الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر
الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري
سأحاول بفضل الله تعالى توضيح هذه المناهج، وذلك من خلال الفصول الآتية:
الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر
في عصر تابعي التابعين تغيرت الظروف عن عصر الصحابة والتابعين، وتطورت بعض الأمور، وظهرت بعض الملابسات التي استدعت وضع مناهج ومقاييس وضوابط يستعين بها المحققون ونقاد الحديث في الكشف عن العلل والدخيل مما نُسب إلى النبي -ﷺ- كذبًا؛ وذلك لهدف الحفاظ على السُّنَّة من الوضع، وصيانتها من الخطأ والتحريف.
- ويمكن تلخيص المستجدات فيما يلي١:
أولًا: وفاة الصحابة ومعظم التابعين الذين كانوا يحفظون سنة رسول الله ﷺ.
ثانيًا: نزول الإسناد واستحالة لقيا جميع الرواة الموصِّلين إلى النبي ﷺ.
ثالثًا: ظهور المذاهب الفقهية، ومن ثَم الاختلاف بين الأئمة ومحاولة توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وتمخض عن ذلك حركة كبيرة في توثيق السُّنَّة خاض غمارَها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك، ﵃ أجمعين.
رابعًا: كثرة الوضع في الحديث، وكثرة الخطأ فيه من قِبَلِ بعض المنتسبين إلى الإسلام من ضعاف الإيمان وأهل البدع.
_________________
(١) ١ راجع: كتاب "المدخل إلى توثيق السُّنة" "ص٥٦، ٥٧" أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.
[ ٢٠٧ ]
خامسًا: لم تدون السُّنَّة تدوينًا شاملًا في العصر الأول خوفًا من اختلاطها بالقرآن، وأما في عصر أتباع التابعين كثر الحفاظ والكتبة، وزال الخوف السابق، فضلًا عن الحاجة الماسة لهذا التدوين؛ خشية اندراس السُّنَّة وضياعها بموت حفاظها.
[ ٢٠٨ ]
الفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر ومنهج العلماء في التصنيف
بسبب المستجدات والملابسات التي ظهرت في عصر تابعي التابعين أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة تدوينًا شاملًا؛ لتكون مجموعة في مصنفات يستفيد منها المسلمون، ولم يكن تدوينها من قبل بعض الصحابة والتابعين يرقى إلى مستويات المصنفات والمؤلفات١.
فقد روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز "ت١٠١هـ" إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبوه؛ فإني خفت دروس العلم وذَهَاب أهله٢.
وروى الدارمي أيضًا بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن اكتب بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله -ﷺ- وبحديث عمر؛ فإني قد خشيت درس العلم وذهابه٣.
قال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ﵁ "عامل المدينة": "انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله -ﷺ- ولتُفْشُوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا"٤.
_________________
(١) ١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنة "ص٥٧". ٢ سنن الدارمي "١/ ١٣٧" باب: من رخص في كتابة العلم - حديث "٤٨٨"، والمحدث الفاصل "ص٣٧٣، ٣٧٤". ٣ سنن الدارمي "١/ ١٣٧" باب: من رخص في كتابة العلم - حديث "٤٨٧"، ونحوه في الموطأ رواية الشيباني - حديث رقم "٣٨٩". ٤ صحيح البخاري "٣" كتاب العلم، في ترجمة الباب "٣٤" كيف يقبض العلم؟
[ ٢٠٩ ]
وامتثل العلماء لهذا الأمر، واهتموا بهذا النداء من أمير المؤمنين، وجَدُّوا في جمع الحديث الشريف، وكان محمد بن شهاب الزهري "ت١٢٤هـ" أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته فقال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا"١. وقال مرة أخرى: لقد أمرنا عمر بن عبد العزيز أن نجمع السنة، وتنفيذًا لهذا الأمر كتبنا الكتب العديدة، وأرسلت نسخًا لأجزاء مختلفة من الدولة٢.
ووُجد في كل مدينة مَن يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السُّنَّة:
ففي مكة: صنف في السُّنة ابن جريج "ت١٥٠هـ"، وسفيان بن عيينة "ت١٩٨هـ".
وفي المدينة: مالك بن أنس "ت١٧٩هـ"، ومحمد بن إسحاق "ت١٥١هـ"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب "ت١٥٧هـ".
وفي البصرة: الربيع بن صبيح "ت١٦٠هـ"، وسعيد بن أبي عروبة "ت١٥٦هـ"، وحماد بن سلمة "ت١٦٨هـ".
وفي اليمن: معمر بن راشد "٩٥ - ١٥٣هـ".
وفي الشام: عبد الرحمن الأوزاعي "٨٨ - ١٥٧هـ".
وفي الكوفة: سفيان الثوري "ت١٦١هـ".
وفي خراسان: عبد الله بن المبارك "ت١٨١هـ".
وفي واسط: هشيم بن بشير "ت١٨٣هـ".
وفي الرِّي: جرير بن عبد الحميد "ت١٨٨هـ".
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله "١/ ٧٦". ٢ انظر: فتح الباري "١/ ٥٧"، وفتح المغيث لولي الدين العراقي "ص٢٣٩"، والأموال لأبي عبيد "ص٥٧٨ - ٥٨٠".
[ ٢١٠ ]
وفي مصر: عبد الله بن وهب "١٢٥- ١٧٩هـ".
ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم ممن نسجوا على منوالهم١.
وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، وأظهر مثال لذلك موطأ الإمام مالك الذي يجمع الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة٢، غير أن الإمام مالكًا تحرَّى الصحة في موطئه فلم يُخرج فيه إلا صحيحًا، وما كان من مراسيل أو بلاغات ونحوها فقد وقف عليها الأئمة موصولة وصحيحة "أو حسنة" في مصنفات أخرى، وقد التزم الإمام مالك في الموطأ بتخريج روايات الثقات الذين لا ينزل حديثهم عن درجة الحسن بحال، وأما غير الإمام مالك -ممن صنفوا في عهده- فلم يلتزموا ذلك في مصنفاتهم.
وذكر الدكتور عجاج الخطيب أن أمير مصر عبد العزيز بن مروان "ت٨٥هـ" والد "عمر" حاول التدوين الرسمي للسُّنَّة، وذلك حين بعث إلى عالم حمص التابعي الكبير "كُثير بن مرة الحضرمي" وكان أدرك سبعين بدريًّا من أصحاب رسول الله -ﷺ- بحمص: "أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله -ﷺ- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا"؛ ولكن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كُثير لهذا الطلب فيكون التدوين الرسمي في عهد ابنه عمر، ومن ذلك الوقت اهتم الرواة بالتدوين الذي شاع في أرجاء المدن الإسلامية.
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "ص٦١١ - ٦١٣". ٢ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٥٩".
[ ٢١١ ]
الفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري
كانت الفتنة التي وقعت في آخر عهد سيدنا عثمان بن عفان -﵁- نقطة انعطاف ومرحلة تحول؛ حيث انتسب إلى الإسلام قلة من الرجال ضعيفي الإيمان، أباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله -ﷺ- نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم.
فكان على التابعين واجب القيام بكشف حديث هؤلاء وبيانه والتنبيه عليه والتحذير منه.
"وكانت الوسيلة لنقل سُنة رسول الله -ﷺ- هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو وضعه هو صدق ناقليه أو كذبهم"١.
وتتجلى جهودهم ومظاهر هذا الاهتمام والتحري الشديد والحيطة فيما يلي:
١- اهتموا بدراسة الرجال رواة الأحاديث:
ونقدهم وبيان ما فيهم من جرح وتعديل، ولم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة معروف بالعدالة، وكما قال الشافعي: "كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وطاوس وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب"٢.
٢- اهتموا بالإسناد فوقفوا على حال رواته:
قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"٣.
_________________
(١) ١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٤٨". ٢ السُّنَّة قبل التدوين "ص٢٣٧"، والمدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٤٩٨". ٣ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٧١".
[ ٢١٣ ]
ومثال ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "إن بعدي من أمتي " الحديث، قال ابن الصامت ﵁: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا، فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٣- السماع والحفظ والتثبت في الرواية:
كانوا يتتبعون الأخطاء ويحصونها ويهتمون بها اقتداء بالصحابة في الحيطة مع أنفسهم والآخرين، قال الشعبي: "والله لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرة وأخطأتُ مرة لعدوا عليَّ تلك الواحدة"٢.
٤- نقد المتن:
ومن أمثلة ذلك أن إبراهيم النخعي كان يترك بعض الأحاديث -عاملًا عقله وقياسه- بحجة أن الصحابة فعلوا ذلك، فقال عنهم: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون، ولو كان ولد الزنى شر الثلاثة لما انتُظر بأمه أن تضع٣، وأنكر بهذا حديث أبي هريرة ﵁: "ولد الزنى شر الثلاثة" ٤.
كما رد حديث فاطمة بنت قيس، وحديث التغريب للزاني، وحديث الشاهد واليمين؛ لأنه يرى معارضتها للقرآن الكريم، ورد أحاديث القنوت في الفجر معللًا ذلك بأنه لو صح لاشتهر عن جميع الصحابة٥.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٧١". ٢ تذكرة الحفاظ للذهبي "١/ ٨٢". ٣ كشف الأسرار "٢/ ٢٩٨"، أصول السرخسي "١/ ٣٤٠". ٤ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة "ص١١٨". ٥ راجع ذلك مفصلًا في رسالة الماجستير: إبراهيم النخعي - كلية دار العلوم - القاهرة "ص٣٠٦- ٣١٢" أ. د. محمد عبد الهادي سراج.
[ ٢١٤ ]
وكذا الشعبي سمع رجلًا يحدث عن النبي -ﷺ- أن الله خلق صورين، له في كل صور نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، فرده لمعارضته القرآن، وقال لراويه: يا شيخ، اتقِ الله، ولا تُحدِّثنَّ بالخطأ، إن الله تعالى لم يخلق إلا صورًا واحدًا، وإنما هي نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ١.
_________________
(١) ١ تحذير الخواص للسيوطي "ص١٥٣".
[ ٢١٥ ]
الفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري
لقد حَرَصَ التابعون على ملازمة الصحابة وحفظ مروياتهم وتدوينها، ولقد سجلت أمهات الكتب أن علماء التابعين دوَّنوا ثروة هائلة من الحديث الشريف، وكانت لديهم كتب وصحف ونسخ شهيرة دوَّنوا فيها هذه الأحاديث، وقد حفظ لنا التاريخ بعض صحائفهم وكتبهم التي دوَّنوها عن الصحابة، والتي منها ما يأتي:
- كُتُب أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي "ت١٠٤هـ، وقيل بعدها" التي كتبها عن: سمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة وغيرهم١.
- صحفية حُجْر بن عدي "٥١هـ" عن السيدة عائشة وعلي بن أبي طالب وغيرهما٢.
- كتاب محمد بن عمرو بن حزم "٦٣هـ" عن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ووالده عمرو بن حزم والي نجران من قِبَلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
- صحيفة محمد ابن الحنفية "٧٣هـ" عن جابر بن عبد الله وغيره٤.
_________________
(١) ١ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٣٤، ٧٢، ٢٥١"، تقييد العلم "١٠٣"، طبقات ابن سعد "٧/ ١/ ٩١، ١٣٣ - ١٣٥" و"٧/ ٢/ ١٧"، سنن الدارمي "١/ ٤٥، ١٣٦، ٢٥٣"، و"٢/ ٢٢٣، ٢٣٦، ٣١١، ٤٠٩، ٤٣٤"، الجرح والتعديل "٢/٢ / ٥٧- ٥٨"، تذكرة الحفاظ "١/ ٨٢"، "١/ ٩٤- ٩٥"، حلية الأولياء "٢/ ٢٨٢- ٢٨٩"، "٥/ ٣٥٥، ٣٥٦"، الكفاية للخطيب البغدادي "٣٩٢، ٣٧٦، ٥٠٣". ٢ راجع: طبقات ابن سعد "٦/ ١٥٢ - ١٥٤". ٣ راجع: تهذيب الأسماء واللغات للنووي "١/ ١/ ٨٩"، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسُّنة والحديث للدكتور امتياز أحمد عميد كلية المعارف الإسلامية بجامعة كراتشي "ص٤٣٨" ومصادره. ٤ راجع: طبقات ابن سعد "٥/ ٧٧"، "٦/ ٢٣٣"، تهذيب التهذيب "٦/ ٩٤" الجرح والتعديل "١/ ٧١" في المقدمة، وفي "٣/ ١/ ٢٦".
[ ٢١٧ ]
- كتاب بشير بن نهيك "٨٠هـ" عن أبي هريرة١.
- صحيفة سعيد بن جبير "٩٥هـ" عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما، ويقال: إنه جمع تفسيرًا للقرآن بأمر من الخليفة عبد الملك، واحتفظ بهذا التفسير في مكتبة القصر بعد موته٢.
- نسخة شهر من حوشب الأشعري "١٠٠هـ" عن أبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وغيرهم٣.
- نسخة حبان بن جزء السلمي "١٠٠هـ" عن ابن عمر وأبي هريرة٤.
- نسخة عقبة بن أبي الحسناء عن أبي هريرة٥.
كتاب خالد بن معدان الكلاعي "١٠٣هـ" يتضمن مجموعة ضخمة من الأحاديث جمعها من الصحابة وجعلها في كتاب مجلد بلوحين من الخشب وملتحمين معًا. وورثها تلميذه بشير بن سعد٦.
- صحيفة الحسن البصري "١١٠هـ" قال عفان بن مسلم: "إنها كانت في حجم إبهامين وبنصرين إذا ضممناهما معًا"، وكانت له كتب عديدة غير هذه الصحيفة الشهيرة عند المحدثين٧.
_________________
(١) ١ راجع: تقييد العلم "١٠١"، وتهذيب التهذيب "١/ ٤٧٠"، سنن الدارمي "١/ ١٢٧"، جامع بيان العلم "١/ ٧٢"، طبقات ابن سعد "١/ ١٦٢". ٢ راجع: طبقات ابن سعد "٦/ ٢١، ١٧٩، ١٨٦"، تقييد العلم "٤٣، ٤٤، ١٠٢، ١٠٣"، ميزان الاعتدال "٣/ ٧" رقم "٥٦٣٨"، الجرح والتعديل "٣/ ١/ ٣٣٢"، سنن الدارمي "١/ ١٢٨"، جامع بيان العلم "١/ ٦٦". ٣ راجع: تهذيب التهذيب "٤/ ٣٦٩"، ١١/ ٣٧"، تاريخ بغداد "١١/ ٥٩"، الجرح والتعديل "٣/ ١/ ٩". ٤ راجع: تهذيب التهذيب "٢/ ١٧١"، الجرح والتعديل "١/ ٢/ ٢٦٨". ٥ مجموعة أحاديث عقبة بن أبي الحسناء التي نقلها عن أبي هريرة عرفت باسم النسخة، وكانت نسخة منها عند الحافظ الذهبي. انظر: ميزان الاعتدال "٧/ ٨٥" ترجمة رقم "٥٦٨٥". ٦ راجع: تذكرة الحفاظ "١/ ٨٧، ١٦٦"، الجرح والتعديل "١/ ١/ ٤١٢"، و"١/ ٢/ ٣٥١"، حلية الأولياء "٥/ ٢١٨"، تهذيب التهذيب "٣/ ١١٩". ٧ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٧٤، ٧٥"، طبقات ابن سعد "٧/ ١/ ١١٥، ١١٦، ١٢٧"، "٧/ ٢/ ١٧"، "٧/ ٢/ ٣٥"، الكفاية "٣٤٩"، "٥٠٦"، تقييد العلم "١٠١"، تهذيب التهذيب "٢/ ٢٦٧ - ٢٦٩"، تاريخ بغداد "٨/ ١٣٨"، تاريخ الطبري "٣/ ٢٤٨٨ - ٢٤٩٣".
[ ٢١٨ ]
- نسخة قاسم بن عبد الرحمن الشامي، وقد نقلها تلميذه علي بن يزيد١.
- نسخة عبد الله بن بريدة الأسلمي "١١٥هـ" أخذها عن والده وغيره من الصحابة٢.
- نسخة سليمان بن موسى الأسدي "١١٥هـ" عن واثلة بن الأسقع٣.
- صحيفة طلحة بن نافع "١١٧هـ" عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما٤.
- نسخة محمد بن سيرين، وقد نقلها عنه الأوزاعي٥.
- صحيفة عطاء بن أبي رباح "١١٧هـ"، عن عدد من مشاهير الصحابة٦.
- صحيفة محمد بن شهاب الزهري "١٢٤هـ" وعدد من الكتب في المغازي والحديث والأنساب، وبسبب اهتمام الزهري وتلاميذه بكتابة الحديث وإملائه عُرفوا باسم: "أصحاب الكتب"، وسُميت فترته باسم "عصر الكتب"، وقد ذكرت المصادر للزهري نحو عشرة كتب٧.
- صحيفة همام بن منبه "١٣١هـ" عن شيخه أبي هريرة -﵁- ونقلها تليمذه معمر بن راشد، وحفظها عبد الرزاق بن همام منفصلة عن مصنفه الكبير،
_________________
(١) ١ تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٢/ ٥٤"، تهذيب التهذيب "٧/ ٣٦٩". ٢ راجع: تهذيب التهذيب "٦/ ١٥٨"، مشاهير علماء الأمصار "ص١٧٩" رقم "١٤١٥". ٣ راجع: تذكرة الحفاظ "٤/ ٢٢٦"، ميزان الاعتدال "٢/ ٢٢٥" رقم "٣٥١٨"، مشاهير علماء الأمصار "ص١٧٩" رقم "١٤١٥". ٤ راجع: ميزان الاعتدال "٢/ ٣٤٢" رقم "٤٠١٢"، تهذيب التهذيب "٤/ ٢٢٤"، "٥/ ٢٦"، الجرح والتعديل "٢/ ١/ ٤٧٥". ٥ تهذيب التهذيب "٦/ ٢٤٠". ٦ راجع: تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ٣٣٣"، تهذيب التهذيب "٣/ ٣٢٩"، الجرح والتعديل "١/ ١٣٠" في المقدمة، وانظر: صحيح البخاري "٢/ ٤٣" كتاب البيوع، و"٣/ ٢٤٠" كتاب تفسير القرآن. ٧ راجع: الجرح والتعديل "٣/ ١/ ٣٨، ٣٩"، تهذيب التهذيب "١٠/ ٣٦٢"، تذكرة الحفاظ "١/ ٩٧، ١٠٥"، تاريخ الإسلام "٥/ ١٤٣"، تاريخ الطبري "٢/ ٤٢٨- ١٢٦٩"، جامع بيان العلم "١/ ٧٣"، الكفاية "٣٨٧، ٣٨٨"، تاريخ ابن عساكر "٢/ ٤٣٨"، "٦/ ٣٧٩"، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسُّنة للدكتور امتياز أحمد "ص٤٨٠- ٤٩٥".
[ ٢١٩ ]
ثم أخذها تلميذاه: أحمد بن حنبل وأبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي١.
- صحيفة هشام بن عروة بن الزبير "١٤٦هـ" عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وغيرهما٢.
- وصحيفة حميد بن أبي حميد الطويل "١٤٢هـ"، نسخها من مخطوطة الأحاديث للحسن البصري٣.
وأكتفي بما ذكرت من كتب وصحف ونسخ دوَّنَها التابعون عن الصحابة -﵃- وأما ما رُوي عن بعض التابعين من كراهة الكتابة، فقد علله بعض أهل العلم المعاصرين بأن المقصود بها كراهة كتابة الرأي، والأخبار التي وردت في النهي دون تخصيص تحمل على ذلك. قيل لجابر بن زيد "ت٩٣هـ": إنهم يكتبون رأيك. فقال مستنكرًا: "يكتبون ما عسى أن أرجع عنه غدًا! ".
ولقد كانت الخشية من اندراس السُّنَّة وموت علمائها السبب الرئيسي الذي دفع عمر بن عبد العزيز "ت١٠١هـ" إلى تدوينها رسميًّا، فروى البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لايعلم؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا٤، وقال الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا"، وكان الزهري أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته٥.
_________________
(١) ١ وقد طبعت هذه الصحيفة أكثر من طبعة؛ منها: طبعة دمشق "١٣٧٢هـ-١٩٥٣م" وأخرى بتحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب - الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، وقد حفظها عبد الرزاق بن همام الصنعاني "٢١١هـ" منفصلة عن مصنفه المعروف. راجع: الكفاية "٣٢١"، وراجع: مسند الإمام أحمد "٢/ ٣١٢- ٣١٨"، طبقات ابن سعد "٥/ ٣٥٩"، تهذيب التهذيب "١١/ ٦٧". ٢ راجع: الكفاية "٣٥٠، ٣٥٩، ٣٩٠، ٤٥٩"، طبقات ابن سعد "٥/ ٣٦٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧٧". ٣ راجع: طبقات ابن سعد "٧/ ١/ ١٢٦"، "٢/ ٢٠"، تقييد العلم "١٠١"، تهذيب التهذيب "٣/ ٣٩"، ميزان الاعتدال "٦١٠/ ١" رقم "٢٣٢٠". ٤ صحيح البخاري "٣" كتاب العلم في ترجمة الباب "٣٤" كيف يقبض العلم. ٥ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٧٦"، فتح المغيث للحافظ ولي الدين العراقي "٢٣٩"، الأموال لأبي عبيد "ص٥٧٨ - ٥٨٠".
[ ٢٢٠ ]
الفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين
وضع التابعون ضوابط وأسسًا لضمان صحة النقل وتجنب التحريف والتبديل، وفي سبيل أن يكون تدوينهم عن الصحابة تدوينًا أمينًا لا يعتريه الشك أو الخطأ أو التحريف التزموا بهذه الضوابط والأسس الهامة، والتي منها ما يأتي:
١- التثبت في السماع والأداء:
قال أبو العالية التابعي الكبير: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله -ﷺ- فلم نرضَ حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم.
وقال غيره: إني كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه١.
وكانوا يتركون الرواية عن غير المتثبتين حتى وإن كانوا عدولًا. قال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات يقال: ليس من أهله٢.
٢- معارضة كتبهم ومقابلتها:
قال هشام بن عروة: قال لي أبي: أكتبتَ؟ قلت: نعم، قال: عارضتَ؟ قلت: لا، قال: لم تكتب.
ويقول يحيى بن أبي كثير: من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج٣.
ومن أمثلة العرض على الشيخ: قيل لنافع مولى عبد الله بن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني حتى أقيمه لهم٤.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي "١/ ١٤٠". ٢ المحدث الفاضل "ص٤٠٧". ٣ المحدث الفاصل "ص٤٤". ٤ أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني "ص٧٨" طبع ليدن.
[ ٢٢١ ]
٣- حفظ كتبهم وصحائفهم في أماكن أمينة:
مع معاودة النظر فيها ومراجعتها من حين لآخر: فحفظ الحسن بن علي صحيفة أبيه في صومعة لا يخرجها منها إلا عند الحاجة إليها١.
وكان خالد بن معدان يتخذ لكتابه عرًى وأزرارًا حفظًا له٢. وكان قد لقي سبعين صحابيًّا.
وكان قتادة يحفظ صحيفة جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا٣، وقال الحسن البصري: إن لنا كتبًا نتعاهدها٤.
٤- ومن الضوابط:
أنهم كانوا لا يجيزون القراءة في كتاب يجدونه إلا إذا راجعوا هذا الكتاب بالسماع أو القراءة على الشيخ تجنبًا للتحريف، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا حتى يسمعه من ثقة٥.
فعرف عنهم الاهتمام بما يُسمى بالسماع أو العرض. وأما طريق الوجادة فلم يكونوا يعتمدون عليها كثيرًا.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال "١/ ١٠٤". ٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٩٣". ٣ الطبقات الكبرى "٧/ ٢/ ٢". ٤ تقييد العلم "ص١٠٠"، كتابة العلم "ص١٢٥". ٥ الكفاية "ص٥٣".
[ ٢٢٢ ]
الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين
خطا التأليف والتصنيف خطوة أخرى على يد أئمة عاشوا في القرن الثاني وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء أن يجمعوا الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضوع واحد، فألفوا المسانيد، كما ألفوا في الرواة، وفي علل الحديث.
أولًا: التأليف في المسانيد: ممن ألف في ذلك
أبو داود الطيالسي "١٣٣ - ٢٠٤هـ" وأسد بن موسى "ت٢١٢هـ"، وعبيد الله بن موسى "ت٢١٣هـ"، ومسدد البصري "ت٢٢٨هـ"، ونعيم بن حماد "ت١٢٨هـ"، وأحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١هـ"، وإسحاق بن راهويه "١٦١- ٢٣٨هـ"، وعثمان بن أبي شيبة "١٥٦ - ٢٣٩هـ".
واقتصرت هذه المسانيد على حديث رسول الله -ﷺ- دون أقوال الصحابة والتابعين، وجمعت الحديث الصحيح والضعيف، ويصعب على القارئ التمييز بين هذه الأحاديث إلا إذا كان مؤهلًا لذلك خبرة ودراية١.
وقد كان ذلك مع الاستمرار في المصنفات المرتبة على الموضوعات والتي جمعت الحديث المرفوع وآثار الصحابة والتابعين مثل: مصنف عبد الرزاق الصنعاني "١٢٦- ٢١١هـ"، ومصنف عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي "ت٢٣٥هـ".
ثانيًا: التأليف في الرواة
تبع التدوين الشامل للأحاديث أو تعاصر معه التأليف في رواة الأحاديث وبيان شيوخهم الذين رووا عنهم وتلاميذهم الذين أخذوا منهم، وبيان أسمائهم
_________________
(١) ١ راجع: السُّنَّة قبل التدوين "ص٣٣٩"، المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٥٩".
[ ٢٢٣ ]
وكناهم وألقابهم وأنسابهم وموطنهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم، وبيان ما فيهم من جرح وتعديل.
وممن ألف في ذلك في هذه الفترة: يحيى بن معين "١٥٨- ٢٣٧هـ" ألف "تاريخ الرواة" رتبه على حروف المعجم، وخليفة بن خياط الشيباني "ت٢٤٠هـ" ألف "التاريخ" في عشرة أجزاء، و"طبقات الرواة" ومحمد بن سعد كاتب الواقدي "١٦٨- ٢٣٠هـ" ألف كتابه "الطبقات"، وترجم فيه للصحابة على طبقاتهم فالتابعين، فمن بعده إلى وقته، والإمام أحمد بن حنبل "١٦٨- ٢٤١هـ" ألف "التاريخ" و"لكنى" و"الجرح والتعديل"، وعلي بن المديني "١٦١ - ٢٣٤هـ" ألف "الأسامي والكنى"، و"معرفة من نزل من الصحابة على سائر البلدان"١.
ثالثًا: التأليف في علل الحديث
ألفت في تلك الفترة مؤلفات تكشف الخلل الخفي في الإسناد أو المتن، وتميز الحديث الصحيح من غيره، وممن ألف في العلل:
الإمام يحيى بن سعيد القطان "ت١٩٨هـ" ألف كتاب "العلل"، والإمام يحيى بن معين "١٥٨- ٢٣٧هـ" ألف "التاريخ والعلل" ذكر فيه بعض الرواة وبعض رواياتهم وبيَّن عللها، وعلي بن المديني "١٦١- ٢٣٤هـ" ألف "العلل"، والإمام أحمد بن حنبل "١٦٨- ٢٤١هـ" ألف "علل الحديث ومعرفة الرجال".
وقد جاءت هذه المؤلفات بغير ترتيب لا على المسانيد ولا على الأبواب٢.
رابعًا: التأليف في الموطآت
ممن ألف في الموطآت:
أ- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي،
_________________
(١) ١ راجع: السُّنة قبل التدوين "ص٢٦١ - ٢٧٦"، المدخل إلى توثيق السُّنة "ص٦٠". ٢ راجع: نشأة علوم الحديث ومصطلحه "ص٢٢٣، ٢٢٤"، المدخل إلى توثيق السُّنة "ص٦١".
[ ٢٢٤ ]
أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، ورأس المتقين، وكبير المحدثين "٩٣ - ١٧٩هـ".
وقد مكث الإمام مالك في تأليف كتابه "الموطأ" أربعين سنة كاملة ينقحه ويهذبه، ورتبه على الأبواب الفقهية، ومن عادته أنه يذكر عقب عنوان الباب الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وخاصة من أهل المدينة؛ لأنه لم يرحل عنها، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل، أو المجمع عليه في المدينة، وقد يتبع الحديث أحيانًا بتفسير كلمة لغويًّا أو بعض الجمل.
فالموطأ خلاصة لجهود هذا الإمام المحدِّث الكبير خلال أربعين عامًا، فكان متقنًا في بابه، وكان -رحمه الله تعالى- يتحرى في المتون وينتقي في الأسانيد، وقد بيَّن العلماء -سلفًا وخلفًا- أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت متصلة جميعًا، فلا يوجد في الموطأ حديث مرسل ولا منقطع إلا وقد اتصل سنده من طرق أخرى، كما قرر العلماء، ومنهم أبو عمر بن عبد البر في كتابه "التقصي في مسند حديث الموطأ ومرسله".
وقديمًا قال الإمام الشافعي: "ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ"، وفي رواية: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك".
ب- عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد، المصري، الفقيه، الحافظ، العابد "١٢٥- ١٩٧هـ"، وكتابه "الموطأ" أشار إليه غير واحد من الأئمة والحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني في "التلخيص الحبير"، والزيلعي في "نصب الراية".
[ ٢٢٥ ]
ولم يطبع "موطأ" عبد الله بن وهب كاملًا إلى الآن١.
ولم يلتزم ابن وهب في هذا المصنف برواية الأحاديث الصحيحة والمرفوعة؛ وإنما جمع فيه الصحيح والحسن، والضعيف، والمرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع.
_________________
(١) ١ وقد شرفت بتحقيق جزء منه بالاشتراك مع فضيلة الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، طبع ونشر دار الوفاء بالقاهرة، وموطأ ابن وهب مرتب على الأبواب الفقهية، مثل موطأ الإمام مالك، وقد بلغ عدد الروايات في هذه القطعة من موطأ ابن وهب "٥٢٦" خمسمائة وستًّا وعشرين رواية. كما طبع جزء آخر منه بتحقيق الدكتور مصطفى حسن حسين محمد أبو الخير بجامعة الأزهر "رسالة الدكتوراه له". وجاء في مجلدين واشتمل على "٧١٧" حديثًا، منه الصحيح، ومنه الحسن، ومنه الضعيف "دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية" الطبعة الأولى "١٤١٦هـ-١٩٩٦م".
[ ٢٢٦ ]
الفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في الحديث وعلومه
مدخل
الفصل السابع: الأئمة الأربعة وأثرهم في الحديث وعلومه
لقد امتن الله تعالى على هذه الأئمة بأئمة قيضهم لحفظ دينه، ومكنهم من معرفة كتابه وسنة رسوله -ﷺ- وجندهم لخدمة الإسلام والمسلمين، فألهمهم حفظ القرآن الكريم ومعرفة علومه، وأعانهم على حفظ الحديث الشريف ومعرفة طرقه وعلومه، فبلغوا في ذلك درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب، فكانوا مصابيح الهدى لغيرهم في الاجتهاد والفتوى والتبصير بأمور الدين والدنيا معًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقد شهد لهم المتخصصون من معاصريهم ولاحقيهم بالإمامة في الفقه والحديث، وأقروا لهم بالفضل والتقوى والورع، وهي شهادات تدل بوضوح على دور هؤلاء الأئمة في خدمة الحديث الشريف وعلومه، فلا يغرنك إرجاف المرجفين وزعم الزاعمين.
النعمان بن ثابت التتيمي أبو حنيفة الكوفي "٨٠- ١٥٠هـ"١ إمام الأئمة، سراج الأمة، ذو مناقب جمة، اعترف بجلالته أجلة العلماء الأعلام، أثنوا عليه بسَعَة العلم ودقة الفهم. قال التهانوي: "وإمامنا الأعظم قد ثبتت رؤيته لبعض الصحابة، واختلف في روايته عنهم. قال الإمام علي القاري: والمعتمد ثبوتها، وقد صرح برؤيته لأنس وكونه تابعيًّا على المختار جمع عظيم من المحدثين وأهل
_________________
(١) ١ رجع ترجمته في تهذيب الكمال "٢٩/ ٤١٧- ٤٤٥"، طبقات ابن سعد "٦/ ٣٦٨"، "٧/ ٣٢٢"، تاريخ الدوري "٢/ ٦٠٧"، طبقات خليفة "ص١٦٧- ٣٢٧"، التاريخ الصغير "٢/ ١٠٠، ٤٣، ٢٣٠"، المحلى لابن حزم "٢/ ١٤١"، "٨/ ٢٧٢"، سير أعلام النبلاء "٦/ ٣٩٠- ٤٠٣"، تاريخ الإسلام "٦/ ١٣٥"، الكاشف "٣/ رقم ٥٩٤٣"، تذكرة الحفاظ "١/ ١٦٨"، تهذيب التهذيب "١٠/ ٤٤٩ - ٤٥٢"، التقريب "٢/ ٣٠٣"، شذرات الذهب "١/ ٢٢٧ - ٢٢٩"، الجواهر المضيئة "١/ ١٦٨"، النجوم الزاهرة "٢/ ١٢"، مرآة الجنان "١/ ٣٠٩"، البداية والنهاية "١٠/ ١٠٧"، وفيات الأعيان "٥/ ٤١٥- ٤٢٣"، الكامل في التاريخ "٥/ ٤٥٩، ٥٨٥"، تاريخ بغداد "١٣/ ٣٢٣، ٣٢٤" الجرح والتعديل "٨/ ٤٤٩ - ٤٥٠" رقم "٢٠٦٢"، التاريخ الكبير "٨/ ٨١" رقم "٢٢٥٣".
[ ٢٢٧ ]
العلم بالأخبار"، وذكر منهم: ابن سعد، والذهبي، وابن حجر، والعراقي، والسيوطي، والمزي، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي، وابن عبد البر، والسمعاني، والنووي، وعبد الغني المقدسي، والجزري، والقسطلاني، والعيني، وغيرهم من الأئمة والحفاظ١، فهو تابعي مندرج في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة: ١٠٠] .
وقال عبد الرزاق بن همام: ما رأيت أحدًا قط أحلم من أبي حنيفة، لقد رأيته في المسجد الحرام والناس يتحلقون حوله إذ سأله رجل عن مسألة، فأفتاه بها، فقال له رجل: قال فيها الحسن كذا وكذا، وقال فيها عبد الله بن مسعود كذا، فقال أبو حنيفة: أخطأ أبو الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود، فصاحوا به. قال عبد الرزاق فنظرت في المسألة، فإذا قول ابن مسعود فيها كما قال أبو حنيفة، وتابعه أصحاب عبد الله بن مسعود٢.
وسأل رجل سفيان الثوري عن مسألة في الحج فقال له الرجل: إن أبا حنيفة قال فيها كذا، فقال سفيان: هو كما قال أبو حنيفة، ومَن يقول غير هذا!
ولم يكن سفيان الثوري ممن يداهن أو يجامل على حساب الفقه والدين٣.
وقد قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدًا أتقى لله من سفيان الثوري، ولا رأيت أحدًا أعقل من أبي حنيفة٤.
وكان ابن المبارك يذكر عن أبي حنيفة كل خير ويزكيه ويقرظه ويثني عليه٥.
_________________
(١) ١ قواعد في علوم الحديث "ص٣٠٦". ٢ الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة، لابن عبد البر "ص١٣٥" طبع مطبعة المعاهد بمصر - الناشر مكتبة القدسي. ٣ المصدر السابق "ص١٢٧، ١٢٨". ٤ المصدر السابق "ص١٣١". ٥ المصدر السابق "ص١٣١".
[ ٢٢٨ ]
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: مَن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة١.
وروى ابن عبد البر بسنده عن الحسن بن صالح بن حي قال: كان النعمان بن ثابت فهمًا عالمًا متثبتًا في علمه إذا صح عنده الخبر عن رسول الله -ﷺ- لم يعده إلى غيره٢.
وقد بلغ في الفقه والعلم والحفظ درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب حتى قال ابن شبرمة: عجزت النساء أن تلد مثل النعمان٣. وقد كان مع هذا الفقه الكثير والعلم الغزير يحيي الليل ويقومه٤.
وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة٥.
وقد نال من الثناء والتقدير ما لم ينله كثيرون من الأئمة أهل الفقه والعلم، ولما كان له الفضل في كثير من العلم والفقه نال منه حاسدوه والحاقدون عليه.
وقال حاتم بن آدم: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئًا فحسدوه٦.
وقال عيسى بن يونس: لا تتكلمن في أبي حنيفة بسوء، ولا تصدقن أحدًا يسيء فيه القول، فإني والله ما رأيت أفضل منه، ولا أورع منه، ولا أفقه منه٧.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص١٣٦". ٢ المصدر السابق "ص١٢٨". ٣ المصدر السابق "ص١٣١". ٤ المصدر السابق "ص١٢٥". ٥ المصدر السابق "ص١٣٦". ٦ المصدر السابق "ص١٣٦". ٧ المصدر السابق "ص١٣٧".
[ ٢٢٩ ]
وقال الحكم بن هشام: كان أبو حنيفة لا يرد حديثًا ثبت عنده عن رسول الله، وكان من أعظم الناس أمانة، وأراده السلطان على أن يوليه مفاتيح خزانته فأبَى واختار ضربهم وحبسهم على عذاب الله. فقال له رجل: والله ما رأيت أحدًا وصفه بما وصفته، فقال: هو والله ما قلت لك١.
وقال إبراهيم بن عبد الله الخلال: "سمعت عبد الله بن المبارك يقول -وذُكر عنده أبو حنيفة فقال: أتذكرون رجلًا عُرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها!! ٢
وقد أراده أبو جعفر ليوليه القضاء، فأبَى، فأمر به إلى السجن، فمات في السجن، ودفن في مقابر الخيزران رحمة الله عليه٣.
وقال روح بن عبادة: كنت عند ابن جريج سنة خمس ومائة، فقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: ﵀ قد ذهب معه علم كثير٤.
وكان شعبة بن الحجاج حسن الرأي في أبي حنيفة، ولما قيل له: مات أبو حنيفة، قال شعبة: لقد ذهب معه فقه الكوفة تفضل الله علينا وعليه برحمته٥.
شروط أبي حنيفة في قبول خبر الواحد:
١- ألا يخالف السُّنة المشهورة سواء كانت فعلية أم قولية.
٢- ألا يخالف المتوارث بين الصحابة والتابعين في أي بلد.
٣- ألا يخالف عموم الكتاب أو ظاهره؛ لأن الكتاب قطعي فيقدم على الظني.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص١٦٩، ١٧٠". ٢ المصدر السابق "ص١٦٨". ٣ المصدر السابق "ص١٧١" بتصرف. ٤ المصدر السابق "ص١٣٥". ٥ المصدر السابق "ص١٢٦، ١٢٧".
[ ٢٣٠ ]
٤- أن يكون راوي الخبر فقيهًا إذا خالف الحديث قياسًا جليًّا؛ لأن غير الفقيه تحتمل روايته على المعنى، فيكون قد أخطأ فيها.
٥- ألا يكون فيما تعم به البلوى، ومنه الحدود والكفارات التي تُدرأ بالشبهات؛ لأن العادة قاضية بأن يسمعه الكثير غير الواحد، فلا بد بذلك أن يشتهر وتتلقاه الأمة بالقبول.
٦- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه، وألا يترك أحد المختلفين من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه.
٧- ألا يعمل الراوي بخلاف خبره؛ كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، فإنه مخالف لفتوى أبي هريرة؛ لذلك ترك أبو حنيفة العمل به.
٨- ألا يكون الراوي منفردًا بزيادة المتن أو السند، إلا إذا كان هذا الراوي ثقة؛ لأن العمل برواية الثقات أحوط في دين الله تعالى.
[ ٢٣١ ]
الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي ١:
هو: أبو عبد الله، المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومائة "١٧٩هـ"، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة.
وهبه الله تعالى علمًا وفقهًا، وامتن عليه كثرة الحفظ وسيلان الذهن، وأسبغ عليه جزيل نعمه، حتى بلغ إمام الأئمة وشيخ الإسلام وحجة الأمة، وإمام دار الهجرة، ضرب له العلماء أكباد الإبل من كل حَدَب وصوب؛ لينهلوا من فقهه وعلمه، ونال تقدير الأئمة والعلماء المعاصرين له واللاحقين به، وأثنوا عليه ثناء لم يحظَ به غيره.
روى الحميدي عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة".
قال ابن عبد البر معلقًا على هذا الحديث: "وهذا الحديث لا يرويه أحد
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٨/ ٤٨ - ١٣٥"، تهذيب الكمال "٢٧/ ٩١- ١٢٠"، تاريخ خليفة بن خياط "١/ ٤٣٢"، "٢/ ٧١٩"، طبقات خليفة "ص٢٧٥"، الحلية "٦/ ٣١٦"، أنساب العرب لابن حزم "١/ ٤٣٥، ٤٣٦"، الانتقاء لابن عبد البر "ص٩ - ٣٦"، ترتيب المدارك "١/ ١٠٢- ٢٥٤"، تذكرة الحفاظ لابن عبد الهادي "٤٩/ ٢"، صفة الصفوة "٢/ ١٧٧- ١٨٠"، تهذيب الأسماء واللغات "٢/ ٧٥- ٧٩"، وفيات الأعيان "٤/ ١٣٥ - ١٣٩"، تذكرة الحفاظ "١/ ٢٠٧- ٢١٣"، العبر للذهبي "١/ ٢٧٢"، مرآة الجنان لليافعي "١/ ٣٧٣- ٣٧٧"، البداية والنهاية "١٠/ ١٧٤- ١٧٥"، الديباج المذهب "١/ ٥٥- ١٣٩"، تهذيب التهذيب "١٠/ ٥"، النجوم الزاهرة "٢/ ٩٦- ٩٧"، التاريخ الكبير "٧/ ٣١٠"، التاريخ الصغير "٢/ ٢٢٠"، الطبقات الكبرى للشعراني "ص٤٥"، شذرات الذهب "٢/ ١٢- ١٥"، الكاشف "٣/ ١١٢"، تاريخ ابن معين "٢/ ٥٤٣- ٥٤٦"، الأنساب "١/ ٢٨٧"، اللباب "١/ ٦٩"، مروج الذهب "٣/ ٣٥٠"، طبقات الحفاظ "ص٨٩"، طبقات القراء "٢/ ٣٥"، الكامل لابن الأثير "٥/ ٥٣٢"، "٦/ ٥٠، ١٤٧، ٢٢٦، ٢٣٤، ٤٣٦"، "٩/ ٢٥٧"، "١١/ ٢٩٢"، ثقات ابن حبان "٧/ ٤٥٩"، رجال البخاري للباجي "٢/ ٦٩٦"، الجمع بين رجال الصحيحين "٢/ ٤٨٠".
[ ٢٣٢ ]
بهذا الإسناد وهم أئمة كلهم: سفيان بن عيينة إمام، وابن جريج مثله وأجل منه، وأبو الزبير حافظ متقن، وإن كان بعض الناس تكلم فيه، وأبو صالح السمان أحد ثقات التابعين"١.
وروى ابن عبد البر بسنده عن سفيان بن عيينة أنه قال: نرى هذا الحديث الذي يروى عن رسول الله -ﷺ- أنه مالك بن أنس. وفي رواية قال: أراه مالكًا، وأقام سفيان على ذلك زمانًا ثم رجع عنه بعد ذلك فقال: أراه عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد، قال ابن عبد البر: ليس العمري هذا ممن يلحق في العلم والفقه بمالك بن أنس، وإن كان عابدًا شريفًا٢.
وقال علي بن المديني: قال سفيان بن عيينة: رحم الله مالكًا ما كان أشد انتقاءه للرجال٣.
وروى ابن عبد البر بسنده عن يحيى بن معين يقول: قال سفيان بن عيينة: وما نحن عند مالك بن أنس؟ إنما كنا نتتبع آثار مالك وننظر الشيخ إذا كان كتب عن مالك كتبنا عنه٤.
وروى ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة أنه ذكر مالك بن أنس -﵁- فقال: كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحًا ولا يحدث إلا عن ثقات الناس وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس٥.
وروى ابن عبد البر بسنده عن الشافعي قوله: إذا جاء الحديث عن مالك فشُدَّ به يديك.
_________________
(١) ١ الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر "ص١٩" طبع مطبعة المعاهد بمصر - الناشر مكتبة القدسي. ٢ المصدر السابق "ص١٩، ٢١". ٣ المصدر السابق "ص٢١". ٤ المصدر السابق "ص٢١، ٢٢". ٥ المصدر السابق "ص٢١، ٢٢".
[ ٢٣٣ ]
وقوله: إذا جاءك الخبر فمالك النجم.
وقوله: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن عليَّ من مالك بن أنس.
وقوله: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم.
وقوله: كان مالك بن أنس إذا شك في الحديث طرحه كله١.
وروى ابن عبد البر بسنده عن علي بن المديني، عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: أخبرني وهيب بن خالد، وكان من أبصر الناس بالحديث والرجال، أنه قدم المدينة قال: فلم أرَ أحدًا إلا يعرف وينكر إلا مالكًا ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال عبد الرحمن بن مهدي: لا أقدم على مالك في صحة الحديث أحدًا٢.
وروى ابن عبد البر بسنده عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثًا من مالك -يعني بالقوم: الثوري والأوزاعي وابن عيينة- قال: ومالك أحب إلَيَّ من معمر٣.
وقال يحيى بن سعيد: سفيان وشعبة ليس لهما ثالث إلا مالك٣.
وبنفس الإسناد عن يحيى بن سعيد القطان قال: "كان مالك بن أنس إمامًا في الحديث"٣.
وروى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن وهب قال: لولا أني أدركت مالكًا والليث بن سعد لضللتُ، وفي رواية قال أبو جعفر الأيلي: سمعت ابن وهب ما لا أحصي يقول: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت.
وفي رواية قال هارون بن سعيد الأيلي: سمعتُ ابن وهب -وذكر اختلاف الأحاديث والروايات- فقال: لولا أن لقيتُ مالكًا لضللت٤.
_________________
(١) ١ راجع هذه الروايات بأسانيدها في الانتقاء "ص٢٣". ٢ المصدر السابق "ص٢٥". ٣ المصدر السابق "ص٢٦". ٤ المصدر السابق "ص٢٧، ٢٨".
[ ٢٣٤ ]
وقال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة١.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أحدًا أعقل من مالك بن أنس ﵁ وأرضاه٢.
وسأل أبو زرعة الدمشقي الإمام أحمد بن حنبل عن سفيان ومالك إذا اختلفا في الرواية، فقال: مالك أكبر في قلبي، فقال له: فمالك والأوزاعي إذا اختلفا، فقال: مالك أحب إلَيَّ وإن كان الأوزاعي من الأئمة٣.
وأول ما حفظ أبو زرعة الرازي حفظ حديث مالك، ووعاه كله وكذا رأي٤.
وقال ابن أبي مريم: قلت ليحيى بن معين: الليث أرفع عندك أو مالك؟ قال: مالك. قلت: أليس مالك أعلى أصحاب الزهري؟ قال: نعم، قلت: فعبيد الله أثبت في نافع أو مالك؟ قال: مالك أثبت الناس.
وقال يحيى بن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه٥.
وروى ابن عبد البر بسنده عن البخاري قوله: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، كنيته أبو عبد الله، كان إمامًا، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري٦.
وروى ابن عبد البر بسنده عن أحمد بن شعيب النسائي قوله: أمناء الله -﷿- على علم رسوله ﵇: شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، ويحيى بن
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٢٨". ٢ المصدر السابق "ص٢٩". ٣ المصدر السابق "ص٣٠". ٤ المصدر السابق "ص٣٢". ٥ المصدر السابق "ص٣١". ٦ المصدر السابق "ص٣١".
[ ٢٣٥ ]
سعيد القطان، قال: والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء، قال: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أحد آمن على الحديث منه، ثم شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، ليس بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم١.
وقال أبو زرعة الرازي: أول شيء أخذ نفسي بحفظه من الحديث حديث مالك، فلما حفظته ووعيته طلبت حديث الثوري وشعبة وغيرهما، فلما تناهيت في حفظ الحديث نظرت في رأي مالك والثوري والأوزاعي وكتبت كتب الشافعي٢.
وقال أبو داود السجستاني: رحم الله مالكًا كان إمامًا، رحم الله الشافعي كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٣١". ٢ الانتقاء لابن عبد البر "ص٣٢". ٣ المصدر السابق "ص٣٢".
[ ٢٣٦ ]
الإمام الشافعي "١٥٠-٢٠٤هـ" ١:
هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب إلخ، فيجتمع مع النبي -ﷺ- في عبد مناف.
لم يظهر في علماء الإسلام مثله في فقه الكتاب والسنة، ودقة الاستنباط، وإقامة الحجة، وقوة البرهان والدليل، فكان مرجع أهل العلم في زمانه؛ حيث رحلوا إليه من كل حَدَب وصوب، ووفدوا إليه من كل فج عميق؛ لينهلوا من علمه، ويغترفوا من فقهه.
وتواترت أخباره بين علماء عصره، وبلغ في الفقه والاستنباط وقوة الحجة درجة تدعو إلى الدهشة والإكبار حتى نال -بكل جدارة- لقب "ناصر السُّنَّة"، وحتى قال الإمام أحمد بن حنبل: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث.
رحل إلى مالك بن أنس في المدينة ولازمه وأخذ عنه الفقه والعلم، كما رحل إلى العراق ثلاث مرات٢ -حيث أبي حنيفة- فأخذ الفقه والعلم، فاجتمع له
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "٢٤/ ٣٥٥- ٣٨١"، سير أعلام النبلاء "١٠/ ٥- ٩٩"، التاريخ الكبير "١/ ٤٢"، التاريخ الصغير "٢/ ٣٠٢"، الجرح والتعديل "٧/ ٢٠١"، حلية الأولياء "٩/ ٦٣- ١٦١"، الانتقاء "ص٦٥- ١٢١"، تاريخ بغداد "٢/ ٥٦- ٧٣"، طبقات الفقهاء للشيرازي "ص٤٨ - ٥٠"، طبقات الحنابلة "١/ ٢٨٠"، ترتيب المدارك "٢/ ٣٨٢"، الأنساب "٧/ ٢٥١- ٢٥٤"، تاريخ ابن عساكر "١٤/ ٣٩٥ - ٤١٨"، "١٥/ ١- ٢٥"، صفة الصفوة "٢/ ٩٥"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٤٤- ٦٧"، وفيات الأعيان "٤/ ١٦٣-١٦٩"، تذكرة الحفاظ "١/ ٣٦١-٣٦٣"، الكاشف "٣/ ١٧"، الوافي بالوفيات "٢/ ١٧١-١٨١"، مرآة الجنان "٢/ ١٣ - ٢٨"، البداية والنهاية "١٠/ ٢٥١- ٢٥٤"، الديباج المذهب "٢/ ١٥٦- ١٦١"، تهذيب التهذيب "٩/ ٢٥"، النجوم الزاهرة "٢/ ١٧٦، ١٧٧"، طبقات الحفاظ "ص١٥٢"، حسن المحاضرة "١/ ٣٠٣، ٣٠٤"، طبقات المفسرين "٢/ ٩٨"، مفتاح السعادة ٢/ ٨٨ - ٩٤"، طبقات الشافعية لابن هداية الله "١١- ١٤"، شذرات الذهب "٢/ ٩- ١١"، مناقب الشافعي للشيرازي. ٢ دخل الشافعي بغداد ثلاث مرات: الأولى في شبابه سنة "١٨٤هـ"، وقيل: قبلها في خلافة هارون الرشيد، والثانية سنة "١٩٥هـ" ومكث سنتين، والثالثة سنة "١٩٨هـ" فأقام بها شهرًا ثم خرج إلى مصر؛ حيث دخلها سنة "١٩٩هـ" وأقام بها حتى مات رحمة الله عليه.
[ ٢٣٧ ]
علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، وتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره.
كان -رحمه الله تعالى- ذا فصاحة وبلاغة وبيان وحسن أدب. قال الإمام داود بن علي الظاهري: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أُوتي فيه فهمًا، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه.
وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو للشافعي في الصلاة وغيرها منذ أربع سنين لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي٢.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس -﵀- فقد كان صاحب سُنة وأثر وفضل وخير مع لسان فصيح طويل وعقل صحيح رصين٣.
وقال أيضًا: قال لي أبي: الزم هذا الشيخ -يعني محمد بن إدريس الشافعي- فما رأيت أبصر بأصول العلم، أو قال: أصول الفقه منه٤.
وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال لي: تعالَ حتى أريك رجلًا لم ترَ عيناك مثله، فأراني الشافعي٥.
_________________
(١) ١ الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء "ص٧٢". ٢ المصدر السابق "ص٧٦". ٣ المصدر السابق "ص٧٣" ٤ المصدر السابق "ص٧٣". ٥ المصدر السابق "ص٧٤".
[ ٢٣٨ ]
وقال إسحاق أيضًا: محمد بن إدريس الشافعي عندنا إمام١.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبة! أي رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر الدعاء الدعاء له، فقال: يا بني! كان الشافعي -﵀- كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض أو خلف؟ ٢
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه مِنَّة٣.
وقال هارون بن سعيد الأيلي الثقة الفاضل: ما رأيت مثل الشافعي قط، ولقد قدم علينا مصر فقالوا: قدم رجل من قريش فقيه، فجئناه وهو يصلي، فما رأينا أحسن وجهًا منه ولا أحسن صلاة فافتتنَّا به، فلما قضى صلاته تكلم فما رأينا أحسن منطقًا منه٤.
وقال هارون أيضًا: لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الذي من الحجارة من خشب لأثبت ذلك؛ لقدرته على المناظرة٥.
وكان إذا جاء سفيان بن عيينة شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا، ولما بلغه خبر موت الشافعي قال -أي ابن عيينة: إن مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه٦.
وقد ولد -رحمه الله تعالى- بغزة سنة "١٠٥هـ" ومات ليلة الجمعة، ودفن بعد عصر ذاك اليوم الموافق آخر يوم من شهر رجب "٢٠٤هـ" ﵁.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٧٧". ٢ المصدر السابق "ص٧٤، ٧٥". ٣ المصدر السابق "ص٧٦". ٤ المصدر السابق "ص٨٧، ٨٨". ٥ المصدر السابق "ص٨٨". ٦ المصدر السابق "ص٧٠".
[ ٢٣٩ ]
الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي "١٦٤-٢٤١هـ" ١:
خُرج به من مرو حملًا، وولد بغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.
ومناقبه -رحمه الله تعالى- أكثر من أن تُحصى أو تستقصى، ويمكننا الوقوف على بعض هذه المناقب من خلال تأمل بعض ما جاء على ألسنة الأئمة وأهل الفضل والعلم، وما نقله الحافظ الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الإمام أحمد.
قال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.
وقال قتيبة بن سعد: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب -يعني أحمد بن حنبل- وإذا رأيت رجلًا يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سُنة، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتيبة: يُضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وعدَّه الشافعي من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا وكلما قال شيئًا صدقه الكبار٢.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "١/ ٤٣٧- ٤٧٠"، سير أعلام النبلاء "١١/ ١٧٧- ٣٥٨"، طبقات ابن سعد "٧/ ٣٥٤، ٣٥٥"، التاريخ الكبير "٢/ ٥"، التاريخ الصغير "٢/ ٣٧٥"، الجرح والتعديل "١/ ٢٩٢- ٣١٣"، "٢/ ٦٨- ٧٠"، حلية الأولياء "٩/ ١٦١ - ٢٣٣"، تاريخ بغداد "٤/ ٤١٢- ٤٢٣"، طبقات الحنابلة "١/ ٤- ٢٠"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١١٠ - ١١٢"، وفيات الأعيان "١/ ٦٣- ٦٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٤٣١"، العبر "١/ ٤٣٥"، تذهيب التهذيب "١/ ٢٢"، الوافي بالوفيات "٦/ ٣٦٣- ٣٦٩"، مرآة الجنان "٢/ ١٣٢"، طبقات الشافعية للسبكي "٢/ ٢٧ - ٣٧"، البداية والنهاية "١٠/ ٣٢٥- ٣٤٣"، النجوم الزاهرة "٢/ ٣٠٤ - ٣٠٦"، طبقات الحفاظ "ص١٨٦"، شذرات الذهب "٢/ ٩٦ - ٩٨"، طبقات المفسرين "١/ ٧٠"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "١/ ٦٩ - ٧١". ٢ راجع: التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "١/ ٦٩" لأبي المحاسن محمد بن علي الحسيني "٧١٥-٧٦٥هـ" الناشر مكتبة الخانجي - بتحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.
[ ٢٤٠ ]
وقال علي بن خَشْرم: سمعت بشر بن الحارث يقول: أنا أُسأل عن أحمد بن حنبل؟ إن أحمد أُدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديث، لا أبالي من خالفني.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله.
وساق الحافظ ابن كثير أيضَا في "تاريخه"١ جملة من ثناء أهل العلم عليه، فقال:
قال يحيى بن سعيد القطان شيخ أحمد: ما قدم عليَّ من بغداد أحد أحب إلَيَّ من أحمد بن حنبل.
وقال علي بن المديني: إن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة٢.
وقال أيضًا: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان.
وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله ﷿.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا.
وقال أيضًا: أراد الناس أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مُقدَّم على كل مَن يحمل بيده قلمًا ومحبرة.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية "١٠/ ٣٥٠". ٢ التذكرة "١/ ٦٩".
[ ٢٤١ ]
وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أفقه منه.
ولأحمد بن حمدان الحراني في كتابه "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي"١ كلام حسن أعقبه بنقل بعض أقوال الأئمة والعلماء في الإمام أحمد ثم مؤلفات الإمام أحمد.
قال أحمد بن حمدان: ولما كان من اللازم الالتزام بأهل الدين وعلماء الشريعة المبرزين، وأكابر الأئمة المتبعين المتبوعين، والمشهورين من المحققين المحقين المتدينين الورعين، والموفقين المسددين المرشدين، وكان الإمام العالم السالك الناسك الكامل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -﵁- قد تأخر عن أئمة المذاهب المشهورة، ونظر في مذاهبهم ومذاهب من قبلهم، وأقاويلهم وسبَرَها وخبرها، وانتقدها واختار أرجحها وأصحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل والتفصيل، فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل والإشارة بين الصحيح، مع كمال آلته وبراعته في العلوم الشرعية، وترحجه على مَن سبقه لما يأتي، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى من غيره بالاتباع والتقليد، وهذا طريق الإنصاف والسلامة من القدح في بعض الأئمة، وقد ادعى الشافعية ذلك في مذهب الشافعي أيضًا، وأنه أولى من غيره.
ونحن نقول: كان الإمام أحمد أكثرهم علمًا بالأخبار، وعملًا بالآثار، واقتفاء للسلف، واكتفاء بهم دون الخلف، وهو من أجلهم قدرًا وذكرًا، وأرفعهم منزلة وشكرًا، وأسدهم طريقة وأقومهم سطرًا، وأشهرهم ديانة وصيانة وأمانة وأمرًا، وأعلمهم برًّا وبحرًا، قد اجتمع له من العلم والعمل والدين والورع والاتباع والجمع والاطلاع والرحلة والحفظ والمعرفة والشهرة بذلك كله ونحوه ما لم يجتمع مثله لإنسان، وأثنى عليه أئمة الأمصار، وأهل الأعصار وإلى الآن، واتفقوا على إمامته وفضيلته واتباعه لمن مضى بإحسان، وأنه إمام في سائر علوم الدين، مع الإكثار والإتقان، وكان أولى
_________________
(١) ١ انظر: كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي "ص٧٤-٨٠" لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي "٦٠٣-٦٩٥هـ" طبع المكتب الإسلامي - بيروت.
[ ٢٤٢ ]
بالاتباع، وأحرى بالبعد عن الابتداع، وقد صنف الناس في فضائله ومناقبه كتبًا كثيرة، تدل على أمانته ورجحانه على غيره؛ فلذلك ونحوه تعين الوقوف على بابه، والانتماء إليه، والاقتداء به، والاهتداء بنور صوابه، والاهتداء بهديه في وروده وإيابه، والاقتفاء لمطالبه وأسبابه، والاكتفاء بصحبة أصحابه، ولأن مذهبه من أصح المذاهب وأكمل، وأوضح المناهج وأجمل؛ لكثرة أخذه له من الكتاب والسنة، مع معرفته بهما وبأقوال الأئمة، وأحوال سلف الأمة، وتطلعه على علوم الإسلام، وتطلعه من الأدلة الشرعية والأحكام، ودينه التام وعلمه العام، والثناء عليه من أكابر العلماء وشهادتهم له بالإمامة والتقدم على أكثر القدماء، وإطنابهم في مدحه وشكره، وإسهابهم في نشر فضله وذكره، ولم يشكوا في صحة اعتقاده وانتقاده، وأن الصحة تحصل بإخباره، والنفرة بإنكاره، والعبرة باعتباره، والخبرة باختباره؛ بل يرجعون في دينهم إليه، ويعولون عليه، ويرضون بما ينسب إليه، ولو كذب عليه. فلله الحمد إذ وفقنا لاتباع مذهبه، والابتداء بتحصيله وطلبه، وللانتهاء إلى الرضاء به لصحة مطلبه.
وهذا وأمثاله قليل من كثير، ونقطة من بحر غزير، والغرض الحث على اتباعه ومعرفة أتباعه في العلوم واتساع باعه ﵁، وجعلنا من أتباعه، وحشرنا في زمرة أتباعه، وقد ذكرنا جملة من مناقبه وكلام العلماء في مدحه وإمامته في كتب أخرى، ولو لم يقل فيه الناس سوى ما نذكره الآن لكان فيه أبلغ غاية وأنهى نهاية، وفي بعضه كفاية:
قال الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السُّنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر.
وقال: خرجت من بغداد وما خلفت بها أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
وقال لأحمد: أنتم أعلم منا بالحديث، فإذا كان الحديث كوفيًّا أو شاميًّا فأعلموني حتى أذهب إليه.
وقال: كل مافي كتبي: حدثني الثقة فهو أحمد بن حنبل.
[ ٢٤٣ ]
وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا غرب مثله.
وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويدع ما شاء، وعد الأئمة وقال: كان أحمد أفقه القوم.
وقال أبو القاسم الختلي: كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه.
وقال الخلال: كان أحمد بن حنبل إذا تكلم في الفقه تكلم بكلام رجل قد انتقد العلم فتكلم على معرفة.
وقال أحمد بن سعيد: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله -ﷺ- ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد.
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع، وما رأيت مثله، وما قدم علينا مثله، قال أبو يعقوب: وما رحل إلى أحد بعد رسول الله -ﷺ- ما رحل إلى عبد الرزاق.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وكان أحمد أفقههم فيه.
وقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث ونظر إليهم لكان هو المقدَّم، وقيل: تقيس أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وقال: أحمد وإسحاق إماما الدنيا.
وقال أبو بكر بن داود: لم يكن في زمن أحمد مثله، وقال عبد الوهاب الوراق: كان أحمد أعلم أهل زمانه، وهو من الراسخين في العلم، وما رأيت مثله، قال: وقد أجاب عن ستين ألف مسألة بأخبرنا وحدثنا، وقال أبو ثور:
[ ٢٤٤ ]
أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خيل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه.
وقال إسحاق بن راهويه: أنا أقيس أحمد إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يدرك فضله.
وقال ابن مهدي: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إمامًا في بطن أمه.
وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب، وقال: حزرنا استشهادات أحمد في العلوم فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث فيما يتعلق بالأحكام، وقال: ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه وزهد وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم والفقه والزهد والمعرفة وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه.
وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يذاكرني بألفي ألف حديث.
وقال مهنا: ما رأيت أجمع لكل خير من أحمد، وما رأيت مثله في علمه وفقهه وزهده وورعه.
وقال الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتَى سيكون حجة على أهل زمانه.
وقال أحمد: رحلت في طلب العلم والسُّنة إلى الثغور والشامات والسواحل والمغرب والجزائر ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين جميعًا وفارس وخراسان والجبال والأطراف، ثم عدت إلى بغداد، وقال: استفاد منا الشافعي أكثر مما استفدنا منه.
وقال أبو الوفاء علي بن عقيل: قد خرج عن أحمد اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد
[ ٢٤٥ ]
منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ وشاد لهم، وربما زاد على كبارهم، وله التصانيف الكثيرة؛ منها: "المسند" وهو بزيادة ابنه عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، ومنها التفسير، وهو مائة ألف وعشرن ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، ومنها الزهد، وهو نحو مائة جزء، ومنها الناسخ والمنسوخ، ومنها المقدم والمؤخر في القرآن، وجوابات أسئلة، ومنها المنسك الكبير والمنسك الصغير، والصيام والفرائض، وحديث شعبة، وفضائل الصحابة، وفضائل أبي بكر، وفضائل الحسن والحسين، والتاريخ، والأسماء والكنى، والرسالة في الصلاة، ورسائل في السُّنة والأشربة، وطاعة الرسول ﷺ، والرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن، وغير ذلك كثير١.
ومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير، قال الشريف أبو جعفر الهاشمي: لا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، ولعلهم مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر مشايخه؛ كعبد الرزاق، وابن عُليَّة، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، ومعروف الكرخي، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر، نصًّا أو إيماء، وهو من ولد شيبان بن ذهل لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله -ﷺ- في نزار. اهـ.
_________________
(١) ١ وقد ذكر له ابن النديم في "فهرسته" "ص٢٨٥" "العلل والرجال"، وذكره العقيلي أيضًا في كتابه: "الضعفاء الكبير" "٣/ ٢٣٩".
[ ٢٤٦ ]