبين نفيها -﵂- ذلك، والجمع أولى من غيره، وهو سبيل أهل العناية والورع٣، ونفى ابن حبان أن يكون تعارض بين هذه الأخبار فقال: وليس في هذه الأخبار تعارض٤، وكان يجب على الألباني أن يذهب إلى هذا المذهب القوي دفاعًا عن الصحيحين، لا أن يتخذ هذا الحديث قنطرة لكلام على أسانيد الصحيحين حسبما يراه٥ بجهده المتواضع٦.
_________________
(١) ١ راجع: مقدمة شرح العقيدة الطحاوية "ص١٤، ١٥"، إرواء الغليل "حديث رقم ١٠٢١"، تنقيح التحقيق "٢/ ١٠٤/ ١". ٢ راجع: فتح الباري "٩/ ١٦٥"، "٤/ ٥٢"، "٧/ ٥١٠"، نيل الأوطار "٥/ ١٧- ١٩"، نصب الراية "٣/ ١٧٠- ١٧٤"، الأم "٢/ ١٦٠"، الاعتبار للحازمي "ص ١٩"، الإحكام لابن حزم "٢/ ٢١٤"، التمهيد "٣/ ١٥٦"، معالم السنن بهامش سنن أبي داود "٢/ ٤٢١، ٤٢٢"، المجموع "٧/ ٣٩٥- ٣٩٧"، شرح معاني الآثار "٢/ ٢٧٣"، المغني لابن قدامة "٣/ ٣١١- ٣١٣"، تنبيه المسلم "ص٢٤". ٣ راجع: تنبيه المسلم "ص٢٤- ٢٥"، وانظر: فتح الباري "٩/ ١٦٥"، المغني "٣/ ٢١٠٣- ٢١٠٩"، نصب الراية "٣/ ١٧٣". ٤ نقلًا عن نصب الراية "٣/ ١٧٣". ٥ تنبيه المسلم "ص٢٥". ٦ راجع تحقيق هذه المسألة في رسالتي للماجستير: مرويات الإمام البخاري في غير الصحيح - جمع وترتيب ودراسة "٣/ ٢١٠٣- ٢١٠٩"، بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة.
[ ٣١٦ ]
وأحاديث أخرى كثيرة -مما اتفق على روايتها الشيخان أو انفرد بها أحدهما- سمح الشيخ الألباني لنفسه وتلاميذه أن يقف منها موقف الناقد البصير١.
وادعى الدكتور حمزة عبد الله المليباري -في بحث له ضمن رسالة الدكتوراه له- أن في صحيح الإمام مسلم عللًا خطيرة تدمر صحة جملة كبيرة من أحاديثه، وأنه يجب الاستعانة لذلك بكتب علل الحديث٢، ولا شك أنه ادعاء مغرض، هدفه النيل من السُّنة الصحيحة، ولكن هيهات لما يهدفون!
ومما يجب التنبيه عليه أن كل الطعون التي اعتمد عليها الطاعنون في بعض أحاديث الصحيحين -أو أحدهما- كلها مبينة على قواعد ضعيفة مخالفة لما اتفق عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول، وعليه فإنها لا تضر بصحة هذه أحاديث، علمًا بأن أكثر هذه الطعون موجهة نحو الرواة لا المتون٣.
وأما كون الانتقادات والطعون الموجهة إلى بعض أحاديث الصحيحين -أو أحدهما- مردودة جملة؛ فذلك لأمور كثيرة منها ما يلي٤:
الأول: تعارض قول المنتقدين مع تصحيح الشيخين لأحديثيهما
قال الإمام البخاريث: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من صحيح أكثر"٥، وقال: "ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول٦"، وقال: "أخرجت هذا الكتاب من زهاء ستمائة ألف حديث وجعلته حجة بيني وبين الله"٧.
_________________
(١) ١ تناولت معظم هذه الأحاديث في رسالتي للدكتوراه: رجال الصحيحين في ميزان أئمة الجرح والتعديل - دراسة استيعابية - بدار العلوم أيضًا. ٢ راجع: منهج الإمام مسلم "ص٥٠". ٣ راجع: هدى الساري "ص٢٤٦" ط بولاق. ٤ راجع: مكانة الصحيحين "ص٣١٤-٣٢٦". ٥ هدى الساري "ص٧". ٦ تهذيب الكمال "١/ ١٦٧، ١٦٨"، هدى الساري "ص٧". ٧ تاريخ بغداد "٢/ ٨"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٧٤"، هدى الساري "ص٧".
[ ٣١٧ ]
وقال الإمام مسلم: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"١.
وقال: "ما وضعت شيئًا في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة"٢. وقال: "صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة"٣.
فجزم الشيخان بصحة أحاديثهما، وأنها منتقاة ومنتخبة من مئات الألوف، وأنهما التزما الصحة، فلم يوردا إلا الصحيح من حديث رسول الله ﷺ.
الثاني: تعارض قول المنتقد مع ما اتُفِقَ عليه من أصحية الكتابين:
فقد انعقد الإجماع على صحة هذين الكتابين، وأنهما أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى، وقد حَكَى هذا الإجماع جمع من الأئمة والحفاظ منهم:
الحافظ ابن حجر٤، وشيخه سراج الدين البلقيني٥، والحافظ ابن طاهر المقدسي٦، وأبو بكر الجوزقي٧، وأبو عبد الله الحميدي٨، وابن تيمية٩، والشوكاني١٠، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي ١١، وابن الصلاح١٢، وأبو إسحاق الإسفرائيني١٣، والنووي١٤، وإمام الحرمين١٥، والسخاوي١٦،
_________________
(١) ١ م "١/ ٣٠٤" ك الصلاة، ب التشهد - في حديث رقم "٦٣". ٢ تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٩٠". ٣ تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٩". ٤ هدى الساري "ص٣٨٤". ٥ محاسن الاصطلاح "ص١٠١".
(٢) ٩ النكت على ابن الصلاح "١/ ٣٨٠". ١٠ إرشاد الفحول "ص٥٠". ١١ نقلًا عن مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح "ص٣٨، ٣٩". ١٢ مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح "ص٣٨، ٣٩"، شرح مسلم لابن الصلاح "ص٨٥"، صيانة صحيح مسلم "ص٨٥". ١٣ فتح المغيث للسخاوي "١/ ٤٧"، توجيه النظر "ص٨٥". ١٤ تهذيب الأسماء والصفات "١/ ٧٣، ٧٤"، شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٤". ١٥ شرح مسلم للنووي "١/ ١٩- ٢٠". ١٦ فتح المغيث له "١/ ٢٩٧- ٢٩٨".
[ ٣١٨ ]
والقسطلاني١، والسيوطي٢، والشيخ أبو الفتح القشيري٣.
فهؤلاء -وغيرهم- نقلوا الإجماع على صحة ما اتفق عليه الشيخان، وما انفرد به أحدهما من المسندات، قال الشوكاني: "ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه"٤.
الثالث: تعارض قول المنتقد مع كون الأمة تلقت الكتابين بالقبول
قال الإمام أبو إسحاق الإسفرائيني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف بها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها فمن خالف حكمه خبرًا منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه؛ لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول"٥.
وقال ابن الصلاح: "جميع ما حكم مسلم بصحته في هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد الخلافة "٦.
حتى أخبار الآحاد في الصحيحين -أو أحدهما - تلقتها الأمة بالقبول، وأجمع الأئمة من العلماء على صحتها٧.
وذكر ابن تيمية -فيما حكاه عنه ابن كثير- أن جماعات من الأئمة نقل عنهم
_________________
(١) ١ مقدمة شرح صحيح البخاري له "ص٢٠" في المجلد الأول. ٢ شرح ألفية السيوطي في مصطلح الحديث "ص١٠". ٣ هدى الساري "ص٣٨٤"، مرقاة المفاتيح "١/ ١٧". ٤ إرشاد الفحول "ص٤٩" طبعة دار المعرفة - بيروت. ٥ فتح المغيث للسخاوي "١/ ٤٧"، توجيه النظر "ص١٢٥". ٦ مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح "ص٣٨، ٣٩"، شرح مسلم لابن الصلاح " ص٨٥". ٧ راجع: النكت على ابن الصلاح لابن حجر "١/ ٣٧١-٣٧٩".
[ ٣١٩ ]
القطع بأحاديث الشيخين، منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاعون وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخس من الحنفية، قال: "وهو قول جمع من أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم كأبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك، وأيضًا هو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة"١.
الرابع: تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه من أن أصح الحديث المتفق عليه ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم
الإجماع على أن أصح الحديث وأعلى مراتبه ما اتفق عليه الشيخان، ويليه عند الجمهور ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما.
قال الحافظ ابن الصلاح: "فأولها: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعًا، والثاني: صحيح انفرد به البخاري؛ أي: عن مسلم. الثالث: صحيح انفرد به مسلم؛ أي: عن البخاري. الرابع: صحيح على شرطهما لم يخرجاه. الخامس: صحيح على شرط البخاري لم يخرجه. السادس صحيح على شرط مسلم لم يخرجه. السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما. هذه أمهات أقسامه. وأعلاها -أي: أقسام الصحيح- الأول هو الذي يقول أهل الحديث كثيرًا: "صحيح متفق عليه" يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه؛ لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذ القسم جمعيه مقطوع بصحته والعلم اليقين النظري واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثم بان لي أن هذا المذهب الذي
_________________
(١) ١ راجع: اختصار علوم الحديث لابن كثير "ص٣٤". ط دار الكتب العلمية، وتدريب الراوي "١/ ١٦٦".
[ ٣٢٠ ]
اخترناه أولًا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ "١.
وعليه فيكون قول المنتقد متعارضًا مع ما اتفق عليه علماء الحديث، ويكون الطعن مدهشًا حين يُوجه إلى ما اتفق عليه الشيخان، وهو أعلى مراتب الصحيح، قال ابن تيمية: "والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم؛ ولهذا لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحًا لا ريب فيه، قد اتفق أهل العلم على صحته"٢.
الخامس: تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه العلماء المعاصرون للشيخين على صحة الكتابين
لا يختلف اثنان في أن أعلم أهل الحديث دراية وجرحًا وتعديلًا وخبرة بعلل الحديث وطرقه هم الأئمة: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل، كما أنهم من أعلم أهل الاستقراء والتتبع وجمع الطرق، وقد كان هؤلاء بمثابة الشيوخ والأقران للإمامين البخاري ومسلم؛ لأنهم كانوا معاصرين لهما، وقد عرض الشيخان صحيحيهما -بعد الانتهاء منهما- على هؤلاء وغيرهم من أئمة عصرهما، فأقروهما وشهدوا لهما بالصحة.
قال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم، فأستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة"٣، وقال ابن تيمية نحوه٤، وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: "عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته"٥، وقال الإمام مسلم: "ليس كل شيء
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح "ص١٤" في النوع الأول. ٢ مجموع الفتاوى "١٨/ ١٩ - ٢٠". ٣ هدى الساري "ص٧" و"ص٤٨٩". ٤ مجموع الفتاوى "١٨/ ١٩"و"١/ ٢٥٦". ٥ هدى الساري "ص٣٤٥".
[ ٣٢١ ]
صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"١، قال سراج الدين البلقيني: "أراد مسلم بقوله: "ما أجمعوا عليه" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني"٢.
وفي صنيع هذين الإمامين فائدة، وهي تواضع أهل العلم مع بعضهم، خاصة وأن الشيخين إمامان لا يباريان في هذا الميدان كما أفاد إجماع هؤلاء الأئمة على صحة ما رواه الإمام البخاري سوى الأحاديث الأربعة التي كان القول فيها للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- كما قرر العقيلي. وأما بالنسبة للإمام مسلم فقد ترك كل حديث كان عرضة للنقد، أو اطلع الأئمة على علة فيه، حتى صار كل ما بين دفتي كتابه مما خرجه في الأصول مجمعًا على صحته.
وهكذا كان هؤلاء الأئمة المعاصرون للشيخين بمثابة المراجعين والمنقحين مما يجعلنا نستريح للجزم بصحة ما اتفقا عليه، أو انفرد به أحدهما؛ لإجماع هؤلاء الأئمة على صحة ما جاء في الصحيحين أو أحدهما؛ لأن هؤلاء لا يجتمعون على خطأ.
فطعون المنتقدين لا تستحق الالتفات إليها أو الاهتمام بها؛ لأنها متعارضة مع تصحيح أسيادهم أئمة الجرح والتعديل والمجتهدين فيه، وخبراء الرواية والدراية والعلل والأسانيد، "وخاصة إذا علمنا أن من هؤلاء الأعلام المتشدد الذي يطعن بالغلطة والغلطتين والمتوسط المعتدل، وليس فيهم المتساهل، فقول هؤلاء أولى بالأخذ به، ويستدل بشهادتهم وإقرارهم وإستحسانهم على صحة هذه الأحاديث في هذين الكتابين"١.
السادس: تعارض قول المنتقد مع ورود هذه الأحاديث "المنتقدة" في المستخرجات سليمة من كل ما أُعلت به
وهذه فائدة من فوائد المستخرجات على الصحيحين، قال الحافظ ابن حجر:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم "١/ ٣٠٤"، ك الصلاة في الحديث رقم "٦٣". ٢ محاسن الاصطلاح "ص٩١".
[ ٣٢٢ ]
"وكل علة أعل بها حديث في أحد الصحيحين جاءت رواية المستخرج سالمة منها، فهي من فوائده، وذلك كثير جدًّا".
والحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- من أهل الاستقراء والتتبع والتحقيق الدقيق، وله دراية بالصحيح زادت على عشرات السنين، وقوله في هذا الباب حجة معتمدة ١.
فإن اتضح سلامة هذه الأحاديث من العلل الموجهة إليها، وذلك من خلال ورودها في هذه المستخرجات، وبان سلامتها من هذه الطعون، وزال اللبس عنها؛ كان ذلك مؤيدًا لما صرح به الشيخان من صحة كتابيهما، وانتفاء العلل عن أحاديثهما.
السابع: كون الشيخين مجتهدين، والمنتقد مقلد
إن مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث أن البخاري ومسلمًا -رحمهما الله تعالى- كانا من أئمة المجتهدين في الجرح والتعديل وعلوم الحديث، وتمييز الصحيح من المعلول.
قال الحافظ ابن حجر: "لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعدها من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أهل أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عن أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك، فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا "٢.
بينما من جاء بعدهما، فالغالب عليهم التقليد لهما ولغيرهما من أهل
_________________
(١) ١ مكانة الصحيحين "ص٣٢٣- ٣٢٤". ٢ هدى الساري "١/ ١١٦".
[ ٣٢٣ ]
عصرهما؛ وذلك لبعد العهد عن الرواة، وعدم المعاصرة للمجرحين والمعدلين، فينقلون كلام المتقدمين ثم يستنبطون منه القول الذي يعتمدونه، وإذا تعارض كلام المجتهد بكلام المقلد، فإن الأخذ بكلام المجتهد هو الأولى؛ لأن كلام المجتهد لا ينتقض بكلام المقلد١.
ومما يلفت النظر، أن نقد المنتقدين انصب على الأسانيد دون المتون، اللهم إلا في مواضع يسيرة. قال القسطلاني: "إن الدارقطني تتبع على البخاري في أزيد من مائة موضع، ولم يستطع أن يتكلم إلا في الأسانيد بالوصل والإرسال - غير موضع، وهو: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما " فإنه تكلم فيه مما يتعلق بحال المتن، ووجهه: أن الدارقطني يمشي على القواعد الممهدة عندهم فينازعه، من القواعد، وشأن البخاري أرفع من ذلك، فإنه يمشي على اجتهاده، وينظر إلى خصوص المقام وشهادة الوجدان، وإنما القواعد لغير الممارس على حد التحديد للعوام فيما لم يرد به التحديد من الشارع، ورتبتهما أعلى من الكل بعد اختلاف يسير بينهما"٢ أي: البخاري ومسلم، وذكر الحافظ ابن حجر نحوه٣.
فإذا عرف كل ما سبق وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما؛ اندفعت كل الانتقادات والطعون الموجَّهة إلى الصحيحين جملة.
- وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن الأحاديث المنتقدة على الصحيحين تنقسم أقسامًا:
القسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد،
_________________
(١) ١ مكانة الصحيحين "ص٣٢٤". ٢ هدى الساري "ص٣٤٥". ٣ راجع: مكانة الصحيحين "ص٣٢٥- ٣٢٦".
[ ٣٢٤ ]
فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني؛ لأن الراوي إن كان سمعه، فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة، فهو منقطع، والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيف لا يعل الصحيح، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًّا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا، أو صرح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا، فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع وعاضد، وما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع وربما علل بعض النقاد أحاديث ادُّعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.
القسم الثاني منها: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد، فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد وإن امتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد، فيخرج المصنف الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق المرجوحة، أو يشير إليها فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف، فينبغي الإعراض أيضًا عما هذا سبيله، والله أعلم.
القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا، أو
[ ٣٢٥ ]
أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا أن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.
القسم الرابع منها: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواية، وليس في الصحيح من هذا القبيل غير حديثين وتبين أن كلًّا منهما قد توبع.
القسم الخامس منها: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا، ومنه ما لا يؤثر١.
_________________
(١) ١ مقدمة فتح الباري "ص٥٧"، ط بولاق.
[ ٣٢٦ ]
ثالثًا: أبو داود السجستاني "٢٠٢-٢٧٥هـ" ١
هو: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر أبو داود السجستاني أحد حفاظ الإسلام، وأبرز من رحل وطوَّف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين، والمصريين، والجزريين، والحجازيين، وغيرهم.
وكان من أكثر الأئمة معرفة بالحديث الشريف وعلله وفقهه، وكان ناقدًا بصيرًا.
ولسعة علمه ودقة تحقيقه، كانت له مكانة متميزة عند الأئمة وأهل العلم، وقد أثنوا عليه ثناء حسنًا مبينين سعة حفظه وخبرته بالعلل وصلاحه وورعه.
- ومن شيوخه المشهورين:
الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد بن منصور، وأبو الوليد الطيالسي، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن المثنى، وخلق كثيرون.
وروى عنه كثيرون من العلماء والأئمة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثًا واحدا، وكان أبو داود يعتز بذلك كثيرًا٢.
وممن روى عنه من المشهورين: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وزكريا الساجي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو بكر أحمد بن محمد بن هارون
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "١١/ ٣٥٥- ٣٦٧"، أخبار أصبهان "١/ ٣٣٤"، تاريخ بغداد "٩/ ٥٥"، أنساب السمعاني "٧/ ٤٦"، المنتظم "٥/ ٩٧"، الكامل في التاريخ "٧/ ٤٢٥"، اللباب "٢/ ١٠٥"، وفيات الأعيان "٢/ ٤٠٤"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٩١"، العبر "٢/ ٥٤"، طبقات السبكي "٢/ ٢٩٣"، البداية والنهاية "١١/ ٥٤"، تهذيب التهذيب "٤/ ٢٩٨"، طبقات الحفاظ للسيوطي "ص٢٦١"، طبقات المفسرين "ص١٩٥"، شذرات الذهب "٢/ ١٦٧"، وغيرها. ٢ راجع: تاريخ بغداد "٩/ ٥٥"، الخلاصة "ص١٢٧".
[ ٣٢٧ ]
الخلال، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وإسماعيل بن محمد الصفار
- ثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر الخلال١: أبو داود سليمان بن الأشعث، الإمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم٢.
وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي٣: سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله -ﷺ- وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث٤.
وقال إبراهيم الحربي٥ وأبو بكر الصاغاني٦: أُلين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي -﵇- الحديد٧.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي "ت٣١١هـ" له كتب كثيرة، وقد جمع علم الإمام أحمد. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" "٧٨٥"، و"المنهج الأحمد" "٢/ ٥"، وطبقات الحنابلة "٢/ ١٢"، و"البداية والنهاية" "١١/ ١٤٨". ٢ "تاريخ بغداد" "٩/ ٥٧"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ٣ هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد أبو إسحاق "ت٣٣٤هـ"، انظر ترجمته في "شذرات الذهب" "٢/ ٣٣٥". ٤ "تاريخ بغداد" "٩/ ٥٧"، و"مختصر المنذري" "١/ ٧"، وتهذيب التهذيب " ٤/ ١٧٢"، و"تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ٥ هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي كان حافظًا فقيهًا توفي ببغداد سنة "٢٨٥". انظر: "معجم الأدباء" "٣٧١"، و"المنهج الأحمد" "١/ ١٩٦"، و"تاريخ بغداد" "٦/ ٢٧"، و"طبقات الحنابلة" "١/ ٨٦"، و"شذرات الذهب" "٢/ ١٩٠"، و"تذكرة الحفاظ" "٥٨٤". ٦ هو الحافظ محمد بن إسحاق محدث بغداد الإمام الثقة "ت٢٧٠هـ". انظر: "تاريخ بغداد" "١/ ٢٤١"، و"تذكرة الحفاظ" "٥٧٣". ٧ "البداية والنهاية" "١١/ ٥٥"، "طبقات الشافعية" "٢/ ٢٩٣"، و"تذكرة الحفاظ" "٥٩١"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، و"مختصر المنذري" "١/ ٥"، و"معالم السنن" "١/ ١٢"، و"المنهج الأحمد" "١/ ١٧٥".
[ ٣٢٨ ]
وقال موسى بن هارون الحافظ١: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه٢.
وقال علان بن عبد الصمد: كان من فرسان الشأن٣.
وقال أبو حاتم بن حبان ٤: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنف وذب عن السنن٥.
وقال أبو عبد الله بن منده٦: الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي٧.
وقال الحاكم٨: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة٩.
وقال محمد بن مخلد١٠: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، وأقر له أهل زمانه بالحفظ١١.
وقال ابن ماكولا١٢: هو إمام مشهور.
وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة ١٣ يرفعان من قدره بما لا يذكران أحدًا في زمانه مثله١٤.
_________________
(١) ١ هو الحافظ موسى بن هارون الحمال البغدادي البزار "ت٢٩٤هـ"، وانظر: "تذكرة الحفاظ" "٦٦٩". ٢ طبقات الشافعية" "٢/ ٢٩٣"، "تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ٣ "تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، و"تهذيب الأسماء واللغات" "٢/ ٢٢٤". ٤ هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي والشافعي، صاحب "الصحيح"، و"الثقات"، و"المجروحين" "ت٢٥٤هـ". ٥ "تهذيب التهذيب "٤/ ١٧٢"، و"الخلاصة" للخزرجي "ص١٢٧". ٦ هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الحافظ "ت٣٩٦هـ". ٧ "تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢". ٨ هو محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابوري صاحب "المستدرك"، ولد سنة ٣٣١هـ، وتفقه على مذهب الشافعي "ت٤٠٥هـ". ٩ هو محمد بن مخلد بن حفص، الإمام مسند بغداد، عاش ٩٨ سنة، "ت٣٣١هـ"، "انظر: "تذكرة الحفاظ ٨٢٨". ١٠ تهذيب التهذيب "٤/ ١٧٢". ١١ هو الأمير الحافظ أبو نصر علي بن هبة الله مصنف "الإكمال"، ولد سنة "٤٢٢هـ" وقتله مماليكه الأتراك سنة ٤٨٦، وقيل: سنة ٤٧٥. ١٢ "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ١٣ هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة البغدادي "ت٢٩٣هـ". ١٤ "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧١".
[ ٣٢٩ ]
وقال الذهبي١: وبلغنا أن أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه النبي -ﷺ- في هديه ودله٢.
ولم يرض السبكي في "طبقاته" أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها؛ بل اختار الوقوف عند ابن مسعود٣.
ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضًا قوله في أبي داود: كان رأسًا في الحديث، رأسًا في الفقه، ذا جلالة، وحرمة، وصلاح، وورع، حتى أنه كان يشبه بأحمد٤.
وقال ابن الجوزي٥: كان عالمًا، حافظًا، عارفًا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع، وكان يشبه بأحمد بن حنبل٦.
- ثناء العلماء على سنن أبي داود:
قال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم، وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه٧، فنال بذلك ثناء الأئمة والعلماء وتقديرهم.
وقال أبو زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب "السنن" لأبي داود عهد الإسلام٨.
_________________
(١) ١ هو الإمام، الحافظ، مؤرخ الإسلام، الناقد: محمد بن عثمان الذهبي، الشافعي، الدمشقي "ت٧٤٨هـ". ٢ "تذكرة الحفاظ" "ص٥٩٢". ٣ "طبقات الشافعية" "٢/ ٢٩٦". ٤ "شذرات الذهب" "٢/ ١٦٧". ٥ هو عبد الرحمن بن علي إمام مشهور كثير التصنيف "ت٥٩٤هـ"، وانظر ترجمته بقلمنا في مقدمة "القصاص والمذكرين". ٦ "المنتظم" "٥/ ٩٧". ٧ "معالم السنن" "١/ ١٣". ٨ "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤".
[ ٣٣٠ ]
وقال محمد بن مخلد: لما صنف أبو داود "السنن" وقرأه على الناس صار لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ فيه١.
وقال ابن الأعرابي -وأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة٢.
وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال: "وهذا -كما قال- لا شك فيه؛ لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب، إلا أن البيان على ضربين:
بيان جلي تناوله الذكر نصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنًا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكلًا إلى النبي -ﷺ- وهو معنى قوله سبحانه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه"٣.
وقال الخطابي أيضًا: "اعلموا -رحمكم الله- أن كتاب السنن لأبي داود كتاب طريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، وصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ذود وشرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أهل الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل،
_________________
(١) ١ "تهذيب الأسماء واللغات" "٢/ ٢٢٤". ٢ "معالم السنن" "١/ ١٢". ٣ "معالم السنن" "١/ ١٢، ١٣".
[ ٣٣١ ]
ومسلم بن الحجاج، ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفًا وأكثر فقهًا"١.
وقال الخطابي أيضًا: "اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثي أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم، فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع، ثم المقلوب -أعني ما قلب إسناده- ثم المجهول، وكتاب أبي داود خليّ منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكره علته ويخرج من عهدته، وحكى لنا عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه". وكان تصنيف علماء الحديث -قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل"٢.
وقال أبو حامد الغزالي عن "سنن أبي داود": إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام٣.
وقال ابن القيم: "لما كان كتاب "السنن" لأبي داود -﵀- من
_________________
(١) ١ معالم السنن "١/ ١٠، ١١". ٢ معالم السنن "١/ ١١". ٣ البداية والنهاية "١١/ ٥٥"، وانظر: قواعد التحديث "ص٣٣٢"، و"مفتاح السنة" للخولي "ص٨٥".
[ ٣٣٢ ]
الإسلام بالموضع الذي خصه الله به؛ بحيث صار حكمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء"١.
وقال ابن حجر في أبي داود:
فاق التصانيف الكبار بجمعه الأحكام فيها يبذل المجهودا
قد كان أقوى ما رأى في بابه يأتي به ويحرر التجويدا٢
- كتابه "السنن":
ألف أبو داود كتابه "السنن" في وقت مبكر، وعُني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة.
أما كونه ألفه في وقت مبكر، فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنه روى كتابه "السنن" ببغداد ونقله عن أهلها، ويقال: إنه صنفه قديمًا وعرضه على أحمد بن حنبل "ت٢٤١هـ"، وذلك قبل مجيئه بغداد، فاستجاده واستحسنه٣.
وقد عاصر أبو داود السجستاني كبار الأئمة الذين شرعوا في تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها أمثال البخاري ومسلم؛ ولكن هذين الإمامين وإن كانا قد اهتما بالناحية الفقهية، إلا أنهما لم يفردا أحاديث الأحكام بالتأليف، وهي أهم ما يبحث عنه المسلمون، ويحتاجون إليه كثيرًا لاستنباط الأحكام الفقهية التي يسيرون عليها.
_________________
(١) ١ "تهذيب ابن القيم" "١/ ٨". ٢ "ديوان ابن حجر" "ص٢٠". ٣ "تاريخ بغداد" "٩/ ٥٥"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧١"، و"مختصر سنن أبي داود" "١/ ٥"، و"جامع الأصول" "١/ ١١١".
[ ٣٣٣ ]
ولهذا رأينا بعض العلماء يتقدمون خطوة أخرى، فيعنون بهذه الناحية أكثر من غيرها، ومن هؤلاء الإمام أبو داود الذي ألف كتابه السنن ولم يُعْنَ فيه كثيرًا بغير أحاديث الأحكام كالمغازي والسير والقصص والآداب.
يقول الخطابي: "وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل"١.
وقد جمع أبو داود سننه في عشرين سنة، وانتقاه من خمسمائة ألف حديث، وظل يقرؤه على الناس حوالي أربعين سنة.
قال أبو داود: "أقمت بطرطوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله"٢، ثم ذكر الأحاديث.
وقال أبو داود: كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنه هذا الكتاب -يعني السنن- جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:
أحدها: قوله ﷺ: "الأعمال بالنيات".
_________________
(١) ١ معالم السنن "١/ ١١". ٢ تهذيب الأسماء واللغات للنووي "٢/ ٢٢٤"، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث الأربعة قريبًا.
[ ٣٣٤ ]
والثاني: قوله ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله ﷺ: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
والرابع: قوله ﷺ: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبَيْنَ ذلك أمور مشتبهات" ١.
- شروط أبي داود في سننه:
بيَّن الخطابي شروط أبي داود في كتابه السنن، وهو أنه جمع فيه الحديث الصحيح والحديث الحسن، وأما الحديث السقيم بأنواعه المختلفة كالموضوع والمقلوب الإسناد، والمجهول الرواة فيرى الخطابي أن سنن أبي داود خلا منها، وهو منه بريء من جملة وجوه، ثم بيَّن الخطابي أنه قد تدعو الحاجة أبا داود إلى شيء من هذا السقيم، فيميزه حتى يعرف الناس علته ويخرج من عهدته٢.
وحكى ابن الصلاح عن أبي داود نفسه أنه روى في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وأنه بين ما فيه وَهَنٌ شديد.
وحكى ابن الصلاح عن ابن منده، ما أشار إليه من أن أبا داود لم يخرج عمن جمعوا على تركه، وأنه قد يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره.
قال الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح "ت٦٤٢هـ" في مقدمته ما نصه: ومن مظانه -يعني الحديث الحسن- سنن أبي داود السجستاني -﵀- روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وروينا عنه أيضًا ما معناه أنه ذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، وقال: ما كان في كتابي من
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد "٩/ ٥٧"، كشف الظنون "٢/ ١٠٠٤"، وفيات الأعيان "٢/ ٤٠٤"، جامع الأصول "١/ ١١١"، فتح الباري "١/ ١٢٩"، وأورد ابن حجر هذين البيتين: عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية اترك الشبهات، وازهد، ودع ما ليس يعينك، واعملنَّ بنيَّة ٢ راجع: معالم السنن "١/ ٦".
[ ٣٣٥ ]
حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض.
قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عنده، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به؛ إذ حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال١. اهـ.
وقال السيوطي في التدريب: "فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: "صالح" الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا؛ لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه: "وما سكت عنه فهو حسن"، فإن صح ذلك فلا إشكال"٢. اهـ.
وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة مبينًا شروطه في كتابه السنن: "إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب، فاعلموا أنه كله كذلك، إلا أن يكون قد رُوي من وجهين أحدهما أقوم إسنادًا، والآخر أقوم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنها تكثر، وإنما أردت قرب منفعته، فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وإنما تكون فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم
_________________
(١) ١ المقدمة "ص١٨" في النوع الثاني. ٢ تدريب الراوي "١/ ٢٠٧"، مؤسسة الرسالة.
[ ٣٣٦ ]
بعض من يسمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، وهو كتاب لا ترد عليك سُنة عن النبي -ﷺ- إلا وهي فيه، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلًا ألا يكتب من العلم شيئًا بعدما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري، ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الأحاديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، فالحديث المشهور المتصل الصحيح ليس يقدر أن يرده عليك أحد، وأما الحديث الغريب، فإنه لا يحتج به، ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف إلا فدعه، ولم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها، فلم أخرجها والسلام عليكم"١.
وقال الصنعاني: "قال أبو داود: ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. قال الزين: أي للاحتجاج"٢.
_________________
(١) ١ نقلًا عن مقدمة ابن الصلاح "ص٥٥". ٢ توضيح الأفكار "١/ ١٩٧".
[ ٣٣٧ ]
وقال ابن عبد البر: "كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره"١.
وقال الذهبي فيما نقله عنه السبكي: "وقد وفَّى بذلك، فإنه بين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده، ولا بد؛ بل قد يكون مما فيه الضعف"٢.
وزعم الحافظ السلفي أنا ما في سنن أبي داود صحيح؛ لأنه أحد الكتب الخمسة التي "اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب"٢.
فرد عليه ابن الصلاح قائلًا: "وهذا تساهل؛ لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرح أبو داود فيما قدمنا من روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره"٣.
فابن الصلاح يرى أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة، لا صحيحة كما زعم الحافظ السلفي، والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين، أو لم ينص على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.
وقال الأستاذ أحمد شاكر: "إن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود، ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعفها في شيء من أقواله الأخرى كإجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في "السنن" وضعفه في موضع آخر من كلامه حسنًا؛ بل يكون عنده ضعيفًا، وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعًا لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين، أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته"٤.
_________________
(١) ١ نقلًا عن: توضيح الأفكار "١/ ١٩٧". ٢ طبقات السبكي "٢/ ٢٩٣". ٣ علوم الحديث "٣٦، ٣٧". ٤ الباعث الحثيث "ص٤٢".
[ ٣٣٨ ]
وقال في موضع آخر: "وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل"١.
- ويتضح من كلام أبي داود وغيره مما سبق ما يلي:
أولًا: أنه اهتم في سننه بجمع ما هو صحيح، وحسن، أو صالح للاحتجاج.
ثانيًا: أنه قد يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى من رأي الرجال.
ثالثًا: أنه يبين الأحاديث التي فيها وهن شديد.
رابعًا: أن ما سكت عنه فهو صالح عنده.
خامسًا: أنه يختار من الأحاديث الصحيحة طريقًا أو طريقين ويترك الطرق الأخرى، وربما فعل ذلك تجنبًا للضخامة وكبر الحجم.
سادسًا: أنه اختصر الحديث الطويل ليُفهم موضع الفقه منه.
وأما قوله: "وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء"، فقد يكون مراده: أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك مجمع على ترك حديثه إلا وبينه٢.
وأما الأحاديث التي سكت عنها: فمنها المتفق عليه، ومنها الموجود في أحد الصحيحين، ومنها ما هو على شرط الصحة، ومنها ما هو حسن لذاته، ومنها ما
_________________
(١) ١ الباعث الحثيث "ص٢٩". قال الحافظ السيوطي: "والأحوط في مثل ذلك أن يعبر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التصحيح لاحتمال علة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبر خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله، وكثيرًا ما يكون الحديث ضعيفًا أو واهيًا، والإسناد صحيح مركب عليه ". تدريب الراوي "١/ ١٨٣". ٢ راجع: شروط الأئمة الخمسة "ص٥٤".
[ ٣٣٩ ]
هو حسن لغيره، ومنها ما فيه راوٍ ضعيف، ولكنه محتمل؛ لعدم الاتفاق على ترك حديثه، أو لعدم شدة ضعفه، ولا ينبغي لنا أن نستنبط من سكوت أبي داود الاحتجاج بكل ما سكت عنه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج، ويسكت عنها مثل ابن لهيعة فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن دحية، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم"١.
- الضعيف في سنن أبي داود:
صرح أبو داود -رحمة الله تعالى عليه- في سننه بتضعيف بعض الأحاديث، ويرى بعض العلماء أن في السنن أيضًا أحاديث ضعيفة لم يصرح أبو داود بضعفها، إما لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير "السنن" بضعفها، كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل.
فالأحاديث التي صرَّح بضعفها أمرها هين، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك، فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحًا، وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفًا.
ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث
_________________
(١) ١ المنهل العذب المورود، لمحمد خطاب السبكي، نقلًا عن التحفة المرضية للقاضي حسين بن محسن اليماني "١/ ١٨".
[ ٣٤٠ ]
أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه"١.
وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي: "وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء"؛ إذ قد أخرج عن أبي جَنَاب يحيى بن أبي حية الكلبي٢، ومحمد بن عبد الرحمن البَيْلَمَاني٣، وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.
ورَوى عن جابر الجعفي، فقد أخرج له الحديث رقم "١٠٣٦"، ونصه: "إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، فإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو"، ثم قال عقبه: "وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث"٤.
وقد ترجم الذهبي في "الميزان" لجابر هذا، وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه٥. وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت٦ وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه، فقال بعد أن أورد الحديث رقم "٢٨٧": "ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل " ثم قال أبو داود: "وعمرو بن ثابت رافضي، رجل سوء؛ ولكنه كان صدوقًا في الحديث"٧. وروى أيضًا عن الحارث الأعور٨ الحديث رقم "٩٠٨"، وفي الحارث كلام كثير٩.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية: "قال أبو داود: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح
_________________
(١) ١ "مختصر المنذري" "١/ ٨"، و"علوم الحديث" "٣٣"، و"توجيه النظر" "١٥٠"، و"قواعد التحديث" "٣٣١". ٢ انظر: "الميزان" "٤/ ٣٧١". ٣ انظر: "سنن أبي داود" "١/ ٣٧٣- ٣٧٤". ٥ انظر: "الميزان" "١/ ٣٧٩". ٦ انظر ترجمته في "الميزان" "٣/ ٢٤٩". ٧ انظر: "السنن" "١/ ٣٣٠". ٨ انظر ترجمته في "الميزان" "١/ ٤٣٥". ٩ انظر: "السنن" "١/ ٣٣٠".
[ ٣٤١ ]
ابن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزراء، عن ابن عباس -﵄- قال: السجل كاتب النبي -ﷺ- وهكذا رواه النسائي ورواه أبي جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير الحافظ المزي فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود. قال شيخنا المزي: وأنا أقوله"١.
- لماذا أورد في كتابه الحديث الضعيف؟ ٢
أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:
١- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكامًا فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.
٢- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف -إن لم يكن شديد الضعف- أقوى من رأي الرجال ومن القياس "حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوردي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره أقوى عنده من رأي الرجال"٣.
وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه: "إن أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرَ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء؛ ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه"٤.
_________________
(١) ١ "البداية والنهاية" "٥/ ٣٤٧"، وانظر: "تفسير ابن كثير" "٣/ ٢٠٠"، و"تفسير الطبري" "١٧/ ١٠٠"، و"الإصابة" "٢/ ١٥"، و"السنن الكبرى" للنسائي "١/ ١٢٦". ٢ انظر أسباب ذلك في كتاب "أبو داود: حياته وسننه" "ص٥٦، ٥٧"، للدكتور/ محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط "٢"، ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م. ٣ "علوم الحديث" "٣٣، ٣٤"، و"توجيه النظر" "١٥٠". ٤ "المنهل العذب المورود" للشيخ محمود خطاب السبكي "١/ ١٨".
[ ٣٤٢ ]
٣- أما إذا كان الحديث شديد الضعف، فإنما يورده ليدل على عدم تبنِّيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلًا: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم؛ لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين١ حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم "٩٨" فقط وهو: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "يا علي! لا تفتح على الإمام في الصلاة". قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها٢.
أي: أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث بن عبد الله الأعور نفسه ضعيف عند الجمهور، عرفنا أن الحديث شديد الضعف.
- منهج أبي داود في سننه:
رتب أبو داود أحاديثه ترتيبًا فقهيًّا، وصنفها على كتب، تندرج تحتها أبواب، واشتمل على الكتب الفقهية الآتية:
١- كتاب الطهارة.
٢- كتاب الصلاة.
٣- كتاب الزكاة.
٤- كتاب اللقطة.
٥- كتاب المناسك "الحج".
٦- كتاب النكاح.
٧- كتاب الطلاق.
٨- كتاب الصوم.
٩- كتاب الجهاد.
١٠- كتاب الضحايا "الأضحية".
١١- كتاب الصيد.
١٢- كتاب الوصايا.
١٣- كتاب الفرائض.
١٤- كتاب الخراج والإمارة والفيء.
١٥- كتاب الجنائز.
١٦- كتاب الأيمان والنذور.
_________________
(١) ١، ٢ انظر: "السنن" "١/ ٣٣٠".
[ ٣٤٣ ]
١٧- كتاب البيوع والإجارات.
١٨- كتاب الأقضية.
١٩- كتاب العلم.
٢٠- كتاب الأشربة.
٢١- كتاب الأطعمة.
٢٢- كتاب الطب.
٢٣- كتاب العتق.
٢٤- كتاب الحروف والقراءات.
٢٥- كتاب الحمام.
٢٦- كتاب اللباس.
٢٧- كتاب الترجل.
٢٨- كتاب الخاتم.
٢٩- كتاب الفتن والملاحم.
٣٠- كتاب المهدي.
٣١- كتاب الملاحم.
٣٢- كتاب الحدود.
٣٣- كتاب الديات.
٣٤- كتاب السُّنَّة.
٣٥- كتاب الأدب.
ومن خلال تأمل كتاب أبي داود يتضح الآتي١:
١- يبدأ أولًا الأبواب بذكر الأحاديث الصحيحة، وقد يسوق بعدها أحيانًا غير الصحيحة.
٢- أنه يذكر أكثر من طريق للمتن عندما يريد أن يؤكد حكمًا فقهيًّا، كما في كتاب الصلاة في باب: "المرأة لا تقطع الصلاة" ذكر خمسة أحاديث وكلها تبين أن الرسول -ﷺ- كان يصلي وعائشة بينه وبين القبلة معترضة؛ مما يدل على أن المرأة لا تقطع الصلاة٢.
٣- وأنه يعنَى بالتنبيه على اختلاف الرواة في ألفاظ المتون التي تلتقي في موضوع واحد، ومن ذلك ما جاء أيضًا في باب المرأة لا تقطع الصلاة: "حدثنا
_________________
(١) ١ راجع كتب السنة الجزء الثاني، د. رفعت فوزي "مخطوط بالآلة الكاتبة". ٢ سنن أبي داود "١/ ٤٥٦، ٤٥٧" "١١٢"، باب من قال: "المرأة لا تقطع الصلاة"، الأحاديث من "٧١٠" إلى "٧١٤".
[ ٣٤٤ ]
عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر "ح" قال أبو داود: وحدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد، وهذا لفظه- عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله -ﷺ- فيصلي رسول الله -ﷺ- وأنا أمامه إذا أراد أن يوتر". زاد عثمان: "غمزني"، ثم اتفقا "فقال: تَنَحَّيْ"١.
ففي هذا الحديث ثلاثة تنبيهات:
الأول: أن عبد العزيز هو ابن محمد "يعني الدراوردي حتى لا يلتبس بغيره".
والثاني: أن هذا الحديث لفظ عبد العزيز بن محمد وليس لفظ محمد بن بشر.
والثالث: أن عثمان بن أبي شيبة زاد في لفظ الحديث عن عبد العزيز كلمة "غمزني"؛ وهذا يدل على دقة أبي داود في روايته، وحرصه على نسبة ألفاظ الحديث إلى رواتها، كما هو الحال مع كثير من المحدثين؛ حفاظًا على السُّنة.
٤- يذكر ما يخدم الناحية الفقهية التي عُنِيَ بها كتابه، ومن ذلك:
أ- أنه يذكر بعض القواعد التي تتبع عندما يبدو تعارض ظاهر الأحاديث؛ ليلفت نظرنا إلى الفهم الصحيح، ففي الأبواب التي روى فيها أحاديث تقول: إن الصلاة تقطعها أشياء، وأخرى تقول: إن الصلاة لا تقطعها هذه الأشياء٢.
يذكر عقبها هذه القاعدة: "إذا تنازع الخبران عن رسول -ﷺ- نُظِرَ إلى ما عمل به أصحابه من بعده"٣.
ب- ينقل أقوال بعض الأئمة تعقيبًا على بعض الأحاديث، ففي "باب
_________________
(١) ١ المصدر السابق، حديث رقم "٧١٤". ٢ انظر: سنن أبي داود "١/ ٤٤٢- ٤٦٠"، كتاب الصلاة الأبواب: "١٠٢" حتى "١١٥" التي اشتملت على الأحاديث "٦٨٥- ٧٢٠". ٣ سنن أبي داود "١/ ٤٦٠" نهاية الباب رقم "١١٥" باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء - عقب حديث رقم "٧٢٠".
[ ٣٤٥ ]
المحرم يموت كيف يصنع به" بعد أن روى حديث ابن عباس قال: أُتي النبي -ﷺ- برجل وَقَصَتْهُ راحلته، فمات وهو محرم، فقال: "كفونه في ثوبيه واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي" ١.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: "كفنوه في ثوبيه" أي: يكفن الميت في ثوبين، "واغسلوه بماء وسدر" أي: إن في الغسلات كلها سدرًا، "ولا تخمروا رأسه": ولا تقربوه طيبًا، وكان الكفن من جميع المال.
وفي "باب الرجل يُكَفِّر قبل أن يحنث" قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يرخص فيها: الكفارة قبل الحنث٢.
جـ- يذكر بعض آراء السلف، ويختار منها؛ فقد روى حديث خالد بن الوليد أن رسول الله -ﷺ- نهى عن أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب من السباع٣.
ثم علق أبو داود عليه بقوله: "وهو قول مالك"، ثم قال أيضًا: "لا بأس بلحوم الخيل، وليس العمل عليه"، ثم قال أيضًا: "وهذا منسوخ، فقد أكل لحوم الخيل جماعة من أصحاب النبي -ﷺ- منهم: ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، وكانت قريش في عهد رسول الله -ﷺ- تذبحها"٤.
وروى عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله -ﷺ- وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرْنَا بالحجاب، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ سنن أبي داود "٣/ ٥٦٠" "١٥"، كتاب الجنائز "٨٤"، باب المحرم يموت كيف يصنع به، حديث "٣٢٣٨". ٢ سنن أبي داود "٣/ ٥٨٥" "١٦"، كتاب الأيمان والنذور "١٧"، باب: الرجل يكفر قبل أن يحنث - عقب حديث رقم "٣٢٧٧". ٣ سنن أبي داود "٤/ ١٥١، ١٥٢" "٢١" كتاب الأطعمة "٢٦" باب في أكل لحوم الخيل - حديث رقم "٣٧٩٠". ٤ في الموضع السابق، عقب الحديث المذكور "٣٧٩٠".
[ ٣٤٦ ]
"احتجبا منه"، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى، لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ: "أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟! " ١.
قال أبو داود: هذا لأزواج النبي -ﷺ- خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي -ﷺ- لفاطمة بنت قيس: "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده"٢.
وفي المستحاضة بعد أن روى ما يفيد أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ قال: "وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومكحول، وإبراهيم، وسالم، والقاسم: إن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"٣.
كما روى عن ربيعة: "أنه كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا إلا عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث غير الدم"٤، فتوضأ، ثم ذكر أن ذلك قول مالك، فقال أبو داود: هذا قول مالك يعني ابن أنس٥.
- شروحه ومختصراته:
شرح السنن كثير من العلماء، منهم:
١- الإمام أبو سليمان الخطابي "ت ٣٢٨م"، في كتابه "معالم السنن" "مطبوع".
٢- وقطب الدين أبو بكر اليمني الشافعي "ت ٦٥٢هـ".
٣ وشهاب الدين الرملي "ت ٨٤٨هـ" وغيرهم.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود "٤/ ٣٦١، ٣٦٢" "٢٦" كتاب اللباس "٣٧" باب في قوله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ [النور: ٣١] حديث رقم "٤١١٢". ٢ الموضع السابق "٤/ ٣٦٢" عقب الحديث المذكور رقم "٤١١٢". ٣ سنن أبي داود "١/ ١٩٤" "١" كتاب الطهارة "١٠٨" باب في المرأة التي تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض في آخر تعقيبه على الحديث رقم "٢٨١". ٤ سنن أبي داود "١/ ٢١٤" "١" كتاب الطهارة "١١٨" باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث - رقم "٣٠٦". ٥ الموضع السابق "١/ ٢١٥" عقب الحديث المذكور رقم "٣٠٦". وقد قال الخطابي: "وقول ربيعة شاذ، ليس عليه العمل" هامش سنن أبي داود "١/ ٢١٤".
[ ٣٤٧ ]
واختصرها الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب الترغيب والترهيب المتوفَّى سنة "٦٥٦هـ".
وهذب المختصر ابن قيم الجوزية المتوفَّى "٧٥١هـ" ذكر فيه أن الحافظ المنذري قد أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها إذ لم يكملها، وتصحيح أحاديثه، والكلام على متون مشكلة لم يفتح معضلها، وقد بسطت الكلام على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه١.
_________________
(١) ١ كشف الظنون "١/ ٤٧٨"، مفتاح السُّنة "ص٨٦".
[ ٣٤٨ ]
رابعًا: أبو عيسى الترمذي "٢٠٩-٢٧٩هـ" ١
هو: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذي، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، تلميذ الإمام البخاري، ومشاركه فيما يرويه في عدة من مشايخه "مثل: قتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر، وابن بشار، وغيرهم". سمع منه شيخه البخاري وغيره، وكان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان، طاف البلاد، وسمع خلقا كثيرًا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم؛ ولهذا كله اتسعت معرفته بعلوم الحديث رواية ودراية، ولم يكن راوية للحديث فقط، وإنما جمع إلى ذلك الفقه واستنباط الأحكام الشرعية، والوقوف على الآراء الفقهية المختلفة للأئمة، ونقد بعضها أحيانًا
- شيوخه وتلاميذه:
أدرك الترمذي كثيرًا من قدماء الشيوخ وسمع منهم، وكان عصره عصر النهضة العلمية العظيمة في علوم الحديث، وهي النهضة التي نرى أن الذي أثارها -أو كانت له اليد الطولى في إحيائها وبعثها- هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ناصر الحديث "١٥٠-٢٠٤هـ"؛ إذ علَّم الناس عامة، وأهل العراق ثم مصر خاصة، معنى الاحتجاج بالسنة، ومعنى العمل بها مع القرآن، وحدد أصول ذلك وحررها، وأقام الحجة على مناظره بوجوب الأخذ بالحديث وأفحمهم، وعن ذلك ترى أن الأئمة أصحاب الكتب الستة نبغوا في الطبقة التالية لعصر الشافعي مباشرة، وإن لم يدركوه رؤية وسماعًا لتقدم موته؛ ولكنهم أدركوا أقرانه
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "٢٦/ ٢٥٠- ٢٥٢"، الأنساب للسمعاني "٣/ ٤٥"، وفيات الأعيان "٤/ ٢٧٨"، سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٠"، تهذيب التهذيب "٩/ ٣٨٧- ٣٨٩"، التقريب "٢/ ١٩٨"، شذرات الذهب لابن العماد "٢/ ١٧٤- ١٧٥"، العبر "١/ ٤٤٢، ٤٤٤"، "٢/ ٦٢"، ميزان الاعتدال "٣/ ١١٧" ترجمة رقم "٨٠٣٥"، ثقات ابن حبان "٩/ ١٥٣"، تذكرة الحفاظ "٢/ ١٨٧- ١٨٨"، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٣/ ٨١ - ٨٢"، مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده "٢/ ١١"، كشف الظنون "١/ ٣٧٥"، الفهرست لابن النديم "ص٣٢٥"، الكامل لابن الأثير "٧/ ١٦٤- ١٦٥"، توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار "١/ ١٧٠".
[ ٣٤٩ ]
ومعاصريه ومناظريه وكبار تلاميذه، وهاك بيانًا عن تواريخ مولد كل منهم ووفاته؛ لتظهر المقارنة بينهم واضحة:
البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، ولد في شوال سنة ١٩٤هـ، ومات يوم السبت غرة شوال سنة ٢٥٦هـ.
مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري أبو الحسين، ولد في سنة ٢٠٤، ومات في ٢٥ رجب سنة ٢٦١هـ.
الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى، ولد في سنة ٢٠٩هـ، ومات في ١٣ رجب سنة ٢٧٩هـ.
أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، ولد سنة ٢٠٢، ومات في شوال سنة ٢٧٥هـ.
النسائي: أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن، ولد سنة ٢١٥هـ، ومات في ١٣ صفر سنة ٣٠٣هـ.
ابن ماجه: محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله، ولد سنة ٢٠٩هـ، ومات في ٢٢ رمضان سنة ٢٧٣هـ.
وقد روى هؤلاء الأئمة الستة عن شيوخ كثيرين، فتفرد بعضهم بالرواية عن بعض الشيوخ، واشترك بعضهم مع غيره في الرواية عن آخرين، واشتركوا جميعًا في الرواية عن تسعة شيوخ فقط وهم:
١- محمد بن بشار بندار "١٦٧-٢٥٠هـ".
٢- محمد بن المثني أبو موسى "١٦٧-٢٥٢هـ".
٣- زياد بن يحيى الحساني "ت ٢٥٤هـ".
٤- عباس بن عبد العظيم العنبري "ت ٢٤٦هـ".
٥- أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد الكندي "ت ٢٥٧هـ".
٦- أبو حفص عمرو على الفلاس "ولد بعد سنة ١٦٠هـ، ومات سنة ٢٤٩هـ".
[ ٣٥٠ ]
٧- يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي "١٦٦-٢٥٢هـ".
٨- محمد بن معمر القيسي البحراني "ت ٢٥٦هـ".
٩- نصر بن على الجهضمي "ت ٢٥٠هـ".
وقد أدرك أبو عيسى الترمذي شيوخًا أقدم من هؤلاء، وسمع منهم، وروى عنهم في كتابه هذا، منهم:
- عبد الله بن معاوية الجمحي "ت ٢٤٣هـ" وقد جاوز المائة.
- علي بن حجر المروزي "ت ٢٤٤هـ" وقد قارب المائة.
- سويد بن نصر بن سويد المروزي "ت ٢٤٠هـ"، عن ٩١ سنة.
- قتيبة بن سعيد الثقفي، أبو رجاء "١٥٠-٢٤٠هـ".
- أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري المدني "١٥٠-٢٤٢هـ".
- محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب "ت ٢٤٤هـ".
- إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي "١٧٨-٢٤٤هـ".
- إسماعيل بن موسى الفزاري السدي "ت ٢٤٥هـ".
وغير هؤلاء أيضًا، وكثير من شيوخ البخاري والترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث، وتفقه فيه، وسأله واستفاد منه.
وقد طاف أبو عيسى البلاد، وسمع خلقًا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازين.
والرواة عن أبي عيسى الترمذي كثيرون، ذكر بعضهم في تذكرة الحفاظ وفي التهذيب، وأهمهم عندنا ذكرًا المحبوبي راوي كتاب الجامع عنه، ترجم له ابن العماد في شذرات الذهب "٢/ ٣٧٣"، قال: "أبو العباس المحبوبي محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، محدث مرو، وشيخها ورئيسها، توفي في رمضان "٣٤٦هـ"، وله سبع وتسعون سنة، روى جامع الترمذي عن مؤلفه، وروى عن سعيد بن مسعود صاحب النضر بن شُميل وأمثاله".
[ ٣٥١ ]
ووصفه السمعاني في الأنساب بأنه: "شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان، وإليه كانت الرحلة".
ويكفي الترمذي فخرًا أن روى عنه البخاري -وهو شيخه- حديثًا واحدًا، فهذه شهادة من البخاري لتلميذه بالرواية والضبط والإتقان.
- أقوال العلماء فيه:
روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي عن أبي سعيد: عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ محدث سمرقند، ومصنف تاريخها "ت ٤٠٥هـ"١ قال: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع، والتواريخ، والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يُضرب به المثل في الحفظ٢.
وبإسناده عن أبي عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه، قالوا: فلان، فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين كنت ظنتت أنهما الجزآن اللذان له، فلما ظفرت به وسألته أجابني إلى ذلك "وأخذت الجزأين فإذا هما بياض، فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليَّ من حفظه ثم ينظر إلَيَّ". فرأى البياض في يدي، فقال: أما تستحي منى؟! قلت: لا، وقصصت عليه القصة، وقلت: أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأت جميع ما قرأ عليَّ على الولاء، فلم يصدقني، وقال: استظهرت قبل أن تجيئني! فقلت: حدثني بغيره فقرأ عليَّ أربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات اقرأ، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ، فلما أخطأتُ في حرف! فقال لي: ما رأيت مثلك٣.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ "٣/ ٢٤٩، ٢٥٠". ٢ شروط الأئمة الستة "ص٢٥" طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ-١٩٨٤م. ٣ المصدر السابق "ص٢٥، ٢٦"، وهي أيضًا في الأنساب للسمعاني، وتذكرة الحفاظ، وتهذيب التهذيب.
[ ٣٥٢ ]
ووصفه السمعاني في الأنساب بأنه "إمام عصره بلا مدافعة، صاحب تصانيف"، وبأنه "أحد الأئمة الذين يُقتدَى بهم في علم الحديث"، ونحو ذلك قال ابن خلكان.
ونقل الذهبي في تذكرة الحفاظ، والصفدي في نكت الهميان، والمزي في التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: "كان ممن جمع وصنف، وحفظ وذَاكَر".
ووصفه المزي في التهذيب بأنه "الحافظ صاحب الجامع وغيره من المصنفات، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين".
وقال الذهبي في الميزان: "الحافظ العلم، صاحب الجامع، ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب الإيصال: إنه مجهول١، فإنه ما عرف ولا دَرَى بوجود الجامع ولا العلل له".
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: "وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال في كتاب الفرائض من الإيصال: محمد بن عيسى بن سورة مجهول. ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه؛ فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحافظ؛ كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم، وغيرهم، والعجب أن الحافظ الفرضي ذكره في كتابه المؤتلف والمختلف ونبَّه على قدره، فكيف فات ابن حزم الوقوف عليه فيه! ".
_________________
(١) ١ ابن حزم هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، ولد بقرطبة سنة "٣٨٤" ومات في ٢٨ سعبان سنة ٤٥٦هـ، وكتابه "الإيصال" ذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ "٣/ ٣٢٢" وسماه "الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام والحلال والحرام والسنة والإجماع"، وقال: "أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول" ووصفه في "ص ٣٢٦" بأنه ٢٤ مجلدًا مع أنه ذكر قبل ذلك أن المحلى ٨ مجلدات، والمحلى مطبوع معروف، فالإيصال ثلاثة أضعاف المحلى، وقد ذكر ابن حزم في المحلى الحديث الذي في إسناده الترمذي "٩/ ٢٩٥، ٢٩٦" وضعفه؛ ولكن لم يذكر مطعنًا في الترمذي.
[ ٣٥٣ ]
وقال العلامة طاش كبرى زاده١ في كتاب مفتاح السعادة: "وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة، أخذ الحديث عن جماعة من الأئمة، ولقي الصد الأول من المشايخ".
وقال ابن العماد الحنبلي٢ في شذرات الذهب: "كان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان".
ونقل الحاكم أبو أحمد٣ عن شيخه عراك بن مالك قال: "مات محمد بن إسماعيل البخاري، ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين".
وفي التهذيب: "قال أبو الفضل البيلماني: سمعت نصر بن محمد الشيركوهي يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي".
وهذه شهادة عظيمة من شيخه إمام المسلمين وأمير المؤمنين في الحديث في عصره.
وقال ابن الأثير في تاريخه: "كان إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة، منها الجامع الكبير، وهو أحسن الكتب".
- مصنفاته:
وصفه العلماء فيما مضى بأنه "صاحب التصانيف"، وسموا كتبًا من مؤلفاته، ولكنا لم نرَ منها إلا كتابين: "الجامع الصحيح" وكتاب "الشمائل" وهو كتاب نفيس
_________________
(١) ١ هو المولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده، توفي سنة ٩٦٢هـ. ٢ هو أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، ولد في ٨ رجب سنة ١٠٢٣هـ، ومات في ١٦ ذي الحجة سنة ١٠٨٩هـ. ٣ هو محدث خراسان الإمام الحافظ الجهبذ الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري مات سنة "٣٧٨" عن ٩٢ سنة، وله ترجمة في التذكرة "٣/ ١٧٤- ١٧٦" وهو غير تلميذه الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، ذاك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري المعروف بابن البيع وبالحاكم، ولد في ربيع الأول سنة "٣٢١هـ" ومات في صفر سنة "٤٠٥هـ"، وله ترجمة في التذكرة "٣/ ٢٢٧- ٢٣٣".
[ ٣٥٤ ]
معروف مشهور، ولعل باقي كتبه فُقِدَ فيما فُقِدَ من نفائس المؤلفات، وكنوز الأئمة العلماء. وفي التهذيب: "ولأبي عيسى كتاب الزهد، مفرد، لم يقع لنا، وكتاب الأسماء والكنى". وهذا بيان مؤلفاته، كما ظهر لنا من أقوال العلماء:
١- الجامع الصحيح.
٢- الشمائل النبوية.
٣- العلل١.
٤- التاريخ٢.
٥- الزهد.
٦- الأسماء والكنى.
٧- كتاب الجرح والتعديل.
ولعل له كتبًا أخرى لم نقف على خبرها بعد.
- كتابه "الجامع" أو "السنن":
اشتهر كتاب الإمام الترمذي "بالجامع"، كما يقال له "السنن"، وصفه ابن الأثير في "تاريخه" بأنه "أحسن الكتب".
وفي كشف الظنون في الكلام عن "الجامع الصحيح" للترمذي: "وهو ثالث الكتب الستة في الحديث، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه، فيقال: جامع الترمذي، ويقال له: السنن أيضًا، والأول أكثر".
وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: "سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري٣ بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس".
_________________
(١) ١، ٢ ذكرهما ابن النديم في الفهرست، وكتاب العلل هذا غير "كتاب العلل" الذي في آخر الجامع الصحيح. ٣ هو شيخ الإسلام الهروي الحافظ الإمام الزاهد، صاحب منازل السائرين، سمع جامع أبي عيسى من عبد الجبار بن محمد الجراحي عن المحبوبي عن الترمذي، ولد سنة ٣٩٦هـ، ومات في ذي الحجة سنة ٤٨١هـ، وله ترجمة في تذكرة الحفاظ "٣/ ٣٥٤-٣٦٠".
[ ٣٥٥ ]
ونقل أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي عن الترمذي أنه قال في شأن كتابه "الجامع": "صنفت هذا الكتاب، فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم"، وفي رواية: "عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق وخراسان، فرضوا به واستحسنوه، ومن كان في بيته، فكأنما النبي في بيته يتكلم".
وقال العلامة طاش كبرى في ترجمة الترمذي: "له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث، من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، وقد جمع فيه فوائد حسنة، لا يخفى قدرها على مَن وقف عليها".
وقد ذكر أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الحق اليوسفي أنواع الأحاديث التي جاءت في كتاب الترمذي، وبيَّن أنها أربعة أقسام:
١- قسم مقطوع بصحته "ويشمل الصحيح والحسن".
٢- وقسم على شرط أبي داود والنسائي "أي: ليس فيه وهن شديد".
٣- وقسم أخرجه للضدية؛ أي: ذكره مقابل الأحاديث الصحيحة التي أخذ بها الأغلبية، وأبان الترمذي عن علته.
٤- وقسم أبان عنه في قوله: "ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء".
قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي١: الجامع -يريد كتاب الترمذي- على أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داود والنسائي -كما بينا- وقسم أخرجه للضدية، وأبان عن علته، وقسم رابع أبان عنه فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وقال فيها:
_________________
(١) ١ هو: أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي، مات بمكة "٥٧٤هـ"، شذرات الذهب "٤/ ٢٤٨".
[ ٣٥٦ ]
قال الترمذي: صنفت كتابي هذا وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب -يعني الجامع- فكأنما في بيته نبي يتكلم١. انتهى٢.
قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: "اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل به عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل؛ ولكنه يبين ذلك غالبًا، ولا يسكت عنه، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب -متفق على اتهامه- حديثًا بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًّا من طرق أو مختلفًا في إسناده، وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي. نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهن، ويبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه"٣. اهـ.
المهم أن الإمام الترمذي ميز الأحاديث الصحيحة من غيرها، وكما قال المقدسي: "وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه"٤.
وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: "وأما أبو عيسى الترمذي -﵀- فكتابه وحده على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسم على شرط الثلاثة دونهما٥ -كما بينا- وقسم أخرجه للضدية وأبان على علته ولم يغفله، وقسم رابع أبان هو عنه فقال: ما أخرجت في كتابي
_________________
(١) ١ نقل هذه القصة الذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في التهذيب، وطاش كبرى زاده في مفتاح السعادة. ٢ نقلًا عن توضيح الأفكار للصنعاني "١/ ١٧٠". ٣ نقلًا عن تعليقات الشيخ المحدث الكوثري على شروط الأئمة الخمسة للحازمي "ص٥٤". ٤ شروط الأئمة الستة "ص١٣". ٥ يريد: أبا داود، والنسائي، وابن ماجه.
[ ٣٥٧ ]
إلا حديثًا قد عمل به الفقهاء، وهذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شَفَى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه، وكان من طريقته -رحمة الله عليه- أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه وأخرج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر، وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة، والله أعلم"١.
وقال ابن الوزير في تنقيح الأنظار: "وفي كلام الذهبي ما يدل على جواز الاعتماد على تصحيح الترمذي وتحسينه؛ لانعقاد الإجماع على ثقته وحفظه في الجملة"٢. ثم قال: "وأما قول الذهبي: "إن العلماء لا يعتمدون على تصحيحه" فلعله يريد: لا يعتمدون على تصحيحه فيما روى عن "كثير بن عبد الله"، كما أن ذلك موجود في بعض النسخ -أي الميزان- وقد قال ابن كثير الحافظ في إرشاده: وقد نوقش الترمذي في تصحيح هذا الحديث"٣.
وللقاضي أبي بكر بن العربي في أول شرحه على الترمذي الذي سماه "عارضة الأحوذي"٤ فصل نفيس في مدح كتاب الترمذي ووصفه بحلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا، وذلك أقرب إلى
_________________
(١) ١ شروط الأئمة الستة "ص٢١"، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت. ٢ تنقيح الأنظار وعليه توضيح الأفكار "١/ ١٧٠". ٣ المصدر السابق. ٤ قال ابن خلكان "١/ ٦١٩": "أما معنى عارضة الأحوذي: فالعارضة القدرة على الكلام، يقال: فلان شديد العارضة: إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي، الخفيف في الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها، الذي لا يشذ عليه منها شيء، وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الدال المعجمة وفي آخره ياء مشددة".
[ ٣٥٨ ]
العمل وأسلم: أسند، وصحح، وضعف، وعدد الطرق، وجرح، وعدل، وأسمى، وأكنى١، ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به، والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله، وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرد في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة، وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير.
- منهج الترمذي في "جامعه" أو "سننه":
المتأمل في "السنن" أو "الجامع" للإمام الترمذي يلاحظ له منهجًا واضحًا يمكن بيانه فيما يلي:
١- أنه رتبه على الكتب والأبواب الفقهية مثل أبي داود في سننه.
٢- وأنه أودعه الصحيح والحسن والضعيف مبينًا درجة كل حديث في موضعه من الكتاب مع بيان وجه الضعف.
٣- اختصر طرق الحديث، فإذا كان في الباب عدة أحاديث، ذكر واحدًا أو أكثر، وأشار إلى ما عدا ذلك فيقول: وفي الباب عن فلان وفلان
٤- يذكر مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار
٥- ثم يذكر الأحاديث المخالفة والمعارضة لما رواه في الباب، ويبين درجتها، أو من أخذ بها من الفقهاء، أو أنها منسوخة، وأحيانًا لا يكتفي بتسجيل الآراء، وإنما يذكر رأيه في المسألة.
وقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث: "فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"، وحديث "جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر". اهـ.
_________________
(١) ١ يقال: "سَمَاه وسَمَّاه وأسماه" بمعنى. ويقال: كَنَاه وكنَّاه وأكناه" بمعنى.
[ ٣٥٩ ]
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي "ت ٧٩٥هـ" في شرح علل الترمذي: "وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب؛ لأنه -﵀- يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكأن قصده -﵀- ذكر العلل؛ ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث، بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود فكانت عنايته بالمتون أكثر؛ ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد؛ فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية"١.
وقال ابن الصلاح في مقدمته: "كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: "هذا حديث حسن" أو "هذا حديث حسن صحيح"، فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه"٢.
٦- واختتم مُصنَّفه بكتاب العلل الذي جمع فيه فوائد حديثية هامة، ومن هذه الفوائد ما يلي:
١- الكلام عن الرواة والجرح الذي يرد حديثهم مثل: الكذب، والاتهام، والفسق، والبدعة، والغفلة، وسوء الحفظ.
٢- وحث على بيان عيوب الرواة.
٣- وبين بعض الرواة الذين تركهم ابن المبارك، وأنه لا تجوز الرواية عنهم.
٤- وأن الرواية عن المجروحين جائزة بشرط بيان حال الراوي للناس، وحكى
_________________
(١) ١ نقلًا عن تعليقات الشيخ المحدث زاهد الكوثري على شرط الأئمة الخمسة للحازمي "ص٤٤". ٢ المقدمة "ص١٧، ١٨".
[ ٣٦٠ ]
وفي ذلك قول سفيان الثوري لأصحابه وتلاميذه: اتقوا الكلبي، فقيل له: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.
٥- والتنبيه إلى عدم الاغترار بصلاح الراوي دون البحث عن ضبطه وحفظه.
٦- وفيه قال الترمذي: إن علامة الحفظ ألا يزاد في الإسناد، أو ينقص فيه، أو يجيء بما يغير المعنى من الألفاظ، فأما من أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى.
وهو يجيز بذلك الرواية بالمعنى مستدلًّا بقول واثلة بن الأسقع "الصحابي" ﵁: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم. وقول محمد بن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد. وقول ابن عون: كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه.
٧- وأن أهل العلم ليسوا على درجة واحدة في الحفظ، فهناك من هو أثبت من غيره في حديث بلد معين، أو شيخ معين، أو أعلم بالرجال، أبو بالأحاديث الطوال، أو غير ذلك من أوجه التفاوت.
٨- وأن القراءة على العالم الحافظ لما يقرأ عليه أو يمسك بأصله فيما يقرأ عليه إذا لم يكن حافظًا، قراءة صحيحة عند أهل الحديث مثل السماع.
٩- وأن المناولة والإجازة من طرق الرواية الصحيحة.
١٠- وذكر اختلاف الأئمة في الاحتجاج بالمرسل، ويتبين من كلامه أن المرسل عن ثقة يقبل إرساله.
وغيرها من المسائل الحديثية الهامة التي صرح بها، أو نبه عليها، أو أشار إليها في كتاب "العلل".
[ ٣٦١ ]
- شروط الترمذي في جامعه وسننه:
يتبين شرط الترمذي من خلال كلامه في كتاب العلل الذي ختم به كتابه، وجعله كالمقدمة له، وهذا الشرط هو أنه جمع فيه أحاديث الأحكام التي عمل بها فقيه أو أخذ بها بعض العلماء.
قال الترمذي: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- جميع بن الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر"١.
وحديث النبي -ﷺ- أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ٢ " ٣.
_________________
(١) ١ رواه مالك في الموطأ "١٠٩"، ومسلم في صحيحه "حديث رقم ٧٠٥"، وأبو داود "١٢١٠"، "١٢١١"، والترمذي "١٨٧" وغيرهم، من حديث سعيد بن جبير بن ابن عباس، وفي آخره قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. ٢ رواه أبو داود في كتاب الحدود، حديث رقم "٤٤٨٢"، ورواه الترمذي في الحدود أيضًا حديث رقم "١٤٤٤"، وابن ماجه في الحدود أيضًا حديث رقم "٢٥٧٣"، وكلهم من حديث معاوية بن أبي سفيان، ورواه أبو داود "٤٤٨٤"، والنسائي "٥٦٧٨"، وابن ماجه "٢٥٧٢" من حديث أبي هريرة بنحوه. ٣ سنن الترمذي "٥/ ٧٣٦". ولم يسلم العلماء لما ذهب إليه الترمذي في هذا القول. فقال النووي في شرح صحيح مسلم "٥/ ٢٢٤- ٢٢٥": "وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس، فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال" وذكرها. ثم قال النووي في شرح مسلم "٥/ ٢٢٦": "وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة عمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد ألا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره، والله أعلم". وقال المقدسي في شروط الأئمة الستة "ص١٥" معلقًا على قول الترمذي: هذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح. وقال صاحب دراسات اللبيب: هذا القول منه -أي من الترمذي- غريب جدًّا هذا الحديث يعني حديث ابن عباس كثرت في تأويله أقوال العلماء ومذاهبهم فيه، ومع هذا التأويلات والمذاهب فيه، وإن كان بعضها بعيدة كيف يطلق عليه أنه لم يعمل به أحد من العلماء وإن أراد الترمذي أنه لم يعمل بظاهره من غير تأويل أحد من العلماء فيبطل قوله: كل حديث في كتابي هذا معمول به ما خلا حديثين، فإن كل حديث في كتابه ليس مما لم يئول أصلًا وعمل بظاهره، على أن هذا الحديث عمل بظاهره جماعة من العلماء.
[ ٣٦٢ ]
- مقارنة بين جامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي:
قال أبو جعفر بن الزبير: "لأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيفائها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها". اهـ.
وقال الحافظ الذهبي: "انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما".
وأفاد الحازمي في شروط الأئمة الخمسة أن أبا داود والنسائي لا يجاوزان الطبقة الثالثة في الأصول، وأن أبا عيسى الترمذي لا يجاوز الطبقة الرابعة١.
ثم قال: "وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه وينبه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة، وعلى الجملة، فكتابه مشتمل على هذا الفن؛ فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود"٢.
- شروحه ٣:
لأهمية جامع الترمذي تناوله كثير من العلماء بالشرح والتعليق، ومنهم:
١- أبو بكر بن العربي "ت ٥٤٦هـ" في شرحه: "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي". "مطبوع في ثلاثة عشر جزءًا".
٢- الحافظ أبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري "ت ٧٣٤هـ" بلغ فيه إلى أقل من ثلثيه في نحو عشرة مجلدات، ولم يتمه، ثم أكمله الحافظ زين الدين بن عبد الرحيم بن حسين العراقي "ت ٨٠٦هـ".
_________________
(١) ١ راجع: شروط الأئمة الخمسة "ص٥٧" طبعة دار الكتب العلمية - بيروت - ط "١"، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٤م. ٢ المصدر السابق "ص٥٧". ٣ انظر: كشف الظنون "١/ ٢٨٨".
[ ٣٦٣ ]
٣- سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني "ت ٨٠٥هـ" واسم شرحه: "العرف الشذي على جامع الترمذي" لم يكمله.
٤- جلال الدين السيوطي "ت ٩١١هـ" واسم شرحه: "قوت المغتذي على جامع الترمذي".
٥- الحافظ زين الدين بن عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي "ت ٧٩٥هـ".
٦- الشيخ أبو الحسن بن عبد الهادي السندي "ت ١١٣٩هـ".
[ ٣٦٤ ]
خامسًا: أحمد بن شعيب النسائي "٢١٥-٣٠٣هـ" ١
هو: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي القاضي الحافظ، أحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين، وكان ركنًا من أركان الحديث، حاذقًا، متضلعًا، متفننًا، ساد أهل عصره، وبذ علماءهم وتقدمهم، فكان عمدتهم وقدوتهم، طاف البلاد، وسمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، والجزيرة، من جماعة يطول ذكرهم.
ومن تلاميذه الإمام الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر أحمد بن إسحاق السني الحافظ، وخلق كثيرون.
قال الحاكم: سمعت أبا الحسن الدارقطني غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن الإمام النسائي مقدم على كل من يذكر بعلم الحديث، وبجرح الرواة وتعديلهم في زمانه.
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب تاريخ مصر أن النسائي كان إمامًا في الحديث، ثقة، ثبتًا، حافظًا، قدم مصر وأقام مدة طويلة فيها ظهرت كنوز خبياته، وانكشف القناع عن رموز خفياته، قدح العلماء زنده فأورى، فانقادوا إليه، وحَظِيَ لديهم بالمنزلة السامية.
نقل التاج السبكي عن شيخه الحافظ الذهبي ووالده الشيخ الإمام السبكي، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي أحفظ من الإمام مسلم صاحب الصحيح، وأن سننه أقل من السنن حديثًا ضعيفًا بعد الصحيحين.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "١/ ٣٢٨- ٣٤٠"، وشذرات الذهب "٢/ ٢٣٩- ٢٤١"، سير أعلام النبلاء "١٤/ ١٢٥"، وفيات الأعيان "١ / ٧٧"، الكامل في التاريخ "٨/ ٩٦"، المنتظم "٦/ ١٣١"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٦٩٨"، العبر "٢/ ١٢٣"، الوافي بالوفيات "٦/ ٤١٦"، البداية والنهاية "١١/ ١٢٣"، العقد الثمين "٣/ ٤٥"، تهذيب التهذيب "١/ ٣٦"، النجوم الزاهرة "٣/ ١٨٨"، طبقات الحفاظ "ص٣٠٣"، حسن المحاضرة "١/ ٣٤٩"، الرسالة المستطرفة "١١- ١٢"، اللباب في تهذيب الأنساب "٣/ ٣٠٦"، الأعلام "١/ ١٧١".
[ ٣٦٥ ]
وقال بعضهم: لم يوضع مثل مصنفه في الإسلام، وأنه أشرف المصنفات كلها.
وقال ابن منده، وابن السبكي، وأبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، والخطيب، والدارقطني: كل ما في سنن النسائي صحيح غير تساهل صريح.
وقال الحافظ أبو علي: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم، وكذلك كان الحاكم والخطيب يقولان: إنه صحيح، وإن له شرطًا في الرجال أشد من شرط مسلم؛ لذلك كان بعض علماء المغاربة يفضله على البخاري.
- المجتبَى من السنن الكبرى:
قال السيد جمال الدين: صنف الإمام النسائي في أول الأمر كتابًا يقال له "السنن الكبرى"، وهو كتاب جليل ضخم الحجم لم يكتب مثله في جمع طرق الحديث، وبيان مخرجه.
وعندما صنف النسائي كتاب "السنن الكبرى" "أهداه إلى أمير الرملة، فقال له الأمير: أكل ما في هذا صحيح؟ قال: لا، قال: فجرد الصحيح منه، فصنع من السنن الكبرى كتابًا أسماه "المجتنَى" أو "المجتبَى" وكلاهما صحيح، والأخير أشهر. استخلصه من السنن الكبرى من كل حديث حسن لم يتكلم في أصله، ولا في إسناده ورواته بالتعليل أو التجريح، فإذا أطلق المحدثون وقالوا: رواه النسائي، فمرادهم هذا "المجتبَى".
وبناء على ما سبق يكون "المجتبَى" من صنيع النسائي نفسه؛ ولكن هناك من يقول: المجتبَى من انتقاء ابن السني.
وبتحرير هذه المسألة تبين أن هناك فريقين في هذه المسألة، فريق يقول: المجتبى من انتقاء ابن السني، وهو اختصار للسنن الكبرى، ويقف في هذا الجانب الإمام الذهبي "٨٤٢هـ" وتبعه على ذلك الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي "٨٤٢هـ".
[ ٣٦٦ ]
يقول الذهبي في ذلك: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقًا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعًا لمعظمه، وإجازة لفوت له محدد في الأصل، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني، قال: أنبأنا القاضي أحمد بن الحسين، أنا ابن السني عنه١، وكرر نحو هذا الكلام في غير موضع من كتبه.
وأما ابن ناصر الدين، فقد تابعه على ذلك، ورأيت عبارته في شذرات الذهب لابن العماد في ترجمة ابن السني إذ قال: قال ابن ناصر الدين: اختصر سنن النسائي، وسماه المجتبَى.
وأما الجانب الأخر، فيرى أن المجتبَى من صنع النسائي نفسه اختصره من السنن الكبرى، وابن السني مجرد راوية له، ويقف في هذا الجانب فريق كبير جدًّا من الأعلام والمحدثين، وهو المعروف المشهور عند الناس، وهو الصحيح لدلائل عديدة منها:
١- لم يقدم الذهبي دليلًا على قوله.
٢ وجود مثبتات على ذلك منها:
ما نقله ابن خير الإشبيلي "٥٧٥هـ" بسنده عن أبي محمد بن يربوع قال: قال لي أبو علي الغساني ﵀: كتاب "الإيمان" و"الصلح" ليسا من المصنف؛ إنما هما من المجتبَى له "بالباء" في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنف، وذلك أن أحد الأمراء سأله عن كتابه في السنن: أكله صحيح؟ فقال: لا. قال: فاكتب لنا الصحيح مجردًا، فصنع المجتبى، فهو المجتبى من السنن، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل، روى هذا الكتاب عن أبي عبد الرحمن ابنه عبد الكريم بن أحمد، ووليد بن
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام "٩/ ١٧٣".
[ ٣٦٧ ]
القاسم الصوفي، ورواه عن أبي موسى عبد الكريم من أهل الأندلس: أيوب بن الحسين قاضي الثغر وغيره ١.
وأبو علي الغسائي حافظ ثبت قال فيه الذهبي: كان من جهابذة الحفاظ البصراء، بصيرًا بالعربية واللغة والشعر والأنساب، صنف في ذلك كله، ورحل الناس إليه وعولوا في النقل عليه، وتصدر بجامع قرطبة، وأخذ عنه الأعلام، ووصفوه بالجلالة والحفظ والنباهة والتواضع والصيانة، ولد في المحرم سنة "٤٢٧هـ"، وتوفي في ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة "٤٩٨هـ"٢.
وقال محقق سنن النسائي "المجتبَى"٣ في مقدمة سنن النسائي بتحقيقه: كما أني وجدت مجلدين من المجتبى قديمين جدًّا كتبت عليهما سماعات بين سنة "٦٣٠هـ" و"٥٦١هـ" فيها نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، وقد جاء في صدر أحدهما: الجزء الحادي والعشرون من السنن المأثور عن رسول الله -ﷺ- تأليف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن بحر النسائي، رواية: أبي بكر أحمد بن إسحاق بن السني عنه.
رواية القاضي أبي نصر أحمد بن الحسن بن الكسار عنه.
رواية الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد الدوني عنه.
رواية أبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري عنه.
رواية الشيخ الإمام زين الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن نجاد الحنبلي الواعظ.
وفيها نص ظاهر على أنها من تأليف النسائي، وابن السني مجرد راوية لها، وإن كان أحد المجلدين قد أكلت أكثره الأَرَضَة، فالآخر ما يزال أكثره صالحًا واضحًا بخط مشرقي جيد يحمل رقم "٥٦٣٧" بالخزانة الملكية بالرباط، وعلى ظهر هذه النسخة كتب بخط قديم قدمها: "قال الطنبي: أخبرني أبو إسحاق الحبال
_________________
(١) ١ انظر: الفهرست "ص١١٦، ١١٧". ٢ انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي "٤/ ١٢٣٣". ٣ من مقدمة محقق سنن النسائي، مكتب تحقيق التراث الإسلامي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
[ ٣٦٨ ]
سأل سائل أبا عبد الرحمن بعض الأمراء عن كتابه السنن: أصحيح كله؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح مجردًا، فصنع المجتبَى "بالباء" من السنن الكبرى، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل، وأبو إسحاق الحبال الذي ينقل عن الطبني هو الحافظ الإمام المتفنن، محدث مصر: إبراهيم بن سعيد بن عبد الله التجيبي، كان من المتشددين في السماع والإجازة، يكتب السماع على الأصول، ورعًا ثبتًا خيرًا، وكان يتعاطى التجارة في الكتب، وحصل عنده من الأصول والأجزاء ما لي عند غيره، وما لا يوصف كثرة، ولد إحدى وتسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وقد أطال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته والثناء عليه، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة.
وكذلك ابن الأثير الذي جرد الأصول الخمسة، وضم إليها الموطأ، جرد المجتبى، وليس السنن الكبرى، وساق إسناده بالمجتبى، وفيه النص الواضح على أن المجتبى من تأليف النسائي ذاته، يقول ابن الأثير: إنه قرأه سنة "٥٨٦هـ" على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي إمام مدينة السلام الذي قرأه على أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن محمويه اليزيدي سنة "٥٥١هـ"، والذي قرأه على أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الصوفي الدوني١ سنة "٥٠٠هـ" في شهر صفر، والذي قرأه على أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار بخانكاه "دون" سنة "٤٣٣هـ"، والذي قرأه على ابن السني بالدينور سنة "٣٦٣هـ" والذي قال: "حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي -رحمه الله تعالى- بكتاب السنن جميعه ".
وهذا نص واضح قبل الذهبي بما يزيد على قرن ونصف من الزمن، ونص أبي علي الغسائي أسبق من هذا كذلك، ولو كان المجتبَى من صنع ابن السني لاقتضى الأمر من ابن الأثير أن ينص عليه، وأن
_________________
(١) ١ نسبة إلى دون، قرية من أعمال دينور، قال في معجم البلدان "٢/ ٤٩٠": "وهو من آخر من حدث في الدنيا بكتاب أبي عبد الرحمن النسوي بحلق، وإليه كان الرحلة" أي: أنه أعلى أهل عصره إسنادًا فيه، وقد توفي سنة "٥٠١هـ" ووصفه في المعجم بأنه رواية كتب ابن السني.
[ ٣٦٩ ]
ينسبه إليه، وقد ذكر هو قصة أمير الرملة عندما سأل النسائي عن المصنف: أصحيح كله؟ قال: لا، قال: فجرد لنا منه الصحيح، فصنع المجتبى، كما أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبَى من مصنفه بمصر في أكثر من موضع منه، انظر: المطبوع ٧/ ١٧١" صدر كتاب الصيد والذبائح، وقد وجدت نسخًا مخطوطة ينص على سماعها من النسائي بمصر في صدر المجتبَى منها نسخة الخزانة العامة بالرباط تحت رقم "١٨٧٧ك" و"٢٤٠٨ك"، وتجد كذلك الزيلعي، وهو من معاصري الذهبي ينص في غير موضوع من كتابه "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية"، وفي "تخريج أحاديث الكشاف" أن "السنن الصغرى" و"الكبرى" للنسائي؛ بل أصرح من هذا ما قاله رفيقه في الطلب الحافظ الكبير عماد الدين ابن كثير الدمشقي المتوفَّى "٧٧٤هـ" في ترجمة النسائي: وقد جمع السنن الكبير، وانتخب ما هو أقل حجمًا منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما١.
وكذلك الحافظ الكبير أبو الفضل العراقي يرى صحة إهدائها لأمير الرملة في القصة المتقدمة، قال السيوطي: ورأيت بخط الحافظ أبي الفضل العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة، فقال: كل ما فيها صحيح؟ فقال: لا، قال: ميز الصحيح من غيره، فصنف له الصغرى٢.
إلا أن المجتبَى لم ينتشر إلا من طريق ابن السني، وعنه القاضي أبو الحسن بن الكسار وعنه الدوني، أما الكبرى، فقد انتشرت عن الأندلسيين؛ لأنهم رووا عن النسائي في أخريات أيامه.
- أنواع الأحاديث في المجتبَى، وشرط النسائي فيه:
قال النسائي عن الكتابين: كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول؛ أي: معيب والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح، وعلى هذا، فكل ما في السنن الصغرى أو المجتبى صحيح في رأي النسائي.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية "١١/ ١٢٣". ٢ انظر: تدريب الرواي للسيوطي "ص٤٩".
[ ٣٧٠ ]
قال أستاذنا الدكتور/ رفعت فوزي في كتب السُّنة الجزء الثاني:
ولكن الذي درسوا هذا الكتاب رأوا أن فيه تلك الأنواع من الأحاديث:
١- الصحيح المخرَّج في الصحيحين.
٢- الصحيح الذي هو على شرطهما، ولم يخرجاه.
٣- أحاديث معلولة بين علتها النسائي.
وقد أورد النسائي هذا القسم الأخير في كتابه، كما فعل أبو داود والترمذي؛ لأن قومًا رووه واحتجوا به، فأورده وبيَّن سقمه وعلله١ لنزول الشبهة، وذلك إذا لم يجد طريقًا غيره، فهو أقوى عنده من رأي الرجال.
ولهذا قال بعض النقاد: إن شرط أبي عبد الله النسائي في هذا الكتاب أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه من الرواة، وعقب بعضهم على ذلك بأنه مذهب متسع.
ولكن كيف نفهم هذه العبارة مع ما عرف عن النسائي من تشدده في الرجال حتى قيل: إن شرطه أشد من شرطي البخاري ومسلم؟
الواقع أن هؤلاء الأئمة ينظرون إلى الأحاديث ورجالها بهدفين، الهدف الثاني هو النظر إلى ما يمكن أن يعمل به في نظر بعض الفقهاء، أو بعض المحدثين، وهذا ما كانوا يتساهلون فيه ويدونونه في كتبهم وسننهم.
ولهذا فقد حكم النسائي على حديث عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر لصهيب: ما لي أرى عليك خاتم الذهب؟ قال: قد رآه من هو خير منك، فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول الله ﷺ. حكم على هذا الحديث بأنه منكر، ومع هذا فقد أورده في السنن الكبرى، وفي السنن الصغرى١.
وأغفل الحكم عليه وترجم له باب "الرخصة في خاتم الذهب للرجال" ليشير إلى أن من رخص في ذلك استند إلى هذا الحديث٢.
_________________
(١) ١ سنن النسائي "٨/ ٩٢، ٩٣". ٢ سنن النسائي "٨/ ١٦٤، ١٦٥".
[ ٣٧١ ]
وقد كان أبو عبد الرحمن النسائي كذلك، فقد كان يتشدد في الحكم على الرجال، وعلى الأحاديث عندما يكون هدفه وغايته تمييز الصحيح من غيره، ولم يكن يفعل ذلك إلى حد ما عندما يدون كتابًا في السنن، كبيرًا أو صغيرًا؛ ليعرف الناس الأحاديث التي استقى منها الفقهاء الأحكام، أو يمكن أن يستقي الناس منها ذلك.
على أنه يجب ألا تفهم عبارة: "من لم يجمع على تركه"، و"أن مذهبه متسع" على إطلاقها، فإنه أراد بذلك إجماعًا خاصًّا، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه، ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن، ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري، قال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع على تركه، فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى مثلًا فإنه لا يترك؛ لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد، قال الحافظ ابن حجر: وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين. ويقول النسائي نفسه: لما عزمت على جمع السنن استخرت الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم، فتركت جملة من الحديث أعلم أنها عنهم١ ٢.
- منهج النسائي في المجتبَى:
اقتصر النسائي على أحاديث الأحكام إلا قليلًا، ورتبها ترتيبًا فقهيًّا، كما فعل أبو داود تقريبًا.
_________________
(١) ١ مقدمة زهر الربى على المجتبى، للسيوطي "١/ ١٠". ٢ كتب السنة، القسم الثاني "مخطوط بالآلة الكاتبة".
[ ٣٧٢ ]
والنسائي يرتب أبوابه الأول فالأول بحسب ترتيبها في الشرع، بحيث لو جمعت تراجم من الغسل من الجناية مثلا لكانت أشبه شيء حيئنذ بمتون الفقه حيث تجمع المسائل مجردة عن دليلها، وها هي ذي أبواب الغسل من الجنابة: "ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلها الإناء، باب عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، باب إزالة الأذى عن جسده بعد غسل يديه، باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده، باب تحليل الجنب رأسه، باب ذكر ما يكفي الجنب من إفاضته الماء على رأسه، باب ذكر العمل في الغسل من الحيض، باب ترك الوضوء من بعد الغسل، باب غَسْل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه، باب ترك المنديل بعد الغسل".
ويمتاز كتاب النسائي عن كتب السنن الأخرى بأنه ليس فيه تعقيبات فقهية، ولا يذكر آراء الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، ويكرر الحديث الواحد تحت عدة تراجم مثل ما رواه من قوله ﷺ: "الفطرة خمس " الحديث، فقد روى هذه الحديث بطرق مختلفة تنتهي كلها إلى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وهذا يذكرنا بما كان يفعله الإمام البخاري.
والنسائي يبين غريب بعض الألفاظ حينًا١، ويشير إلى الأحاديث الضعيفة والمنكرة أحيانًا، ويحرص على التفريق بين طرق التحمل، وخاصة بين السماع، والقراءة، واختلاف ألفاظ الرواة٢.
- مقارنة بين "السنن الكبرى" و"المجتبَى" للنسائي٣:
السنن في عرف المحدثين هي: الكتاب الذي يُصنَّف مرتبًا على الأبواب الفقهية: الإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج إلخ. وهذا متحقق في الكبرى والصغرى "المجتبَى" للنسائي.
_________________
(١) ١ سنن النسائي "٧/ ٢٥٣". ٢ راجع المصدر السابق "٨/ ٧٣ وما بعدها". ٣ من كلمة محقق النسائي، تحقيق مكتب التراث الإسلامي، دار المعرفة، بيروت "بتصرف".
[ ٣٧٣ ]
وقد سُميت السنن الكبرى "بديوان النسائي"، كما جاء هذا الاسم صريحًا في ختام النسخة الموجودة في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم "٥٩٥٢" وهي في مجلدين كبيرين، جاء في ختامها ما نصه: "كمل السطر الثالث وبتمامه كمل ديوان النسائي رحمه الله تعالى".
والديوان هو: مجتمع الصحف المكتوبة١.
وهذه التسمية صحيحة ودقيقة، فهذا المصنف مجتمع هذه الصحف التي كتبها الإمام النسائي، فهي "ديوان".
أما الصغرى، فقد سميت المجتبَى -بالباء- وبعضهم قال: المجتنَى -بالنون- والمجتبى معناه: المجموع على جهة الاصطفاء كما قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠]، وإجتباء الله تخصيصه إياه بنعم من غير كسب٢، وهذه التسمية للسنن الصغرى صحيحة؛ لأنه اصطفاه من كتابه الكبير، وخص به أمير الرملة دون تعب منه ولا جهد.
- وتمتاز السنن الكبرى عن الصغرى "المجتبَى" بعدة أمور:
١- يوجد في الكبرى زيادة كتب ليست موجودة في المجتبى منها: كتاب السير، المناقب، النعوت، الطب، الفرائض، الوليمة، التعبير، فضائل القرآن، العلم إلخ، ولا تنقص الكبرى عن المجتبى من الكتب سوى الإيمان وشرائعه، والصلح.
٢- يدخل في الكبرى كتب ألفت مستقلة، ثم ضمها إليها مصنفها، ووضعها في المكان الذي يناسبها مثل كتاب فضائل القرآن، فقد نص الزركشي المتوفَّى "٧٩٤هـ" في كتابه البرهان في علوم القرآن أنه ألفه مستقلًّا٣.
_________________
(١) ١ انظر: القاموس المحيط "٤/ ٢٢٤"، وانظر: المصباح المنير "١/ ٢١٩"، وتهذيب الأسماء واللغات "٢/ ١ / ١٠٦". ٢ انظر: المفردات للراغب الأصبهاني "ص٨٥". ٣ انظر: البرهان "١/ ٤٣٢"، والسيوطي في الإتقان "١/ ١٥١" وقد طبع بتحقيق د. فاروق حمادة، فانظر مقدمته "ص٢٥" وما بعدها.
[ ٣٧٤ ]
أما كتابه "خصائص علي" فهو مشهور جدًّا أنه ألفه مستقلًّا ثم ضمه إلى الكبرى مع فضائل الصحابة الذي ألفه بعد ذلك.
ومثله كتاب "التفسير"، فقد نص الذهبي على أنه مستقل، وقد رُوِيَ مع الكبرى١.
أما "اليوم والليلة" فقد رويت عن طريق أبي محمد الباجي عن ابن الأحمر، وابن سيار مع الكبرى، ومن طريق بقية الرواة مستقلًّا.
٣- تزيد الكبرى عن المجتبى بعدد الأبواب، ومن ثم بعدد الأحاديث، وعلى سبيل المثال كتاب الصوم نجد فيه أبوابًا كثيرة ليست في المجتبى منها: صيام يوم الأربعاء، تحريم صيام يوم الفطر ويوم النحر، صيام يوم عرفة والفضل في ذلك، إفطار يوم عرفة بعرفة، التأكيد في صوم عاشوراء، صيام ستة أيام من شوال، صيام الحي عن الميت، صيام المحرم، صيام شعبان، اغتسال الصائم، السواك للصائم، القبلة في شهر رمضان، ما يجب على من يجامع امرأته إلخ.
وهكذا تزيد الكبرى عن الصغرى بأربعة وستين بابًا، ويبدو أن هذا الكتاب أكثر الكتب زيادات على المجتبى.
٤- يستتبع ذلك زيادة في تعليل الأحاديث وذلك حين يوردها مبينًا ما فيها من العلل والوقف والإرسال وغير ذلك غير قليل في الكبرى، وقد تفنن في هذا تفننًا عجيبًا، ومع هذا فقد نجد في المجتبى كلمة موضحة، أو لفظة زائدة في الإسناد، أو في المتن، ولا نجدها في الكبرى، وإن كان هذا قليلًا مع وجود أحاديث في المجتبى ليست في الكبرى.
٥- من الملاحظ في "المجتبى" أنه يستعمل في مطلع إسناده لفظ "أخبرنا"
_________________
(١) ١ تفسير القرآن الكريم: ذكره ابن خير الإشبيلي "ص٥٨"، ضمن كتب التفسير التي رواها، ورواه عن طريق حمزة بن محمد الكناني، من مقدمة "عمل اليوم والليلة" "ص٣٥".
[ ٣٧٥ ]
وأحيانًا "أخبرني"، وهذا مما امتاز به عن بقية الستة، أما في الكبرى فيتوسع حتى إنه يستعمل أحيانًا البلاغات منها قوله: بلغني عن ابن وهب، عن مخرمة بن بُكير، عن أبيه قال: سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم بن الزرقي يقول: حدثتني أمي أنهم كانوا مع رسول الله -ﷺ- بمنى، فسمعوا راكبًا يصرخ يقول: ألا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب، قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أحدًا بايع تابع مخرمة على هذا الحديث، الحكم الزرقي، والصواب: مسعود بن الحكم.
٦- في المجتبى زيادة تراجم وأبواب واستنباطات لا توجد في الكبرى كما في ترجمته لكتاب الطهارة في الكبرى: النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة، والأمر باستقبال المشرق والمغرب، وساق تحته حديثين عن أبي أيوب الأنصاري، وجعل هذه الترجمة في المجتبى ثلاث تراجم: النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة، الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة، وأضاف في المجتبى حديثا ليس في الكبرى، ولهذا نظائر كثيرة مبثوثة في ثنايا المجتبى لا سيما الكتب الأولى من: الطهارة، والصلاة، الحج، والصوم
٧- أما رجاله ومنهجه في الانتقاء فهو واحد تقريبًا في الكتابين، وإن كان في الكبرى بعض رجال ليسوا في المجتبى، فهذا تبع لسعة الكتاب وزياداته، ولا يخرجون عن الإطار العام الذي ينتقي به النسائي رجاله.
- عناية الأمة بالسنن "المجتبَى":
الملاحظ أن كتاب "السنن الكبرى" لم ينل العناية الكبيرة التي نالها الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي، وأكثر ما كانت العناية بالمجتبى ضمن إطار الكتب الستة، وفيما يلي أهم الأعمال التي تناولت المجتبَى مع بقية الكتب الستة.
أ- من ناحية المتن:
١- التجريد للصحاح والسنن، لرزين العبدري السرقطي، المتوفى بمكة سنة
[ ٣٧٦ ]
"٥٣٥هـ" جمع في كتابه متون الأصول الستة، وفيه زيادات لم توجد فيها.
٢- جامع الأصول في أحاديث الرسول لأبي السعادات ابن الأثير الجزري "ت ٦٠٦هـ".
٣- مختصرات جامع الأصول وأهمها: تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الديبع الشيباني "عبد الرحمن بن علي" المتوفَّى "٩٤٤هـ".
٤- أنوار الصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، لأبي عبد الله محمد بن عتيق به علي التجيبي الغرناطي المتوفَّى في حدود "٦٤٦هـ"١.
٥- الجمع بين الكتب الستة، للحافظ الزاهد عبد الحق الإشبيلي صاحب الأحكام المتوفَّى "٥٨٢هـ"٢.
٦- "جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن" يجمع بين الأصول الستة، ومسانيد: أحمد، والبزار، وأبي يعلى، والمعجم للطبراني، لإسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير الدمشقي المتوفَّى "٧٧٤هـ"، رتبه على حروف المعجم، ويذكر كل صحابي له رواية، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب، وهو كتاب مشهور.
٧- "جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد" يجمع كتاب "جامع الأصول المتقدم" لابن الأثير مع كتاب "مجمع الزوائد" للهيثمي، جمع الشيخ محمد بن سليمان الروداني "نسبة إلى تارودانت مدينة في جنوب المغرب الأقصى" المتوفى "١٠٩٤هـ".
٨- كتاب "التاج الجامع للأصول من أحاديث الرسول ﷺ" للشيخ منصور
_________________
(١) ١ انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي "٤/ ١٤٣٦"، والرسالة المستطرفة للكتاني "ص١٧٥"، والذيل والتكملة "٦/ ٤٣٠". ٢ انظر: الرسالة المستطرفة، للكتاني "ص١٨٠".
[ ٣٧٧ ]
علي ناصف، من العلماء المعاصرين، فإنه ضم النسائي وبقية الستة، وأضاف أحيانًا أحاديث من غيرها، وقد اعتمد على الكتب المطبوعة، وبالتالي عول على المجتبى، ونص على ذلك١.
ب- من ناحية الإسناد والرجال:
ينقسم هذا الجانب إلى قسمين: قسم الأطراف، وقسم الرجال، وإن كان قسم الأطراف ينضوي تحت المتون إلا أنه بالإسناد ألصق.
أما كتب الأطراف، فهي التي يُقتصر فيها على ذكر طرف الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده٢، وأهم الكتب فيه:
١- الأطراف لأبي الفضل بن طاهر "محمد بن طاهر بن علي" "٤٤٨-٥٠٧هـ" قال أبو القاسم بن عساكر: جمع أطراف الكتب الستة، فرأيته يخطئ فيها خطأ فاحشًا٣، وابن طاهر هو أول من ضم ابن ماجه إلى الخمسة وعده سادسًا.
٢- كتاب الإشراف على الأطراف، للحافظ الكبير الإمام أبي القاسم بن عساكر "٤٩٩-٥٧١هـ" صاحب تاريخ دمشق، فقد جمع بين أطراف الكتب الأربعة: أبي داود، وجامع الترمذي، والنسائي، وابن ماجه٤.
واعتمد في أطراف النسائي على رواية ابن حيوية، وهي من الكبرى كما نص ابن حجر في تهذيب التهذيب٥.
٣- ثم جاء بعده الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي "جمال الدين يوسف"
_________________
(١) ١ انظر: كتابه "١/ ١٣". ٢ انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني "ص١٦٧"، ومقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري "ص٣٧". ٣ انظر ترجمته في: لسان الميزان لابن حجر "٥/ ٢٠٧"، وميزان الاعتدال للذهبي "٣/ ٧٥"، وابن خلكان "١/ ٤٨٩". ٤ انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري، وتهذيب ابن القيم، ومعالم السنن للخطابي "٨/ ١٣٢". ٥ تهذيب التهذيب "١/ ١٨٩".
[ ٣٧٨ ]
"٦٤٥-٧٤٢هـ"، فألف كتابًا سماه "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" قال في مقدمته: "إني عزمت على أن أجمع في هذا الكتاب أطراف الكتب الستة التي هي عمدة أهل الإسلام، وعليها مداد غاية الأحكام: صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري، وسنن أبي داود السجستاني، وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي، وسنن أبي عبد الله بن ماجه، وما يجري مجراها في مقدمة كتاب مسلم، وكتاب المراسيل لأبي داود، وكتاب العلل للترمذي، وهو الذي في آخر الجامع له، وكتاب الشمائل له، وكتاب عمل اليوم والليلة للنسائي معتمدًا في ذلك على كتاب أبي مسعود الدمشقي، وكتاب خلف الواسطي في أحاديث الصحيحين، وعلى كتاب أبي القاسم بن عساكر في كتب السنن، وما تقدم ذكره معه، ورتبته على ترتيب أبي القاسم، فإنه أحسن الكتب ترتيبًا، وكثيرًا ما استدركت على الحافظ أبي القاسم رحمه اله تعالى".
٤- الكشاف في معرفة الأطراف١، للحافظ شمس الدين أبي المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي المتوفى سنة "٧٦٥هـ".
٥- أطراف الكتب الخمسة "البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي" لأبي العباس أحمد بن ثابت بن محمد الطرقي نسبة إلى طرق، قرية من أعمال أصبهان، ذكرت ياقوت في معجمه٢، ولم يذكر وفاته، وقال الذهبي في الميزان: صدوق كان بعد الخمسمائة، وذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان، كما اقتبس منه في مواضع في فتح الباري.
٦- ثم العارف بالله العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى بدمشق "١١٤٣هـ" في كتابه "ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث"، وهو مطبوع متداول، وقد بنى كتابه على المجتبى، ويقول في ذلك: "وجعلت
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٨/ ١٣٣". ٢ انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني "ص١٦٩"، والميزان "١/ ١٤٣"، ومعجم البلدان "٤/ ٣٠".
[ ٣٧٩ ]
مكان سنن النسائي الكبرى، حيث قل وجودها في هذه الأعصار سننه الصغرى المسماة المجتبى من سنن النبي المختار"١.
وقد وضع الحافظ ابن حجر على أطراف المزي حاشية لطيفة سماها: "النكت الظراف على الأطراف".
جمع فيه بعض أوهام المزي٢، وقد سبقه إلى ذلك شيخه الحافظ أبو الفضل العراقي "والنكت الظراف مطبوع بهامش تحفة الأشراف".
- وأما قسم الرجال، فقد صنف فيه بغية الجرح والتعديل، ومن هذه المصنفات:
١- الكمال في معرفة الرجال، لعبد الغني بن عبد الواحد بن سرور الجماعيلي المقدسي، الحافظ الزاهد "٥٤١-٦٠٠هـ"٣، وقد اشتمل كتابه على رجال الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٢- المعجم المشتمل على أسماء الشيوخ النبل، لأبي القاسم ابن عساكر "٤٩٩-٥٧١هـ".
٣- التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، للحافظ محمد بن عبد الغني بن أبي بكر معنى الدين "ابن نقطة" الحنبلي المتوفى "٦٢٩هـ" جمع في كتابه كل من علمه روى شيئًا في الكتب الستة، والموطا، وصحيح ابن حبان، وكتب السير، والتاريخ، وغيرها٤.
وقد ذيل عليه تقي الدين محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي المالكي المتوفَّى "٨٣٢هـ".
_________________
(١) ١ انظر "١/ ١٤". ٢ وقد اختصر كتاب تحفة الأشراف غير واحد من العلماء: اختصرها الحافظ شمس الدين الذهبي "ت ٧٤٨هـ". والحافظ شمس الدين محمد بن علي بن حمزة الدمشقي. ٣ انظر: الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب الحنبلي "٢/ ١٩٠٥". ٤ انظر: السُّنة قبل التدوين، لمحمد عجاج الخطيب "ص٢٧٠"، ويقول: إنه يوجد بدار الكتب المصرية تحت رقم "٢٠٨٨٦".
[ ٣٨٠ ]
٤- كتاب "رجال العشرة" لأبي إسحاق الصريفيني تقي الدين إبراهيم بن محمد المتوفى "٦٤١هـ" أحد الحفاظ الثقات وأوعية العلم الفضلاء، ذكره له السخاوي في الإعلان بالتوبيخ "ص٦١٧"، والحافظ في تعجيل المنفعة "ص١٩"، وغيرهما.
٥- الكمال في أسماء الرجال، لابن النجار "محمد بن محمود البغدادي" صاحب تاريخ بغداد المتوفى "٦٤٣هـ"، وقد جمع فيه رجال الكتب الستة.
٦- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج المزي، هذَّب فيه كتاب المقدسي المتقدم، ورتب تهذيبه على حروف المعجم، ثم ذكر أسماء النساء، واستدرك عليه -ما فاته- الحافظ علاء الدين مغلطاي "٦٩٠ -٧٦٢هـ" وسماه إكمال التهذيب.
وقد اختصر التهذيب، وأضاف عليه محمد بن علي الحسيني.
٧- ثم جاء محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي "٦٢٨-٧٤٨ هـ" فاختصر تهذيب الكمال وسماه "تذهيب تهذيب الكمال"، ثم اختصره في كتاب آخر سماه: "الكاشف عن رجال الكتب الستة"، واقتصر فيه على مَن له رواية ووضع لهم رموزًا.
٨- رجال السنن الأربعة، للهكاري أحمد بن الحسن بن موسى "ت ٧٦٣هـ" أحد الحفاظ.
٩- التذكرة برجال العشرة، لمحمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي "ت ٧٦٥هـ" جمع فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، ومسند أبي حنيفة.
١- وجاء بعد هؤلاء النفر العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي أمير المؤمنين في الحديث، المولود "٧٧٣هـ"، والمتوفى "٨٥٢هـ" فوضع
[ ٣٨١ ]
كتابه "تهذيب التهذيب"، لخص فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه فوائد كثيرة من الذين استدركوا، أو اختصروا الكتاب قبله، خصوصًا مغلطاي، ومن غيرها.
ثم اعتمد عليه الحافظ ابن حجر في تصنيف كتابه "تقريب التهذيب" الذي يعتبر ثورة في علم الجرح والتعديل، فجعل الرواة على طبقات، ولخص ما قيل في كل راوٍ من جرح وتعديل في كلمة أو كلمتين، أو كلمات معدودات. قال الحافظ ابن حجر نفسه في مقدمة هذا الكتاب: "إنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وُصف به بألخص عبارة، وأخلص إشارة وباعتبار ما ذكرتُ انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة". فهو كما قال السخاوي في "الجواهر والدرر" "ق ١٥٦ / ب": "عجيب الوضع".
١١- وللإمام الحافظ محدِّث الأندلس أبو محمد عبد الله بن سليمان الأنصاري الحارثي "ت ٦١٢هـ" كتاب ذكر فيه شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي، نزع فيه منزع أبي نصر الكلاباذي؛ لكنه لم يكمله، وكان كثير الأسفار فضاعت الأصول١.
١٢- رجال الكتب الستة "البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسوي، والترمذي، وابن ماجه" لمحمد بن أحمد بن عيسى بن حجاج اللخمي الإشبيلي "ت ٦٥٤هـ" قال عنه ابن عبد الملك المراكشي: معرفًا أحوالهم وتواريخهم، وما ينبغي أن يذكروا به، فجاء من أعظم ما ألف في بابه جدوى وأغزره فوائد، على اختصاره النبيل يكون في خمسة أسفار متوسطة، وأثنى على المؤلف ثناء طيبًا٢.
١٣- "شيوخ أبي داود، والترمذي، والنسوي، وغيرهم" للإمام محمد بن إسماعيل بن خلفون الأونبي المتوفى "٦٣٦هـ"، قال المراكشي: أربعة مجلدات٣.
_________________
(١) ١ انظر: تذكرة الحفاظ الذهبي "٤/ ١٣٩٨". ٢ انظر: الذيل والتكملة "٦/ ١٨، ١٩". ٣ انظر: الذيل والتكملة "٦/ ١٣٠".
[ ٣٨٢ ]
١٤- كتاب "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" للحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري، وقد ألفه سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، واستمده من كتب الذهبي بشكل رئيسي، ومن تقريب الحافظ ابن حجر، وإكمال ابن ماكولا وغيرها، وطبع وصور مرات عديدة، وهو نافع في بابه على وجازته، يركز على شيوخ المترجم وتلامذته.
- الدراسات المقصورة على "سنن النسائي" وحدها١:
أ- من ناحية المتن:
١- شرح "سنن النسائي" أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشيد المولود "٤٣٦هـ" والمتوفى "٥٦٣هـ"، ووصف شرحه بأنه حفيل للغاية٢.
٢- وشرح معاصر له هو: أبو الحسن علي بن عبد الله بن النعمة، ولد بعد التسعين وأربعمائة، وتوفي سنة "٥٦٧هـ"، ودفن "بقرطبة" وسماه "الإمعان في شرح مصنف النسائي عبد الرحمن" قال ابن الأبار: كان عالمًا حافظًا للفقه والتفسير ومعاني الآثار، مقدَّمًا في علم اللسان، فصيحًا مفوهًا، ورعًا فاضلًا، دمث الأخلاق، وقال محمد بن عبد الملك المراكشي: بلغ فيه الغاية من الاحتفال وحشد الأقوال، وما أرى أن أحدًا تقدمه في شرح كتاب حديثي إلى مثله، توسعًا في فنون العلم، وإكثارًا من فوائده، وقد وقفت على أسفار منه مدمجة بخطه٣، وقد ذكره له كثيرون، ومنهم ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفي "ص٢٩٨"، والسخاوي في فتح المغيب "٣/ ٥١".
ولا نعلم عن المصنَّفَيْنِ السابقين شيئًا، ولا ندري هل كتاب الإمعان شرح السنن الصغرى أو الكبرى.
٣- شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي الملقن الشافعي المتوفَّى "٨٠٤ هـ"،
_________________
(١) ١ من كلمة محقق سنن النسائي "المجتبى" طبعة دار المعرفة، بيروت "بتصرف". ٢ انظر السنن الأبين لابن رشيد السبني، المقدمة "ص١٤". ٣ انظر: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة "٥/ ١/ ٢٢٩".
[ ٣٨٣ ]
لكنه تناول بالشرح فقط زوائده على الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، وغالب الظن أنه زوائد المجتبى.
٤- "زهر الرُّبَى على المجتبَى" لجلال الدين السيوطي المتوفى" ٩١١هـ" تعليقة لطيفة حد فيها بعض ألفاظه، ولم يتعرض بشيء للأسانيد، وقد طبعت مع المجتبى مرارًا، ولهذه التعليقة مختصر باسم "عرف زهر الربى" لعلي بن سليمان الدمناتي الباجمعاوي المغربي المتوفى "١٣٠٦هـ" "مطبوع بالقاهرة ١٢٩٩هـ".
٥- حاشية لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى بالمدينة المنورة "١١٣٦هـ"، مطبوعة مع "زهر الربى" والسنن، وهي أبسط من تعليق السيوطي في بعض المواضع.
٦- وهناك مختصر التقط فيه رباعيات النسائي "الرباعيات من كتاب السنن المأثورة" في تشستر بيتي "٣٨٤٩/ ١" من ٤-٢٤ من القرن السادس الهجري١.
٧- تأليف لأبي عبد الرحمن محمد بنجابي، ومحمد عبد اللطيف، طبع في دلهي عام "١٨٩٨م" مع شرح مجمع من السيوطي والسندي وغيرهما٢.
٨- روض الربَى عن ترجمة المجتبى، تأليف مولاي وحيد الزمان، طبع في لاهور عام "١٨٨٦م" مع ترجمة هدوستانية٣.
٩- وفي ذيل طبقات الحفاظ لجلال الدين السيوطي "ص٣٦٥" أن الحافظ شمس الدين أبا المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي "٧١٥-٧٦٥هـ" شرع في شرح سنن النسائي.
ب- من ناحية الإسناد والرجال:
١- فأول من اعتنى برجال النسائي هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني "أندلسي"، وقد تلقى السنن عن تلامذة النسائي الأندلسيين، وله "تسمية
_________________
(١) ٣ انظر: تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين "ص٤٢٥/ ١".
[ ٣٨٤ ]
شيوخ أبي عبد الرحمن النسائي"، ذكر ذلك ابن خير الإشبيلي في فهرسته "ص٢٢١"، والراجح أن يكون هذا الكتاب مبنيًّا على الكبرى؛ لأنه رواها عن تلامذة المصنف.
٢- وتبعه على ذلك أبو علي الحسين بن محمد الجياني، المولود "٤٢٧-٤٩٨هـ" الحافظ الإمام الثبت، محدث الأندلس، فصنع كتاب شيوخ النسائي، ولا نعلم كيف بنى كتابه هذا.
٣- رجال النسائي، لأبي محمد الدورقي، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: رجال الترمذي ورجال النسائي لجماعة من المغاربة منهم الحافظ أبو محمد الدورقي، فإن له في رجال كل منهما كتابًا منفردًا١.
٤- "شيوخ النسائي" في سفر، لأبي بكر محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون الأونبي الأزدي، المتوفى "٦٣٦هـ"، كان أحد حفاظ الرجال المتقنين المصنفين، وذكر له كتابه هذا أبو الحسن الرعيني الإشبيلي المتوفى "٦٣٦هـ" في برنامج شيوخ٢.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة السنن الأبين لابن رشيد السبتي. ٢ انظر "ص٢١٨".
[ ٣٨٥ ]
سادسًا: ابن ماجه "٢٠٩-٢٧٣هـ"
هو: أبو عبد الله محمد بن يزيد الرَّبَعِي القزويني. ذكره الحافظ أبو علي الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في رجال قزوين، وقال فيه: "ثقة كبير، متفق عليه، محتج به، له معرفة بالحديث وحفظٌ، وله مصنفات في السنن، والتفسير، والتاريخ". وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٩": "الحافظ الكبير، الحجة، المفسر، مصنف "السنن"، و"التاريخ" و"التفسير"، وحافظ قزوين في عصره". وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "أحد الأئمة، حافظ، صنف السنن والتفسير والتاريخ"١.
- سنن ابن ماجه: منهجه وشروطه:
المتقدمون من أهل الحديث وكثير من محققي المتأخرين عدوا أصول كتب الحديث الخمسة: الصحيحين، وسنن النسائي، وأبي داود، والترمذي، وخالفهم بعض المتأخرين، فعد الأصول ستة، بإضافة ابن ماجه إلى الخمسة المذكورة؛ وذلك لأنهم رأوا كتابه مفيدًا عظيم النفع في الفقه.
وأول من أضافه إلى الخمسة الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي المتوفَّى سنة "٥٠٧" في أطراف الكتب الستة له، وكذلك في كتابه شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه "الإكمال في أسماء الرجال" -أي: رجال الكتب الستة- وهو الذي هذبه الحافظ المزي، وتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال، ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "٢٧/ ٤٠- ٤٢"، تهذيب التهذيب "٩/ ٥٣٠- ٥٣٢"، تقريب التهذيب "ص٥١٤" ترجمة رقم "٦٤٠٩"، خلاصة الخزرجي "٢/ ترجمة رقم ٦٧٧٠"، شذرات الذهب "٢/ ٦٤"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٦٣٦"، سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٧"، العبر "٢/ ٥١"، الوافي بالوفيات "٥/ ٢٢، وفيات الأعيان "٤/ ٢٧٩"، النجوم الزاهرة "٣/ ٧٠"، طبقات الحفاظ "ص٢٨٧- ٢٧٩"، طبقات المفسرين "٢/ ٢٧٢"، البداية والنهاية "١١/ ٥٢".
[ ٣٨٧ ]
مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه، وجعل آخرون الموطأ هو السادس لصحته وجلالته، كرزين السرقسطي المتوفَّى سنة "٥٣٥هـ" في كتابه "تجريد الصحاح"، وتبعه ابن الأثير في جامع الأصول، وكذا غيره١.
وكتاب السنن لابن ماجه مصنَّف على الكتب والأبواب، كالسنن الثلاثة السابقة، وقد اشتمل على سبعة وثلاثين كتابًا.
وقد بدأه ابن ماجه بالمقدمة التي اشتملت على أربعة وعشرين بابًا:
١- باب اتباع سنة رسول الله ﷺ.
٢- باب تعظيم حديث رسول الله -ﷺ- والتعظيم على من عارضه.
٣- باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ.
٤- باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ.
٥- باب من حدث عن رسول الله -ﷺ- حديثًا وهو يرى أنه كذب.
٦- باب اتباع سُنة الخلفاء الراشدين المهديين.
٧- باب اجتناب البدع والجدل.
٨- باب اجتناب الرأي والقياس.
٩- باب في الإيمان.
١٠- باب في القدر.
١١- باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.
١٢- باب في ذكر الخوارج.
١٣- باب فيما أنكرت الجهمية.
١٤- باب من سن سنة حسنة أو سيئة.
١٥- باب من أحيا سنة قد أميتت.
١٦- باب فضل من تعلم القرآن وعلمه.
_________________
(١) ١ الحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهر "ص٤١٨، ٤١٩".
[ ٣٨٨ ]
١٧- باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.
١٨- باب من بلغ علمًا.
١٩- باب من كان مفتاحًا للخير.
٢٠- باب ثواب معلم الناس الخير.
٢١- باب من كره أن يوطأ عقباه.
٢٢- باب الوصاة بطلبة العلم.
٢٣- باب الانتفاع بالعلم والعمل به.
٢٤- باب من سئل عن علم فكتمه.
ثم رتب كتابه على الكتب الفقهية، كما صنع أصحاب السنن الثلاثة السابقة:
١- كتاب الطهارة.
٢- كتاب الصلاة.
٣- كتاب الأذان والسنة فيها.
٤- كتاب المساجد والجماعات.
٥- كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها.
٦- كتاب الجنائز.
٧- كتاب الصيام.
٨- كتاب الزكاة.
٩- كتاب النكاح.
١٠- كتاب الطلاق.
١١- كتاب الكفارات.
١٢- كتاب التجارات.
١٣- كتاب الأحكام.
١٤- كتاب الهبات.
١٥- كتاب الصدقات.
١٦- كتاب الرهون.
١٧- كتاب الشفعة.
١٨- كتاب اللقطة.
١٩- كتاب العتق.
٢٠- كتاب الحدود.
٢١- كتاب الديات.
٢٢- كتاب الوصايا.
٢٣- كتاب الفرائض.
٢٤- كتاب الجهاد.
٢٥- كتاب المناسك.
٢٦- كتاب الأضاحي.
٢٧- كتاب الذبائح.
٢٨- كتاب الصيد.
[ ٣٨٩ ]
٢٩- كتاب الأطعمة.
٣٠- كتاب الأشربة.
٣١- كتاب الطب.
٣٢- كتاب اللباس.
٣٣- كتاب الأدب.
٣٤- كتاب الدعاء.
٣٥- كتاب تعبير الرؤيا.
٣٦- كتاب الفتن.
٣٧- كتاب الزهد.
وهناك اتفاق من المتخصصين على أن سنن ابن ماجه دون السنن السابقة في الدرجة، ويرجع ذلك إلى كثرة الأحاديث الضعيفة الموجودة فيه إذا قورنت بالأحاديث الضعيفة في السنن السابقة، كما أنه انفرد بإخراج أحاديث عن رواة متهمين بالكذب؛ ولكن ابن ماجه نفسه صرح بأن أبا زرعة الرازي أثنى على سننه، وذكر أن فيه نحوًا من ثلاثين حديثًا ضعيفًا، فقال ابن ماجه فيما نقله الذهبي في السير: "عرضت هذه السنن على أبي زرعة، فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف أو نحو ذا"١.
ونقل الحافظ المزي نحوه في تهذيب الكمال نقلًا عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر.
وقال الحافظ الذهبي في السير أيضًا: "قد كان ابن ماجه حافظًا صادقًا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عَنَى بثلاثين حديثًا: الأحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة -أي بذاتها- فكثيرة، لعلها نحو الألف"٢.
وحصر الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني الهندي في كتابه: ما تمس إليه
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٨". ٢ سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٨، ٢٧٩".
[ ٣٩٠ ]
الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه١، حصر أحاديث ابن ماجه التي ذكرها ابن الجوزي، في كتابه "الموضوعات" حديثًا حديثًا، فبلغت أربعة وثلاثين حديثًا، وذكر ما في أسانيدها من مقال، ثم أورد سبعة أحاديث حكم عليها بعض الحفاظ غير ابن الجوزي بالوضع، وذكر ما قيل في أسانيدها، وقال: "وفي سنن ابن ماجه أحاديث كثيرة ضعيفة بعضها أشد في الضعف من بعض، ولو جمعها أحد من علماء هذا الشأن لجاء من مجلد لفيف".
وقال السيوطي في شرحه على مجتبى النسائي المسمى بزهر الربَى: "إن كتاب ابن ماجه قد تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تُعرف إلا من جهتهم؛ مثل: حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد، وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد الكوفي، وعبد السلام بن يحيى بن أبي الجنوب، وغيرهم".
قال: "وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما فيه ضعف، فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة، فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة للغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءًا منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منها بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لأبي حاتم". اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: "إنه انفرد بأحاديث كثيرة، وهي صحيحة، فالأولى حمل الضعيف على الرجال، وقد ألف الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري كتابًا في زوائده على الخمسة نبه فيه على غالبها".
ونقل العلامة علي القاري في "المرقاة شرح المشكاة" عن الحافظ ابن حجر قوله: "السبيل لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن الأربعة، لا سيما سنن ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث
_________________
(١) ١ "ص٣٨-٤٤".
[ ٣٩١ ]
من المسانيد؛ لأن هذه لم يشترط جامعوها الصحة والحسن: إنه كان أهلًا للنقل والتصحيح، فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به، وإن لم يكن أهلًا لذلك، فإن وجد أهلًا لتصحيح أو تحسين قلده، وإلا فلا يقدم على الاحتجاج كحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر".
وجملة أحاديث سنن ابن ماجه "٤٣٤١" حديثًا.
منها "٣٠٢" حديثًا أخرجها الشيخان، وأصحاب السنن الثلاثة السابقة.
فتكون الزوائد "١٣٣٩" حديثًا، منها الصحيح، والحسن، والضعيف وغيره.
صحيحة الإسناد منها عددها "٤٢٨" حديثًا.
وحسنة الإسناد عددها "١٩٩" حديثًا.
وضعيفة الإسناد عددها "٦١٣" حديثًا.
ويبقى "٩٩" حديثًا واهية الإسناد، أو منكرة، أو مكذوبة.
ولا يوجد حديث مما أخرجه في الأحكام فيه راوٍ متهم بالوضع أو الكذب؛ وإنما ذلك في الفضائل بلا استثناء.
- شروحه ١:
١- شرح محمد بن موسى الدميري المتوفَّى سنة "٨٠٨هـ"، يُسمى "الديباجة" في خمسة مجلدات، ومات قبل تحريره.
٢- شرح جلال الدين السيوطي، يسمى "مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه".
٣- شرح إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة "٨٤١هـ".
٤- شرح السندي، وهو مطبوع٢.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة السندي لشرح سنن ابن ماجه، مقدمة السيوطي لشرح سنن النسائي، وشروط الأئمة الستة "ص١٦، ١٧"، الرسالة المستطرفة "ص١٠، ١١"، توجيه النظر "ص١٥٣"، مفتاح السنة "ص١٠١"، كشف الظنون "١/ ٤٧٧"، قواعد التحديث "ص٢٣٣". ٢ مخطوطة بدار الكتب المصرية "برقم ١٨٩٤ب"، "حديث تيمور ٥٣٨"، "حديث س١١".
[ ٣٩٢ ]
سابعًا: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل "١٦٤-٢٤١هـ" ١
هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغدادي "١٦٤- ٢٤١هـ"، وهو من ولد شيبان بن ذهل، لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله -ﷺ- في نزار.
خُرج به من مرو حملًا، وولد ببغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.
ومناقبه أكثر من أن تُحصى أو تُستقصى، ويكفي أن الشافعي عده من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا، وكلما قال شيئًا صدقه الكبار.
- ومن تصانيفه:
"المسند"، وهو بزيادة ابن عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، و"التفسير"، وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، و"الزهد"، وهو نحو مائة جزء، و"الناسخ والمنسوخ"، و"المقدم والمؤخر في القرآن" و"المنسك الكبير"، و"المنسك الصغير"، و"الصيام والفرائض"، و"حديث شعبة"، و"فضائل الصحابة"، و"فضائل أبي بكر"، و"فضائل الحسن والحسين"، و"التاريخ"، و"الأسماء والكنى"، و"الرسالة في الصلاة"، و"رسائل في السنة
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال "١/ ٤٣٧- ٤٧٠"، سير أعلام النبلاء "١١/ ١٧٧- ٣٥٨"، طبقات ابن سعد "٧/ ٣٥٤- ٣٥٥"، التاريخ الكبير "٢/ ٥"، التاريخ الصغير "٢/ ٣٧٥"، الجرح والتعديل "١/ ٢٩٢- ٣١٣"، "٢/ ٦٨- ٧٠"، حلية الأولياء "٩/ ١٦١- ٢٣٣"، تاريخ بغداد "٤/ ٤١٢- ٤٢٣"، طبقات الحنابلة "١/ ٤ - ٢٠"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١١٠ - ١١٢"، وفيات الأعيان "١/ ٦٣- ٦٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٤٣١"، العبر "١/ ٤٣٥"، تذهيب التهذيب "١/ ٢٢"، الوافي بالوفيات "٦/ ٣٦٣- ٣٦٩"، طبقات الشافعية للسبكي "٢/ ٢٧- ٣٧"، البداية والنهاية "١٠/ ٣٢٥- ٣٤٣"، النجوم الزاهرة "٢/ ٣٠٤ - ٣٠٦"، طبقات الحفاظ "ص١٨٦"، شذرات الذهب "٢/ ٩٦- ٩٨"، طبقات المفسرين "١/ ٧٠"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "١/ ٦٩ - ٧١".
[ ٣٩٣ ]
والأشربة"، و"جوابات وأسئلة، و"طاعة الرسول ﷺ"، و"الرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن"، وغير ذلك.
ومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير لا يحصيهم عدد ولا يحويهم بلد، وقيل: مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر؛ كعبد الرزاق، وابن عُلية، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر نصًّا أو إيماء.
- مسند الإمام أحمد:
"المسند" للإمام أحمد بن حنبل أعظم كتب الحديث، وقد شهد المحدثون وغيرهم قديمًا وحديثًا بأنه أجمع المصنفات في الحديث الشريف، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في أمور الدين والدنيا.
ومن مسماه يتبين أنه جمع الأحاديث المسندة أو المرفوعة إلى رسول الله -ﷺ- وأنه اهتم بجمع أحاديث كل صحابي على حدة، دون أن يهتم بالترتيب الموضوعي أو الفقهي.
كما أنه جمع بين الصحيح والضعيف بحيث يصعب على أهل عصرنا -سوى القليل من المتخصص منهم- التمييز بين أسانيد هذه الأحاديث، ولم تكن هذه الصعوبة لدى أهل عصره؛ لحفظهم وضبطهم وخبرتهم.
- عدد أحاديثه:
اشتمل على أربعين ألفًا بالمكرر١ وثلاثين ألفًا بدون المكرر، وهو كغيره من مصنفات الحديث لم يستوعب أحاديث رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ قال ذلك الحسيني في كتابه التذكرة في رجال العشرة، كما حكاه السيوطي في التدريب "١/ ٢١٣".
[ ٣٩٤ ]
قال الحافظ ابن كثير: "لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدًّا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبًا من مائتين"١.
وقال عبد الله بن أحمد: خرَّج أبي المسند في سبعمائة ألف حديث٢.
- أقسام المسند من حيث الرواية:
المسند المطبوع ليس كله من رواية الإمام أحمد؛ ولكن أضاف إليه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه، وكذلك فعل أبو بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد.
قال الأستاذ المحدث أحمد البنا الشهير بالساعاتي في مقدمة الفتح الرباني: بتتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام:
قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه سماعًا منه وهو المسمى بمسند الإمام أحمد، وهو كبير جدًّا يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب.
وقسم سمعه عبد الله من أبيه، ومن غيره، وهو قليل جدًّا.
وقسم رواه عن غير أبيه، وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله، وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول.
وقسم قرأه "عبد الله" على "أبيه"، ولم يسمعه منه، وهو قليل.
وقسم لم يقرأه ولم يسمعه؛ ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده.
وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه -رحمهما الله تعالى- وهو أقل الجميع.
_________________
(١) ١ نقلًا عن: تدريب الراوي "١/ ٢١٣"، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت. ٢ التذكرة بمعرفة رجال العشرة "١/ ٧٠" لأبي المحاسن محمد بن علي العلوي الحسيني "٧١٥- ٧٦٥هـ"، الناشر، مكتبة الخانجي القاهرة، تحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.
[ ٣٩٥ ]
فهذه ستة أقسام، وكل هذه الأقسام من المسند، إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله، والسادس من زوائد القطيعي١.
سمع المسند من الإمام أحمد أولاده الثلاثة: صالح، وعبد الله، وحنبل.
قال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل: أنا، وصالح، وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله -ﷺ- فارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة٢.
- درجة أحاديث المسند:
للعلماء في درجة أحاديث المسند أقوال:
القول الأول: إن ما فيه من الأحاديث حجة، وهو ظاهر عبارة الإمام السابقة التي رواها ابن السباك عن حنبل عن الإمام، وفي معناه ما روى أبو موسى المديني عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة، وما قاله أبو موسى المديني أيضًا في كتابه "خصائص المسند"٣ قال: وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله صاحبه إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا، قال: ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته. قال: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد -﵀- مسنده قد احتاط فيه إسنادًا ومتنًا ولم يورد فيه إلا ما صح عنده -ما رواه القطيعي. قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال:
_________________
(١) ١ مقدمة الفتح الرباني "ص١٩ وما بعدها". ٢ المصدر السابق "ص٨". ٣ السابق "ص٢٧".
[ ٣٩٦ ]
"يهلك أمتي هذا الحي من قريش" قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم". قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي -ﷺ- يعني قوله: "اسمعوا وأطيعوا". فهذا الحديث مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه فقال عليه ما قلنا، وفيه نظائر له.
قال الأستاذ المحدِّث الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا:
هذا مثال لشدة احتياط الإمام أحمد في المتن، وأما احتياطه في السند، فقد روى القطيعي قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ناصح أبي عبد الله، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة: أن النبي -ﷺ- قال: "لأن يؤدب الرجل ولده -أو أحدكم ولده- خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع" قال عبد الله: وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث، وأملاه عليَّ في النوادر١. اهـ.
القول الثاني: إن فيه الصحيح والضعيف والموضوع، فقد ذكر ابن الجوزي في الموضوعات تسعة وعشرين حديثًا منه، وحكم عليها بالوضع، وزاد الحافظ العراقي عليه تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء، قال العراقي ردًّا على من قال: إن أحمد شرط في مسنده الصحيح: لا نسلم ذلك والذي رواه عنه أبو موسى المديني أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند، وإلا فليس بحجة، فهذا ليس بصريح في أن كل ما فيه حجة؛ وإنما هو صريح في أن ما ليس فيه ليس بحجة، قال: على أن ثَمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وليست فيه، منها حديث عائشة في قصة أم زرع، قال: وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق؛ بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع٢.
_________________
(١) ١ مقدمة الفتح الرباني "ص٩". ٢ تدريب الراوي "١/ ٢١٢" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.
[ ٣٩٧ ]
وقد صوَّر لنا ابن الجوزي استغراب معاصريه من أن يكون في "المسند" ما ليس بصحيح، فقال: كان قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في "مسند الإمام أحمد" ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم. فعظم ذلك جماعة ينتسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان منهم أبو العلاء الهمذاني، يعظمون هذا القول ويردونه، ويُقبحون قول من قاله، فبقيت دَهِشًا متعجبًا، وقلت في نفسي: واعجبًا، صار المنسبون إلى العلم عامة أيضًا! وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث، ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد رد كثيرًا مما روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهبًا له، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند"، وقد طعن فيها أحمد١.
وقال الحافظ السخاوي في "شرح الألفية"٢: والحق أن في مسند أحمد أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها أشد في الضعف من بعض حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرًا منها في موضوعاته؛ ولكن قد تعقبه في بعضها الحافظ العراقي في جزء له، وفي سائرها الحافظ ابن حجر، وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. اهـ.
القول الثالث: إن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، ومن ذهب إلى ذلك من الحفاظ: أبو عبد الله الذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن تيمية، والسيوطي، وإليك أقوالهم في ذلك: قال الحافظ السيوطي في خطبة الجامع الكبير ما لفظه: "وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول؛ فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن"، وقال الحافظ ابن حجر في كتابه "تعجيل المنفعة في رجال
_________________
(١) ١ صيد الخاطر "ص٢٤٥، ٢٤٦". ٢ شرح الألفية "١/ ٨٩".
[ ٣٩٨ ]
الأربعة": "ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف: "أنه يدخل الجنة زحفًا"، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه، فترك سهوًا، أو ضرب وكتب من تحت الضرب".
وقال ابن تيمية في كتابه "منهاج السُّنَّة": "شرط أحمد في المسند ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف قال: ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت إليه، وكذلك زاد أبو بكر القطيعي، وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة، فظن مَن لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده"١.
وقال الحافظ الذهبي: "ولو أنه -يعني عبد الله بن الإمام أحمد- حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، ولعل الله -﵎- أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه".
قال: "وأما الحسان فما استوعبت فيه؛ بل عامتها -إن شاء الله تعالى- فيه، وأما الغرائب وما فيه لين، فروى من ذلك الأشهر وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة ومعجم الطبراني الأكبر والأوسط، ومسندي أبي يعلى والبزار، وأمثال ذلك قال ومن سعد مسند الإمام أحمد قل أن تجد فيه خبرًا ساقطًا"٢.
قال محمد أبو زهو تحت عنوان: "الجمع بين أقوال العلماء في مسند أحمد":
"يمكن إرجاع القولين الأولين إلى القول الثالث، وبذلك لا يكون هناك خلاف في درجة أحاديث المسند، فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع نظر إلى ما زاده فيه أبو بكر القطيعي وعبد الله بن الإمام أحمد، والقول بحجية ما فيه من الأحاديث
_________________
(١) ١، ٢ منهاج السُّنة لابن تيمية "ص٣٧".
[ ٣٩٩ ]
لا ينافي القول بأن فيه الضعيف، فإن الضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته والحسن لغيره، وكلاهما مما يحتج به عند العلماء"١.
قلت: ولا يغض من قيمة المسند ما جاء فيه من أحاديث ضعيفة؛ فإنها صالحة للترقي إلى درجة الحسن لغيره بما لها من متابعات وشواهد. كما أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يأخذ بالضعيف ويعمل به، ويقدمه على القياس، بشرط ألا يكون ضعفه شديدًا، وألا يكون في الباب غيره، فقد قال لابنه عبد الله: لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه٢.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية٣: إن تعدد الطرق مع عدم التشاعر والاتفاق في العادة يُوجب العلم بمضمون المنقول، وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول، والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك؛ ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال الإمام أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره.
وقال شيخ الإسلام أيضًا٤: وقد يروي الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة عندهم لاتهام رواتها بسوء الحفظ، ونحو ذلك؛ ليعتبر بها ويستشهد بها، فإنه قد يكون لذلك الحديث ما يشهد أنه محفوظ، وقد يكون له ما يشهد بأنه خطأ، وقد يكون صاحبها كذابًا في الباطن ليس مشهورًا بالكذب؛ بل يروي كثيرًا من الصدق، فيُروى حديثه، وليس كل ما رواه الفاسق يكون كذبًا؛ بل يجب التبيُّن في خبره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فيروى لتُنظر سائر الشواهد هل تدل على الصدق أو الكذب.
_________________
(١) ١ الحديث والمحدثون "ص٣٧٥" لمحمد محمد أبو زهو، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤م. ٢ خصائص المسند "ص٢٧". ٣ مقدمة أصول التفسير "ص٣٠". ٤ منهاج السُّنَّة "٤/ ١٥".
[ ٤٠٠ ]
وقال -﵀- أيضًا: وليس كل ما رواه أحمد في "المسند" وغيره يكون حجة عنده؛ بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في "المسند" ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف١.
وقال الإمام الذهبي عن "المسند": فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها٢.
وكذلك قال الحافظ العراقي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "القول المسدَّد": إن في "المسند" أحاديث ضعيفة كثيرة٣.
وقال الحافظ ابن حجر: "ومسند أحمد" ادَّعى قوم فيه الصحة، وكذا في شيوخه، وصنَّف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفًا، والحق أن أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد، أخرجها، ثم صار يضرب عليها شيئًا فشيئًا، وبقي منها بعده بقية٤.
ومما يجب التنبيه عليه، فإن تحسين الحديث الضعيف بتعدد طرقه وشواهده مذهب درج عليه الأئمة المتقدمون من حفاظ الحديث وخبراء العلل نحو: الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويحيى بن معين، وأمثالهم، وارتضاه المتأخرون وساروا عليه وأخذوا به مثل: الحافظ المنذري، والعراقي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير الدمشقي، والزيلعي، وغيرهم.
وقال الحافظ ابن حجر في نُكَتِه على ابن الصلاح٥: وأما علي بن المديني فقد
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٤/ ٢٧". ٢ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣٢٩". ٣ القول المسدد في الذب على المسند "ص٣". ٤ تعجيل المنفعة "ص٦". ٥ النكت على ابن الصلاح "١/ ٤٢٦".
[ ٤٠١ ]
أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في "مسنده"١ وفي "علله"، وظاهر عبارته أنه قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذي.
فمن ذلك ما ذكره الترمذي في "العلل الكبير"٢ أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديث صفوان بن عسَّال صحيح، وحديث أبي بكرة -﵁- حسن.
وذكر الترمذي في سننه أنه سأل البخاري عن حديث شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خديج -﵁- قال: إن النبي -ﷺ- قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته"، وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق، فقال البخاري: هو حديث حسن٣.
وقال في "العلل"٤ بعد أن أورد حديث عثمان من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان أن النبي -ﷺ- كان يخلل لحيته. قال محمد -يعني البخاري: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان.
_________________
(١) ١ وقد نقل الحافظ ابن كثير في "مسند عمر" قول علي بن المديني في جملة أحاديث: حديث حسن، أو إسناد حسن، أو صالح الإسناد، أو إسناد جيد، انظرها في "مسند عمر" "١/ ١١١ و١٣٢ و٢٧٧ و٢٨٨ و٣٠٧ و٣٣٣ و٣٥٧ و٥١٢ و٥٢٦ و٥٤٤ و٦٠٥". ٢ "١/ ١٧٥" وحديث صفوان الذي أشار إليه موجود في شرائط الصحة، وحديث أبي بكرة رواه ابن ماجه "٥٥٦" من رواية المهاجر أبي مخلد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، والمهاجر قال فيه وهيب: إنه كان غير حافظ، وقال ابن معين: صالح، وقال الساجي: صدوق، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يُكتب حديثه، فهذا على شرط الحسن لذاته. ٣ سنن الترمذي "حديث رقم ١٣٦٦" وتفرد شريك يحول دون الاحتجاج بما تفرد به؛ لكنه اعتضد بحديث عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع -﵁- الذي رواه الترمذي أيضًا في نفس الموضع "في حديث ١٣٦٦" فوصفه بالحسن. ٤ العلل للترمذي "١/ ١١٢".
[ ٤٠٢ ]
قلت "أي الترمذي": إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن.
وفي الصحيحين أحاديث في أسانيدها رواة تنزل درجتهم عن رتبة أهل الضبط التام، مما يقال في أسانيد رواياتهم بأنها حسنة.
وقال الإمام الذهبي في "الموقظة"١ أعلى مراتب الحسن:
١- بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.
٢- وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
٣- ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
٤- وابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأمثال ذلك.
وهو قسم متجاذب بن الصحة والحسن، فإن عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح.
وقال الإمام الحافظ العلامة سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني المتوفَّى سنة ٨٠٥هـ في "محاسن الاصطلاح"٢: قد أكثر يعقوب بن شيبة تلميذ علي بن المديني من تحسين الأحاديث في كتابه، وفي مواضع كثيرة يجمع بين الحسن والصحة، وجمع أبو علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه "الأحكام" بين الحسن والصحة والغرابة إثر كل حديث، وكان معاصرًا للترمذي.
هذا، وقد صرح الإمام الذهبي بأن في المسند أحاديث قليلة جدًّا شديدة الضعف، فقال في كلامه عن "المسند" في "السير": "وفي أحاديث معدودة شبه موضوعة؛ ولكنها قطرة في بحر"٣.
وقد صنفها بعض النقاد في الموضوعات، فبلغت ثمانية وثلاثين حديثًا، ناقش
_________________
(١) ١ الموقظة للذهبي "ص٣٢". ٢ محاسن الاصطلاح "ص١٠٩". ٣ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣٢٩".
[ ٤٠٣ ]
معظمها الإمام الحجة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب سماه: "القول المسدد في الذب عن المسند"، وقال في خطبة هذا الكتاب النفيس: "ذكرت في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في مسند أحمد؛ ذبًّا عن هذا التصنيف العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم، وجعله أمامهم حجة يرجع إليه ويعول عند الاختلاف عليه"، ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي في جزء وحكم عليها بالوضع، وهي تسعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثًا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، وهي فيه، وأجاب عنها حديثًا حديثًا.
قال السيوطي: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي، وهي فيه، وجمعتها في جزء سميته "الذيل الممهد"، وعدتها أربعة عشر حديثًا١.
قال الشوكاني: وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي.
- عناية الأمة بمسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
اهتم العلماء في كافة الأمصار والأعصار بمسند الإمام أحمد، وضربوا لسماعه أكباد الإبل، فقد حوى معظم الحديث النبوي الشريف، والذي جمعه الإمام وانتقاه ليكون مثابة للناس وإمامًا، كما صرح هو نفسه بذلك، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لِمَ كرهت وضع الكتب، وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله -ﷺ- رُجِعَ إليه"٢، فكان له
_________________
(١) ١ تدريب الراوي "١/ ٢١٢" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت. ٢ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "١/ ٧٠" في الترجمة رقم "٢٤٠" لأبي محاسن محمد بن علي العلوي الحسيني "٧١٥-٧٦٥هـ"، الناشر مكتبة الخانجي بالطاهرة، تحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب. وانظر: خصائص المسند لأبي موسى المديني "ص٢٢" في مقدمة الجزء الأول من المسند، تحقيق الشيخ أحمد شاكر.
[ ٤٠٤ ]
ذلك، وقد تجلت عناية علماء الأمة به من خلال حرصهم على سماعه، وقراءته، وحفظه، وشرح غريبه، واختصاره، وترتيبه.
قال الحافظ أبو موسى المديني: إن مما أنعم الله علينا أن رزقنا سماع كتاب "المسند" للإمام الكبير إمام الدين أبي عبد الله أحمد١.
ويصور الحافظ أبو موسى ما كان يجده المحدث في نفسه من غبطة وفخر إذا وقع له جزء من أجزاء هذا "المسند" فيقول٢: ولعمري إن مَن كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإمام الكبير.
ويستشهد أبو موسى المديني لقوله هذا بذكر ما قاله أبو محمد المزني -وهو "بشهادة المديني" من الحفاظ الكبار المكثرين- لرجل قدم عليه من بغداد كان أقام بها على كتابة الحديث، إذ سأله أبو محمد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فقال في جملة ما ذكر: سمعت "مسند" أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- من أبي بكر بن مالك في مائة وخمسين جزءًا، فعجب أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون جزءًا من حديث أحمد بن حنبل! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا "المسند" الجليل!
ثم ذكر المديني كيف أن الحاكم لم يبدأ بتأليف كتابه "المستدرك على الصحيحين" إلا بعد أن أقام في بغداد أشهرًا، وسمع جملة "المسند" من أبي بكر مالك القطيعي.
وسئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي ابن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رحمهما الله تعالى- فيما رواه ابن الجزري٣: أنت تحفظ الكتب
_________________
(١) ١، ٢ خصائص المسند "ص٢٠". ٣ المصعد الأحمد "ص٣٢"، مقدمة الجزء الأول للمسند.
[ ٤٠٥ ]
الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ "مسند" أحمد، وما يفوت "المسند" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصله في "المسند"، فأنا أحفظها بهذا الوجه.
وفي كشف الظنون: جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب في كتاب، وتوفي سنة "٣٤٥"، واختصره الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة "٨٠٥هـ" خمس وثمانمائة، وعليه تعليقه للسيوطي في إعرابه سماها: الزبرجد، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة "١١٣٩هـ" شرحًا كبيرًا نحوًا من خمسين كراسة كبار، واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي١.
وقال الحافظ ابن الجزري: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف، تعب فيه تعبًا كثيرًا، ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -رحمه الله تعالى- "ت ٧٧٤هـ" أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء لا نظير له في العالم وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل. فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة ﵁.
واسم هذا الكتاب الذي ألفه ابن كثير "جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم
_________________
(١) ١ كشف الظنون "٢/ ٢٦٥".
[ ٤٠٦ ]
سنن"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء١، وقد رتب المسند على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره، ورتبه على حروف المعجم الحافظ أبو بكر محمد بن أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي٢، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبًا متقنًا مهذبًا الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتي، وجعله سبعة أقسام: قسم التوحيد وأصول الدين، وقسم الفقه، وقسم التفسير، وقسم الترغيب، وقسم الترهيب، وقسم التاريخ، وقسم القيامة وأحوال الآخرة، على هذا الترتيب، وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب، وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب، وسمى هذا الكتاب "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه في كتاب آخر سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" جعله معه.
ويكفي لتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا "المسند" أن نذكر ما قاله فيه ابن الجزري٣ حين وصفه فقال: هو كتاب لم يُروَ على وجه الأرض كتاب في الحديث أعلى منه.
_________________
(١) ١ مقدمة الفتح الرباني، وطبع "جامع المسانيد والسنن" في بيروت، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع. ٢ الرسالة المستطرفة "١٥، ١٦". ٣ المصعد الأحمد "ص٢٩، ٣٠".
[ ٤٠٧ ]
الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري
ابن خزيمة
الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري
كانت السمة الغالبة على علماء هذا القرن وما بعده جمع ما تفرق في كتب السابقين، أو اختصار مصنفاتهم، أو تهذيبها، أو ترتيبها، أو شرحها، أو الجمع بينها.
كما وجد من بين علماء هذا القرن طائفة كبيرة كان لها دور في تدوين الحديث، وبطريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن السابق، ومن هؤلاء:
ابن خزيمة:
هو: الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري "٢٢٣-٣١١هـ".
يذكر أبو عبد الله الحاكم أن مؤلفات ابن خزيمة تزيد على مائة وأربعين، ولا نعلم في الوقت الحاضر إلا كتاب التوحيد الذي طُبع من قبل، وهذا الجزء المتبقي من صحيحه، وكتاب آخر له باسم: "شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ"، ومن عادة ابن خزيمة أنه يحيل كثيرًا إلى مؤلفاته ويذكرها في ثنايا كتبه، كما هو واضح في كتابيه: التوحيد، وصحيحه:
١- كتاب الأشربة١.
٢- كتاب الإمامة٢.
٣- كتاب الأهوال٣.
٤- كتاب الإيمان٤.
٥- كتاب الأيمان والنذور٥.
٦- كتاب البر والصلة٦.
_________________
(١) ١ التوحيد "ص٢٣٥". ٢ التوحيد "ص٧٨"، صحيح ابن خزيمة "١/ ٢٣١، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٧٦". ٣ التوحيد "١٨٤". ٤ التوحيد "ص٣٨، ١١٧، ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٤٩"، صحيح ابن خزيمة "١/ ٢١، ١٦٠". ٥ التوحيد "ص٢٣٢". ٦ التوحيد "٢٣٥".
[ ٤٠٩ ]
٧- كتاب البيوع١.
٨- كتاب التفسير٢.
٩- كتاب التوبة٣.
١٠- كتاب التوكل٤.
١١- كتاب الجنائز٥.
١٢- كتاب الجهاد٦.
١٣- كتاب الدعاء٧.
١٤- كتاب الدعوات٨.
١٥- كتاب ذكر نعيم الجنة٩.
١٦- كتاب ذكر نعيم الآخرة١٠.
١٧- كتاب الصدقات١١.
١٨- كتاب الصدقات من كتابه الكبير١٢.
١٩- كتاب صفة نزول القرآن١٣.
٢٠- كتاب المختصر من كتاب الصلاة١٤.
٢١- كتاب الصلاة الكبير١٥.
٢٢- كتاب الصلاة١٦.
_________________
(١) ١ صحيح ابن خزيمة "١/ ١٠٥". ٢ التوحيد "ص١٣٤"، صحيح ابن خزيمة "١/ ٢٢٦". ٣ التوحيد "ص٥١". ٤ التوحيد "ص٩٧". ٥ التوحيد "ص١٢، ٧٩، ٢٤٢". ٦ التوحيد "ص٢٩، ١٥٣، ٢٣٩". انظر أيضًا: تذكرة الحفاظ "٧٢٤". ٧ التوحيد "ص٥، ١٠، ٨٠، ١٠٧". ٨ التوحيد "ص٢٥". ٩ التوحيد "ص٧١". ١٠ التوحيد "ص٢٠٧، ٢٠٨". ١١ التوحيد "ص٤٣". ١٢ التوحيد ص١٠٤" ١٣ التوحيد "ص٩٨". ١٤ التوحيد "ص٢٢٧". ١٥ التوحيد "ص٢٠٠، ٢٤٩، ٣١٢". ١٦ التوحيد "ص٢٥، ٧٨، ٢٤٥".
[ ٤١٠ ]
٢٣- كتاب الصيام١.
٢٤- كتاب الطب والرقى٢.
٢٥- كتاب الظهار٣.
٢٦- كتاب الفتن٤.
٢٧- كتاب القراءة خلف الإمام٥.
٢٨- فضل علي بن أبي طالب٦.
٢٩- كتاب القدر٧.
٣٠- كتاب الكبير٨.
٣١- كتاب اللباس٩.
٣٢- كتاب معاني القرآن١٠.
٣٣- كتاب المناسك١١.
٣٤- كتاب الورع١٢.
٣٥- كتاب الوصايا١٣.
قال الأعظمي: "وبعد تقصي أسماء هذه الكتب من كتابي ابن خزيمة يعترضني تساؤل: ترى هل ألَّف ابن خزيمة هذه الكتب، وسماها بهذه الأسماء، وكل منها كتاب مستقل قائم بذاته، أم أنها في الواقع أسماء لأجزاء صغيرة تكوِّن -مجتمعة- كتابًا واحدًا كبيرًا، أم البعض منها كتب كبيرة والبعض الآخر أجزاء من كتاب كبير؟
ولعل الاحتمال الأخير هو الأرجح، والذي دفعنا لهذا أننا نرى أسلوب المحدثين في كتبهم على هذه الشاكلة، كل كتاب منها يشتمل على عديد من الكتب، فمثلًا كتاب صحيح البخاري يشتمل على:
_________________
(١) ١ التوحيد "ص٩". ٢ التوحيد "ص١٠٩". ٣ التوحيد "ص٣٢، ٨٢". ٤ التوحيد "ص٣٢، ١١٥". ٥ انظر: السنن الكبرى للبيهقي "٢/ ١٧٠". ٦ التوحيد "ص٢٣". ٧ التوحيد "ص٤، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٥٥". ٨ صحيح ابن خزيمة "ص١/ ٢٩٠، ٣٤٢". ٩ صحيح ابن خزيمة "١/ ٣٨٢". ١٠ التوحيد "ص١٨٥، ١٩٩، ٢٣٨"، صحيح ابن خزيمة "١/ ٢٤٩، ٢٥١". ١١ التوحيد "ص١٥٤". ١٢ التوحيد "ص٢٣٢". ١٣ التوحيد "ص١٣".
[ ٤١١ ]
١- كتاب الإيمان.
٢- كتاب العلم.
٣- كتاب الوضوء.
٤- كتاب الغسل.
٥- كتاب الحيض.
٦- كتاب التيمم.
٧- كتاب الصلاة.
وهلم جرًّا، وابن خزيمة لا بد أنه سلك هذا الطريق، ويتقوى هذا الظن بمقارنة كتاباته بعضها ببعض، فمثلًا:
١- يقول ابن خزيمة في كتاب التوحيد "ص٤٢": " عن سعيد بن يسار أبي الحباب أنه سمع أبا هريرة بهذا الحديث موقوفًا خرجت هذا الباب في كتاب الصدقات أول باب من أبواب صدقة التطوع".
والحديث المذكور أعلاه نجده في الورقة "٢٤٦ب" من صحيح ابن خزيمة، جماع أبواب صدقة التطوع، باب في فضل الصدقة.
٢- ذكر ابن خزمية في كتاب التوحيد "ص٧٨" شهود الملائكة صلاة العصر وصلاة الفجر، فقال: "خرجت هذا الباب بتمامه في كتاب الصلاة وكتاب الإمامة".
والحديث المشار إليه موجود بتمامه في كتاب الصلاة من صحيح ابن خزيمة، الحديث رقم "٣٢١، ٣٢٢"، وأشار إلى هذا الحديث في كتاب الإمامة، فقال: "أمليت في أول كتاب الصلاة".
٣- وفي كتاب التوحيد "ص٩"، ذكر حديثًا في فضائل الصيام، وقال: "قد أمليت أخبار النبي ﷺ بعضه في كتاب الصيام وبعضه في كتاب الجهاد"، ونجد الحديث ذاته موجودًا في صحيح ابن خزيمة ورقة "٢١٧ب".
إذن من المحتمل أن بعض هذه الكتب التي أوردت أسماءها في قائمة مؤلفات ابن خزيمة أجزاء من كتبه الكبيرة١.
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح ابن خزيمة لمحمد مصطفى الأعظمي "١/ ١٤، ١٥"، طبع المكتب الإسلامي، بيروت.
[ ٤١٢ ]
الطحاوي:
هو: أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي، المصري، الطحاوي "٢٣٩-٣٢١هـ".
نشأ في بيت علم وفضل، وكان شافعيًّا، ثم تحول بعد سن العشرين إلى المذهب الحنفي، وكان ذا علم وفقه، عارفًا بالقراءات، واسع المعرفة بطرق الحديث ومتونه وعلله وأحواله ورجاله.
- من مصنفاته في الحديث وعلومه:
"شرح معاني الآثار": وسبب تأليفه أن بعض أصحاب طلب منه أن يصنف كتابًا في الآثار المأثورة عن رسول الله -ﷺ- في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والزندقة أن بعضها ينقض بعضًا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها، فصنف هذا الكتاب وجعله أبوابًا، وذكر في كل باب ما فيه من الناسخ والمنسوخ وتأويل العلماء وشرحه ابن قطلوبغا "ت ٨٧٩هـ" في كتاب "الإيثار برجال معاني الآثار". وأيضًا شرحه العيني "ت ٨٥٥هـ".
وله أيضًا: "مشكل الآثار"، و"صحيح الآثار"، و"سنن الشافعي"، و"الرد على كتاب المدلسين"، و"جزء في التسوية بين حدثنا وأخبرنا"، وقد لخصه ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله"٢، ونقل العيني بعضها في "نخب الأفكار"
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٧٧-١٨٠" الطبعة الأولى بالمطبعة المنيرية، بمصر. ٢ نخب الأفكار في تنقيح معاني الآثار "ق ١/ أ" مخطوط بدار الكتب تحت رقم "٥٢٦" حديث.
[ ٤١٣ ]
عند شرحه لكلمة الآثار في أول الكتاب١، و"شرح الآثار" لمحمد بن الحسن، الذي ذكر فيه ما رُوي عن أبي حنيفة من الآثار، و"المشكاة".
_________________
(١) ١ كشف الظنون "٢/ ١٨٣٠" وله مصنفات أخرى منها في العقيدة: الرسالة المشهورة المسماة "عقيدة الطحاوي" أو "بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وكتاب في النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها وما ورد فيها من خبر، "في نحو أربعين جزءًا". وله في القرآن: "أحكام القرآن" "في نحو عشرين جزءًا"، ونقل صاحب كشف الظنون عن القاضي عياض في الإكمال أن للطحاوي نوادر في القرآن "في نحو ألف ورقة"، ولعل "أحكام القرآن" و"نوادر القرآن"، و"تفسير القرآن" له، لعلها جميعًا أسماء لكتاب واحد. وله في الفقه: "المختصر الكبير" في الفروع، و"المختصر الصغير" في الفروع، و"اختلاف العلماء"، و"الشروط الكبير" و"الشروط الأوسط" و"الشروط الصغير" أو "مختصر الشروط" و"شرح الجامع الكبير لمحمد بن الحسن"، و"شرح الجامع الصغير" له أيضًا، و"النوادر الفقهية" "في عشرة أجزاء"، وجزء في "حكم أرض مكة"، وجزء في "قسم الفيء والغنائم"، وجزء في "الرزية" وجزآن في "الرد على عيسى بن آبان"، وجزآن في "اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين"، وكتاب "الأشربة"، و"المحاضر والسجلات"، و"الوصايا والفرائض"، والخطابات" في الفروع. وله في التاريخ "التاريخ الكبير"، و"أخبار أبي حنيفة وأصحابه"، أو "مناقب أبي حنيفة"، و"النوادر والحكايات" "في نحو عشرين جزءًا" و"الرد على أبي عبيد فيما أخطأ فيه في كتاب الأنساب". فهذه هي مصنفات العلامة الطحاوي كما أحصاها المؤرخون، وهي تربو على الثلاثين كتابًا، وللأسف لم يطبع منها إلا القليل.
[ ٤١٤ ]
الدارقطني:
هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ "ت ٣٨٥هـ" إمام عصره في الجرح والتعديل، وحسن التأليف، واتساع الرواية.
- ومن مصنفاته١:
١- "الإلزامات على صحيحي البخاري ومسلم" جمع فيه ما وجده على شرط الشيخين من أحاديث لم يذكرها الشيخان، وألزمهما ذكرها، ورتبه على المسانيد "مطبوع في مجلد لطيف مع كتابه التالي" وهو:
٢- التتبع: انتقد فيه عليهما أحاديث رأى خروجها على شرطيهما، وفي تتبعه على الشيخين نظر، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في هدى الساري، والإمام النووي في شرح صحيح مسلم.
٣- العلل "طبع بعضه".
٤- السنن: "وهو مطبوع أكثر من طبعة، وصنيعه فيه يدل على تمكنه من الفقه ومعرفته بالاختلاف في الأحكام.
٥- الغرائب والأفراد "مخطوط".
٦- أحاديث الصفات، أو الصفات "مطبوع".
٧- أحاديث النزول "مطبوع".
٨- كتاب الأسخياء "مخطوط".
٩- "عشرون حديثًا من كتاب الصفات".
١٠- كتاب الرؤيا "مطبوع".
_________________
(١) ١ راجع مصنفات الدارقطني في تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين "١/ ٥١١-٥١٥"، وكشف الظنون لحاجي خليفة "٥٥".
[ ٤١٥ ]
١١- كتاب غريب الحديث.
١٢- كتاب الفوائد المنتقاة الحسان لابن معروف.
١٣- كتاب الفوائد المنتخبة أو المنتقاة.
١٤- كتاب الفوائد المنتقاة من الغرائب الحسان.
١٥- ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند البخاري.
١٦- أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عند مسلم "مطبوع".
١٧- كتاب أسماء الصحابة التي اتفق فيها البخاري ومسلم، وما انفرد به أحدهما عن الآخر.
١٨- كتاب رجال البخاري ومسلم.
١٩- "بيان ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وما انفرد به أحدهما عن الآخر" رسالة صغيرة.
٢٠- ذكر قوم أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحهما، وضعفهم النسائي في كتاب الضعفاء.
٢١- المؤتلف والمختلف "مطبوع".
٢٢- الأحاديث التي خُولف فيها الإمام مالك.
٢٣- سؤالات أبي ذر عبد بن أحمد الهروي للدارقطني.
٢٤- سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني "مطبوع".
٢٥- سؤالات عبد الغني بن سعيد الأزدي له.
٢٦- سؤالات حمزة بن يوسف السهمي له "مطبوع".
[ ٤١٦ ]
٢٧- سؤالات أبي نعيم له "مخطوط بدار الكتب المصرية".
٢٨- السؤالات لأبي عبد الرحمن السلمي له.
٢٩- أخبار عمرو بن عبيد.
٣٠- كتاب في بيان نزول الجبار كل ليلة في رمضان، وليلة النصف من شعبان، ويوم عرفات إلى السماء الدنيا.
٣١- "الإخوة والأخوات" "مطبوع".
٣٢- كتاب فيه أربعون حديثًا من مسند بريد بن عبد الله بن أبي بردة.
٣٣- الأحاديث الرباعيات.
٣٤- تصحيف المحدثين، ذكره ابن خير الإشبيلي في فهرسة ما رواه عن شيوخه "ص٤٨١".
٣٥- الْمُدَبَّج" في المصدر السابق.
٣٦- "الجهر بالبسملة في الصلاة" أشار إليه الفخر الرازي في كتابه أحكام البسملة، والسيوطي في تدريب الراوي "١/ ٣٣٦".
٣٧- حديث أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري عن شيوخه.
٣٨- المستجاد من الحديث.
٣٩- الضعفاء والمتروكين "مطبوع".
٤٠- الجرح والتعديل، نسبه له ابن حجر في التهذيب "٢/ ١٤"، "٥/ ٢٦٧، ٢٦٨".
٤١- غرائب مالك، ذكره ابن حجر في لسان الميزان "٤/ ٦٠، ٧٧".
٤٢- الذيل على التاريخ الكبير للبخاري، ذكره السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" "ص٢٢٠، ٢٢٢".
[ ٤١٧ ]
٤٣- ذكر من روى عن الشافعي، ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء "ص١٠٣"١.
فالدارقطني بهذه المصنفات القيمة المكتبة الإسلامية، وأثرى جانب الحديث خاصة فيها.
_________________
(١) ١ وله أيضًا: "فضائل الصحابة ومناقبهم"، و"القراءات"، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد "١٢/ ٣٤"، وقال عنه: سمعت بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول: "لم يسبق أبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الأبواب المقدمة من أول القراءات، وصار القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم، ويحذون حذوه". فالدارقطني -كما قال ابن الجوزي- "اجتمع له -مع معرفة الحديث- العلم بالقراءات، والنحو، والفقه، والشعر، مع الأمانة، والعدالة، وصحة العقيدة" "التاريخ لابن كثير ١١/ ٣١٧".
[ ٤١٨ ]
الطبراني:
هو: أبو القاسم سليمان بن أحمد "ت ٣٦٠هـ"، إمام كبير، وحافظ جليل، واسع الرواية، كثير الشيوخ.
- من مصنفاته: المعاجم الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير "مطبوعة".
المعجم الكبير: جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم، ما عدا مسند أبي هريرة، فإنه أفرده في مصنف، يقال: جمع فيه "٥٢٠.٠٠٠" خمسمائة وعشرين ألف حديث، وإذا أُطلق المعجم في كلام العلماء فالكبير هو المراد.
المعجم الأوسط: صنفه مرتبًا على أسماء شيوخه، وبلغوا نحو ألفي رجل، فأتى عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، ويقال: فيه ثلاثين ألف حديث، وقد تعب في تصنيفه جدًّا، فكان يقول: "هذا الكتاب روحي".
قال الذهبي: "وفيه كل نفيس: عزيز ومنكر".
المعجم الصغير: جمع فيه نحو ألف وخمسمائة حديث عن ألف شيخ.
- ومن مصنفاته أيضًا:
كتاب الدعاء" "مطبوع".
كتاب "السنة".
كتاب "حديث الشاميين" "مطبوع".
كتاب "الطوالات" "طبع مع المعجم الكبير".
كتاب "النوادر".
كتاب "مسند سفيان".
[ ٤١٩ ]
كتاب "الأوائل".
وكتاب في "التفسير".
كتاب "مسند شعبة".
كتاب "مسند العبادلة".
كتاب "مسند أبي هريرة".
كتاب "أخبار عمر بن عبد العزيز".
كتاب "عشرة النساء" "مطبوع".
كتاب "فضل رمضان".
كتاب "الفرائض".
[ ٤٢٠ ]
ابن حبان:
هو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي الحافظ "ت ٣٥٤هـ".
قال فيه الحاكم: "كان من أوعية العلم، والفقه، والحديث، واللغة، والوعظ، من عقلاء الرجال".
وقال ابن السمعاني: إمام عصره، رحل فيما بين الشاش والإسكندرية.
- ومن مصنفاته المطبوعة:
المسند الصحيح: واسمه الكامل كما سماه ابن حبان: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطْع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها".
قال الخطيب البغدادي: كان ثقة نبيلًا، وله التصانيف الكثيرة منها: المسند الصحيح المسمى: الأنواع والتقاسيم، قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية.
وكتابه هذا على ترتيب مخترع، فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد، رتَّبه على خمسة أقسام؛ وهي: الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي -ﷺ- ونوَّع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع؛ لذا كان الكشف في كتابه عسيرًا جدًّا.
وقد رتبه بعض المتأخرين؛ وهو: علاء الدين علي بن بَلْبَاز الفارسي المتوفَّى سنة "٩٣٧هـ" على الأبواب، وسماه: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان".
قالوا: وأصح مَن صنَّف في الصحيح المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان، وقد نسبوا إليه التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم. قال الحازم: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم"١.
_________________
(١) ١ وانظر هذه المسألة بالتوضيح في: طبقات الشافعية "٢/ ١٤١"، لسان الميزان "٥/ ١١٢ وما بعدها"، توجيه النظر "ص١٤٠، ٣٢٥"، الرسالة المستطرفة "ص١٦ وما بعدها".
[ ٤٢١ ]
ومن مصنفاته المطبوعة أيضًا:
"مشاهير علماء الأمصار"، و"الثقات"، و"معرفة المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين"، و"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء".
وقال شعيب الأرناءوط في مقدمته لكتاب "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" للأمير علاء الدين علي بن بلباز الفارسي "ت ٧٣٩هـ" طبع مؤسسة الرسالة "١/ ٢٨، ٢٩":
"إن الناظر في تآليف ابن حبان يجد أنه لم يكن حاطب ليل، ولا ناقلًا للنصوص من هنا وهناك لجمعها في مكان واحد فحسب؛ وإنما يلحظ من خلال تآليفه عقلًا محققًا، وفكرًا عميقًا، ونظرًا ثاقبًا، كان يشبع المسائل بحثًا وتمحيصًا، ودراسة واستقصاء واستنباطًا، وتصانيفه تشهد على تلك الحدود العظيمة، والمعاناة الشديدة التي بذلها لإخراج مصنفاته تنبض بالأصالة والإبداع، وهذا ما دعا ياقوت إلى القول كما سبق: أخرج من علوم الحديث ما عَجَزَ عنه غيره، وشهد بذلك أيضًا تلميذه الحاكم، فقال: صنَّف فخرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبق إليه".
[ ٤٢٢ ]
ابن السكن:
أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، البغدادي، نزيل مصر، والمتوفَّى بها "٣٥٣ هـ"، حافظ كبير، وأحد الأئمة، سمع بالعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، وما رواء النهر، وكان ثقة حجة، تُوفي عن تسع وخمسين سنة.
- من مصنفاته:
"الصحيح المنتقى"، ويُسمى أيضًا: "السنن الصحاح المأثورة عن النبي ﷺ"، ألفه على الأبواب الفقهية، وضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد قال: وما ذكرته في كتابي هذا مجملًا فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرته بعد ذلك -مما يختاره أحد من الأئمة الذين سميتهم- فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره١.
_________________
(١) ١ كشف الظنون "١/ ٥١٠"، الرسالة المستطرفة "ص٢٠، ٢١".
[ ٤٢٣ ]
الحاكم النيسابوري "٣٢١-٤٠٥هـ":
هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بالحاكم النيسابوري، أحد الحفاظ الكبار المعدودين، برع في معرفة الحديث وفنونه وصنف التصانيف الكبيرة، وهو ثقة حجة.
- من مصنفاته:
المستدرك على الصحيحين، والعلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث، وغيرها من المصنفات التي بلغت "١٥٠٠" ألفًا وخمسمائة جزء١.
_________________
(١) ١ تاريخ ابن كثير "١١/ ٣٥٥"، مفتاح السُّنَّة "ص٧١".
[ ٤٢٣ ]
- وأحاديثه في "المستدرك على الصحيحين" على قسمين:
ق٠.
سم أودع فيه الأحاديث التي رأى أنها على شرط الشيخين، أو أحدهما، ولم يخرجاه، وقسم أودع فيه الأحاديث التي يرى أنها صحيحة الإسناد.
فأما القسم الأول: فهو الذي يقول فيه: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، أو "صحيح على شرط البخاري "أو مسلم" ولم يخرجاه".
وأما القسم الثاني: فهو الذي يقول فيه: "صحيح الإسناد"، دون أن يذكر أنه على شرطهما، أو على شرط أحدهما، وقد يورد في القسم الثاني ما لم يصح عنده منبهًا عليه.
وقد عرف الحاكم بالتساهل في الحكم على الأسانيد؛ ولذا لخص الذهبي "ت ٧٤٨هـ" المستدرك، وتعقبه في العديد من أحاديثه، وبيَّن أسباب ضعفها؛ ولكنه وافقه في التصحيح على معظمه.
وزعم أبو سعد الماليني بأنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين، وهذا زعم باطل، رد عليه الحافظ الذهبي مبينًا أن في المستدرك جملة كبيرة من الأحاديث على شرط الشيخين، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ويبلغ مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وبقي الربع الأخير الذي فيه المناكير والواهيات، وما حكم عليه بعضهم بالوضع "مثل ابن الجوزي الذي ذكر في الموضوعات نحو ستين حديثًا".
وقد اعتذر الحافظ ابن حجر العسقلاني عن التساهل الواقع في مستدرك الحاكم فقال: إنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه، فعاجلته المنية، ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه قال: وقد وجدت قريبًا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: "إلى هنا انتهى إملاء الحاكم"١.
_________________
(١) ١ نقلًا عن تدريب الراوي "١/ ١٣٢" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.
[ ٤٢٤ ]
ثم قال -أي الحافظ ابن حجر: "وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا طريق الإجازة" ثم قال: "والتساهل على قدر المملي قليل جدًّا بالنسبة إلى ما بعده"١.
وقد علل السخاوي وجود الأحاديث الضعيفة، وعدة موضوعات في المستدرك، بأن الذي حمل الحاكم على ذلك تعصبه لما رُمي به من التشيع، وقد يكون السبب أنه صنفه في أواخر عمره، وحُكي أنه حصل للحاكم تغير في آخر عمره، وأصابته غفلة أثناء تأليفه المستدرك٢.
وأرى أن الأحاديث التي صححها الحاكم ووافقه على تصحيحها الحافظ الذهبي صحيحة؛ لأن الحاكم إمام في الحديث له مكانته التي لا يعترض عليها معتدل، وكون الذهبي يوافقه على التصحيح، فهذا يجعلنا نطمئن إلى صحة الحديث الذي يوافقه على تصحيحه، ويؤكد لنا الحاكم أنه لم يكن متساهلًا فيه، خاصة وأن الذهبي حجة في هذا الباب، فإن وجد حديث صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، ولم نجد إمامًا وافق الحاكم على تصحيحه، "إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به؛ إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه" كما قال الحافظ ابن الصلاح٣؛ وذلك لأن إمامة الحاكم في علوم الحديث -مع عدم تعقب الحافظ الذهبي عليه بالتضعيف- كفيل بقبول الحديث، خاصة إذا كان هذا الحديث لم يتناوله أحد من الأئمة المعتمدين في الحكم على الحديث الشريف، أما صنيع المنتسبين لعلوم الحديث من المتأخرين فلا يلتفت إليهم، ولا يؤخذ بأحكامهم؛ لضعفهم وقلة تخصصهم وعدم خبرتهم وسوء فهمهم من جهة، ولتسرعهم في الأحكام من جهة أخرى٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١/ ١٣٢". ٢ راجع: فتح المغيث "١/ ٤٠، ٤١"، مكتبة السنة بالقاهرة - الطبعة الأولى "١٤١٥هـ-١٩٩٥م". ٣ راجع: المقدمة "ص١١" في النوع الأول. ٤ كما صنع الألباني وأمثاله في التجني على المئات الأحاديث النبوية الشريفة.
[ ٤٢٥ ]
الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى السقوط الخلافة العباسية [من عام "٤٠٠هـ" حتى عام "٦٥٦هـ"]
الجمع بين الصحيحين
الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى سقوط الخلافة العباسية "من عام ٤٠٠هـ حتى عام ٦٥٦هـ"
كان القرن الرابع امتدادًا للقرن الثالث من حيث وجود الأئمة والحفاظ الذين كانوا في علوم السُّنة، والذين كانوا يدونون كتبهم من محفوظاتهم ومسموعاتهم عن شيوخهم.
وبمطلع القرن الخامس أصبح العمل قاصرًا على الجمع، أو الترتيب، أو التهذيب لكتب السابقين، ومن ذلك:
أ- الجمع بين الصحيحين:
ام بعض العلماء بالجمع بين أحاديث صحيحي البخاري ومسلم في مصنف واحد، ومن العلماء الذين جمعوا بينهما:
١- إسماعيل بن أحمد، المعروف بابن الفرات "ت ٤١٤هـ".
٢- محمد بن نصر الحميدي الأندلسي "ت ٤٨٨هـ". ويقال: إنه زاد عليهما زيادات.
٣- الحسين بن مسعود البغوي "ت ٥١٦هـ".
٤- محمد بن عبد الحق الإشبيلي "ت ٥٨٢هـ".
٥- أحمد بن محمد القرطبي المعروف بابن أبي حجة "ت ٦٤٢هـ".
[ ٤٢٧ ]
الجمع بين الكتب الستة
ب- الجمع بين الكتب الستة "الصحيحين، والموطأ، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي":
١- جمع بينها أحمد بن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي "ت ٥٣٥هـ" في كتابه "تجريد الصحاح"، لكنه لم يحسن في ترتيبه وتهذيبه، وترك بعضًا من حديث الستة، ولما جاء أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي "٥٤٤ -٦٠٦ هـ" هذب كتابه، ورتب أبوابه، وأضاف إليه ما
فاته من الأصول، وشرح غريبه، وبيَّن مشكل إعرابه، وخفيَّ المعنى وحذف أسانيده، ولم يذكر إلا راوي الحديث من صحابي أو تابعي، كما ذكر المخرج له من الستة، ولم يذكر من أقوال التابعين إلا النادر، ورتب أبوابه على حروف المعجم وسماه: "جامع الأصول لأحاديث الرسول"١، فجاء كتابًا عظيمًا سهل العسير وقرب البعيد، وهو بدار الكتب المصرية في عشرة أجزاء متوسطة.
وقام بتحقيقه وعزو أحاديثه عبد القادر الأرناءوط، صدر عن دار الفكر ببيروت في أحد عشر مجلدًا بفهارسه.
٢- وجمع بينها أيضًا عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، والمعروف بابن الخراط "ت ٥٨٢هـ".
_________________
(١) ١ اختصر جامع الأصول كثير من العلماء منهم محمد بن نصر المروزي "ت ٦٨٢هـ"، وهبة الله بن عبد الرحيم الحموي "ت ٧١٨هـ"، وعبد الرحمن بن علي المعروف بابن الدبيع الشيباني الزبيدي "ت ٩٤٤هـ"، وكتابه أحسن المختصرات، وهو مطبوع بمصر.
[ ٤٢٧ ]
ج- الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة:
١- "مصابيح السنة" للإمام حسين بن مسعود البغوي "ت ٥١٦هـ" جمع فيه "٤٤٨٤" من الأحاديث الصحاح والحسان، وهو يريد بالصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه١ أبو داود والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف أو غريب بيَّنه، ولا يذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، وقد اعتنى العلماء بهذه المصابيح عناية عظيمة، فشرحوها شروحًا كثيرة، وهذبها محمد بن عبد الله الخطيب، وذيل أبوابها، فذكر الصحابي الذي روى الحديث والكتاب الذي أخرجه، وزاد على كل باب من الصحاح والحسان فصلًا ثالثًا عدا بعض الأبواب، وكان ذلك سنة "٧٣٧هـ"، وسمى كتابه هذا "مشكاة المصابيح"، وقد شرح المشكاة كثيرون منهم القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي سنة "٦٨٥هـ".
_________________
(١) ١ هذا اصطلاح خاص به، وإلا ففي السنن الصحيح والحسن والضعيف. انظر: كشف الظنون "٢/ ٢٧٢".
[ ٤٢٨ ]
٢- جامع المسانيد والألقاب، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي "ت ٥٩٧هـ" جمع فيه بين الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وقد رتبه العباس أحمد بن عبد الله المكي المعروف بالمحب الطبري "ت ٩٦٤هـ"١.
٣ - "بحر الأسانيد" للإمام الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندي "ت ٤٩١هـ" فيه مائة ألف حديث رتبة وهذبه، ويقال: إنه لم يقع في الإسلام مثله٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١/ ٢٩٥". ٢ المصدر السابق "١/ ١٤٤".
[ ٤٢٩ ]
د- كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ، ومنها:
١- كتاب "منتقى الأخبار في الأحكام": للحافظ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، المعروف بابن تيمية، الحنبلي، في سنة "٦٥٢هـ"، انتقاه من: صحيحي البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، والسنن للنسائي، وأبي داود، وابن ماجه، واستغنى بالعزو إلى هذه الكتب عن الإطالة بذكر الأسانيد، وهو كتاب جليل الفائدة لولا إطلاقه العزو إلى الأئمة دون بيان درجة الحديث.
وقد بيَّن ذلك محدث اليمن محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة "١٢٥٠هـ" في كتابه "نيل الأوطار" الذي شرح به منتقى الأخبار، وهو مطبوع بمصر في ثمانية أجزاء.
٢- السنن الكبرى للبيهقي: أحمد بن حسين المتوفَّى سنة "٤٥٨هـ"، وهو مطبوع أكثر من طبعة، في عشرة مجلدات، وزيد في بعض الطبعات مجلد للفهارس.
قال ابن الصلاح: ما تم كتاب في السُّنة أجمع للأدلة من كتاب "السنن الكبرى" للبيهقي، وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثًا إلا وقد وضعه في كتابه، وقد طبع في الهند، وعمل له في آخره فهرس بأسماء الصحابة والتابعين
[ ٤٢٩ ]
ومسانيدهم ومروياتهم، وللبيهقي أيضًا السنن الصغري، قيل: إنه لم يصنف في الإسلام مثلها "مطبوع حديثًا في أربعة مجلدات"١.
٣- الأحكام الصغرى: للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخراط "ت ٥٨٢هـ" قال فيها: "جمعت في هذا الكتاب متفرقًا من حديث رسول الله -ﷺ- في لوازم الشرع وأحكامه وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترغيب أخرجتها من كتب الأئمة وهداة الأمة، أبو عبيد الله مالك بن أنس، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وبقية الكتب الستة، وفيها أحاديث من كتب أخرى"٢.
٤- عمدة الأحكام: للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، المقدسي، الدمشقي، المتوفى سنة "٦٠٠هـ" جمع فيها أحاديث الأحكام التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وقد شرحها شرحًا وسطًا ابن دقيق العيد، وقد طبعت بمصر مع الشرح في أربعة أجزاء صغيرة.
٥- الترغيب والترهيب: للحافظ الحجة عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، المنذري، المتوفى سنة "٦٥٦هـ"، وهو من أحسن الكتب في جمع الحديث،
_________________
(١) ١ ومن مصنفات البيهقي أيضًا: "معرفة السنن والآثار" "مطبوع في سبعة مجلدات"، و"القراءة خلف الإمام" "مطبوع في جزء"، و"الأسماء والصفات" "مطبوع في مجلدين"، و"المعتقد" "مطبوع في مجلد"، و"الزهد" "مطبوع في مجلد"، و"الخلافيات" "مطبوع في ثلاثة مجلدات"، و"نصوص الشافعي" "مطبوع في مجلدين"، و"البعث" "مطبوع في مجلد"، و"الترغيب والترهيب" "مطبوع في مجلد"، و"الدعوات" "مطبوع في مجلد"، و"دلائل النبوة" "مطبوع في أربعة مجلدات"، و"شعب الإيمان" "مطبوع في مجلدين، وطبعته دار الكتب العلمية في تسع مجلدات، منها اثنان للفهارس"، و"المدخل إلى السنة" "مطبوع في مجلد، وطبعته دار الكتب العلمية في تسع مجلدات، منها اثنان للفهارس"، و"المدخل إلى السنة" "مطبوع في مجلد"، و"الآداب" "مطبوع في مجلد"، و"فضائل الأوقات" "مطبوع في مجلد صغير"، و"الأربعين الكبرى" "مطبوع في مجلد صغير"، و"الأربعين الصغرى" و"الرؤية" "جزء مطبوع"، و"مناقب الشافعي" "مطبوع في مجلد"، و"مناقب أحمد" "مطبوع في مجلد"، و"فضائل الصحابة" "مطبوع في مجلد"، و"المبسوط في الفروع الشافعية" "مطبوع في عشرين مجلدًا". ٢ كشف الظنون "١/ ٤٥".
[ ٤٣٠ ]
هـ- كتب الأطراف:
اهتم بعض العلماء بعمل ما يُسمى بكتب الأطراف، وطريقتهم فيها أن يذكروا طرفًا من الحديث يدل على بقيته، ثم هم يجمعون أسانيده إما على وجه الاستيعاب، وإما مقيدة بكتب مخصوصة، ومن هذه الكتب:
١- أطراف الصحيحين: للحافظ إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، المتوفى سنة "٤٠٠هـ".
٢- وأطراف الصحيحين: لأبي محمد خلف بن محمد الواسطي سنة "٤٠١هـ"، قال الحافظ ابن عساكر: وكتاب خلف أحسنهما ترتيبًا ورسمًا وأقلهما خطأ ووهمًا، ويوجد بدار الكتب المصرية في أربعة مجلدات.
٣- وأطرافهما أيضًا لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني سنة "٤٣٠هـ".
٤- أطراف السنن الأربعة: لأبي القاسم علي بن الحسن، المعروف بابن عساكر الدمشقي "٥٧١هـ" في ثلاثة مجلدات مرتبًا على حروف المعجم، واسمه "الأشراف على معرفة الأطراف".
٥- أطراف الكتبة الستة١: لمحمد بن طاهر المقدسي "ت ٥٠٧هـ"، ولكثرة أوهامه وترتيبه المختل، لخصه الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني الدمشقي "٧٦٥هـ"، ورتبه أحسن ترتيب٢.
_________________
(١) ١ وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه. ٢ كشف الظنون "١/ ٨٥، ٩٢".
[ ٤٣١ ]
الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر
المبحث الأول: السنة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١ هـ
مدخل
الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: السُّنَّة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١هـ ـ
بعد سقوط الخلافة العباسية على أيدي التتار سنة "٦٥٦هـ"، وبعد هزيمة التتار على أيدي المصريين في "عين جالوت" أصبحت القاهرة عاصمة الخلافة العباسية، وإن كانت السلطة الحقيقة في أيدي المماليك، وقبل نهاية القرن السابع الهجري أصبح الأتراك مسيطرين على جميع المماليك الإسلامية ما عدا البلاد المغربية التي كانت تخضع لبرابرة المغرب، وفي مستهل القرن الثامن الهجري بدأ ظهور العثمانيين في آسيا الصغرى "وتشمل تركيا الآن"، وأخذت الدولة العثمانية تتسع رقعتها وتستولي على ما جاورها من الممالك والدويلات حتى فتحوا القسطنطينية في منتصف القرن التاسع الهجري، واتخذوها عاصمة لهم، ثم فتحوا مصر، وأزالوا الخلافة العباسية، ولقبوا ملوكهم بالخلفاء، ومن هذا الوقت انتقلت الخلافة الإسلامية إلى القسطنطينية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، فضاع مركزها السياسي والعلمي.
وسقطت دولة الأندلس، وانطفأ نور الإسلام في هذه البلاد بعد أن مكث بها نحوًا من ثمانية قرون.
ثم أخذت دول أوربا الغاشمة تعمل جهدها على إضعاف المسلمين منتهزة غفلتهم واختلافهم، فأوقعت بينهم الفتنة حتى مزقت شمل الدولة الإسلامية، وقضت على الخلافة العثمانية، وعبثوا بحقوق المسلمين، وحجروا عليهم واستعبدوهم.
وانعدمت الرحلة بين العلماء، وانقطع الاتصال العلمي بين سكان البلدان الإسلامية المختلفة بعدما كانت مثابة للناس وآمنًا -وخاصة العلماء- لنشر الدين، واللُّقْيَا، والاستفادة العلمية. وفيما يلي توضيح لمنهج العلماء وطريقتهم في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:
[ ٤٣٣ ]
أولًا: منهج العلماء في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:
نتيجة للأحداث التاريخية الخطيرة التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال هذه الفترة، ضعفت همم العلماء عن الرحلة إلى الأقطار، فانقرضت الرواية الشفاهية، وحل محلها الإجازة والمكاتبة، اللهم إلا على أيدي أفراد قلائل جدًّا كانوا يرحلون إلى الأقطار، ويجلسون للإملاء، ويكتب عنهم أتباعهم وتلاميذهم الأمالي، ومن هؤلاء:
- الإمام الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الأثري "٧٢٥-٨٠٦هـ" حافظ العصر، وصاحب المصنفات النفيسة في الحديث الشريف، ومجالسه للإملاء تزيد على أربعمائة مجلس، قال تلميذه ابن حجر: "شرع في إملاء الحديث من سنة "٧٩٦هـ" فأحيا الله به السُّنَّة بعد أن كانت داثرة، فأملَى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة، مهذبة، محررة، كثيرة الفوائد الحديثية".
ومن مصنفاته: "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" "مطبوع"، و"إكمال شرح الترمذي" لابن سيد الناس، و"طرح التثريب في شرح التقريب" أكمله بعده ولده ولي الدين العراقي "مطبوع"، و"التقييد والإيضاح" مطبوع"، و"ألفية الحديث وشرحها" "مطبوع"، و"المستخرج على المستدرك للحاكم" "مطبوع"، وغيرها.
[ ٤٣٤ ]
- ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني:
وهو: شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن حجر الكناني، العسقلاني، أبو الفضل "ولد بمصر ٧٧٣هـ"، ونشأ يتيمًا حيث توفي أبوه سنة "٧٧٩هـ" في رجب، واهتم أولًا بالأدب والشعر حتى بلغ فيه الغاية، ثم طلب الحديث سنة "٧٩٤هـ" فسمع ورحل، وبرع في الحديث، ولقد لازم في الحديث شيخه أبا الفضل العراقي، ولازم في الفقه والعربية شيخه الشمس بن القطان، ولازم في الفقه: الإبناسي، والبلقيني، وابن الملقن.
واجتهد في حفظ الحديث الشريف ومعرفة العلل حتى صار سيد الحفاظ والمحدثين والمحققين، قال عنه الإمام السيوطي: "وختم به الفن"، وقال غيره: انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأجمعها، فلم يكن في عصره حافظ سواه، ألف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وأملى في خانقاه بيبرس نحوًا من عشرين سنة، وباشر القضاء في مصر في عهد الملك الأشرف.
وتوفي ليلة السبت الموافق الثامن والعشرين من ذي الحجة، سنة "٨٥٢هـ"، وله تصانيف جمة وكلها نفيسة؛ لأهميتها الكبيرة وفائدتها العظيمة، ومن هذه التصانيف:
١- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، بدأ تصنيفه سنة "٨١٧هـ"، وانتهى منه في أول يوم من رجب سنة "٨٤٢هـ" "مطبوع".
٢- الإصابة في تمييز الصحابة "مطبوع".
٣- لسان الميزان "مطبوع".
٤- تهذيب التهذيب "مطبوع".
٥- تقريب التهذيب "مطبوع".
٦- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة "مطبوع".
٧- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة "مطبوع".
[ ٤٣٥ ]
٨- شرح نخبة الفكر "مطبوع".
٩- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه "مطبوع".
١٠- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس "مطبوع".
١١- القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد "مطبوع".
١٢- تغليق التعليق "مطبوع".
١٣- الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف "مطبوع".
١٤- ردع المجرم عن سب المسلم "مطبوع".
١٥- النكت على ابن الصلاح "مطبوع".
١٦- تخريج أحاديث الرافعي والهداية والكشاف "مطبوع".
١٧- تسديد القوس على مسند الفردوس "مطبوع".
١٨- نزاهة الألباب في الألقاب "مطبوع".
١٩- التشويق إلى وصل التعليق.
٢٠- المقترب في المضطرب.
- ومنهم: تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو: الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي القاهري الشافعي١ "ولد في ربيع الأول ٨٣١هـ"، وتوفي بالمدينة يوم الجمعة ١٧ من ذي القعدة سنة "٩٠٢هـ". جَدَّ في الرحلة، واهتم بملازمة شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وسمع منه الكثير من الحديث، وكان أكثر الآخذين عنه والمستفيدين منه، حتى حمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع "٨/ ٢- ٣٢"، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع "٢/ ١٨٤"، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة "١/ ٥٣، ٥٤"، شذرات الذهب في أخبار من ذهب "٨/ ١٥- ١٧"، فهرس الفهارس "٢/ ٣٣٥- ٣٣٨"، تاريخ النور السافر عن أخبار القرن العاشر "ص١٨- ٢٣"، ونظم العقيان في أعيان الأعيان، للسيوطي "ص١٥٢، ١٥٣"، وثبت أبي جعفر أحمد بن علي البلوي "ص٣٧٥"، وغيرها.
[ ٤٣٦ ]
قال الشوكاني في "البدر الطالع"١: "وبالجملة فهو من الأئمة الكبار، حتى قال تلميذه جار الله بن فهد: والله العظيم لم أرَ في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته، أو شاهده، وهو عارف بفنه، منصف في تراجمه، ورحم الله جدي حيث قال في ترجمته: إنه انفرد بفنه، وطار اسمه في الآفاق به، وكثرت مصنفاته فيه وفي غيره، وكثير منها طار شرقًا وغربًا، شامًا ويمنًا، ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن، وكذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولى في المعرفة بأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح والتعديل، وإليه يُشار في ذلك، وقد قال بعض العلماء: لم يأتِ بعد الحافظ الذهبي مثله، سلك هذا المسلك، وبعده مات فن الحديث، وأسف الناس على فقده، ولم يخلف بعده مثله".
وقد سمع الكثير جدًّا على المسندين والشام والحجاز، وانتقى وخرَّج لنفسه ولغيره.
وقال السخاوي في كتابه "فتح المغيث": "أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة والأعمال بالنيات".
وقد بدأ السخاوي التصنيف قبل بلوغه التاسعة عشر من عمره. ذكر أبو جعفر البلوي في "ثبته"٢ أن علي بن عياد البكري أخبره أن السخاوي كتب له إجازة عامة وأحاله على فهرسته، وأخبر أن له مائة وستين تأليفًا، وأن بينه وبين النبي -ﷺ- عشرة رجال في الحديث.
ونص السخاوي في "الضوء اللامع"٣ أن ذلك كان سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، وظل يواصل التصنيف حتى بلغت مصنفاته عند وفاته نيفًا وأربعمائة، كما ذكر الكتاني في "فهرس الفهارس"٤.
_________________
(١) ١ البدر الطالع "٢/ ١٨٥". ٢ "ص٣٧٥". ٣ "٥/ ٢٧٣". ٤ "٢/ ٣٣٥".
[ ٤٣٧ ]
ومن مصنفاته المطبوعة: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، و"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ"، و"المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة"، و"فتح المغيث شرح ألفية الحديث"، و"القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع، و"التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة، و"الابتهاج بأذكار المسافر والحاج"، و"تخريج أحاديث العادلين"، و"الفخر المتوالي فيمن انتسب للنبي -ﷺ- من الخدم والموالي".
- ومنهم: الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن سابق الدين، الخضيري، السيوطي "٨٤٩-٩١١هـ" "الإمام، والحافظ، والمحدث، والمؤرخ، والأديب، والمفسر".
لما حج السيوطي شرب من ماء زمزم ليصل في الفقه إلى رتبة الحافظ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني، وكان يقول: "لو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها لقدرت على ذلك من فضل الله".
ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل منزويًا عن الناس، فألف أكثر كتبه، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها، وبقي على ذلك إلى أن مات.
وقد أحصيت مصنفاته في أحد الفهارس فبلغت "٧٢٥" مؤلفًا، منها الكتاب الضخم، ومنها الرسالة الصغيرة.
- ومنهم: أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي السعدي الصالحي "٥٦٩هـ-٦٤٣هـ" سمع من الدمشقيين، والبغداديين، والأصفهانيين، والنيسابوريين، والهرويين، وكتب عن أكثر من خمسمائة شيخ، وكتب، وصنف، وصحح، وجرح، ووثق وعدل.
[ ٤٣٨ ]
قال تلميذه عمر بن الحاجب: "شيخنا أبو عبد الله، شيخ وقته، ونسيج وحده في الرواية، مجتهدًا في العبادة".
وقال الحافظ المزي: "الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني".
روى عنه الحافظ ابن نقطة، وابن النجار، والبرزالي، وعمر بن الحاجب، وتوفي سنة "٦٤٣هـ"، وله مصنفات في أكثر العلوم، وأجلها مصنفات في علم الحديث، ومنها كتابه المشهور "الأحاديث المختارة" التي صحح فيها ما لم يُسبق إلى تصحيحه وسُلِّم له قوله فيها.
وذكر ابن تيمية والزركشي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان.
- ومنهم الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل عماد الدين بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي "ت ٧٧٤هـ" كانت له الرياسة في التفسير، والحديث، والتاريخ.
ومن مصنفاته: جامع المسانيد، وعلوم الحديث، والتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، والاجتهاد في طلب الجهاد، والبداية والنهاية، وتفسير القرآن العظيم.
ومن الملاحظ أن هذه الفترة المشار إليها لم تكن طريقة الرواية بالمشافهة والإملاء منتشرة فيها مثل العصور الأولى، ولم يهتم بها إلا القلائل من أمثال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الحافظ زين الدين العراقي، وكان جل علماء الحديث في هذا الدور يعكفون على كتب الأولين بالجمع، والشرح، والاختصار، والتخريج، ونحو ذلك، ثم انعدمت العناية بالحديث وعكف بعض العلماء على الفروع إلا قلائل في مختلف الأقطار.
[ ٤٣٩ ]
ثانيًا: طريقة العلماء في خدمة الحديث الشريف في هذه الفترة
عكف علماء الحديث في هذه الفترة على كتب السابقين، فتناولوها بالترتيب، والانتقاء، والتخريج، والتهذيب، والجمع بين الكتب، وعمل الأطراف، وإخراج الزوائد، وإليك توضيح ذلك:
أولًا: تخريج أحاديث بعض المصنفات والمؤلفات المختلفة
معظم العلماء لم يهتموا بتخريج الأحاديث التي تشتمل عليها مصنفاتهم في التفسير، أو العقيدة، أو الفقه، أو التصوف، ونحوها، وأيضًا لم يهتموا ببيان درجتها من صحة أو ضعف، فاهتم بعض العلماء في هذه الفترة بجمع أحاديث بعض هذه المصنفات في مصنف مستقل وبيَّن درجتها، ومن أمثلة ذلك:
١- تخريج أحاديث تفسير الكشاف: للحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي نسبة إلى زيلع "ميناء على ساحل البحر الأحمر"، الحنفي، المتوفى بالقاهرة سنة "٧٦٢هـ"، استوعب ما في الكشاف من الأحاديث المرفوعة التي يذكرها الزمخشري على سبيل الإشارة، ولم يتعرض غالبًا للآثار الموقوفة، وهو غير الزيلعي عثمان بن علي بن محمد شارح الكنز في فقه الحنفية المتوفى سنة "٧٤٣هـ". كان جمال الدين الزيلعي هذا مرافقًا لزين الدين العراقي في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريج أحاديثها، فالعراقي خرج أحاديث الإحياء للغزالي، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في كل باب، والزيلعي خرج أحاديث الكشاف وأحاديث الهداية في فقه الحنفية.
٢- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: للحافظ ابن حجر العسقلاني، لخصه من تخريج الزيلعي، وزاد عليه ما أغفله من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وهذا الكتاب مطبوع مع آخر جزء من الكشاف.
٣- تخريج أحاديث المختصر: لابن الحاجب في الأصول لابن حجر، وابن الملقن، ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة "٧٢٤هـ".
[ ٤٤٠ ]
٤- تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية: لجمال الدين الزيلعي المتقدم سماه "نصب الراية لأحاديث الهداية" وهو مطبوع بمصر، ومنه استمد كثير ممن جاء بعده من شُرَّاح الهداية، كما استمد منه الحافظ ابن حجر في تاريخه كثيرًا، وهو شاهد على تبحر جمال الدين الزيلعي في الحديث، وأسماء الرجال وسعة نظره في فروع الحديث، وللحافظ ابن حجر "الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية" مطبوع بدهلي سنة "١٣٥٠هـ".
٥- تخريج أحاديث الإحياء للغزالي: لزين الدين العراقي، وله عليها تخريجان: كبير وصغير، والأخير هو المتداول المطبوع من كتاب الإحياء بمصر.
٦- تخريج أحاديث الأذكار للنووي، والأربعين له، وأحاديث المصابيح، والمشكاة: للحافظ ابن حجر، ولم يكمل تخريج الأذكار، وسمى تخريج المصابيح والمشكاة "هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة".
٧- تخريج أحاديث "الشفاء للقاضي عياض": للحافظ السيوطي سماه "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا".
٨- تخريج أحاديث "منهاج الأصول للبيضاوي": لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي "٧٢٧-٧٧١هـ".
كما خرَّجه أحاديثه أيضًا ابن الملقن الحافظ والمحدث عمر بن علي أبو الحسن بن أحمد بن محمد الأنصاري الشافعي، الملقب بسراج الدين، الأندلسي الأصلي ثم المصري "٧٢٣-٨٠٤هـ"، والحافظ زين الدين العراقي "٧٢٥-٨٠٦هـ".
هذا وكتب التخاريج كثيرة جدًّا، وهي رمز صادق لأعمال المحدثين وجهودهم في الكشف عن قيمة الأحاديث المتناثرة في كتب العلوم المختلفة حتى لا يغتر الناس بما يجدونه منها؛ بل ينبغي لهم الرجوع إلى تلك التخاريج ليعلموا الصحيح منها من العليل١.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة "ص١٣٩، ١٤٠".
[ ٤٤١ ]
ثانيًا: تخريج أحاديث اشتهرت على الألسنة
يدور على ألسنة الناس في كل زمان أحاديث يذكرونها على سبيل الأمثال والحكم، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع مكذوب، وأكثر ما يروج هذا على ألسنة العامة، ومن لا علم عندهم من الخاصة، ولم يهمل هذا النوع من الأحاديث أهل الحديث وحفاظ الأمة، فصنفوا فيها كتبًا، وبينوا درجتها، ومن ذلك كتاب: "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي "٨٣١-٩٠٢هـ"، وقد اختصر المقاصد تلميذ السخاوي عبد الرحمن بن الديبع الشيباني وسمى مختصره: "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الحديث".
ثالثًا: كتب الأطراف
وهي الكتب التي تهتم بذكر طرف من الحديث يدل على بقيته، وغالبًا تكون مقيدة بكتب مخصوصة، ومنها:
١- كتاب "إتحاف المهرة بأطراف العشرة" للحافظ ابن حجر العسقلاني، والعشرة هي: الموطأ، مسند الشافعي، مسند أحمد، مسند الدارمي، صحيح ابن خزيمة، منتقى ابن الجارود، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، مستخرج أبي عوانة، شرح معاني الآثار، سنن الدارقطني، وإنما زاد العدد واحدًا؛ لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه.
٢- أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر أيضًا، أفرده من "كتاب إتحاف المهرة"، ويسمى "أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي".
٣- أطراف الأحاديث المختارة للضياء المقدسي لابن حجر العسقلاني.
٤- أطراف مسند الفرودس لابن حجر العسقلاني أيضًا.
٥- أطراف صحيح ابن حبان لأبي الفضل العراقي.
٦- أطراف المسانيد العشرة لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن أبي بكر الكناني البوصيري الشافعي نزيل القاهرة، المتوفى سنة "٨٤٠هـ"، ويريد بالمسانيد
[ ٤٤٢ ]
العشرة: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، ومسند مسدد بن مسرهد، ومسند محمد بن يحيى بن عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي١.
رابعًا: كتب الزوائد
لا يوجد مصنف في الحديث الشريف استوعب جميع الأحاديث النبوية، مهما كانت ضخامة المصنف أو كبر حجمه؛ وإنما جمع كل مصنف في كتابه ما تيسر له، أو ما رآه على شرطه، فجاء المتأخرون وأخرجوا الأحاديث الزائدة في كتاب على آخر في مصنفات خاصة لهم، وسموا ذلك بكتب الزوائد، ومن أشهر هذه الكتب ما يأتي:
١- كتاب زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة.
٢- كتاب إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة "أي: على الكتب الستة" والمسانيد العشرة هي: مسند أبي داود الطيالسي، والحميدي، ومسدد، وابن أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي.
٣- كتاب زوائد السنن الكبرى للبيهقي، على الكتب الستة أيضًا، ويسمى فوائد المنتقى لزوائد البيهقي.
وهذه الكتب الثلاثة للحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري المتوفَّى سنة "٨٤٠هـ".
٤- كتاب المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة "ص١٢٦، ١٢٧".
[ ٤٤٣ ]
"٧٧٣-٨٥٢هـ" على الكتب الستة، والمسانيد الثمانية هي: مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي، ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث.
وله أيضًا زوائد مسند البزار، ومسند أحمد على الكتب الستة.
٥- كتاب "زوائد مسند أحمد على الكتب الستة" وكتاب "زوائد مسند البزار على الكتب الستة" ويسمى "البحر الزخار في زوائد مسند البزار"، وكتاب "زوائد مسند أبي يعلى الموصلي على الكتب الستة"، وكتاب "زوائد المعجم الكبير للطبراني على الكتب الستة"، واسمه "البدر المنير في زوائد المعجم الكبير"، وكتاب "زوائد المعجم الأوسط والأصغر" للطبراني على الكتب الستة واسمه "مجمع البحرين في زوائد المعجمين"، وهذه الكتب كلها للحافظ نور الدين أبي الحسين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي "بالمثلثة" المصري المتوفى سنة "٨٠٧هـ"، وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه، ثم إنه جمع هذه الكتب كلها في كتاب عظيم سماه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" مع حذف الأسانيد والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف، فهو كتاب نفيس "مطبوع"، وللهيثمي أيضًا كتاب زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين في مجلد سماه "مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"، وكتب الزوائد كثيرة جدًّا، وفي هذا القدر كفاية١.
خامسًا: الجوامع
وهي الجمع بين عدة مصنفات حديثية في مصنف واحد، ومنها:
١- كتاب "جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن" للحافظ إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المعروف بابن كثير "ت ٧٧٤هـ" جمع فيه بين الصحيحين،
_________________
(١) ١ كشف الظنون "١/ ٣٨"، "٢/ ٢٣٠"، والرسالة المستطرفة "ص١٢٨، ١٢٩".
[ ٤٤٤ ]
وسنن النسائي، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، ومسانيد: أحمد، والبزار، وأبي يعلى، والمعجم الكبير للطبراني.
٢- جمع الجوامع للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفَّى سنة "٩١١هـ" جمع فيه بين الكتب الستة وغيرها، وقد قصد في كتابه هذا جميع الأحاديث النبوية بأسرها، وقال المناوي: إنه مات قبل أن يتمه، ولقد اشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، وقد هذب ترتيبه علاء الدين علي بن حسام الهندي "ت ٩٧٥هـ" في كتابه "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال"، ثم اختصر كنز العمال في كتاب أسماه "منتخب كنز العمال"، وقد طبع المنتخب مع مسند أحمد بمصر، كما طبع كنز العمال بالهند، وقد اختصر السيوطي كتابه هذا، وسمى المختصر "الجامع الصغير في حديث البشير النذير"١.
- كتب جامعة لأحاديث الأحكام: من ذلك ما يأتي:
١- كتاب "الإلمام في أحاديث الأحكام" لابن دقيق العيد المتوفى سنة "٧٠٢هـ"، جمع فيه متون الأحكام مع حذف الأسانيد، وشرحه في كتابه الإمام، لكن لم يكمل شرحه، ويقال: إن شرحه هذا لم يؤلف أعظم منه في بابه لما فيه من الاستنباطات والفوائد٢.
٢- كتاب "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" للحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي "٧٢٥-٨٠٦هـ"، جمع فيه أحاديث الأحكام لابنه أبي زرعة، قال في خطبته: "وبعد، فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يُستغنى بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار.
_________________
(١) ١ انظر: كشف الظنون "١/ ٢٨٨"، والرسالة المستطرفة "ص١٣٧"، ومفتاح السُّنة "ص١١٢". ٢ انظر: كشف الظنون "١/ ١١٣".
[ ٤٤٥ ]
ولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها رأيت أن أجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد، إما مطلقًا على قول من عممه، أو مقيدًا بصحابي تلك الترجمة".
ثم أخذ يبين طريقته في نقله عن الكتب وعزوه إليها، وهو كتاب عظيم في بابه، وقد شرح تقريب الأسانيد هذا مؤلفه نفسه، وقد بدأ الشرح بمقدمة في تراجم رجال إسناده، وضم إليهم من وقع له ذكر في أثناء الكتاب لعموم الفائدة حتى ترجم لولده أبي زرعة الذي ألف الكتاب من أجله، قال: "تقدم في خطبة هذا الشرح أني أترجم كل من ذكر فيه، فلم أرَ أن أخل بذكر من ألف له الكتاب، ولم أرَ إدخاله في رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ، فرأيت أن أذكره هنا، وأبين وقوع أحاديث الكتاب له عالية لاحتمال أن يطول عمره فيحدث به".
ثم أخذ في ذكر ترجمته، ولكنه لم يكمل هذا الشرح، بل شرح منه عدة مواضع، وقد أكمله ابنه أبو زرعة المذكور المتوفى سنة "٨٢٦هـ"، واسم هذا الشرح: "طرح التثريب في شرح التقريب" "مطبوع"، وهو كتاب حافل بالفوائد والأبحاث، جرى فيه مؤلفه على البحث العلمي الحر دون تعصب لمذهب من المذاهب وإن كان مذهبه، مما رفع من شأن هذا الكتاب، أضف إلى ذلك ما شحنه به من النكت الفقهية والفوائد الحديثية.
٣- كتاب "بلوغ المرام من أحاديث الأحكام" لخاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة "٨٥٢هـ"، اشتمل على ألف وأربعمائة حديث في الأحكام "مطبوع"، وقد شرحه خلق كثير منهم القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي، ومنهم محمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة "١١٨٢هـ" في كتاب سماه "سبل السلام" "مطبوع"، ومنهم الفاضل صديق خان سنة "١٣٠٧هـ" في كتاب سماه "فتح العلام" "مطبوع".
هذه هي أهم أعمال العلماء فيما يتعلق بجمع الحديث وترتيبه في هذا الدور،
[ ٤٤٦ ]
وما وراء ذلك فشروح ومختصرات لبعض كتب الحديث، ومع ذلك فهي لا تتجاوز في الغالب أهل القرن الحادي عشر الهجري وبعض الثاني عشر، أما فيما بعد ذلك إلى عصرنا فقد فترت الهمم حتى عن قراءة كتب الحديث فضلًا عن القيام بأعمال التدوين١.
_________________
(١) ١ راجع: الحديث والمحدثون، لمحمد أبو زهو "ص٤٤٣-٤٥٢".
[ ٤٤٧ ]
المبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السُّنَّة بعد عام "٩١١هـ" حتى آخر القرن الرابع عشر الهجري
تعتبر هذه الفترة امتدادًا للفترة السابقة من حيث عكوف العلماء على كتب السابقين، للانتقاء منها، أو اختصارها، أو تهذيبها، أو الجمع بينها، أو تخريجها، أو عمل الأطراف والفهارس لها، أو إخراج الزوائد، أو شرحها، ونحو ذلك.
- ومن أمثلة تخريج أحاديث بعض الكتب العلمية:
١- تخريج أحاديث البيضاوي، للشيخ عبد الرءوف المناوي.
٢- تخريج أحاديث البيضاوي، للشيخ محمد همات زاده بن حسن همات زاده، المحدث المتوفى سنة "١١٧٥هـ" كتاب سماه "تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي".
٣- تخريج أحاديث شرح معاني الآثار للطحاوي، لبعض العلماء، سماه الحاوي في بيان آثار الطحاوي، عزا فيه كل حديث إلى الكتب المشهورة وبيَّن الصحيح من الضعيف.
- أمثلة في تخريج أحاديث اشتهرت على ألسنة الناس:
١- "تسهيل السبل إلى كشف الالتباس، عما دار من الأحاديث بين الناس" للشيخ عز الدين محمد بن أحمد الخليلي المتوفى سنة "١٠٧٥هـ".
٢- "كشف الخفاء ومزيل الإلباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" للحافظ إسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة "١١٦٢هـ"، وهو كتاب كثير الفوائد لخص فيه المقاصد الحسنة للسخاوي، وضم إليه كثيرًا مما في الكتب الأخرى.
[ ٤٤٩ ]
- أمثلة في شروح بعض كتب الحديث الشريف:
١- المسوى شرح الموطأ: لولى الله الدهلوي "١١١٤-١١٧٦هـ".
٢- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: لأبي العلي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري "١٢٨٣-١٣٥٣هـ".
٣- بذل المجهود في حل سنن أبي داود: لخليل أحمد السهارنفوري، بالهند "ت ١٣٤٦هـ".
٤- فيض الباري على صحيح البخاري: للشيخ أحمد أنور الكشميري الديوبندي "١٣٥٢هـ".
٥- فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد "للبخاري": لفضل الله الجيلاني.
- أمثلة في الجوامع العامة:
التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ، للشيخ منصور على ناصف الحسيني، من علماء الأزهر الشريف، وعليه: غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول، جمع فيه أحاديث الصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي. صدر طبعة منه سنة ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م، عن دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع.
- ومن أمثلة الاختصارات لبعض الكتب:
خلاصة تذهيب التهذيب: للخزرجي صفي الدين أحمد بن عبد الله الأنصاري "ت ٩٢٣هـ".
- ومن أمثلة الشروح لبعض المصنفات في علوم الحديث:
١- "توضيح الأفكار" للصنعاني الأمير محمد بن إسماعيل الحسني
[ ٤٥٠ ]
"ت ١١٨٢هـ"، وهو شرح لكتاب "تنقيح الأنظار" لابن الوزير أبي عبد الله السيد محمد بن إبراهيم "ت ٨٤٠هـ".
- ومن المصنفات في الموضوعات:
تذكر الموضوعات: لمحمد طاهر بن علي الهندي الفتني "ت ٩٨٦هـ"، وفي ذيلها: الموضوعات والضعفاء له.
- ومن المصنفات في الرواة:
شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لأبي الفلاح عبد الرحمن بن العمادي الحنبلي "ت ١٠٨٩هـ".
[ ٤٥١ ]
المبحث الثالث: دور أشهر الممالك التي كان لها أثر ملموس في خدمة السُّنَّة في هذا العصر
- دور مصر في العناية بالسُّنَّة وعلومها:
في هذه الفترة من الزمان -أي: بعد سقوط بغداد- كانت مصر محكومة لدولتي المماليك البحرية والبرجية، ويحدثنا التاريخ عما كان عليه هؤلاء السلاطين من حب للعلم وتقدير للعلماء، ومن أجل ذلك شيدوا الجامعات والمدارس الحديثية، واستقدموا لهذا الغرض العلماء من الأقطار البعيدة، وحبسوا الأموال الطائلة على تلك المؤسسات الدينية والعلمية، وها هي آثارهم الخالدة ماثلة للعِيَان، تحدث عما كان للقوم من عناية بعلوم الشريعة والسُّنَّة.
هذا ولم يقف الأمر عند حد المعاونة بالمال أو السلطان؛ بل لقد انغمر السلاطين في حلبة الدروس مع المتعلمين وتتلمذوا للعلماء، وأئمة الحديث، وتحملوا السنة بأسانيدها الصحيحة حتى صار بعضهم حافظًا يتلقى عنه الحديث، ويسمع منه الصحيح، فهذا هو "الظاهر برقوق" يتفقه على الإمام أكمل الدين "البابرتي"، ويشارك المحدثين في رواية الصحيحين، ويستقدم المسندين أمثال "ابن أبي المجد" من الأقطار النائية، رغبة منه في إعلاء الإسناد لدى المتعلمين بمصر، لسماعهم الحديث من أصحاب الأسانيد العالية، وهذا هو "المؤيد" يروي الصحيح عن السراج "البلقيني" حتى أن الحافظ ابن حجر يسمع الحديث من "المؤيد"، ويترجم له في عداد مشايخه في "المعجم المفهرس"، وقد استقدم "المؤيد" إلى مصر العلامة "شمس الدين الديري" المحدِّث العظيم صاحب كتاب "المسائل الشريفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة"، وهذا هو "الظاهر جقمق" يسمع الصحيح من ابن الجزري، ويستقدم كبار المسندين إلى مصر ليتلقى عنهم المتعلمون مروياتهم في
[ ٤٥٣ ]
السُّنَّة من الصحاح والمسانيد، ويجعل من القلعة المصرية مجمعًا علميًّا للعلماء، وناديًا يؤمه طلاب الحديث يتلقون المرويات عن الحفاظ المتقنين والمحدثين النابهين، وبهذه العناية من السلاطين والأمراء كان مصر دار حديث وفقه وأدب طيلة هذه القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور، وكانت أسعد بلاد الإسلام حظًّا بالحديث وعلومه، وها هي كتب التاريخ قد اكتظت بتراجم لرجال نبهاء، وفطاحل علماء، انجبتهم مصر في تلك القرون الذهبية، وكانت لهم مؤلفات كثيرة جدًّا في علوم شتى، بحيث يعدون بحق مفخرة الإسلام، وإن مآثرهم المحفوظة في خزانات العالم ومكتباته لمما يشهد لمصر بالمجد التالد والشرف الرفيع.
استمرت النهصة العلمية بمصر -على ما وصفنا- إلى أوائل القرن العاشر الهجري؛ إذ بانقراض دولة المماليك البرجية في أوائل هذا القرن، أخذ النشاط العلمي يتضائل ويضمحل، وطفق يرحل شيئًا فشيئًا إلى بلاد أخرى، ألا وهي البلاد الهندية التي أفسحت صدرها للحديث وعلومه، وسهرت على خدمته، فكانت أسعد بلاد المسلمين بعلوم السُّنَّة إلى يومنا هذا١.
ولا يمكن إغفال دور الأزهر الشريف في خدمة السُّنَّة حيث الكليات والأقسام المتخصصة التي تخرج فيها الكثيرون من مصر والعالم العربي والإسلامي، فضلًا عن الدراسات العليا التي منحت -ولا زالت تمنح- الكثيرين درجتي الماجستير والدكتوراه "العالمية" في الحديث الشريف وعلومه، ما بين الدراسات التحليلية والتحقيقات العلمية، ولم يقتصر هذا الدور على أبناء مصر وحدها، بل شمل العالم العربي والإسلامي عامة.
_________________
(١) ١ الحديث والمحدثون، لمحمد أبو زهو "ص٤٣٩، ٤٤٠".
[ ٤٥٤ ]
- دور علماء الهند في العناية بالسُّنَّة:
كان للبلاد الهندية حظ كبير في خدمة السُّنَّة بعد أن كان الهنود قبل منتصف القرن العاشر الهجري منصرفين إلى العلوم النظرية، والأحكام الفقهية المجردة، فمن هذا الوقت أخذوا يعكفون على دراسة الحديث وعلومه، ويعنون برواية السُّنة وبحث الروايات، وانتقاد الأسانيد، ولو ذهبنا نستعرض ما لهؤلاء الأعلام من همة عظيمة في علوم الحديث -في الوقت الذي قعدت فيه الهمم عن خدمة السُّنة- لوقع ذلك موقع الإعجاب والشكر البليغ، فكم لعلماء الهند من شروح ممتعة، وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات كبيرة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أيادٍ بيضاء في نقد الرجال، وبيان علل الحديث، وشرح الآثار، وكم لهم من مؤلفات في شتى فنون الحديث وما يتصل به١.
ومما هو جدير بالتقدير والإعجاب أن هؤلاء القوم لم تفتتهم المدنية الغربية عن دينهم؛ بل إنها زادتهم تمسكًا به وتعصبًا له، فكثيرًا ما ألفوا الكتب في الرد على القساوسة والمستشرقين، وكثيرًا ما كانت تقام مجالس للمناظرة أمام الحكام الإنجليز فينتصر حق المسلمين على باطل المستشرقين، وكثيرًا ما كان يفر هؤلاء القُسس من مجالس المناظرة قبل أن تتم فصولها يجرون أذيال الخيبة، ويتعثرون في أثواب الهزيمة.
هذا ومما يدل على حرص هؤلاء القوم على السُّنَّة وحدبهم على نشر علومها أن بعض المبعوثين منهم إلى جامعات أوربا كان يشتغل بطبع كتب الحديث، وها هو "الدكتور السيد معظم حسين" الذي كان يتلقى دروسه بجامعة أكسفورد بإنجلترا يأخذ في طبع كتاب "معرفة علوم الحديث" للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، ويعتني بتصحيحه، ويقدم له مقدمة عظيمة يذكر فيها ترجمة المؤلف، ونُبْذَة قيمة عن تاريخ تدوين الحديث، ونشأة علم المصطلح، وقد رحل في سبيل نشر هذا الكتاب إلى بلدان عديدة من أوربا، وتردد على مكتباتها العامة في عواصمها المختلفة، وقابل ما كتبه على نسخ خطية كثيرة كان منها ما هو محفوظ في مكتبة المتحف البريطاني بلندن، كما رحل إلى عدة مكتبات في بلاد الشرق؛ كمصر، والشام، وإستانبول، ثم طبع الكتاب وأخرجه للناس في غاية من الضبط والإتقان، إنها لهمة عالية من هؤلاء القوم، فلله درهم وبورك جهادهم٢.
_________________
(١) ١ عن مقالات العلامة المرحوم الشيخ محمد زاهد الكوثري "ص٧١" وما بعدها بتصرف. ٢ "الحديث والمحدثون" لمحمد أبو زهو "ص٤٤١، ٤٤٢".
[ ٤٥٥ ]
- دور المملكة العربية السعودية في خدمة السُّنَّة:
قامت المملكة العربية السعودية بجهد ملحوظ في نشر الكتب الإسلامية عامة، وكتب السُّنَّة خاصة، وتوزيعها كهدايا للعلماء والمتخصصين، ولها جهود أخرى في خدمة السُّنَّة، وأكبر شاهد على ذلك إنشاء مركز السُّنَّة في المدينة المنورة الذي نشر بعض أمهات الكتب نحو كتاب "إتحاف المهرة" لابن حجر العسقلاني، وأيضًا نشر "مسند الإمام أحمد بن حنبل" محققًا في خمسين جزءًا، بالإضافة إلى الجهود الكبيرة التي قامت -وتقوم بها- جامعة أم القرى الإسلامية بمكة المكرمة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فإن لهما دورًا كبيرًا في خدمة العلوم الإسلامية عامة والحديث الشريف وعلومه خاصة؛ حيث تخرج فيهما -ولا زال يتخرج- العديد من أبناء الأمة الإسلامية الذين تخصصوا في مختلف علوم الدين الحنيف، وخاصة علوم الحديث الشريف، هذا بالإضافة إلى الجهود القائمة على تحقيق ودراسة الكثير من كتب التراث المتخصصة في الحديث الشريف وعلومه على وجه الخصوص.
[ ٤٥٦ ]
المبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السُّنَّة في العصر الحاضر
هناك جهود فردية، وأخرى جماعية، وجهود قام بها علماء متخصصون، وأخرى قام بها غير المتخصصين، ويمكن القول بأن هذه الجهود تناولت عدة جوانب، وكلها تخدم السُّنَّة المطهرة، ويمكن حصر هذه الجهود فيما يلي:
١- جهود اتجهت إلى الدلالة على الأحاديث من طريق بعض ألفاظها، ومن ذلك: "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي عن الكتب الستة، وعن مسند الدارمي، وموطأ مالك، ومسند أحمد بن حنبل" رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين.
٢- جهود اتجهت إلى فهرسة كتب الحديث الشريف، عن طريق حصر أطراف الأحاديث وترتيبها أبجديًّا، ومنها: فهارس لصحيح البخاري، وفهارس لصحيح مسلم، وفهارس مصنف عبد الرزاق، وفهارس مصنف ابن أبي شيبة، وغيرها.
وهناك فهارس لعدة مصنفات مجتمعة مثل: "موسوعة أطراف الحديث"، حاول فيها مصنفها حصر أطراف الأحاديث الموجودة في "١٥٠" كتابًا منها كتب الحديث الشريف، وأخرى في التفسير وغيرها، وهي محاولة متواضعة جدًّا تحتاج إلى مزيد من الدقة في الحصر والترتيب والعزو.
٣- جهود اتجهت إلى الجمع بين عدة مصنفات حديثية مثل "المسند الجامع" جاء في اثنين وعشرين مجلدًا، منها مجلدان للفهارس، وهو من إعداد لجنة عددها خمسة، جمعوا فيه بين أحاديث الكتب الستة "صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه"، ومؤلفات أصحابها، بالإضافة إلى موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وسنن الدارمي، ومسانيد الحميدي، ومسند عبد بن حميد.
[ ٤٥٧ ]
وصدرت الطبعة الأولى منه سنة "١٤١٣هـ-١٩٩٣م"، ونشرته دار الجيل، ببيروت، والشركة المتحدة بالكويت. وهو عمل جيد، ولكن يؤخذ على مصنفيه العزو إلى صفحات طبعات خاصة لبعض هذه المصنفات ليست في حوزة كثير من الباحثين، مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وكان ينبغي عليهم إثبات أرقام الأحاديث في هذه المصنفات التي جمعوا بين أحاديثها.
٤- وهناك جهود اتجهت لعمل موسوعات للأحاديث الصحيحة، وكذلك في الأحاديث الضعيفة، كما فعل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني؛ حيث صنف سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والسلسلتان لم تُكتملا.
ويؤخذ عليه في السلسلة الصحيحة حشوها بالتخريجات المسرفة التي ترهق القارئ، ولا تضيف لخدمة الحديث الصحيح شيئًا، فضلًا عن الأوهام الكثيرة التي تعقبها العديد من الباحثين والمشتغلين بالحديث الشريف.
ويؤخذ عليه في السلسلة الضعيفة -بالإضافة إلى الإسراف غير المقبول علميًّا في التخريجات- التجاوزات الكثيرة في الأحكام على أحاديث كثيرة بالضعف أو الوضع، وهي لا تقل عن درجة الحسن، أو على الأقل تتقوى، وتصير حسنة لغيرها بما لها من متابعات وشواهد، بالإضافة إلى أن جل هذا العمل مصنف في كتب الموضوعات ونحوها. وقد تعقبه على هذه السلسلة وسائر أعماله الكثير من أهل العلم المتخصصين والباحثين والمشتغلين بالحديث الشريف، الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أهمية إعادة النظر في كل أعماله بلا استثناء، ومع هذا فجهوده لا تنكر في الكشف عن صحة كثير من الأحاديث وضعف كثير منها.
وذلك باستثناء تمزيق بعض الحديث من الأصول كأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ حيث أفرد ما رآه صحيحًا منها في مصنفات وما رآه ضعيفًا منها في مصنفات أخرى، فقد جانبه الصواب في ذلك؛ لأن كثيرًا من الأحاديث
[ ٤٥٨ ]
الضعيفة فيها تتقوى بشواهد، ومتابعات، وعمل لبعض الصحابة، أو للصحابة كلهم بها، وقد تصدى بعض الباحثين لهذا العمل.
٥- جهود اتجهت لحصر زوائد بعض كتب الحديث الشريف مثل: "زوائد السنن على الصحيحين" "سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي" جمع وترتيب: صالح أحمد الشامي، صدر عام "١٤١٨هـ-١٩٩٨م" عن دار القلم بدمشق، ودار النفائس بالرياض.
ومثل: زوائد سنن النسائي على صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، نال بها باحث درجة الماجستير بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.
٦- جهود اتجهت لتحقيق وتخريج أحاديث بعض المصنفات الحديثية، وبيان درجة ما فيها من أحاديث مثل: "مسند الإمام أحمد" عمل لجنة بإشراف شعيب الأرناءوط، صدر عن مؤسسة الرسالة ببيروت "في خمسين مجلدًا"، و"شرح مشكل الآثار" للطحاوي، قام بتحقيقه وعزو أحاديثه والحكم عليها: شعيب الأرناءوط، صدر في "ستة عشر مجلدًا"، منها جزء للفهارس، طبع مؤسسة الرسالة "١٤١٥هـ-١٩٩٤م"، و"مسند أبي يعلى" الإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي "٢١٠-٣٠٧هـ"، صدر عن دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى من سنة "١٤٠٤هـ-١٩٨٤م"، و"جامع الأصول في أحاديث الرسول" للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري "٥٤٤-٦٠٦هـ"، صدر عن دار الفكر، ببيروت، في أحد عشر مجلدًا.
٧- جهود اتجهت لتحقيق بعض المصنفات الحديثية، والاكتفاء بإخراج النص المخطوط إلى مطبوع؛ ليسهل الاطلاع عليه والاستفادة منه، مثل "المعجم الأوسط" للطبراني، صدر في عشرة مجلدات بالإضافة إلى مجلد للفهارس، وصدرت الطبعة الأولى منه "١٤٠٥هـ-١٩٨٥م" عن مكتبة المعارف بالرياض.
[ ٤٥٩ ]
و"إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة"١ للإمام أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني "٧٧٣ -٨٥٢هـ"، و"إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" للإمام أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري "ت ٨٤٠هـ" حققته لجنة عددها أربعة، وصدر عن مكتبة الرشد بالرياض، و"السنن الكبرى" للإمام أحمد بن شعيب النسائي "ت ٣٠٣هـ"، صدر عن دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، سنة "١٤١١هـ-١٩٩١م"، و"السنن الكبرى" للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي "ت ٤٥٨هـ"، صدر عن دار الكتب العلمية، ببيروت، الطبعة الأولى سنة "١٤١٤هـ-١٩٩٤م". و"المصنف في الأحاديث والآثار" للحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة "ت ٢٣٥هـ"، صدر عن الدار السلفية بالهند، الطبعة الثانية سنة "١٣٩٩هـ-١٩٧٩م"، و"المصنف" لعبد الرزاق للحافظ أبي بكر عبد الرزاق همام الصنعاني "١٢٦-٢١١هـ"، صدر عن المكتب الإسلامي، ببيروت، الطبعة الثانية "١٤٠٣هـ-١٩٨٣"، وغيرها.
وهذه المصنفات على الرغم من الجهود الكبيرة في إخراج نصوصها المخطوطة إلى مطبوعة، إلا أنها في حاجة إلى تحقيق يتبين من خلاله درجة الأحاديث والآثار.
٨- وهناك جهود اتجهت لتحقيق بعض المصنفات الحديثية وتخريج أحاديثها مثل: كتاب "لمحات الأنوار ونفحات الأزهار، وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن" للإمام محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي "٥٤٩-٦١٩هـ" تحقيق أستاذنا الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، وصدر عن دار البشائر الإسلامية "١٤١٨هـ-١٩٩٧م" في ثلاثة مجلدات كبيرة.
٩- وهناك جهود اتجهت إلى تحقيق بعض المصنفات الخاصة بالرواة مثل:
_________________
(١) ١ المسانيد العشرة هي: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند الحميدي، ومسند مسدد، ومسند ابن أبي عمر، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي.
[ ٤٦٠ ]
"تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي "٦٥٤-٧٤٢هـ"، تحقيق د/ بشار عواد معروف، صدرت الطبعة الأولى منه سنة "١٤١٣هـ-١٩٢٢م"، في "٣٥" مجلدًا، مؤسسة الرسالة، ببيروت.
وكتاب "التذكرة بمعرفة رجال العشرة" لأبي المحاسن محمد بن علي العلوي الحسيني "٧١٥-٧٦٥هـ" تحقيق: أستاذنا الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، صدرت الطبعة الأولى في أربعة مجلدات، عن مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة "١٤١٨هـ-١٩٩٧م".
٨- وهناك جهود اتجهت لخدمة السُّنَّة عن طريق الكمبيوتر، فهناك الأسطوانات التي تحمل الموسوعات الحديثية الضخمة، والتي اشتملت على عشرات المصنفات في الحديث وعلومه، وهذه الجهود التي أعدتها مؤسسات خاصة عديدة في بعض البلاد العربية وغيرها، لا شك أنها قربت السُّنَّة لقطاع كبير من الناس، ولكنه لا ينبغي التعويل عليها كلية واعتبارها عمدة للتحقيق والتخريج؛ لعدم الدقة في نقل النصوص، بالإضافة إلى أخطاء الكمبيوتر المعروفة.
[ ٤٦١ ]