المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح.
المبحث الثاني: علوم الحديث إلى عصر البخاري.
المبحث الثالث: ترجمة موجزة للإمام البخاري.
المبحث الرابع: التعريف بالإنتاج العلمي للإمام البخاري.
[ ١٩ ]
المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح
إن الجامع الصحيح للإمام البخاري لم يأت من فراغ وإنما هو حلقة من سلسلة ممتدة من لدن العهد الأول لتدوين الحديث إلى عصر هذا الإمام، هذه الحلقة جاءت مكمّلة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية. فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمن مقاصدها في كتابه حسب الشرط الذي وضعه له.
ولقد بين الإمام الدهلوي طريقة التصنيف في الحديث قبل الإمام البخاري فقال (١):
" أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدونًا في أربعة فنون:
في السنة أعني الذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك، وجامع سفيان، وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج، وفن السير مثل كتاب محمد بن إسحاق، وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري - ﵀ - أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب ويجرده لما حكم له العلماء
_________________
(١) شرح تراجم البخاري ص٧، نقلًا عن كتب السنة دراسة توثيقية للدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ط أولى سنة ١٩٧٩م - مكتبة الخانجي، ص ٧٨.
[ ٢١ ]
بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند وما فيه من الآثار وغيرها، إنما جاء تبعًا لا أصالة ولهذا سمي كتابه الجامع الصحيح المسند ".
فحركة التأليف والتصنيف في السنة في القرنين الثاني والثالث كانت جد نشيطة، وقد أثمرت هذه الحركة العشرات بل المئات من كتب السنة، وهذه الكتب على كثرتها يمكن حصرها في المجموعات التالية:
كتب السنن، والمصنفات، والجوامع، والمسانيد، وكتب التفسير، وكتب المغازي والسير، والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، وفيما يلي تعريف موجز بأهم هذه المصنفات ومناهجها ومادتها لنقف على مدى استفادة الإمام البخاري من هذه الكتب في صحيحه.
أ - كتب السنن:
وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثًا (١)، وهذا تعريف بأهم وأشهر كتب السنن إلى عصر البخاري:
١) سنن أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي (ت ١٥١) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة، ولا تفيدنا المصادر عنها شيء.
_________________
(١) محمد بن جعفر الكتاني: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، مكتبة الكليات الأزهرية، ص ٢٥. قلت: هذا الذي ذكره العلامة الكتاني يخالف الواقع. وكتب السنن تشمل كثيرًا من الموقوفات والمقطوعات تذكر على سبيل التبع، لا أصالة ولا رواية، وعددها قليل مقارنة بالمصنفات والموطآت.
(٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد المكي، أحد الأئمة الأعلام، له كتاب السنن ذكره ابن النديم في الفهرست: ص ٣٣٠، الكتاني في الرسالة المستطرفة ص ٢٦. ترجمته في تاريخ بغداد: ج١٠٦ ص ٤٠، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٦٩، تهذيب التهذيب ج٦ ص ٤٠٢، والتقريب: ص ٣٦٢ تحقيق محمد عوامة.
[ ٢٢ ]
٢) سنن سعيد بن منصور (ت ٢٢٧هـ) (١) .
طبعت بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ولكن النسخة غير كاملة، والمقدار الموجود منها يشتمل على (٢٩٧٨) حديثًا تبدأ بكتاب الفرائض ثم النكاح وما يتعلق به، ثم الطلاق ثم الجهاد، طبعت في مجلدين.
٣) سنن محمد بن الصباح (ت ٢٢٧هـ) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة (٣) ولا تفيدنا المصادر عنها بشيء.
٤) سنن الدارمي (ت ٢٥٥هـ) (٤) أسانيده عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري. وهو من شيوخ البخاري، وقد روى عنه في غير الجامع، ومنهم من يطلق عليها المسند لكون أحاديثها مسندة مطبوع عدة طبعات في مجلدين، وكان الحافظ العلائي يقول: (ينبغي أن يكون كتاب الدارمي سادسًا للخمسة بدلًا من سنن ابن ماجة، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة الشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه) (٥) .
_________________
(١) هو سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخرساني. نزيل مكة، ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها وروى عنه الجماعة، التقريب ص ٢٤١. وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير ج٢ ص ٤٧٢، والصغير ص ٢٤٠ وطبقات ابن سعد ج٦ ص ٣٦٧، الجرح والتعديل: ج٢ ص ٦٨، تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥، والتهذيب: ج٤ ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) هو محمد بن الصباح البزار الدولابي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان مولده سنة خمسين ومائة. روى له الجماعة التقريب ص ٤٨٤.
(٣) الرسالة المستطرفة ص ٢٨.
(٤) هو الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل التيمي السمرقندي. الدارمي نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير بن تميم. توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين ومولده سنة ١٨١هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٠ ص ٢٩، تذكرة الحفاظ: ج٢ ص ٥٣٤.
(٥) انظر فتح المغيث للسخاوي: ج١ ص ١٠٠.
[ ٢٣ ]
وقال الحافظ: (لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة فهو أمثل منه بكثير) (١) .
ب - المصنفات والجوامع:
هي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها (٢) وهي كثيرة نعرّف بأهمها وأشهرها.
١) جامع أبي عروة معمر بن راشد الأزدي (٣) (١٥٣هـ أو ١٥٤ هـ) .
٢) جامع سفيان الثوري (٤) (١٦١ هـ) .
٣) مصنف حماد بن سلمة (٥) (ت ١٦٧ هـ) .
٤) كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩هـ) .
وهو عبارة عن أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة في مسائل الفقه، طبع في مجلدين بتعليق الأستاذ أبو الوفا الأفغاني، ويشتمل على (٢٦٨) أثرًا وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءًا لطيفًا في تراجم رواته
_________________
(١) نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص ٢٣١.
(٢) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، ص ٣٠ فما بعدها.
(٣) معمر بن راشد بن عمرو الأزدي البصري: أحد الأعلام وحفاظ الحديث، ولد في البصرة وانتقل إلى اليمن واستقر بها. له كتاب الجامع مخطوط نسخة منه في مكتبة فيض الله وأخرى في أنقره، حققه الأستاذ فؤاد سزكين ولم يطبع إلى الآن، له ترجمة في: طبقات ابن سعد: ج٥ ص ٣٩٧، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٩٠.
(٤) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، كان إمامًا مجتهدًا، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده، وثقته في الرواية، راوده المنصور ثم المهدي على أن يلي القضاء فأبى، وتوارى، وانتقل إلى البصرة ومات فيها سنة ١٦١هـ - ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري: ج٢ ق٢ ص ٩٢ - ٩٣، تاريخ بغداد: ج٩ ص ١٥١ - ١٧٤ وتهذيب التهذيب: ج٤ ص ١١١ - ١١٥.
(٥) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة حافظ عابد، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. مات سنة ١٦٧هـ ترجمته في: التاريخ الكبير: ق١ ص ٢٢، حلية الأولياء: ج٦ ص ٢٤٩، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٥٠٢، تهذيب التهذيب: ج٣ ص ١١.
[ ٢٤ ]
سماه الإيثار لمعرفة رواة الآثار، وهو مطبوع.
٥) مصنف وكيع بن الجراح (١٩٧ هـ) .
٦) جامع سفيان بن عيينة (١) (ت ١٩٨هـ) .
٧) مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) .
طبع في أحد عشر مجلدًا بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل على (٢١٠٣٣) أثرًا ويعتبر من أغنى المصادر بآثار السلف وفقه التابعين. وقد استمد منه البخاري كثيرًا في الآثار التي يوردها كما يعلم من خلال " فتح الباري " و" تغليق التعليق " في وصل تلك الآثار.
٨) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) وقد طُبع كتابه في خمسة عشر جزءًا تشتمل على (١٩٧٨٩) أثرًا، وقد استفاد منه البخاري كثيرًا في الآثار التي يوردها في صحيحه.
جـ - المسانيد:
وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدى صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا مرتبين على حروف المعجم وأسماء الصحابة كما فعله غير واحد، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك. وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد كمسند أبي بكر أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة، أو العشرة، أو طائفة مخصوصة منهم جميعًا وصف واحد كمسند المقلين ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك.
والمسانيد كثيرة جدًا (٢) فقلّ إمام إلا وله مسند وفيما يلي تعريف
_________________
(١) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي المكي، أحد أئمة الإسلام وحفاظ السنة. ترجمته في مقدمة الجرح والتعديل: ص ٣٢، الطبقات الكبرى: ج٥ ص ٣٦٤، تاريخ بغداد: ج٩ ص ١٧٤، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٢٦٢.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٤٦ إلى ص ٥٧.
[ ٢٥ ]
لأهمها وأشهرها إلى عصر الإمام البخاري:
١) مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) وهو أعلى المسانيد، وهو المراد عند الإطلاق وإن أريد غيره قيد، وقد طبع مرارًا وقد أفاض العلامة أحمد شاكر في التعريف به في مقدمة تحقيقه.
٢) المسند لأبي داود الطيالسي الحافظ (١) (ت ٢٠٣ أو ٢٠٤هـ) ومسنده مطبوع في مجلد واحد وليس هو الجامع له بل جمعه بعض حفاظ خراسان: جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة (٢) .
٣) مسند أبي محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي (٣) (ت ٢١٣هـ) .
٤) مسند أبي إسحاق بن نصر بن إبراهيم المطوعي (٤) (ت ٢١٣هـ) .
٥) مسند أسد بن موسى الأموي المعروف بأسد السنة (٥) (ت ٢١٢هـ) .
٦) مسند مسدد بن مسرهد الأسدي البصري (٦) (ت ٢٢١هـ) .
_________________
(١) هو أحد الأعلام الحفاظ روى عن ابن عون وهشام بن أبي عبد الله عباد بن منصور وحرب بن شداد وروى عنه جرير بن عبد الحميد شيخه وابن بشار وابن رافع وخلق، أثنى عليه ابن مهدي وأحمد ووكيع وروى أنه حدث بأربعين ألف حديث من حفظه - ترجمته في الخلاصة للخزرجي: ج١ ص ١٠١، التقريب ص ٢٥٠.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٤٦. وانظر الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين للقاسمي ص ٣٠٨ وأما راوي المسند فهو يونس بن حبيب أبو بشر العجلي. ثقة ذو صلاح وجلالة (ت ٢٦٧هـ) .
(٣) هو عبيد الله بن موسى ابن أبي المختار العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة، قال الحاكم: هو أول من صنف المسند على تراجم الرجال. مات سنة ٢١٣هـ. ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٣٥٣، طبقات القراء لابن الجزري: ج١ ص ٤٩٤، التقريب ص ٣٧٥.
(٤) المصدر السابق ص ٣٧.
(٥) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أسد السنة صدوق يغرب وفيه نصب. مات سنة ٢١٢هـ وله ثمانون سنة، روى له البخاري تعليقًا وأبو داود والنسائي، التقريب ص ١٠٤.
(٦) مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري، أبو الحسن، ثقة حافظ، يقال عنه أول من صنف المسند بالبصرة، مات سنة ٢٢١هـ ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقب، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، التقريب ٥٦١.
[ ٢٦ ]
٧) مسند إسحاق بن إبراهيم بن راهوية (١) (ت ٢٣٨هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري.
٨) - ٩) مسند أبي بكر (٢) ومسند عثمان (٣) ابني محمد بن أبي شيبة وهما من كبار شيوخ البخاري.
٩) مسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (٤) (ت ٢١٩هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري.
وحتى الإمام البخاري فإنه صنف مسندًا يسمى بالمسند الكبير، وكذلك الإمام مسلم بن الحجاج له أيضًا مسند كبير على الرجال.
_________________
(١) هو إسحاق بن راهوية بن مخلد أبو يعقوب المروزي، نزيل نيسابور أحد أئمة المسلمين وفقهاء الحديث، صاحب الإمام أحمد في بغداد، ومسنده ما يزال مخطوطًا المجلد الرابع منه في دار الكتب المصرية، وله مسائل فقهية هو والإمام أحمد رواها عنهما إسحاق الكوسج. مات سنة ٢٣٨هـ. ترجمة: في تذكرة الحفاظ ج٢ ص ٤٣٣، التقريب ص ٩٩.
(٢) هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، التقريب ص ٣٢٠.
(٣) هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين وله ثلاث وثمانون سنة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، التقريب ص ٣٨٦.
(٤) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى الأسدي الحميدي، ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة، مات بمكة سنة مائتين وتسعة عشر، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره، التقريب ص ٣٠٣. ومسند الحميدي قد طبع في مجلدين بتحقيق وتعليق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل على (١٣٠٠) حديثًا.
[ ٢٧ ]
ر - كتب المغازي والسير:
وهي الكتب التي تهتم بذكر سيرة النبي ﷺ من مولده إلى وفاته وذكر مبعثه وما قام به من غزوات ضد أعدائه وتفصيل ذلك، وسأذكر أهم الكتب في هذا المجال إلى عصر الإمام البخاري. ويمكن ترتيبها تاريخيًا على أربعة طبقات:
الطبقة الأولى: ومن أبرز من اهتم بالسير والمغازي في العهد الأول: عروة بن الزبير (ت ٩٤هـ) وأبان بن عثمان (١٠٥هـ) وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (١) ما يفيد أن أبان بن عثمان كان له تدوين في السير، ففي ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن قال: " إنه ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله ﷺ أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرًا ما تقرأ عليه ويأمر بتعلمها " ولم يصلنا منها شيء.
الطبقة الثانية: ومن أبرز رجالها عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري (٢) (ت ١٣٥هـ)، اهتم بأخبار الوفود التي قدمت إلى النبي ﷺ وأخبار ردة القبائل بعد وفاة النبي ﷺ. كما جمع غزوات النبي ﷺ، ورتبها تاريخيًا. ومن رجال هذه الطبقة أيضًا عاصم بن عمر بن قتادة (٣) (ت ١٢٠هـ) وهو شيخ ابن إسحاق، ولمعرفته الوثيقة بالمغازي اختاره الخليفة عمر بن عبد العزيز ليحدث الناس بمسجد دمشق عن المغازي ومناقب الصحابة. وممن اهتم بالمغازي والسير في هذه الطبقة أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (٤) (ت ١٢٤هـ) .
_________________
(١) الطبقات الكبرى: ج٥ ص ١٥٦.
(٢) هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني شيخ مالك والسفيانيين روى عن أنس وجماعة، وكان كثير العلم، روى عن الجماعة ترجمته في التقريب ص ٢٩٧، وشذرات الذهب: ج١ ص ١٩٢.
(٣) عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري المدني ثقة حافظ عالم المغازي، أخرج له الجماعة ترجمته في: طبقات ابن سعد: ج ٣ ص ٤٥٢، تهذيب التهذيب: ج٥ ص٥٣، والتقريب ص٢٨٦، وشذرات الذخب: ج١ ص١٥٧.
(٤) هو الإمام الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه: أحد أكابر الفقهاء، رأى عشرى من الصحابة، نزل الشام واستقر بها وصنف في الحديث والمغازي، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص١٠٨، التهذيب: ج٩ ص٤٤٥، التقريب ص٥٠٦.
[ ٢٨ ]
الطبقة الثالثة: ومن أبرز رجالها موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني (١) التابعي الصغير (ت ١٤١هـ) ومغازيه أصح المغازي كما قاله تلميذه مالك بن أنس، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتابه مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره.
وقال أحمد: (عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة) (٢) .
وقد نقل الإمام البخاري عن مغازي موسى بن عقبة في مواضع من كتاب المغازي من جامعه منها: باب غزوة الخندق (٣) وباب غزوة بني المصطلق (٤)، باب غزوة الطائف (٥) ومن رجال هذه الطبقة محمد بن إسحاق (٦) بن يسار المطلبي (ت ١٥١هـ)، تتلمذ على يد الزهري واستفاد منه، ويقال أنه صنف كتابه " السيرة النبوية " بناء على طلب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لابنه المهدي، وقد رواه عنه تلميذه زياد البكائي وعن البكائي أخذه ابن هشام، وقد ظل كتاب ابن إسحاق هذا موسومًا بالضياع إلى عهد قريب حيث عثر أحد الباحثين الأوربيين على عدة أوراق منه مكتوبة على أوراق البردي المصرية، ثم عُثر على جزء كبير منه بالمغرب
_________________
(١) ثقة فقيه إمام في المغازي، روى عن صحابية وعدة من التابعين. له ترجمة في التقريب ص٥٥٢، وشذرات الذهب: ج١ ص٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٨٢.
(٣) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق: ج٧ ص٤٥٣ (مع الفتح) ط - دار الريان سنة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.
(٤) المصدر نفسه ص ٤٩٤.
(٥) المصدر نفسه ص ٦٣٩.
(٦) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، بالولاء المدني، من حفاظ الحديث، ومن أقدم مؤرخي العرب إمام في المغازي، قال الشافعي: " من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه الذهبي: " كان أحد أوعية العلم، خبيرًا في معرفة المغازي والسير وليس بذاك المتقن " ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١ ص٢١٤، تذكرة الحفاظ: ج١ ص١٨٢، ميزان الاعتدال: ج٣ ص٤٦٨.
[ ٢٩ ]
ونشره معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بفاس سنة ١٩٨٩م وحققه الأستاذ محمد حميد الله.
وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه عن ابن إسحاق في مواضيع مختفة (١) . ومن أبرز رجال هذه الطبقة أيضًا ابن هشام (٢) فقد نشأ بمدينة البصرة بالعراق ورحل إلى مصر حيث التقى بعلمائها منهم الإمام الشافعي. وفي مصر كتب " السيرة النبوية " وقد أخذ كتاب ابن إسحاق فهذبه وحذف منه كثيرًا مما لا تعلق له بالسيرة أو شك في صحته ككثير من الأشعار والأنساب، أو أضاف إليه أشياء كثيرة.
ومخطوطات هذا الكتاب كثيرة، وأقدم نسخة منها يرجع تاريخها إلى القرن السادس الهجري (٥٥٦هـ) .
وكان المستشرق الألماني " وستنفلد " من أوائل المهتمين بطبع هذا الكتاب، فأخرجه سنة (١٨٦٠هـ) في مجلدين مضبوطًا بالشكل وألحق به مجلدًا يحتوي على تعاليق، وملاحظات وفهارس، ثم طبع هذا الكتاب اعتمادًا على نسخة الإمام السهيلي، وهي المخطوطة التي أخذها عن شيخه ابن العربي، وتوالت طبعاته، ومن أفضل طبعاته، وأكثرها دقة الطبعة التي حققها الأستاذ مصطفى السقا ومن معه.
الطبقة الرابعة: وهم المصنفون في السير والمغازي ممن عاصروا الإمام البخاري - ﵀ - ومن أبرزهم:
_________________
(١) انظر: كتاب المغازي من الجامع الصحيح، باب غزوة العشيرة: ج٧ ص ٣٢٦، وباب حديث بني النضير ص٣٨٢، وباب غزوة الرجيع ورعل وذكوان ص٤٣٧، وغزوة ذات الرقاع ٤٨١، وباب غزوة بني المصطلق ص٤٩٤، كلها في الجزء السابع من الفتح ط - دار الريان -.
(٢) هو عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، كان عالمًا بالأنساب واللغة وأشعار العرب (ت ٢١٨هـ) ترجمته في: وفيات الأعيان: ج٢ ص٣٤٩ - ٣٥٠، الشذرات: ج٢ ص٤٥، البداية والنهاية: ج١٠ ص٢٦٧.
[ ٣٠ ]
ابن سعد (١) (ت ٢٣٠هـ) ولم يفرد المسيرة بمصنف وإنما أفرد أول كتاب الطبقات لسيرة النبي ومغازيه في مجلدين تقريبًا، وبقية الطبقات لتراجم الصحابة والتابعين والعلماء إلى عصره، وهو مطبوع.
ومن رجال هذه الطبقة أيضًا ابن أبي خيثمة (٢) (ت ٢٧٩هـ) وكتابه مرتب على الطبقات ذكر فيه تراجم الرواة إلى عصره ومزجه بالتاريخ والسير مع النقد وعلل الحديث ومنهجه مثل منهج ابن سعد في طبقاته، وكتابه غير مطبوع.
ومن رجال هذه الطبقة أيضًا خليفة بن خياط العصفري (٣) (ت ٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ وهو مرتب على السنوات، وكتاب الطبقات، كلاهما مطبوع، وخليفة بن خياط من شيوخ الإمام البخاري وقد روى عنه في الجامع الصحيح.
هـ - كتب التفسير:
وهي الكتب التي اهتمت بتفسير القرآن بالأثر وقد كانت هناك كتب كثيرة في القرنين الثاني والثالث في تفسير القرآن (٤) ومن أهمها:
١) تفسير مجاهد (٥) (ت ١٠١هـ) .
_________________
(١) هو الإمام الحبر أبو عبد الله محمد بن سعد الحافظ: كاتب الواقدي، صاحب الطبقات والتاريخ، توفي ببغداد وله اثنان وستون سنة. روى عن سفيان بن عيينة وهشيم وخلق كثير، ترجمته في: شذرات الذهب: ج٢ ص٦٩.
(٢) هو الحافظ أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي ثم البغدادي، مصنف التاريخ الكبير. سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما. قال الدارقطني: ثقة مأمون، شذرات الذهب: ج٢ ص١٧٤.
(٣) هو أبو عمرو خليفة بن خياط العُصفري، لقبه شباب، صدوق ربما أخطأ، وكان إخباريًا علامة، ترجمته في التقريب ص١٩٠، وشذرات الذهب: ج٢ ص٩٤.
(٤) انظر الرسالة المستطرفة ص٥٧، والفهرست لابن النديم ص١٦٣ - ١٦٦، ت مصطفى الشويمي.
(٥) مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات وله ثلاث وثمانون سنة، روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٥٢٠، وشذرات الذهب: ج١ ص١٢٥.
[ ٣١ ]
٢) تفسير سفيان الثوري (ت ١٦١هـ): لم يفسر فيه الثوري جميع الآيات بل يفسر الآيات التي وصله شيء من تفسيرها عن السلف، وما عثر عليه من هذا التفسير يشتمل على ٤٩ سورة من القرآن الكريم آخرها سورة الطور، وقد حققه الأستاذ امتياز علي العرشي وطبعه في رامبور الهند، ثم طبعته دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٣هـ.
٣) تفسير عبد الرزاق الصنعاني (١) (ت ٢١١هـ) .
٤) تفسير إسحاق بن راهوية (ت ٢٢٨هـ) .
٥) تفسير عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٣٩هـ) .
٦) تفسير أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) .
٧) تفسير ابن ماجه القزويني (ت ٢٧٥هـ) .
والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة:
وهي كثيرة جدًا نذكر منها (٢):
١) الإيمان للإمام أحمد.
٢) الإيمان لأبي بكر بن أبي شيبة.
٣) الطهور لأبي عُبيد القاسم بن لام البغدادي اللغوي الحافظ (ت ٢٢٢هـ أو ٢٢٣هـ أو ٢٢٤هـ) .
٤) الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي التميمي (ت ١١٨هـ أو
_________________
(١) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني، حافظ محدث ثقة، روى عن الأوزاعي وابن جريج ومعمر، له مصنفات كثيرة، ترجمته في: تهذيب التهذيب: ج٦ ص٣١٠، شذرات الذهب: ج٢ ص٢٧.
(٢) انظر الرسالة المستطرفة ص ٣٩ - ٤٥.
[ ٣٢ ]
١١٩هـ) من شيوخ الإمام البخاري.
٥) قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي.
٦) الزكاة لأبي محمد يوسف بن يعقوب القاضي.
٧) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
٨) الإيمان والنذور، والنكاح، له أيضًا.
٩) الجهاد لعبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) وهو أول من صنف فيه.
١٠) الاستئذان والبر والصلة له أيضًا.
١١) الزهد للإمام أحمد، وهو من أحسن ما صنف في هذا الموضوع، لكنه مرتب على الأسماء.
١٢) الزهد لعبد الله بن المبارك، وهو مرتب على الأبواب، وفيه أحاديث واهية.
١٣) الزهد لهناد بن السري بن مصعب التميمي الحافظ (ت ٢٤٣هـ) .
١٤) الذكر والدعاء لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (ت ١٨٢هـ) .
١٥) الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
١٦) العلم لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي البغدادي الحافظ (ت ٢٣٤هـ) روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، وجزؤه هذا مطبوع بتحقيق الشيخ الألباني.
١٧) فضائل القرآن للشافعي.
١٨) ثواب القرآن لابن أبي شيبة.
وغير ذلك مما لا يحصى من الأجزاء في مختلف الموضوعات، وقد أفاد منها الإمام البخاري سواء في جامعه أم في غيره من مصنفاته التي سيأتي التعريف بها في آخر مبحث من هذا الفصل.
من خلال هذا العرض السريع لأهم المصنفات الحديثية إلى عصر الإمام البخاري تتجلى لنا الحقائق العلمية التالية:
[ ٣٣ ]
• إن الإمام البخاري لم ينطلق في تصنيف جامعه من فراغ، بل يعتبر صحيحه حلقة من سلسلة ممتدة إلى المصنفين الأوائل كمالك وابن جريح والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم.
إن الإضافة الجديدة التي أضافها الإمام البخاري تتمثل في:
• جعل كتابه جامعًا لأنواع علوم الإسلام من عقيدة وفقه وتفسير ومغازي وسير وزهد ورقاق وفضائل وآداب، بينما كان من سبقه يركز على علم من العلوم فالسنن والجوامع والموطآت كانت تهتم بما يتعلق بالأحكام الفقهية دون غيرها من العلوم. وكذلك كتب السير والمغازي. خاصة بهذا الفن ولا تتعرض لغيره. وكذلك كتب التفسير فهي موضوعة لهذا الجانب ولا تتعرض لغيره كالفقه والسير والمغازي. وأما الأجزاء الحديثية فكل جزء منها خاص بباب معين من أبواب العلم، بنما نجد الجامع الصحيح قد اشتمل على كل تلك العلوم وهذا السبب في تسميته بالجامع.
• كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأخبار ولا يلتزم الصحة. فيذكر الصحيح والحسن والضعيف وقد يكون فيها الموضوع أحيانًا، ولكن الإمام البخاري اقتصر في جامعه على الصحيح فقط لذا سماه الجامع الصحيح.
• كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، والمتصل والمنقطع على حد سواء، لكن البخاري خصّص كتابه لما ورد عن رسول الله ﷺ بالأسانيد المتصلة، وإن كان يذكر فيه الآثار والموقوفات على سبيل التبع للاستشهاد، وقد حوى جملة كثيرة من الموقوفات والآثار وعادة يرويها معلّقة، فهي ليست مقصودة أصالة وإنما بالتبع والاستطراد، لذا سمى البخاري كتابه الجامع الصحيح المسند.
• كان المصنفون يهتمون بمزج الحديث بالفقه كما فعل مالك في موطئه، ويذكرون آراء العلماء وفقهاء التابعين والأمصار، والإمام
[ ٣٤ ]
البخاري لم يهمل هذه الناحية، ولم يتوسع في ذكر فقه الحديث وإنما سلك طريقة مختصرة وهي أنه يضمن فقه الحديث في الترجمة حتى شاع على ألسنة العلماء أن فقه الإمام البخاري في تراجمه، ويعضد ما يذهب إليه بالآيات والآثار ثم يذكر أهم ما ورد في الباب من الأحاديث المرفوعة المسندة. لهذه السمات والخصائص كان صحيح البخاري أهم كتب الحديث. وهذه جملة من ثناء العلماء على صحيحه.
قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل " (١) .
وقال أبو جعفر العقيلي: " لما صنّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحي بن معين، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث ". قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري وهي صحيحه ".
وقال الحاكم أبو أحمد: " رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه الذي ألف الأصول وبين للناس وكل من عمل من بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم، فرق كتابه في كتابه وتجلد فيه حق الجلادة حيث لم ينسبه إليه " (٢) .
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: " لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء " وقال أيضًا: "إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل فيه مستخرجًا وزاد فيه أحاديث " (٣) .
وما قاله الحاكم أبو أحمد والحافظ والدارقطني فيه إجحاف للإمام مسلم
_________________
(١) هدي الساري ص٥١٤، ط دار الريان.
(٢) الحافظ ابن حجر: هدي الساري مقدمة فتح الباري - دار الريان للتراث القاهرة - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م، ص٥١٤.
(٣) المصدر نفسه ص٥١٤.
[ ٣٥ ]
- ﵀ - وإن كان قد استفاد من كتاب البخاري ومن علمه لكنه أضاف إليه مما ليس فيه وركز فيه على الأسانيد واختلاف الروايات ومتون الأحاديث وغيرها مما يتعلق بالصنعة الحديثية (١)، مما لم يركز عليه الإمام البخاري في صحيحه.
_________________
(١) انظر: عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح للدكتور حمزة عبد الله المليباري، وهو مطبوع.
[ ٣٦ ]
المبحث الثاني: النقد وعلوم الحديث إلى عصر الإمام البخاري
لقد مر بنا في المبحث السابق أن علماء الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجري قد بذلوا جهودًا عظيمة في تدوين السنة والحفاظ عليها بأنواع شتى من المصنفات، وطرق مناهج مختلفة في التأليف، والسؤال الذي يطرح هل كان إلى جانب هذا الجهد العظيم في الجمع والتصنيف، جهدًا موازيًا في النقد والتمحيص؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال، نحدد المراد بالنقد لغة واصطلاحًا ثم ما هي عوامل ظهوره ثم نعرض بشيء من الاختصار إلى جهود المحدثين ومصنفاتهم في النقد الحديثي إلى عصر الإمام البخاري.
تعريف النقد:
فالنقد لغة: هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، وكذا تميز غيرها ومثل هذا المصدر في مدلوله، التنقاد والتنقد من انتقد وتنقد الدراهم: أي ميز جيدها من رديئها (١) .
_________________
(١) مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس: ج٢ ص٥١٦.
[ ٣٧ ]
وناقده: ناقشة في الأمر (١) .
النقد اصطلاحًا: هو دراسة الرواة والمرويات لتمييز جيدها من رديئها، وعلوم الحديث كلها تعتبر نتاجًا لهذه المهمة التي اضطلع بها المحدثون والحفاظ، ومن أبرز هذه العلوم علمي الجرح والتعديل وعلل الحديث.
دوافع النقد وعوامل ظهوره:
اختلفت عوامل ظهور النقد باختلاف المراحل التي مر بها، ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين:
أ - المرحلة الأولى: وهي تتمثل في المرحلة التي سبقت ظهور الفتن والبدع ويقف وراء ظهور النقد في هذه الفترة عامل واحد وهو ما جبل عليه الإنسان من الوهم والخطأ والنسيان.
ب - المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي ظهرت فيها البدع والفتن، ويقف إلى جانب العامل الأول عامل آخر كان وراء تطور حركة النقد ونشاطها، وهو الكذب (٢)، ولقد هيأ الله لهذه المهمة رجالًا قاموا بها أحسن قيام فقد وجد في كل عصر، وفي كل مصر من الجهابذة والحفاظ من يقوم بهذه الوظيفة من عهد الصحابة والتابعين إلى أتباعهم، يأخذ كل واحد منهم ما عند شيخه، ويضيف إليه ما توصل إليه بخبرته فتجمعت مادة علمية غزيرة في الكلام على الرواة والأحاديث إلى أن وصل الأمر إلى الأئمة الذين دوّنوا المصنفات المستقلة مثل: يحي ابن معين، والبخاري، وابن أبي حاتم وغيرهم.
والذي أريد التركيز عليه هو حركة التدوين في النقد وعلوم الحديث
_________________
(١) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ت الدكتور مصطفى البغا - دار الهدي عين مليلة الجزائر - ط٤ - سنة ١٩٩٠م، ص٤٢٦.
(٢) أحمد محمد نور سيف: مقدمة تحقيق تاريخ ابن معين - طبع مركز البحث العلمي وإحياء التراث بمكة - سنة ١٩٧٩م - ١٣٩٩هـ، ص٦.
[ ٣٨ ]
ويمكن تقسيمها إلى المراحل التالية (١):
المرحلة التمهيدية: وهو الشكل المبدئي والأولي للتدوين، إذ كان عبارة عن ملاحظات واستدراكات وتصويبات تدوّن بهوامش المرويات يستفيدها التلاميذ من شيوخهم، وتعتبر هذه التدوينات النواة الأولى لما عرف فيما بعد بالمسانيد المعللة.
المرحلة الثانية: وتتمثل في المسانيد المعللة، وتعتبر هذه المسانيد أول علوم الحديث ظهورًا ونشأة، لأنها تضم خليطًا من المعارف الحديثة: توثيق الرواة، أو تضعيفهم، أو بيان وفاة، أو ضبط غريب، أو بيان شكل، أو توضيح كنية، أو نسبة، أو موطن، أو غير ذلك. ثم نمت بعض الشيء وبدأت تنفصل عن كتب الحديث لتأخذ تسميات خاصة كسؤالات فلان في الرجال، وكان طابع التدوين في هذه الفترة هو أن يقوم به التلاميذ عن الشيوخ ويحتفظون به، وهي في الحقيقة إنتاج الشيوخ ومؤلفاتهم، أو ما جمعوه عن شيوخهم في علوم الحديث.
وكما قام هؤلاء التلاميذ بجمع ما عند شيوخهم من علوم الحديث، قام هؤلاء الشيوخ أنفسهم بهذه المهمة، فدوّنوا عن شيوخهم كثيرًا من المعلومات وأضافوا إليها، وهكذا كل طبقة عن التي تليها.
المرحلة الثانية: وتمثلها كتب هؤلاء النقاد أو الروايات عنهم، وهي وإن اختلفت مسمياتها فكلها تدور في فلك واحد، وهو نقد الرجال وعلل الحديث وما يتصل بهما من علوم الحديث. ويلاحظ هنا طابع التلازم بين نقد الرجال وعلل الحديث وهو سمة بارزة في مؤلفات ابن المديني ويحي بن معين والإمام أحمد - رحمهم الله تعالى -.
فالروايات عن يحي أخذت مسميات عدة هي: (التاريخ، معرفة الرجال، السؤالات) وأما عن أحمد بن حنبل: (العلل، العلل ومعرفة الرجال، التاريخ) وأما عن ابن المديني: (العلل، المسند بعلله، التاريخ) .
_________________
(١) أحمد محمد نور سيف: مقدمة تحقيق تاريخ ابن معين - ص٧ وما بعدها.
[ ٣٩ ]
وعلى الرغم من ذلك فقد ظهرت كتب مخصصة في هذه الفترة تناولت عدة فنون منها: الأسماء والكنى، الضعفاء والمدلسون، وأجزاء مستقلة لعلل أحاديث شيوخ معينين، وفي الوهم، وتفسير الغريب، والإخوة والأخوات، ومن عرف باللقب أو الاسم وهذه الكتب ذكرتها المصادر في مؤلفات ابن المديني.
ومن أحسن ما ألف في هذه المرحلة من حيث التنظيم والترتيب (طبقات ابن سعد)، وتعتبر من المصادر الأولى في علم الجرح والتعديل وعلم الرجال، وقد طبع في تسع مجلدات، وتغلب عليها الصبغة التاريخية، فمدلول كلمة تاريخ كان يشمل علم الرجال والنقد، إضافة إلى السير والمغازي، ثم اقتصر مدلوله بعد ذلك على الأحداث التاريخية، فقد سمى كل من الدوري والدارمي روايتيهما عن يحي بن معين باسم التاريخ، وكذلك أبو بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ) (*) سمى كتابه في الرجال والجرح والتعديل باسم التاريخ، وكذلك الإمام الحافظ خليفة بن خياط العصفري (٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ والطبقات، وكذلك نجد الإمام البخاري سمى كتابه في علم الرجال والجرح والتعديل والعلل بالتاريخ الكبير وله التاريخ الأوسط والتاريخ الصغير (**) .
وقد اتخذ التدوين في العلل والرجاء في هذه المرحلة اتجاهين:
• ذكر الجرح والتعديل وأحوال الرواة مضمومًا إلى ذلك العلل في مناسبات تتصل بتراجمهم، والكتب السابقة تمثل هذا الاتجاه.
• والاتجاه الثاني: يتمثل في عرض الأحاديث التي تطرقت إليها العلل، ثم يتبع ذلك بيان حال الرواة، وجرحهم وتعديلهم والتوسع في ذلك، مع التطرق إلى ذكر أوطانهم أحيانًا، ويمثل هذا الاتجاه المسند المعلل
_________________
(١) (*) قال الدكتور عبد المعطي قلعجي: هناك نسخة من تاريخ ابن أبي شيبة في مكتبة برلين في ١١٣ ورقة (انظر مقدمة تحقيق كتاب الضعفاء للعقيلي ص٣٣) . (**) سيأتي التعريف بهذه التواريخ الثلاثة في المبحث الرابع من هذا الفصل.
[ ٤٠ ]
ليعقوب بن شيبة السدوسي (١) .
المرحلة الثالثة: وتمثل هذه المرحلة مؤلفات ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) وقد عمد إلى تلك المؤلفات التي وصلت إليه، فهذبها وأضاف إليها، وتعتبر كتبه نقلة نوعية في تدوين العلل والجرح والتعديل، فبعد أن كانت مادة العلل متداخلة في نقد الرجال، جرّدها وجعل كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
وتتمثل تلك النقلة في اختيار العنوان أيضًا حيث سمى كتابه " الجرح والتعديل " (٢) ومن هنا حددت أغراضه الأساسية، وهي ذكر ما وصل إليه الرواة من جرح أو تعديل، وقد اعتمد اعتمادًا كبيرًا على التاريخ الكبير للبخاري حيث ضمنه كتابه وأضاف إليه ومن ثم أصبح كتابه مصدرًا مهمًا في بابه. وقد جرده من مادة العلل وألف فيها كتابًا مستقلًا سماه " علل الحديث (٣) " واحتذى في هذا حذو الترمذي في تأليفه " العلل الصغير والكبير " والبزار في " مسنده العلل ".
* * *
_________________
(١) هو الحافظ أبو يوسف السدوسي البصري نزيل بغداد، صاحب المسند الكبير المعلل ما صنف مسند أحسن منه لكنه لم يتم، طبع جزء منه.
(٢) وهو مطبوع في ٩ مجلدات مع مقدمته بتحقيق العلامة عبد الرحمن المعلمي.
(٣) وهو مطبوع في مجلدين اشتمل على أكثر من ألفي حديث معلول.
[ ٤١ ]
المبحث الثالث: ترجمة الإمام البخاري
نسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي.
أسلم المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بخاري، وكان مجوسيًا. وقد طلب والد البخاري العلم.
قال البخاري:
" سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه " (١) .
وقد اختلف في ضبط اسم جده الأعلى (بردزبه) .
فقد ضبطه الأمير بن ماكولا (٢) بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة ثم هاء، وقال ابن
_________________
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء - تحقيق شعيب الأرناؤوط ومن معه: ج١٢ ص٣٩٢.
(٢) الحافظ الأمير بن هب الله أبي نصر بن ماكولا: الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان - ط أولى ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، ج٨ ص٢٥٩.
[ ٤٢ ]
حجر: (١) " هذا هو المشهور في ضبطه ".
وقال ابن خلكان (٢): " وقد اختلف في اسم جده فقيل: يزدبة بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة، وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة ".
وقال الذهبي في السير (٣): " محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، وقيل بذدزبة " وكذا ضبطه المزي في تهذيب الكمال (٤) . وبردزبة بالبخاري، ومعناه بالعربية الزرّاع (٥) .
وأما البخاري فهي نسبة إلى البلد المعروف بما وراء النهر يقال لها بخاري خرج منها جماعة من العلماء في كل فن يتجاوزون الحد، وصنف تاريخها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار الحافظ البخاري وأحسن في ذلك (٦) .
وأما الجعفي فلأن أبا جده أسلم على يد الميمان الجعفي، فنسب إليه لأنه مولاه من فوق (٧) .
ولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وقد ذهب بصره في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل فقال لها: " يا هذه قد رد الله على ابنك بصره
_________________
(١) الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: هدي الساري مقدمة الفتح الباري - راجعه قصي محب الدين الخطيب - طبع دار الريان - القاهرة - طبعة أولى ١٤١٧هـ - ١٩٨٦م ص٥٠١.
(٢) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج٤ ص١٩٠.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩١.
(٤) تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للمزي (ت ٧٤٤هـ)، تحقيق د. بشار عواد معروف ج٢٤ ص٤٣١.
(٥) هدي الساري ص٥٠١.
(٦) أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (ت ٥٦٢هـ): الأنساب - تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي - مؤسسة الكتب الثقافية، ج١ ص٢٩٢.
(٧) أحمد بن علي الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - مصورة دار الكتاب العربي في بيروت، ج٥ ص٦.
[ ٤٣ ]
لكثرة بكائك أو دعائك " (١) .
طلبه للعلم:
طلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب ولم تتجاوز سنه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة، فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلف هو في طلب الحديث (٢) .
شيوخه:
لقد أخذ البخاري عن شيوخ كثيرين قد ذكرهم من ترجم للبخاري. فمنهم من صنفهم على حروف المعجم كالمزي في تهذيب الكمال (٣) وحاول استقصاءهم، وذكرهم الذهبي في السير على البلدان (٤)، وذكرهم أيضًا على الطبقات (٥)، وقد تبعه الحافظ ابن حجر في ذكرهم على الطبقات (٦) .
وهذه أسماء بعض منهم على البلدان:
سمع ببخاري قبل أن يرتحل من عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي المسندي، ومحمد بن سلام البيكندي، وجماعة.
ثم سمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وهو من عوالي شيوخه.
وسمع بمرور من عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسين شقيق، وصدقة بن الفضل وغيرهم.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٣ ص٣٩٣، ومقدمة الفتح ص٥٠٢.
(٢) السير: ج١٢ ص٣٩٣، تاريخ بغداد: ج٢ ص٧، مقدمة الفتح ص٥٠٢.
(٣) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٤٣١.
(٤) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩٤.
(٥) المصدر نفسه: ج١٢ ص٣٩٥.
(٦) هدي الساري ص٥٠٣.
[ ٤٤ ]
وسمع بالري من إبراهيم بن موسى.
وسمع بنيسابور من يحي بن يحي وجماعة.
وببغداد من محمد بن عيسى الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان، ومحمد بن سابق.
وبالبصرة من أبي عاصم النبيل، والأنصاري، ومحمد بن عرعرة وغيرهم.
وبمكة من أبي عبد الرحمن المقريء، وخلاد بن يحي، والحميدي وغيرهم.
وبالمدينة من عبد العزيز الأوسي، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسماعيل بن أبي أويس.
وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأحمد بن إشكاب، وعبد العزيز بن يوسف، وأصبغ وغيرهم.
وبالشام: من أبي اليمان، ومحمد بن يوسف الفرياني، وأبي مسهر، وأمم سواهم.
وقال ﵀: " كتبت عن ألف وثمانين رجلًا ليس منهم إلا صاحب حديث. كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص " (١) .
تلاميذه:
روى عنه خلق كثير منهم: أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبد الله الخضري مطين، وإبراهيم بن معقل النسفي، وعبد الله بن ناجية، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وعمرو بن محمد بن بجير، وأبو كريب محمد بن
_________________
(١) ذكره الذهبي في المسير: ج١٢ ص٣٩٥، الحافظ في مقدمة الفتح ص٥٠٣.
[ ٤٥ ]
جمعة، ويحي بن محمد بن صاعد ومحمد بن يوسف الفربري " راوي الصحيح " وأبو بكر بن أبي داود، والحسين والقاسم ابنا المحاملي، وعبد الله بن محمد بن الأشقر، ومحمد بن سلمان بن فارس، ومحمد بن عنبر النسفي وأمم لا يحصون، وروى عنه الإمام مسلم في غير " صحيحه " (١) .
منزلته العلمية:
اشتهر البخاري في عصره بالحفظ والعلم والذكاء، وقد وقعت له حوادث كثيرة تدل على حفظه منها امتحانه يوم دخل بغداد وهي قصة مشهورة (٢) .
وكان - ﵀ - واسع العلم غزير الاطلاع، قال وراقة ابن أبي حاتم: قرأ علينا أبو عبد الله كتاب " الهبة " فقال ليس في " هبة وكيع " إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب ابن المبارك خمسة أو نحوه وفي كتابي هذا خمسمائة حديث أو أكثر (٣) .
وقال: " لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب أو السنة. فقيل له: يمكن معرفة ذلك كله قال نعم " (٤) .
وقال له بعضهم، قال فلان عنك لا تحسن أن تصلي، فقال: لو قيل شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة (٥) .
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩٧.
(٢) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٥١٠.
(٣) السير: ج١٢ ص٤١٠، ومقدمة الفتح ص٥١٢.
(٤) السير: ج١٢ ص٤١٢.
(٥) المصدر نفسه ج١٢ ص٤١٣.
[ ٤٦ ]
ثناء الأئمة عليه:
أثنى عليه أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث ثناءً عاطرًا واعترفوا بعلمه وفضله وخاصة في الرجال وعلل الحديث، وهذا شيء يسير من ثناء هؤلاء الأئمة عليه (١) .
قال الإمام البخاري ﵀: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه فسُروا بذلك، وصاروا إلى عمرو فأخبروه، فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وكان إسحاق بن راهوية يقول: اكتبوا عن هذا الشاب - يعني البخاري - فلو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خرسان مثل محمد بن إسماعيل.
وكان علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خرسان.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.
عبادته وورعه وصلاحه:
وكما جمع الإمام البخاري بين الفقه والحديث فقد جمع الله له بين العلم والعبادة. فقد كان كثير التلاوة والصلاة، وخاصة في رمضان فهو يختم القرآن في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة (٢) .
وكان أحيانًا يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمها، فقد أبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعًا وقد تورّم من ذلك جسده فقال له
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص ٤٢٠ - ٤٢٢.
(٢) المصدر نفسه: ج١٢ ص٤٤٩، وهدي الساري ص٥٠٥.
[ ٤٧ ]
بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ فقال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها (١) .
كما كان - ﵀ - ورعًا في منطقه وكلامه فقال ﵀: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا (٢) .
وكان مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته قال بعد أن فرغ من ورده: " اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك " فما تم شهر حتى مات (٣) .
وقال ﵀: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له، فقالت له امرأة أخيه: فهل تبينت ذلك من نفسك أو جربت؟ قال نعم، دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلم أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل (٤) .
أخلاقه:
كان - ﵀ - كريمًا سمحًا كثير الإنفاق على الفقراء والمساكين، وخاصة من تلاميذه وأصحابه، ولا بأس أن أورد هذه القصة الدالة على أخلاقه العالية.
قال عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت الدخول، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن الطريق كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال
_________________
(١) تاريخ بغداد: ج٢ ص١٢ - ١٣، السير: ج١٢ ص٤٢. مقدمة الفتح ص٥٠٥.
(٢) تاريخ بغداد: ج٢ ص١٣، السير: ج١٢ ص٤٣٩، مقدمة الفتح ص٥٠٥.
(٣) السير: ج١٢ ص٤٤٣.
(٤) السير: ج١٢ ص٤٠٢، مقدمة الفتح ص٥٠٤.
[ ٤٨ ]
لها: اذهبي فقد اعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله أغضبتك الجارية؟ قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت (١) .
محنته وصبره:
لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال محمد بن يحي الذهلي لأهلها: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه. فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه. حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحي، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه (٢) فدسّ بعض من يمتحنه في (مسألة اللفظ بالقرآن) فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فقال الرجل: يا أبا عبد الله فأعاد عليه القول، ثم قال في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فشغّب الرجل وشغّب الناس، وتفرقوا عنه، وقعد البخاري في منزله (٣) .
قال يحي بن سعيد القطان: قال (أي البخاري): أعمال العباد كلها مخلوقة فمرقوا عليه. وقالوا له بعد ذلك ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك قال: لا أفعل إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي. قال يحي: وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته (٤) .
قال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحي والبخاري، دخلت على البخاري فقلت يا أبا عبد الله: أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحي؟ كل من يختلف إليك يطرد.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٥٢، ومقدمة الفتح ص٥٠٤.
(٢) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠، السير: ج١٢ ص٤٥٣، ومقدمة الفتح ص٥١٥.
(٣) السير: ج١٢ ص٤٠٤، مقدمة الفتح ص٥١٥.
(٤) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠، السير: ج١٢ ص٤٠٤.
[ ٤٩ ]
فقال: كم يعتري محمد بن يحي الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء، فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك.. قال: يا بني هذه مسألة مشؤومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة!
وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.
قال الذهبي: " المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة واستدل لذلك ففهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه. وأخذه بلازم قوله هو وغيره " (١) .
وقد أظهر البخاري في هذه المحنة صبرًا لا مثيل له. فقد كان كثيرًا من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك فيقول: (إن كيد الشيطان كان ضعيفًا «٢)، ويتلو أيضًا: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله «٣) .وقال له بعضهم: كيف لا ندعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويتهمونك؟ ! فقال: قال النبي ﷺ: " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " (٤) . وقال: " من دعا على ظالمه فقد انتصر " (٥) .
وقال له بعضهم: يا أبا عبد الله إن فلانًا يكفرك فقال: قال النبي ﷺ: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما " (٦) . وكان في هذه المحنة هجيراه من الليل يردد قوله تعالى:
_________________
(١) السير: ج١٢ ص٤٥٧.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٥.
(٣) سورة فاطر: الآية: ٤٣.
(٤) أخرجه البخاري من حديث أسيد بن خضير، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ للأنصار: " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " رقم (٣٧٩٢)، ج٧ ص١٤٦، وفي كتاب الفتن، باب قول النبي: " سترون أمورًا بعدي تذكرونها " رقم (٧٠٥٧)، ج١٣ ص٧، مع الفتح.
(٥) أخرجه الترمذي من حديث عائشة في كتاب الدعوات حديث رقم (٣٥٥٢) وفي سنده أبو حمزة ميمون الأعور وهو ضعيف.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ، باب ما يكره من الكلام ج٢ ص٩٨٤، ومن طريقة الإمام أحمد ج٢ ص١١٣ والبخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال حديث رقم (٦١٠٣)، ج١٠ ص٥٣١ مع الفتح.
[ ٥٠ ]
(إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده «١) .
قال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخرسان وخصوصًا هذه المدينة وقد لجَّ في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه. فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد «٢) اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا، ولا طلبًا للرياسة، وإنما أبت عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني لله لا غير، ثم قال لي: إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره (٣) .
وقد اقترح عليه بعض أصحابه، وهو أحمد بن سيار: ألا يظهر هذا القول عند العامة فإنها لا تحتمل منه هذا وبين له أنه لا يخالفه في قوله وإنما يدعوه إلى ستره. فقال البخاري: إني أخشى النار، أسأل عن شيء أعلمه حقًا أن أقول غيره فانصرف عنه أحمد بن سيار (٤) .
ولقد كانت هذه المحنة سببًا للطعن في هذا الإمام العظيم، والقدح في عدالته عند بعض الأئمة المعاصرين له. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٥): " قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي، وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحي أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق " قال الذهبي (٦) - ﵀ -: " إن تركا حديثه، أو لم يتركا، البخاري ثقة مأمون يحتج به في العالم " ولم تكن محنة هذا الإمام لتنتهي
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.
(٢) سورة غافر، الآية: ٤٤.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٥٩، مقدمة الفتح ص٥١٦.
(٤) السير: ج٤٦٢.
(٥) لجرح والتعديل، مصورة دار الكتب العلمية في بيروت عن طبعة دار المعارف العثمانية في الهند ١٣٧١هـ، ج٧ ص١٩١.
(٦) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٦٣.
[ ٥١ ]
بخروجه من نيسابور، بل قد وقعت له في بخاري محنة أخرى هي امتداد للأولى. إذ لما قام البخاري " بخاري " استقبله أهلها استقبالًا عظيمًا، وبقي أيامًا على الحفاوة والتكريم. فكتب بعدها محمد بن يحي الذهلي، إلى خالد بن أحمد أمير بخاري " إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج (١) وقد ذكر المؤرخون سببًا آخر يمكن أن يكون هو السبب الحقيقي لنفرة هذا الأمير من البخاري. فقد طلب من البخاري لما قدم "بخارى" أن يحمل " الجامع " و" التاريخ " وغيرها من كتبه ليسمعها الأمير وأهل بيته، لكن البخاري اعتبر ذلك إذلالًا للعلم. وقال لرسوله: " أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلي شيء منه حاجة، فاحضر إلى مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ: " من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار (٢) " (٣) .
وفاته:
لما منع البخاري من العلم خرج إلى " خرتنك " وهي قرية على فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أيامًا قليلة، ثم توفي وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا (٤) وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________________
(١) السير: ج١٢ ص٤٦٣، ومقدمة الفتح ص٥١٨.
(٢) حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ج٢ ص٢٦٣ و٣٠٥ و٣٤٤ و٣٥٣ و٤٩٥، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٥١)، وابن ماجة (٢٦١) و(٢٦٦) وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان (٧٥) وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، صححه ابن حبان (٩٦) والحاكم ج١ ص١٠٢، ووافقه الذهبي.
(٣) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٣، السير ج١٢ ص٤٦٤.
(٤) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٤، وفيات الأعيان: ج٤ ص١٩١، السير: ج١٢ ص٤٦٦، مقدمة الفتح ص٥١٨.
[ ٥٢ ]
المبحث الرابع: الآثار العلمية للإمام البخاري
لقد ترك الإمام البخاري إنتاجًا علميًا غزيرًا يدل على علمه وتمكنه، وقد استفاد ممن قبله واستفاد منه من جاء بعده فاقتدوا به في مصنفاته، واحتذوا حذوه. وساروا على طريقته. ولقد حفظت لنا كتب التاريخ والتراجم أسماء كتبه ومصنفاته، لكن الكثير منها فقد منذ أمدٍ بعيد، وهذه أسماء كتبه التي ذكرها العلماء (١) وسأعرّف بالموجود منها.
١- الجامع الصحيح.
٢- الأدب المفرد.
٣- التاريخ الكبير.
٤- التاريخ الأوسط.
٥- التاريخ الصغير.
٦- خلق أفعال العباد.
٧- الرد على الجهمية.
٨- الجامع الكبير.
_________________
(١) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٥١٦ - ٥١٧.
[ ٥٣ ]
٩- المسند الكبير.
١٠- الأشربة.
١١- الهبة.
١٢- أسامي الصحابة الوحدان.
١٣- المبسوط.
١٤- المؤتلف والمختلف.
١٥- العلل.
١٦- الكني.
١٧- الفوائد.
١٨- قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.
١٩- رفع اليدين في الصلاة.
٢٠- القراءة خلف الإمام.
٢١- بر الوالدين.
٢٢- الضعفاء.
١ - الجامع الصحيح:
أ - دوافع تأليف:
من خلال ما تقدم عرضه - في المباحث السابقة - من كتب السنة والحديث التي سبقت ظهور الجامع الصحيح نلاحظ أن تلك المؤلفات لم تفرد الحديث الصحيح بالتأليف وإنما كانت تضم الصحيح والضعيف والمعلول وأحيانًا الجرح والتعديل وغيرها من علوم الحديث كما تقدم بيانه سابقًا. وكان علماء الحديث يفعلون ذلك ثقة منهم أنه في إمكان أي محدث أو فقيه أن يميز هذا من ذاك، من غير تنصيص من هؤلاء المؤلفين. لكن يبدو أن هذا
[ ٥٤ ]
الأمر أصبح عسيرًا في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. فقد استطال السند، وكثر الرواة، وتشعبت الطرق، فأصبح من العسير جدًا على غير الأئمة النقاد التمييز بين الصحيح من عشرات الأحاديث والطرق الضعيفة أو المعلولة للحديث الواحد. وأصبحت الحاجة ماسة جدًا إلى وضع كتاب يضم الصحيح فقط ويتحاشى الضعيف والمعلول. وليس هذا فحسب، بل أن يكون مختصرًا، إذ المؤلفات السابقة، كما مر في المباحث المتقدمة، كانت واسعة وكبيرة وخاصة الجوامع والمسانيد، وحتى لا يكون هذا لاختصار مخلًا فالإمام البخاري جعل كتابه شاملًا لأهم مقاصد تلك الكتب السابقة، ففيه ما يتعلق بالتوحيد، وفيه ما يتعلق بالفقه والأحكام، وفيه ما يتعلق بالتفسير، وما يتعلق بالسير والمغازي، والشمائل والمناقب، والطب والرؤيا، ومن ثمة كان حريًا أن يوصف بأحسن وخير كتب الإسلام كما وصفه بذلك الإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (١) .
وقد أعلن هذه الحاجة المحدث الكبير شيخ الإمام البخاري. الإمام إسحاق بن راهوية في مجلس من مجالسه العلمية قال: " لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ ".
قال الإمام البخاري: " فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح " (٢) .
وقد ظهر لي غرض آخر دفع البخاري إلى تأليف جامعه وهو تلك
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - مكتبة المعارف - الرباط، المغرب، ج١٨ ص٧٣، ٧٤.
(٢) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٩.
[ ٥٥ ]
الموجة من البدع التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث، كالإرجاء والاعتزال والخروج، والتجهم والنصب، والتشيع، وبدع سلوكية كالتصوف الغالي، وبدع مذهبية فروعية، كالتعصب لإمام ما والإقبال على استعمال الرأي وتكلف القياس وأطراح السنن الثابتة عن النبي ﷺ لذلك كله جرد الإمام البخاري نفسه من خلال جامعه للرد على كل هذه البدع بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ.
فكتاب " الإيمان " من " جامعه " قد ذكر فيه مذهب أهل السنة والجماعة في حقيقة الإيمان من أنه قول وعمل، يزيد وينقص وضمنه الرد على المرجئة، وهذا واضح في كثير من تراجم هذا الكتاب منها:
" دعاؤكم إيمانكم "، " أمور الإيمان "، " من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، " علامة الإيمان حب الأنصار "، " تفاضل أهل الإيمان "، " الصلاة من الإيمان "، " اتباع الجنائز من الإيمان"، " زيادة الإيمان ونقصانه "، وكذلك ضمنه الرد على غلاة الخوارج والمعتزلة الذين يجعلون الأعمال ركنًا من الإيمان يزول بزوالها. فيكفرون أهل الكبائر ويحكمون بخلودهم في النار، وهذا الرد في التراجم التالية: " كفران العشير، وكفر دون كفر " و" المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك "، " ظلم دون ظلم ".
وأما كتاب " فضائل الصحابة " وكتاب " مناقب الأنصار " فقد ضمنها الرد على الشيعة الروافض والناصبة، والخوارج وغيرهم من المنحرفين عن أصحاب رسول الله كلهم أو بعضهم، فقد أورد مناقب أبي بكر وعمر وعثمان، وفضل عائشة، ومعاوية وهذا رد على الشيعة. وأورد فيه ما يدل على فضل علي والحسن والحسين، ومناقب فاطمة وهذا رد على الخوارج (١) والنواصب (٢) .
_________________
(١) هم الذين أنكروا على علي ﵁ التحكيم، وتبرؤوا منه، ومن عثمان، وذريته وقاتلوهم وهم فرق كثيرة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني - دار الفكر ١٤٠٠ - ١٩٨٠م ج١ ص١٥٥ فما بعدها.
(٢) الناصبة هم الذين يبغضون عليًا ويقدمون غيره عليه. هدي الساري ص٤٨٣.
[ ٥٦ ]
وأما كتاب " القدر " فقد ضمنه الرد على القدرية النفاة (١) .
وأما كتاب " الفتن " فقد ضمنه الرد على من يرى الخروج على الأئمة بالسيف من الخوارج والمعتزلة (٢)، وأما كتاب " الأحكام " فقد ضمنه الرد على انحرافات الشيعة (٣) والخوارج فيما يتعلق بالإمامة كما ضمن كتاب " أخبار الآحاد "، وكتاب " الاعتصام بالسنة " الرد على من لا يرى قبول أخبار الآحاد من المعتزلة وغيرهم، وأما كتاب " الاعتصام بالسنة " فقد ضمنه الحث على التمسك بها، وهو رد على غلاة القياسيين، وأهل الرأي ومن تراجمه فيه: " باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس "، " باب ما كان النبي ﷺ يسأل عما لم ينزل عليه من الوحي فيقول لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ولم يعمل برأي ولا بقياس لقوله تعالى: (بما آراك الله (، " تعليم النبي ﷺ من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل".
أما " كتاب التوحيد " فهو في بعض روايات الصحيح " كتاب التوحيد والرد على الجهمية (٤) وغيرهم " وضمنه مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وفيه رد بالغ على الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم في إنكار صفات الله ﷿ وأسمائه أو تأويلها على غير ما ورد به الشرع.
_________________
(١) القدرية من يزعم أن الشر فعل العبد وحده، هدي الساري ص٤٨٣.
(٢) المعتزلة هم أتباع وأصل بن عطاء، يقولون بخلق القرآن، ونفي صفات الله ﷿ وتأويل ما ورد منها، وأن العبد خالق لأفعاله، وأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، ويسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد. انظر: الملل والنحل: ج١ ص٥٤ فما بعدها.
(٣) التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي فإن أنضاف إلى ذلك السبب أو التجريح بالبغض فغالى في الرفض وإن اعتقد الرجعة فأشد في الغلو، هدي الساري ص٤٨٣، وانظر الملل والنحل: ج١ ص١٩٥ فما بعدها.
(٤) هم أتباع الجهم بن صفوان. وهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن. وتعطيل الله عن صفاته وغيرها من الضلالات. انظر الملل والنحل: ج١ ص١٠٩ فما بعدها.
[ ٥٧ ]
وقد أفرد في جامعه كتابًا للزهد والرقاق ضمنه ما صح عن النبي ﷺ في هذا الموضوع وفي كثير من أبوابه رد على غلو الصوفية الذين أحدثوا مناهج مبتدعة في تزكية النفوس، من هذه الأبواب: " القصد والمداومة على العمل "، " الرجاء مع الخوف ".
ب - الأغراض الفقهية للبخاري في صحيحه:
اشتمل الجامع الصحيح للإمام البخاري على (٩٧) كتابًا و(٣٤٥٠) بابًا مرتبة على المسائل الفقهية والعقدية وغيرها.
وكان ﵀ يقطع الأحاديث ويختصرها ويكررها في مواضع مختلفة لتخدم الناحية الفقهية، من أجل ذلك نجد أن كتابه لم يتضمن الأحاديث الصحيحة المسندة فحسب، والتي هي أصل الكتاب. ومن أجلها صنفه، وإنما ضم إلى جانب ذلك الكثير من الآيات القرآنية التي لها صلة بموضوع الباب الذي يذكره، وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وكثيرًا من الأحاديث المعلقة وكثيرًا مما يستنبطه من معاني الأحاديث من الفقه والأحكام. بما تقدم ذكره، وبتراجمه التي أودعها استنباطاته العجيبة، وبرده على كثير من المخالفين لأهل الحديث.
وقد اهتم الكثير من العلماء بالجانب الفقهي من صحيح البخاري ودوّنوا فيه مصنفات كثيرة.
جـ - عناية الأمة الإسلامية وعلمائها بصحيح البخاري:
لم يحظَ كتاب بعد كتاب الله من العناية ما حظيه صحيح البخاري، وكانت هذه العناية جهودًا علمية دقيقة في خدمة هذا الكتاب، فقد انتقل إلينا صحيح البخاري من مؤلفه إلى عصرنا عبر أيد علمية أمينة: سماعًا أو إجازة، أو مناولة، وميزوا بين الروايات المختلفة والنسخ وما بينها من فروق معزوة إلى أصحابها، وهذه الاختلافات سببها اختلاف الأوقات التي يسمع فيها تلاميذ البخاري منه، أو لبعض أخطاء النساخ وأشهر هذه الروايات هي:
[ ٥٨ ]
١) رواية أبي ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الحافظ (١) .
٢) رواية ابن السكن: أبو علي سعيد بن عثمان الحافظ (٢) .
٣) رواية الأصيلي: أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣) .
٤) رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي (٤) .
والروايات الثلاث الأولى كلها عن طريق الفربري (٥) أما الرواية الرابعة فهي للنسفي عن البخاري، وقد سمع بعضه، وأجاز له من أول كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب.
ولقد اهتم العلماء بضبط هذه الروايات وتحريرها، وممن قام بهذا العمل الحافظ شرف الدين علي بن محمد بن عبد الله اليونيني (٦) عندما قام
_________________
(١) فقيه مالكي، من أهل هراة نزل بمكة ومات بها سنة ٤٣٥ أو ٤٣٤هـ. عالم بالحديث من الحفاظ الثقات، له تصانيف منها " تفسير القرآن "، " المستدرك على الصحيحين "، " السنة والصفات "، " دلائل النبوة " وغيرها، ترجمته في الشذرات: ج٣ ص٢٥٤، شجرة النور الزكية ص١٠٤، هدية العارفين: ج١ ص٤٣٧ - ٤٣٨.
(٢) من حفاظ الحديث، نزل بمصر وتوفي بها، قال ابن ناصر الدين: " كان أحد الأئمة الحفاظ، والمصنفين، الأيقاظ، رحل وطوف، وجمع وصنف، له " الصحيح المنتقي "، تهذيب ابن عساكر ج٦ ص١٥٤، وتذكرة الحفاظ: ج٣ ص١٤٠، والرسالة المستطرفة ص٢٠.
(٣) محدث فقيه من أهل أصيلة (غربي طنجة في المغرب)، له " كتاب الدلائل على أمهات المسائل " في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة ت ٣٩٢هـ. تاريخ علماء الأندلس ص٢٤٩، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص١١١.
(٤) قاضي نسف، وعالمها، صاحب التفسير، والمسند، كان بصيرًا بالحديث عارفًا بالفقه ت ٢٩٠هـ، ترجمته في: شذرات الذهب: ج٢ ص٢١٨.
(٥) هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، صاحب الإمام البخاري، كان ثقة ورعًا، ولد سنة ٢٣١ وت ٣٢٠هـ رحل إليه الناس وسمعوا منه صحيح البخاري. ترجمته في: وفيات الأعيان: ج٣ ص٤١٧ وشذرات الذهب: ج٢ ص٣٨٦.
(٦) ولد ببعلبك سنة ٦٢١هـ كان حافظًا، سمع منه خلق من الحفاظ والأئمة وأكثر عنه البرزالي والذهبي. توفي شهيدًا ببعلبك سنة ٧٠١هـ: ترجمته في شذرات الذهب: ج٦ ص٤.
[ ٥٩ ]
بضبط رواية البخاري وقابل أصله بأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، وبأصل أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وقد حضر معه في هذه المقابلة الإمام النحوي جمال الدين بن مالك (١)، فكان إذا مر بلفظ يظهر أنه مخالف لقوانين العربية المشهورة، قال لليونيني، هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه بأنه ثابت في الرواية شرع ابن مالك في توجيهها، وجمع هذه التوجيهات في كتاب سماه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح " وهو مطبوع. ولم يقصد اليونيني أن يرجع بهذه المقابلة ما هو ثابت في الأصول، ويخرج منها صورة مختارة - في نظره - لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد، تيسيرًا لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان. وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ، حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله.
والنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض النسخ، وقد أرسل هذه الأصل إلى السلطان عبد الحميد لينشر في مصر، وقد طبع في مطبقة بولاق (٢) .
وقد اهتم علماء آخرون بشرح صحيح البخاري ومن أبرز من قام بهذا العمل، الإمام أحمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٦هـ)، ومحمد بن يوسف الكرماني (ت ٧٨٨هـ) في كتابه " الكواكب الدراري " وهو مطبوع، ومنهم
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن مالك الطائي الأندلسي، كان إمامًا في النحو والقراءات، متبحرًا في معرفة اللغة، له مصفنات كثيرة منها " الألفية "، " الكافية الشافية "، " لامية الأفعال "، " تسهيل الفوائد " وغيرها (ت ٦٧٢هـ) ترجمته في: غاية النهاية: ج٢ ص١٨٠ والشذرات: ج٥ ص٣٣٩ والنجوم الزاهرة: ج٧ ص٢٤٣.
(٢) د. رفعت فوزي عبد المطلب: كتب السنة دراسة توثيقية - طبعة أولى سنة ١٩٧٩م - نشر مكتبة الخانجي، ص ١٥٩ - ١٦٦.
[ ٦٠ ]
الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) في كتابه " فتح الباري " ومحمود بن أحمد العيني (ت ٨٥٥هـ) في كتابه " عمدة القاري "، وأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني (ت ٩٢٣هـ) في كتابه " إرشاد الساري ".
وقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه " تاريخ التراث العربي " (٥٦) شرحًا. للجامع الصحيح، بعضها مخطوط وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب السابقة (١) .
وقد انصرف بعض العلماء إلى ضبط أسماء الرواة الوارد ذكرهم في الجامع الصحيح، والكلام عليهم جرحًا وتعديلًا. وقد أثمرت هذه الجهود كتبًا كثيرة في هذا المجال أذكر منها ما يلي:
١) أسامي من روى عنهم البخاري: لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني (٢) (ت ٣٦٥هـ) .
٢) الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد لأبي نصر أحمد بن محمد الكلاباذي (٣) (ت ٣٩٨هـ) .
٣) ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم. للدارقطني (٤) (ت ٣٨٥هـ) . طبع بتحقيق بوران الصناري، وكمال يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.
٤) تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم وما انفرد به كل واحد منهما،
_________________
(١) المصدر نفسه ص١٦٦، وانظر: حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الفكر ١٤٠٢هـ ١٩٧٦م، ج١ ص٥٤٥ - ٥٥٤.
(٢) ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٩٤٠، والبداية والنهاية: ج١١ ص٢٧٣، شذرات الذهب: ج٣ ص٥١.
(٣) حافظ ثقة من أهل كلاباذ محلة ببخاري ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٢١٦، والشذرات: ج٣ ص١٥١.
(٤) ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٩٩١ - ٩٩٥، والبداية والنهاية: ج١١ ص٣١٧ - ٣١٨، ووفيات الأعيان: ج٣ ص٢٩٧ - ٢٩٩.
[ ٦١ ]
لأبي عبد الله الحاكم (١) النيسابوري (ت ٤٠٥هـ)، طبع بتحقيق كمال يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.
٥) تقيد المهمل وتميز المشكل: لأبي علي الغساني الجياني (٢) (ت ٤٠٩هـ) .
٦) الجمع بين رجال الصحيحين، لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (٣) المعروف بابن القيسراني (ت ٥٠٧هـ) وقد طبع في الهند، وتولت طباعته دائرة المعارف العثمانية سنة ١٣٢٣هـ.
٧) المعلم بأسامي شيوخ البخاري ومسلم لمحمد بن إسماعيل بن خلفون (٤) (ت ٦٣٦هـ) وهو مخطوط.
٨) رجال البخاري ومسلم لأحمد بن موسى الهكاري (٥) (ت ٧٦٣هـ) .
٩) قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين لعبد الغني البحراني (٦) (ت ١١٧٤هـ) وهو مطبوع.
_________________
(١) ترجمته في: تاريخ بغداد: ج٥ ص٤٧٣، وتذكرة الحفاظ: ج٣ ص١٠٣٩، وشذرات الذهب: ج٣ ص١٧٦.
(٢) من جهابذة المحدثين، وكبار علماء قرطبة، ويعرف بالجياني لأن أباه نزلها مدة، له ترجمة في: الوفيات لابن قنفد القسنطيني ص٢٦٢، ووفيات الأعيان: ج١ ص٤٣٥، وشذرات الذهب: ج٣ ص٤٠٩.
(٣) أحد الأئمة الحفاظ، ذو رحلة واسعة وتصانيف كثيرة من أشهرها " شروط الأئمة الستة " ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٤ ص١٢٤٢، طبقات الحفاظ ص ٤٥٢، والعبر: ج٤ ص١٤، والشذرات: ج٤ ص١٨.
(٤) عالم بالرجال، أندلسي من أهل أونبة (في غربي الأندلس) . ترجمته في: التذكرة: ج٤ ص١٨٦، والأعلام: ج٦ ص٣٦.
(٥) محدث، مفسر، من أهل مصر، كردي الأصل، من كتبه " تفسير القرآن " له ترجمة في: الدرر الكامنة: ج١ ص١٠٤، وهدية العارفين: ج١ ص١١٢، وحسن المحاضرة: ج١ ص٢٠٣، ومعجم المفسرين ج١ ص٢٨.
(٦) عبد الغني بن أحمد البحراني الشافعي: نسبته إلى " البحرين " عالم برجال الحديث، ترجمته في الأعلام للزركلي: ج٤ ص٣٢.
[ ٦٢ ]
٢ - التاريخ الكبير:
صنفه البخاري في سن مبكرة وسنه إذ ذاك ثماني عشرة سنة وقد قصد منه الاختصار فقد قال ﵀: " كل اسم في التاريخ إلا وعندي قصته، إلا أنني كرهت أن يطول الكتاب " (١) . فالكتاب مخصص لرواة الحديث عامة سواء أكانوا ثقات أم ضعفاء وقد اعتمد فيه البخاري على الروايات في إثبات الأسماء والأنساب والكنى، كما اشتمل على الكثير من الجرح والتعديل إلى مادة هامة في علل الحديث. وهذه الغزارة العلمية كانت ولا تزال سببًا في غموض منهجه وصعوبة الاستفادة منه. وقد أدرك هذا الغموض الإمام البخاري قبل غيره. قال ﵀: " لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ، ولو عرفوه " (٢)، وقال: " أخذ إسحاق بن راهوية كتاب التاريخ الذي صنفته فأدخله على عبد الله بن طاهر. فقال: أيها الأمير ألا أريك سحرًا؟! قال: فنظر فيه عبد الله، فتعجب منه وقال لست أفهم تصنيفه " (٣) لذا ينبغي أن يكون الكتاب موضع اهتمام الباحثين والدارسين لتقريب الاستفادة منه*.
اشتمل التاريخ الكبير على (١٢٣١٥) ترجمة كما في النسخة المطبوعة المرقمة، ولقد رتبه البخاري - ﵀ على حروف المعجم لكن بالنسبة للحرف الأول من الاسم والحرف الأول من اسم الأب لكنه بدأ الكتاب بأسماء المحمدين لشرف اسم النبي ﷺ.
_________________
(١) هدي الساري ص٥٠٢.
(٢) المصدر نفسه ص٥١٢.
(٣) المصدر نفسه. (*) بالنسبة للأبحاث العلمية حول التاريخ الكبير هناك رسالتان: الأولى بعنوان " الأحاديث التي أعلها البخاري في كتابه التاريخ الكبير جمعًا ودراسة وتخريجًا ": من أول الكتاب إلى نهاية ترجمة سعيد بن عمير الأنصاري، رسالة ماجستير نوقشت عام ١٤١٦هـ تقديم عادل عبد الشكور الزقي، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، والرسالة الثانية بعنوان " منهج الإمام البخاري في التاريخ الكبير "، رسالة ماجستير مسجلة بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، مازالت لم تناقش بعد.
[ ٦٣ ]
كما أنه قدم في كل اسم أسماء الصحابة أولًا، دون النظر إلى أسماء آبائهم، ثم ذكر بعد ذلك بقية الأسماء ملاحظًا ترتيب أسماء آبائهم (١) كما أورد فيه قسمًا خاصًا بالكنى، ولم يراع الترتيب في الأسماء التي لم تكثر فيها التراجم.
ويذكر البخاري ألفاظ الجرح والتعديل، لكنه يستعمل عبارات لطيفة في الجرح. فيقول مثلًا: " فيه نظر "، أو " سكتوا عنه " وأشد ما يقوله من العبارات في الجرح " منكر الحديث " وكثيرًا ما يسكت عن الرجل فلا يذكر فيه توثيقًا ولا تجريحًا.
ولما كان هذا العمل جهدًا بشريًا فإنه لم يسلم من الأوهام والأخطاء. لكنها أخطاء يسيرة وأوهام معدودة تكلم عليها الحفاظ وبينوها. فمن هؤلاء الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه "موضح أوهام الجمع والتفريق " فالجمع عد الاثنين فأكثر واحدًا، والتفريق: عد الواحد اثنين فأكثر ساق فيه أربعة وسبعين فصلًا غالبها في التفريق، وبعضها في الجمع، يورد في كل فصل عبارة التاريخ الكبير ثم يذكر رأيه ويستدل عليه بكلام الأئمة ويسوق الأسانيد التي تشهد له. والكتاب مطبوع وهو مفيد في بابه، وليس كل ما في مسلم له.
وانتقده من قبل الإمام ابن أبي حاتم الرازي في كتابه " خطأ الإمام البخاري في تاريخه " وهو مطبوع، كما انتقده أيضًا الحافظ عبد الغني في بعض الأوهام التي وقعت له، وهي أشياء يسيرة لا تتجاوز العشرة، وقد طبعت كملحق في الجزء الثامن من التاريخ الكبير طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
٣ - التاريخ الصغير:
انتزعه البخاري من التاريخ الكبير، ولكن رتبه حسب الوفيات ويكاد ينقل عبارته في معظم الأحيان مع حرصه على الاختصار، ومع ذلك فيه
_________________
(١) انظر التاريخ الكبير للبخاري - طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ج١ ص١١.
[ ٦٤ ]
إضافات لا توجد في التاريخ الكبير، ويعتبر التاريخ الصغير من مصنفات البخاري المتأخرة بدليل إيراده للتراجم التي توفي أصحابها قبل وفاة البخاري بقليل، وقد طبع في مجلدين بتحقيق محمود إبراهيم زايد، بدار المعرفة بيروت سنة ١٤٠٦ - ١٩٨٦.
٤ - التاريخ الأوسط:
ذكر الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي (١)، أن هناك نسخة ناقصة منه في بنكيبور ١٢: ٣٢ رقم ٦٨٧ وقد نقل منه الحافظ ابن حجر في التهذيب (٢) .
٥ - كتاب الكنى:
من الباحثين من يرى أنه كتاب مفرد مستقل عن التاريخ الكبير، كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في مناسبات عدة، منها في أثناء تعديد مصنفات البخاري في مقدمة الفتح (٣) فتارة يسميه كتاب الكنى، وتارة الكنى المجردة، وتارة الكنى المفردة. ويرى الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي - ﵀ - بأنه جزء من التاريخ الكبير أو أنه متمم له (٤) وقد طبع بنهاية التاريخ الكبير، وقد اشتمل على (٩٩٣) ترجمة' وكانت استفادة العلماء من هذا الكتاب كبيرة وخاصة ممن ألف في هذا الموضوع ممن جاء بعد البخاري كالإمام مسلم في كتابه الكنى، والحاكم الكبير أبو أحمد.
٦ - الضعفاء الكبير:
ذكره ابن النديم في الفهرست (٥) وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي
_________________
(١) مقدمة تحقيق كتاب الضعفاء للعقيلي، ص٣٥.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب: ج١ ص٤٦١ وج٢ ص١٥٩ و٣٨٥، ٤٠٩.
(٣) هدي الساري ص٥١٧.
(٤) انظر كتاب الكنى في الجزء ٨ من التاريخ الكبير - دار الكتب العلمية - بيروت - ص٩٤ - ٩٧.
(٥) الفهرست لابن النديم - مطبعة الاستقامة - ص٣٦.
[ ٦٥ ]
وذكر أنه يوجد مخطوطًا في مكتبة بتنة بالهند تحت رقم (٣٩٣٧) .
٧ - الضعفاء الصغير:
وقد أفرده للضعفاء ومن لا يحتج بحديثهم، وهو كتاب مختصر ومفيد في بابه. طبع في الهند سنة ١٣٢٥هـ، ونشر مع كتاب المنفردات والوحدان للإمام مسلم سنة ١٣٢٣. كما طبع بحلب في دار الوعي سنة ١٣٩٦هـ.
٨ - خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل:
موضوع هذا الكتاب هو الرد على المعتزلة والقدرية النفاة لقدر الله ﷿. والقائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه. وكذلك الرد على الجهمية والمعطلة النافين لصفات الله ﷿، وقد أفاض البخاري في الرد عليهم في مسألة كلام الله وبيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد تضمن هذا الكتاب (٤٨٤) نصًا فيها الأحاديث المرفوعة، والموقوفة وآثار من كلام التابعين وأئمة السنة، وليس كل ما ورد فيه صحيح بل فيه الصحيح والحسن والضعيف، وهو كتاب مهم لأنه حفظ لنا كثيرًا من نصوص السلف في مسائل الاعتقاد، كما أنه شهادة صادقة على أن الإمام البخاري - ﵀ - كان من أئمة أهل السنة والجماعة المتبعين لما كان عليه سلف الأمة في مسائل الاعتقاد، والرد على أهل البدع والأهواء. وقد طبع هذا الكتاب وقام بتخريج أحاديثه وتصحيح ألفاظه كل من أبي محمد سالم بن أحمد بن عبد الهادي السلفي، وأبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني الأبياني.
٩ - الأدب المفرد:
موضوع هذا الكتاب أحاديث الآداب والأخلاق وقد اشتمل على عدد ضخم من الأحاديث في هذا المجال فيها الصحيح والحسن والضعيف وسبب تسميته بالأدب المفرد هو التمييز بينه وبين كتاب الأدب في الجامع الصحيح وقد طبع عدة مرات وقام بشرحه بعض العلماء.
[ ٦٦ ]
١٠ - جزء القراءة خلف الإمام:
تعرّض فيه لمسألة قراءة الفاتحة في الصلاة. فالبخاري ﵀ يرى وجوب قراءة الفاتحة في الصلوات كلها ما يجهر فيها وما يخافت، وقد ذكر في الجامع الصحيح بابًا ضمن فيه بعض الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم في جميع الصلوات سواء كانت سرية أم جهرية (١) . وقد توسع في هذا الجزء في ذكر أدلة هذه المسألة، والرد على المخالفين فيها، وهو مطبوع.
١١ - جزء رفع اليدين في الصلاة:
تعرض فيه لمسألة رفع اليدين في الصلاة، فبين سنية الرفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبين الركعتين، وتكلم على الأحاديث التي يحتج بها المخالفون في هذه المسألة وبيان ضعفها وعللها. وهو كتاب مفيد على صغر حجمه. وقد طبع في مصر والهند وغيرهما، وعليه تخريجات للشيخ أبي محمد بديع الدين السندي سماها قرة العين في تخريج أحاديث رفع اليدين.
هذه هي الكتب التي ما تزال موجودة من مصنفات الإمام البخاري والكثير منها لا يعرف حتى في زمن الحفاظ المتأخرين كابن حجر وغيره. فقد ذكر الحافظ الكتب السابقة ثم قال: " وهذه الكتب موجودة مروية لنا بالسماع وبالإجازة.. " ثم ذكر الكتب الأخرى من خلال ما ورد في أقوال أو تصانيف الحفاظ المتقدمين كالبغوي وابن منده والترمذي (٢) .
_________________
(١) الجامع الصحيح، كتاب بدء الآذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، بحاشية السندي، دار الكتاب المصري، القاهرة، ج١ ص١٣٧.
(٢) هدي الساري ص٥١٧.
[ ٦٧ ]
التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري:
لقد ترك الإمام البخاري - ﵀ - آثارًا بارزة، في من كان في عصره من العلماء والحفاظ أو من جاء بعدهم، فاحتذروا به في مصنفاتهم، واقتفوا أثره واستفادوا من علمه، ومن هؤلاء الأعلام:
١ - الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ):
لقد استفاد الإمام مسلم - ﵀ - الكثير من الإمام البخاري فقد سار على طريقة البخاري في إفراد الأحاديث الصحيحة المسندة دون غيرها وألف في ذلك كتابه العظيم " المسند الصحيح ". ولم يكن الإمام مسلم مجرد مقلد للإمام البخاري بل كان إمامًا مجتهدًا له آراؤه الخاصة في التصحيح والتعليل والتجريح والتعديل. فنراه في صحيحه يخرج لرواة تركهم البخاري، ويصحح أحاديث أعلها البخاري، ويعل أحاديث صححها البخاري، ويترك رواة روى لهم البخاري. كما استفاد منه في كتابه الكنى.
٢ - الإمام الترمذي (ت ٢٧٩هـ):
يعد من أبرز تلاميذ البخاري، صنف كتابه " العلل الكبير " و" الجامع " وقد ملأهما بالنقل عن الإمام البخاري، وسؤاله عن علل الحديث وأحوال الرجال سؤالات مباشرة. كما استفاد من التاريخ الكبير ونقل منه في مواضع كثيرة، وقد صرح الترمذي بذلك في علله الصغير (١) .
٣ - الإمام ابن خزيمة (ت ٣١١هـ):
لقد اقتدى بالبخاري فوضع كتابًا جرد فيه الصحيح.
_________________
(١) العلل الصغير (مع تحفة الأحوذي) - دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الثالثة - ١٤٠٤هـ - ١٩١٤م. ج٤ ص٣٨٠.
[ ٦٨ ]
٤ - الإمام ابن حبان (ت ٣٥٤هـ):
لقد اقتفى أثر البخاري أيضًا ووضع كتابًا للصحيح، مع أنه ابتكر تقسيمًا من عنده لم يسبق إليه.
٥ - الإمام ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ):
لقد استفاد هو أيضًا كثيرًا من مصنفات الإمام البخاري، وبنى كتابه المهم " الجرح والتعديل " على تراجم كتاب البخاري " التاريخ الكبير "، وله فيه إضافات وزيادات كثيرة.
٦ - الإمام النسائي (ت ٣٠٣هـ):
تبع الإمام البخاري في تجريد الضعفاء والمتروكين في كتاب خاص، وهذا في كتابه " الضعفاء والمتروكين "، وهو مطبوع، ثم تتابع الحفاظ على تجريد الضعفاء والمتروكين بالتصنيف، وكثرت في هذا النوع المصنفات.
٧ - الإمام البيهقي (ت ٤٥٨هـ):
اقتدى بالإمام البخاري في كتابه " جزء القراءة خلف الإمام " فوضع كتابًا بنفس العنوان ضمنه كتاب البخاري وزاد عليه وهو مطبوع.
هذه أمثلة قليلة لم أقصد منها الاستيعاب وإنما قصدت منها الدلالة على أن الإمام البخاري كان صاحب السبق في كثير من المصنفات.
وفي نهاية هذا المبحث نصل إلى النتيجة التالية: عبقرية الإمام البخاري وإمامته في الحديث والعلل والتي تجلت في كتابه " الجامع الصحيح " الذي يعد سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف والنقد والتمحيص.
* * *
[ ٦٩ ]