إن الإمام البخاري من المحدثين النقاد الذين تركوا لنا رصيدًا علميًا كبيرًا ومتنوعًا فينبغي أن يهتم بهذا الإنتاج، ويدرس دراسة علمية متخصصة، ولا يكفي لبحث واحد - مهما بذل فيه صاحب من جهد - أن يبرد جميع الجوانب النقدية عند هذا الإمام.
والنتيجة التي انتهيت إليها أن كل جزئية من هذا الموضوع تحتاج إلى بحث خاص، حتى تكون النتائج أدق وأعمق، ومع ذلك فقد حررت كثيرًا من المسائل، وحللت كثيرًا من الأمثلة والنماذج، وناقشت بعض المسلمات والآراء، مما يكون له أثر طيب - إن شاء الله - في تحريك همم الباحثين في مواصلة الطريق والتعمق أكثر.
وهذه أهم النتائج التي توصلت إليها:
١- عبقرية الإمام البخاري، ودقة الصناعة الحديثية عنده، خلاف ماهو شائع أن صحيح البخاري لا يشتمل على الدقائق الإسنادية، وأن مسلمًا هو المتفرد بذلك، نعم هي موجودة وبكثرة، لكنها متفرقة وغامضة.
٢- إن الجامع الصحيح سلسلة من حلقة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف، والنقد والتمحيص.
٣- تنوع مجالات الثقافة عند الإمام البخاري، وغزارة عمله، ودقة فقه، ومتانة دينه، وسلامة عقيدته، ومما يؤهله لأن يكون أحد أئمة المسلمين.
[ ٣٦٣ ]
٤- التأثير العلمي لصحيح البخاري في عصره وفيما بعده، وظهر هذا التأثير في إحداث حركة علمية نشيطة في النسج على منواله، أو انتقاده والاستدراك عليه، أو في شرحه والتعليق عليه.
٥- لم ألاحظ خلال بحثي هذا تباينًا في منهج النقد عند الأئمة، وهذا من خلال المقارنة بين موقف الإمام البخاري، ومواقف غيره من الأئمة في الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتعليلًا، مما يدل دلالة واضحة على وحدة المنهج، أما الاختلافات فهي جزئية تتباين فيها أنظار النقاد في التطبيق والتفريع.
٦- وجود خلافات كبيرة وجوهرية بين النقاد من المحدثين وغيرهم من المتكلمين والأصوليين والفقهاء، حيث يغلب على هؤلاء البعد عن طريقة المحدثين، واطلاعهم على الواقع الحديثي، والاكتفاء بالأحكام العامة والنظريات المجردة.
٧- اعتبار شرط العدالة في صحة حديث الراوي، عند الإمام البخاري وسائر الأئمة، وتأثر شروطها عند كثير من المتأخرين بشروط الشهادة.
٨- هناك بعض الأمور لا تقدح في العدالة عند الإمام البخاري منها، إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، أو إذا كان الراوي يغشى السلطان، أو كان يأخذ الأجرة على التحديث، كل ذلك لا يقدح في عدالته إذا تبين صدقه وحفظه.
٩- إن الإمام البخاري لا يرى البدعة غير المكفرة جرحًا في الراوي، لذلك روى لكثير من المبتدعة في المتابعات وأحيانًا في الأصول، والعبرة عنده صدقة اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد بشيء ليس عنده غيره.
١٠- إن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط؛ لأن الجهالة لا يتحقق معها وصف العدالة، التي هي شرط أساسي في صحة الحديث.
[ ٣٦٤ ]
أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد على أحاديثهم، وإنما روى لهم أحاديث يسيرة لها طرق وشواهد كثيرة.
١١- ليس في صحيح البخاري حديث اصل من رواية من ليس له إلا راو واحد.
١٢- يروي الإمام البخاري عن الضعفاء في صحيحه لكنه ينتقي من أحاديثهم ما صح.
١٣- كثيرًا من أحاديث الصحيح لا يمكن الحكم عليها بالصحة لخصوص أسانيدها ولكن يحكم عليها بالصحة بمجموع طرقها. فالتصحيح قائم على أساس تتبع الطرق والروايات.
١٤- تخريج الإمام البخاري الأحاديث الصيحة من طرق ضعيفة لأغراض إسنادية مثل العلو والشهرة وغيرها.
١٥- إن الطرق المعتبرة عند الإمام البخاري في التحمل والأداء هي: السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والمناولة والمكاتبة، أما باقي أنواع التحمل فهي من توسع من جاء بعد عصر الرواية إبقاء على سلسلة الإسناد في الأمة.
١٦- لقد شاع عند الكثير أن الإمام البخاري يشترط ثبوت اللقاء مع المعاصرة وأن الإمام مسلم يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، لكن ليس هناك ما يدل دلالة قاطعة على هذا الأمر.
١٧- عدم فهم منهج الإمام مسلم في السند المعنعن عند الكثير من الدارسين وتحميله ما لا يحتمل، ونصب خلاف موهوم بينه وبين الإمام البخاري وابن المديني وغيرهما من أئمة النقد.
١٨- اعتبار الإمام البخاري لشرط الاتصال في صحة الأحاديث. أما الأحاديث التي انتقدت من طرف بعض الأئمة وادعوا أنها منقطعة فالتحقيق أنها متصلة.
١٩- إن التدليس ليس بجرح عند الإمام البخاري، ويعرف صحة حديث المدلس بطرق كثيرة، وليس بمجرد تصريحه بالسماع فقط.
[ ٣٦٥ ]
٢٠- وجود بعض الأحاديث المعلولة في صحيح البخاري، وهي قليلة لا تقلل من وفاء الإمام البخاري بشرطه. والكثير من تلك الأحاديث قد أشار البخاري نفسه إلى علتها بذكر الخلاف فيها.
٢١- إن أحاديث الجامع الصحيح جلها أحاديث مشهورة. وفيها نسبة قليلة من الغرائب التي كانت محل نقد واستنكار من قبل بعض النقاد، وللبخاري أدلة على صحتها وعذر في روايتها مما يدل على أن التفرد ليس دائمًا سببًا في تعليل الأحاديث.
٢٢- اعتماد البخاري على التفرد والاستدلال به على العلة مع انضمام قرائن أخرى.
٢٣- إن الاختلاف بين الرواة من أهم دلائل العلة، لكن الحكم بين الرواة يحتاج إلى فحص كل القرائن، ولا يتخذ شكلًا ثابتًا.
٢٤- إن للاختصار، وللرواية بالمعنى، وللإدراج أثرًا كبيرًا في تغيير متن الحديث. مما يكون سببًا في تعليله في بعض الأحيان وهذا إذا خالف المتن الأصلي الحديث.
٢٥- أن الإمام البخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ولا يردها مطلقًا بل الأمر عنده دائر مع القرائن والمرجحات.
٢٦- أكثر الزيادات الفقهية التي وردت أصولها في الصحيحين شاذة أو منكرة. ومن هنا ينبغي اعتبار الصحيحين هما المعيار في التعرف على صحة الأحاديث وعللها.
هذا ما توصلت إليها فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان.
والله أسأل أن ينفعني به، وسائر المسلمين، وأن يهدينا إلى التمسك بسنة نبيه ﷺ، وخدمتها والدفاع عنها، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
[ ٣٦٦ ]