المبحث الأول: عدالة الرواة.
المبحث الثاني: ضبط الرواة.
المبحث الثالث: اتصال السند.
[ ٧١ ]
المبحث الأول: عدالة الرواة
المطلب الأول: تعريف العدالة لغة واصطلاحًا.
المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها.
المطلب الثالث: مسائل متعلقة بالعدالة وموقف البخاري منها.
المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء.
المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل.
المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم.
المطلب الأول: تعريف العدالة
أ - تعريف العدالة لغة:
العدالة مصدر عَدُل بالضم، يقال عدل عدالة وعدولة، فهو عدل، أي رضا ومقنع في الشهادة، قال كثير:
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع
ويقال رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل، ونسوة عدل، وكل
[ ٧٣ ]
ذلك على معنى رجال ذو عدل ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثني ولا يجمع، ولا يؤنث فإن رأيته مثنى أو مجموعًا أو مؤنثًا فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر. وأما العدل الذي ضد الجور. فهو مصدر قولك: عدل في الأمر فهو عادل، وتعديل الشيء تقويمه، يقال عدله تعديلًا فاعتدل، أي: قومته فاستقام، وكل مثقف معتدل، وتعديل الشاهد نسبته إلى العدالة (١) .
وجاء في القاموس المحيط " عدل الحكم تعديلًا أقامه، وفلانًا زكّاه، والميزاه سواه " (٢) .
فيظهر من خلال ما تقدم أن التعديل هو نسبة الرجل إلى العدالة، التي هي الرضا والقناعة بالشخص على أنه صالح للشهادة، وتزكيته.
ب - تعريف العدالة اصطلاحًا:
عرفها العلماء بتعريفات كثيرة أذكر منها ما يلي:
١) عرفها الإمام الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) نقلًا عن القاضي أبي بكر بن الطيب (ت ٤٠٣هـ) بقوله: " العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها " (٣) .
_________________
(١) انظر: ابن منظور: لسان العرب - طبعة دار صادر - بيروت - مادة (عدل) ج١١ ص٤٣٠ - ٤٣٧. مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس - مصور دار مكتبة الحياة - مادة (عدل) ج٨ ص٩ - ١٣. محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ضبط وتخريج وتعليق - د. مصطفى ديب البغا - دار الهدى - عين مليلة - الجزائر، الطبعة الرابعة ١٩٩٠م، ص ٢٧٣.
(٢) مجد الدين الفيروزآبادي: القاموس المحيط - دار الجيل - بيروت - ج٤ ص١٣.
(٣) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية - تحقيق د. أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي - الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ - ١٩٨٩م، ص١٠٢.
[ ٧٤ ]
٢) وعرفها الإمام أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦هـ) بقوله:
" العدالة هي التزام العدل، والعدل هو الالتزام بالفرائض، واجتناب المحارم، والضبط لما روى وأخبر به فقط " (١) .
وعرفها الغزالي (ت ٥٠٥هـ) بقوله:
" العدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه " (٢) .
وعرفها الإمام الحازمي (ت ٥٩٤هـ) بقوله: " وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحري الحق، والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى وجدت هذه الصفات كان المتحلي بها عدلًا مقبول الشهادة " (٣) .
وعرفها ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) بقوله: " أجمع جماهير أهل الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه وتفصيله أن يكون مسلمًا، بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة " (٤) .
_________________
(١) ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق أحمد شاكر - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م، ج١ ص١٤٤.
(٢) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت ج١ ص١٥٧.
(٣) أبو بكر بن موسى الحازمي: شروط الأئمة الخمسة - دار الكتب العلمية - بيروت - ط أولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م، ص٥٥.
(٤) أبو عمرو عثمان بن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق نور الدين عتر - المكتبة العلمية - بيروت ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص٩٤.
[ ٧٥ ]
وعرفها الحافظ ابن حجر (ت ٨٠٢هـ) بأنها "ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة " (١) .
وتبعه على هذا التعريف الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢هـ) - ﵀ - (٢) .
نلاحظ أن هذه التعاريف كلها تدل على معنى واحد وهو: أن العدالة هي الاستقامة في الدين بفعل الواجبات وترك المحرمات، كما نلاحظ أن جميع التعاريف لم تدخل الضبط والحفظ كشرط في العدالة إلا في تعريف ابن حزم - ﵀ - ومن هنا نفرق بين نوعين من العدالة:
الأول: العدالة الدينية والمقصود بها الاستقامة في الدين.
والثاني: العدالة في الرواية والمقصود بها: حفظ الراوي وضبطه لما يرويه.
والنوع الأول هو المراد عند إطلاق المحدثين أو الفقهاء. كما نلاحظ أن هذه التعاريف قد تعرضت لذكر شروط العدالة إما على سبيل الإجمال أو على سبيل التفصيل، وهذه الشروط هي: الإسلام، البلوغ، العقل، السلام من أسباب الفسق، وخوارم المروءة، وسأتعرض فيما يلي لهذه الشروط وموقف البخاري منها في صحيحه ومدى التزامه بها.
* * *
المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها
أولًا: الإسلام:
لا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعًا. وقد
_________________
(١) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر - شركة الشهاب، الجزائر، ص١٨.
(٢) انظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث - شرح وتخريج وتعليق محمد محمد عويضة - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، ج١ ص٢٦٩.
[ ٧٦ ]
حكى الإجماع على ذلك الغزالي في المستصفى (١) والرازي في المحصول (٢) وغيرهما.
قال الخطيب البغدادي: " ويجب أن يكون وقت الأداء مسلمًا لأن الله تعالى قال: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا «٣) وإن أعظم الفسق الكفر، فإن كان خبر الفاسق مردودًا مع صحة اعتقاده فخبر الكافر بذلك أولى (٤) فالإسلام إذا شرط عند الأداء والتبليغ وليس شرطًا عند التحمل فيصح تحمل الكافر " وقد ثبت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده " (٥) .
وأضرب أمثلة على ذلك من صحيح البخاري - ﵀ -:
١) رواية جبير بن مطعم، والتي أخرجها البخاري في صحيحه حيث قال: " سمعت النبي ﷺ قرأ في المغرب بالطور " (٦) .
قال الحافظ ﵀: " وللمصنف في المغازي من طريق معمر في آبره قال: " وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي " واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة " (٧) .
٢) وروايته التي أخرجها الإمام البخاري أيضًا، قال ﵁: " أضللت بعيرًا لي فذهبت أطلبه يوم عرفه فرأيت النبي ﷺ واقفًا
_________________
(١) المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت - ج١ ص١٥٦.
(٢) المحصول في علم أصول الفقه: تحقيق د. طه جابر فياض العلواني - ط١ - مطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ١٤٠٠هـ، ج٢ ص٥٦٧.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٦.
(٤) الكفاية في علم الرواية ص٩٩.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب الجهر في المغرب، رقم (٧٦٥)، ج٢ ص٢٨٩ مع الفتح ط دار الريان.
(٧) أحمد بن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري - تحقيق محب الدين الخطيب - دار الريان للتراث - الطبعة الأولى ١٤٠٧- ١٩٨٦م بالقاهرة، ج٢ ص٢٩٠.
[ ٧٧ ]
بعرفات، فقلت: هذا والله من الخمس فما شأنه ها هنا " (١) .
قال الحافظ - ﵀ - بعد أن أورد طرق هذا الحديث - " وفيه: أضللت حمارًا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك. ثم قال الحافظ: أفادت هذه الرواية، أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير " (٢) .
٣) حديث أبي سفيان بقصة هرقل (٣) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع كثيرة مستنبطًا منها في كل مرة حكمًا فقهيًا أو فائدة جديدة.
ثانيًا: البلوغ:
هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية.
ولقد تنازع العلماء والمحدثون قديمًا في ذلك، فمنهم من اشترط سنًا معينًا للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: " قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، رقم (١٦٦٤) ج٣ ص٦٠٢ مع الفتح ط دار الريان.
(٢) المصدر السابق ج٣ ص٦٠٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب ٦ حديث رقم (٧)، ج١ ص٤٢ - ٤٤ مع الفتح ط الريان.
[ ٧٨ ]
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب " (١) .
وقد ذهب الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: "باب متى يصح سماع الصغير؟ " وأورد فيه حديثين:
أولهما: حديث ابن عباس قال: " أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي " (٢) .
وثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال: " عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو " (٣) .
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل. وأشار المصنف بهذا إلى الاختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره أن يحي قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد فقال: إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد " (٤) .
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية - تحقيق د. أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي - ط٢ - ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م، ص٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٦) ج١ ص٢٠٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٧) ج١ ص٢٠٧.
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج١ ص٢٠٥.
[ ٧٩ ]
وقال العلامة العيني: " ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل " (١) .
ومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح - ﵀ -:
" والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال من لا يعقل فهمًا للخطاب وردًا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين " (٢) .
وقال الذهبي (ت ٧٤٨هـ) - ﵀ -: " واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعًا، وما دونها حضورًا، واستأنسوا بأن محمودًا عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز " (٣) .
وما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين ﵄.
فالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤) .
_________________
(١) بدر الدين العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري - دار الفكر، ج٢ ص٦٨.
(٢) ابن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق د. نور الدين عتر - ط المكتبة العلمية - بيروت ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص١١٧.
(٣) شمس الدين محمد أحمد الذهبي: الموقظة " في علم مصطلح الحديث " - اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة - مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ص٦١.
(٤) انظر السخاوي: فتح المغيث تحقيق محمد محمد عويضة، ج٢ ص١٤ - ١٥.
[ ٨٠ ]
ثالثًا: العقل:
وهو من شروط العدالة المجمع عليها، حكى الإجماع على ذلك الخطيب البغدادي وغيره من العلماء (١) قال ﵀:
" وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحًا يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضًا أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلًا مميزًا، والذي يدل على وجوب كونه بالغًا عاقلًا، ما أخبرنا القاضي أبو عمر والقاسم بن جعفر قال ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، قال ثنا أبو داود قال ثنا موسى بن إسماعيل قال ثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن علي عن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل " (٢) ولأن حال الراوي إذا كان طفلًا أو مجنونًا دون حال الفاسق من المسلمين.
وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو، ويجتنب ذنوبًا، ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمد له ذنب كبير، وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه لا نعرف بينها خلاف فيه " (٣) .
رابعًا: السلامة من أسباب الفسق:
الفسق هو ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة (٤) وقد أفاض
_________________
(١) انظر الكفاية ص٩٩، وشروط الأئمة الخمسة ص٥٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٠٠.
(٢) رواه أبو داود بنفس لفظ الخطيب من طريق علي ﵁ - في كتاب الحدود، باب المجنون يسرق أو يصيب حدًا ج٤ ص٥٦٠، رقم (٤٤٠٣) بإسناد حسن، وهو حديث صحيح بطرقه.
(٣) الكفاية ص٩٩.
(٤) السخاوي: فتح المغيث ج١ ص٣١٥.
[ ٨١ ]
العلماء في تعريف الكبيرة والصغيرة، وكيفية التمييز بين الصغائر والكبائر وعددها، بل هناك من أفردها بالتصنيف (١) والذي يهمنا هنا هو ذكر مسألتين وقع فيهما النزاع ومحاولة معرفة موقف البخاري منهما.
المسألة الأولى:
ما حكم التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ ذهب أكثر العلماء والمحدثين إلى أن التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لا تقبل روايته. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك ورافع بن الأشرس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، ويحي بن معين (٢) ووجه عدم قبول روايته - وإن حسنت توبته - أن ذلك تغليظًا وجزرًا بليغًا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة. بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة (٣) وألحقوا بالكاذب المتعمد من أخطأ وصمم على خطئه بعد أن يبين له ذلك ممن يثق بعلمه لمجرد عناد (٤) .
لكن ذهب الإمام النووي - ﵀ - إلى قبول رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ حيث قال: " هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة - أي كانوا كفارًا فأسلموا - وأجمعوا على
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين: ج١ ص٣٢١، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام: ج١ ص١٩، والكبائر للذهبي، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، وهما خاصان بهذا الموضوع.
(٢) شروط الأئمة الخمسة للحازمي ص٥٣، وفتح المغيث للسخاوي: ج١ ص٣٦٥ - ٣٦٩.
(٣) محيي الدين النووي: شرح صحيح مسلم - الطبعة المصرية دون تاريخ، ج١ ص٧٠.
(٤) فتح المغيث: ج١ ص٣٦٦.
[ ٨٢ ]
قبول شهادتهم، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم " (١) .
أما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري فليس هناك ما يمكن أن نستنتج منه حكمًا أو رأيًا ننسبه إليه. إلا أن صاحب كتاب " أسباب اختلاف المحدثين " يرى بأن احتجاج الشيخين بإسماعيل بن أبي أويس، وهو ممن اتهم بالكذب يشهد لما ذهب إليه النووي (٢) ثم أورد أقوال بعض أئمة الجرح والتعديل فيه منها:
قول يحي بن معين فيه " مخلط يكذب ليس بشيء ".
وقول النضر بن سلمة المروزي " ابن أبي أويس كذاب ".
وما نقله ابن حزم في " المحلى " عن أبي الفتح الأزدي قال حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث.
وقال سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل ابن أبي أويس يقول: " ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم ".
وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن نقل الأقوال السابقة: " ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات. وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري والله أعلم " (٣) .
هذه جملة ما ارتكز عليه الأستاذ الفاضل ليرجح ما ذهب إليه النووي، وعليه ملاحظات:
الأولى: ينبغي التفريق بين ممن اتهم بالكذب وبين من اتصف فعلًا بالكذب، وإن كان كلًا من الوصفين من أوصاف الجرح. لكن لا يخفى أن
_________________
(١) شرح صحيح مسلم - الطبعة المصرية - دون تاريخ، ج١ ص٧٠.
(٢) خلدون الأحدب: أسباب اختلاف المحدثين - الدار السعودية للنشر والتوزيع - الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٠م - ج١ ص٧٣.
(٣) تهذيب التهذيب - دار صادر - ج١ ص٣١١.
[ ٨٣ ]
الكذاب قد تحقق فيه الوصف فعلًا أما المتهم بالكذب فلم يتحقق فيه هذا الوصف، فهل إسماعيل بن أبي أويس تحقق فيه الكذب أم لا؟
الثانية: ذكر الأستاذ أقوال الجارحين فقط لإسماعيل ولم يذكر أقوال المعدلين أو على الأقل بعض أقوالهم، مما يوهم أن التهمة بالكذب قوية ومتحققة، وليس الأمر كذلك فقد عدله جماعة من الأئمة النقاد وإليك أقوالهم (١):
قال أبو حاتم: " محله الصدق، وكان مغفلًا ".
وقال الحاكم: " عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معًا، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن سلمة، فإنه قال: كذاب ".
وأما يحي بن معين فقد اختلفت أقواله فيه: فمرة قال: " هو ووالده ضعيفان "، وقال مرة: " يسرقان الحديث "، وقال مرة: " إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذلك "، وقال مرة: "مختلط يكذب ليس بشيء "، وقال مرة أخرى: " لا بأس به ".
وقال أحمد أيضًا: " لا بأس به ".
وقال أبو القاسم اللالكائي: " بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه ".
فأنت ترى أن الأئمة لم يتفقوا على اتهامه، بل الظاهر من أمره أنه صدوق لا يتعمد الكذب، ولكن ضعيف الحفظ وكان يعتمد على حفظه في رواية الأحاديث فيقع في الأوهام وينفرد عن سائر أصحابه بأشياء ليست عندهم. فمن نظر إلى صدقه في نفسه، واعتبر حديثه بحديث غيره، وتأكد من صحة أصوله، قوي من أمره، وروى له، واحتج به، كالبخاري ومسلم،
_________________
(١) انظر هدي الساري، ط- دار الريان، ص٤١٠ وعمدة القاري، ط - دار الفكر، ج١ ص١٦٩.
[ ٨٤ ]
والدارمي وغيرهم من الحفاظ، بل روى مسلم عن رجل عنه، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ومن نظر إلى ضعف حفظه وكثرة غرائبه وهن من أمره فالدارقطني قال فيه: " لا أختاره في الصحيح " ومنهم من ضعف عنده جانب الصدق، واستكثر تلك الغرائب واستنكرها رماه بالكذب كالنسائي وغيره.
وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: " صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه " (١) .
الثالثة: إذا لم يثبت أن إسماعيل كان يكذب ويضع الحديث، فكيف يتسنى لنا أن نقول أنه تاب؟!، ومن ثم نبني على ذلك حكمًا فنقول: تقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ فليس في الأمر إلا ما ذكره الحافظ - ﵀ - وهو في معرض الدفاع عن صدق إسماعيل وعدالته " لعل ذلك كان في شبيبته ثم انصلح "فأنت تلاحظ أن الحافظ استبعد اتهامه بالكذب، وحاول الدفاع ونفي التهمة، ولم يجزم بذلك بل ذكره مترددًا في معرض الدفاع لا غير.
ومن هنا لا يصح أن نبني عليه حكمًا، حتى ولو غضضنا الطرف عن أقوال معدليه، وبنينا حكمًا على ما ذكره الحافظ ابن حجر لما جاز لنا أن ننسب هذا الحكم للبخاري أو مسلم أبدًا، لعدم ثبوت كذبه عندهما. فقد انتقيا من أحاديثه ما يتابعه عليه الثقات من أصحاب مالك. ثم إن إسماعيل هذا من شيوخ البخاري أي ممن جالسهم وعرفهم وسبر أحاديثهم وقد روى من أصوله كما ذكر ذلك الحافظ في هدي الساري (٢) .
الرابعة: لو سلمنا بهذا المثال، ولم نعترض عليه بما تقدم - لما جاز لنا من الناحية العلمية أن نبني عليه حكمًا، لأن الأحكام إنما تأخذ عن
_________________
(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا - حلب الطبعة الرابعة ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م، ص١٠٨.
(٢) هدي الساري مقدمة فتح البخاري، طبعة دار الريان ص٤١٠.
[ ٨٥ ]
طريق التتبع والاستقراء، وإن لم يكن هذا الاستقراء تامًا فعلى الأقل أن يكون تلخيصيًا مبنيًا على أكثر من مثال. وأنت ترى أن هذا مثالًا واحدًا، وهو غير سالم من الاعتراضات.
الخامسة: ما ذكره الإمام النووي - ﵀ - مبنيًا على القواعد الأصولية حيث استعمل القياس لإثبات هذا الحكم، وهو قياس التائب من الكذب على رسول الله ﷺ على الكافر إذا أسلم، ومثل له بقبول الأئمة لرواية الصحابة، وقد كانوا كفارًا ثم أسلموا. لكن هذا القياس معترض، بأن الصحابة قد عدلهم القرآن الكريم وشهد بصدق إيمانهم وإسلامهم. وأما التائب من الكذب في حديث رسول الله. فأنى لنا أن نعرف صدق توبته، حتى نحكم بعدالته ونقبل روايته، كما أنه مبني على انعدام الفارق بين الرواية والشهادة، والفارق موجود هنا.
وقد سبق إلى انتقاد النووي في هذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد قال - بعد أن ساق كلام النووي السابق -:
" كنت أميل إليه، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله الأئمة لما مر، ويؤيده قول أئمتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصنًا، ولا يحد قاذفه، وأما إجماعهم على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، فلنص القرآن على غفران ما سلف. والفرق بين الرواية والشهادة أن الرواية الكذب فيها أغلظ منه في الشهادة لأن متعلقها لازم لكل المكلفين، وفي كل الأعصار كما مر، مع خبر (إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد) (١) " (٢) .
وأخيرًا لا يمكن أن ننسب للإمام البخاري - ﵀ - أنه يقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لعدم قيام الأدلة الكافية على
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، عن المغيرة بن شعبة، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، حديث رقم (١٢٩١)، ج٣ ص١٩١ مع الفتح ط دار الريان. ورواه مسلم في مقدمة صحيحه ج١ ص١٠ حديث رقم (٤) .
(٢) زكريا الأنصاري: فتح الباقي شرح ألفية العراقي - مطبوع بذيل شرح العراقي لألفيته - طبعة فاس ١٣٥٤هـ، ج١ ص٣٣٥.
[ ٨٦ ]
ذلك، والأقرب أن يكون مع جمهور المحدثين في عدم قبولها - والله تعالى أعلم -.
المسألة الثانية:
التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق. هذا الصنف من الرواة قبل المحدثون رواياتهم إلا خلافًا لبعض الأصوليين كالسمعاني والصيرفي (١) . ولا عبرة بهذا الخلاف لأن المعتبر هو إجماع أهل الفن وهم هنا المحدثون ولم ينقل عنهم خلاف في ذلك. وأما ما قاله الحافظ البلقيني: " وما نقل عن الصيرفي يقرب منه ما قال ابن حزم: من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبدًا، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبدًا، وكذا ما قاله بن حبان في آخرين ".
في الواقع أن ما ذهب إليه ابن حزم لا علاقة له البتة بما يراه الصيرفي فابن حزم ذكر هذا بصدد الرد على من يقبل روايات الضعفاء في الرقاق والفضائل ويتجنبها في الأحكام والحلال والحرام، كما هو مذهب كثير من أئمة الحديث، فهو يرى أن الراوي إما أن يكون من العدالة والضبط بحيث تقبل أحاديثه جملة، أو ينزل عن درجة القبول فترد أحاديثه جملة.
خامسًا: السلامة من خوارم المروءة:
عرفت المروءة بتعاريف كثيرة، جلها يرجع إلى العادات الجارية بين الناس. فقال بعضهم: "المروءة كمال المرء كما أن الرجولة كمال الرجل ".
وقال بعضهم: " المروءة هي قوة للنفس تصدر عنها الأفعال الجميلة المستحقة للمدح شرعًا وعقلًا وعرفًا ".
وقال آخرون: " المروءة صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند الناس " وقيل: "سيرة المرء بسيرة أمثاله في زمانه ".
_________________
(١) انظر ابن الصلاح: علوم الحديث. ط المكتبة العلمية، ص١٠٤ - ١٠٥.
[ ٨٧ ]
ومن أحسن تعاريفها " هي آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات " (١) .
واشتراط العلماء للمروءة سببه: أن الإخلال بها إما يكون لخبل في العقل، أو لنقصان في الدين، أو لقلة حياء وكل ذلك رافع للثقة بقوله (٢) .
وقد جرى نزاع كبير واعتراض على من أدخل المروءة في شروط العدالة المتفق عليها (٣) .
ومما يجدر التنبيه إليه هنا - وهو أن اشتراط المروءة والقدح في الراوي الذي يتصف بما هو من خوارمها، إنما هو موكول للعالم الناقد مع إضافة أسباب أخرى قد فصلها الإمام الخطيب البغدادي حيث قال:
" وقد قال الكثير من الناس: يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتنبين لكثير من المباحات نحو التبذل والجلوس للتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع الطرقات، والبول قائمًا، والانبساط إلى الخلق (*) في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يسقط العدالة ويوجب رد الشهادة.
والذي عندنا في هذا الباب رد خبر فاعلي المباحات إلى العالم والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك، والتساهل به، مع كونه
_________________
(١) طاهر الجزائري: توجيه النظر إلى أصول الأثر - طبعة دار المعرفة - بيروت ص٢٨ - ٢٩.
(٢) المرجع نفسه ص ٢٩.
(٣) انظر هذه الاعتراضات والجواب عليها في: التقييد والإيضاح ص١١٤ - ١١٥ وفتح المغيث: ج١ ص٣١٦ - ٣١٧، وشرح العراقة لألفيته: ج١ ص٣٠٠ - ٣٠٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٠٥ - ٣٠٦. (*) وردت في المطبوع (الخرق) ولعل الصواب ما أثبته.
[ ٨٨ ]
ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته، بل يرى إعظام ذلك وتحريمه، والتنزه عنه قبل خبره، وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالم واتهمه عندها، وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته " (١) .
فالأمر إذن موكول إلى الناقد، فإن أكثر الشخص من الأفعال المخلة بالمروءة وتكرر منه ذلك وأعلن به في الناس كان ذلك دليلًا على السفه وخفة العقل ورقة الدين، وهذا مما يسقط العدالة ويوجب رد الرواية.
وقد ساق الخطيب البغدادي نصوصًا عن الأئمة المتقدمين تدل على هذا منها قول الإمام مالك - ﵀ -: " لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذ جرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث " (٢) .
ومما يؤيد ما ذهب إليه الخطيب البغدادي - ﵀ - من رد خبر فاعلي المباحات إلى العلم - صنيع الأئمة النقاد ومنهم الإمام البخاري - ﵀ -.
فهذا المنهال بن عمرو تركه شعبة، لما سمع في داره صوت الطنبور (٣)، وفي رواية أخرى أنه سمع قراءة لحان، فكره السماع منه (٤) . قال ابن القطان: " هذا ليس بجرحه إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم، ولم يصح ذلك عنه " (٥) .
_________________
(١) الخطيب البغدادي: الكفاية علم الرواية - تحقيق أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي، ص١٣٩.
(٢) الخطيب البغدادي: الكفاية علم الرواية - تحقيق أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي، ص١٤٣.
(٣) المصدر نفسه ص١٤٠.
(٤) فتح المغيث: ج١ ص٣٢٩.
(٥) المرجع نفسه ص٣٣٠.
[ ٨٩ ]
وقال السخاوي: " وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما كالنسائي وابن حبان، وقال الدارقطني: إنه صدوق " (١) .
لذا نجد الإمام البخاري قد احتج به في صحيحه.
روى له حديثين أحدهما: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تعويذ الحسن والحسين (٢)، وثانيهما في تفسير سورة فصلت (٣) .
وروى له تعليقًا من طريق شعبه نفسه (٤) وفيه دليل على أن شعبة لم يترك الرواية عنه وذلك إما بما لعله سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع منه عنده.
ومن ذلك أيضًا ما رواه الخطيب عن شعبة قال: " لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق فرأيته يلعب بالشطرنج فتركته فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه ".
قال الخطيب: " ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية، وسلامته من الكبائر، فكتب عنه نازلًا " (٥) .
وفي ختام هذا المطلب نلاحظ أن شروط العدالة لقبول الروايات قد أخذت من شروط الشهادة، وقد أشار إلى هذا بعض أئمة الحديث المتقدمين
_________________
(١) المرجع نفسه ص ٣٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في: كتاب أحاديث الأنبياء، في قصة إبراهيم. حديث رقم (٣٣٧١) ج٦ ص٤٧٠ مع الفتح، طبعة دار الريان.
(٣) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير، سورة حم السجدة ج٨ ص٤١٨ مع الفتح ط دار الريان.
(٤) أخرجه البخاري في: كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، حديث رقم (٥٥١٥)، ج٩ ص٥٥٨.
(٥) الكفاية ص١٣٩.
[ ٩٠ ]
كأبي نعيم الفضل بن دكين فإنه كان يقول: " إنما هي شهادات، وهذا الذي نحن فيه - يعني الحديث - من أعظم الشهادات " (١) وبهز بن أسد (٢) " كان إذا ذكر له الإسناد الصحيح قال هذه شهادات الرجال العدول بعضهم على بعض، وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: هذا فيه عهدة، ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحده لم يستطيع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول" (٣) . وقد أشار الإمام مسلم إلى ذلك أيضًا في مقدمة صحيحه (٤) .
* * *
المطلب الثالث: مسائل تتعلق بالعدالة وموقف البخاري منها
هناك مسائل لها علاقة بشروط العدالة. ومرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا، وقد جرى إدراكها في كتب علوم الحديث، ويلاحظ أن آراء الأصوليين هي الغالبة في تلك المباحث. كما يغلب عليها طابع التنظير دون التمثيل بواقع المحدثين وسأختار فيما يلي بعض تلك المسائل، وأحاول دراستها وربطها بالواقع العملي عند الإمام البخاري خاصة. وهذه المسائل هي:
١) إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقدح في عدالته؟
٢) إذا كان المحدث يغشى السلطان، هل يقدح في عدالته؟
٣) إذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، فهل يقدح في عدالته؟
_________________
(١) المرجع نفسه ص ١٠٠.
(٢) بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، ثقة كثير الحديث، مات بعد سنة ٢٠٠هـ، ترجمته في: تهذيب التهذيب ج١ ص٤٧، والتقريب ص١٢٨.
(٣) المرجع السابق ص٩٩.
(٤) ١/ ٢٩.
[ ٩١ ]
المسألة الأولى:
إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر ذلك النفي في عدالته الفرع الراوي عنه أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على خمسة أقوال نوجزها فيما يلي (١):
١) إذا كان النافي جازمًا، وجب رد حديث الفرع.
٢) عكس الأول تمامًا، وهو عدم رد المروي، ولا يكون واحد منهما مجروحًا، لاحتمال النسيان.
٣) نفس القول السابق، إلا أنه يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل.
٤) أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما على الآخر. هذه الأقوال الأربعة إذا كان الأصل جازمًا بالرد.
٥) أما إذا قال الأصل - إذا روجه - " لا أعرفه " أو " لا أذكره " مما يقتضي جواز أن يكون نسبه، فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه.
والظاهر قبول رواية الفرع، وأن ذلك لا يقدح في عدالته، ولا عدالة الأصل.
وقد أورد الإمام البخاري - ﵀ - في " صحيحه " حديث ابن عباس ﵁:
" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير " (٢) .
فهذا الحديث مما أنكره الأصل على الفرع، فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه أيضًا عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال:
_________________
(١) للتفصيل ينظر: مقدمة ابن الصلاح (علوم الحديث) ص١٠٥ - ١٠٦، وفتح المغيث للسخاوي ج١ ص٣١٥، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٨٤١) ورقم (٨٤٢) ج٢ ص٣٧٨ مع الفتح ط دار الريان.
[ ٩٢ ]
" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمر: قد أخبرتنيه قبل ذلك " (١) .
وهذا يدل على أن البخاري ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلًا، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع الراوي عنه.
المسألة الثانية:
إذا المحدث يغشى السلطان، أو يتولى شيئًا من أعمله، فهل ذلك يقدح في عدالته أم لا؟
قد قدح كثير من الورعين في بعض الرواة بسبب علاقتهم بالسلطان، وخاصة إذا كان سلطان جور. ولكن ذلك في واقع الأمر لا يقدح في العدالة، ولا يوجب رد الرواية. ما كان الراوي متصفًا بالصدق مجانبًا للكذب، وقدح من قدح فيهم، إنما كان على سبيل الهجر والتأديب الشرعي كي يكفوا عن إعانة الظلمة - لا غير - قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " أعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به. وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط. والله الموفق " (٢) . وهذا الذي قرره الحافظ هو الحق - إن شاء الله - ويشهد له صنيع الإمام البخاري - ﵀ - فقد روى في " صحيحه " عن رجال كثيرين ضعفوا بسبب من هذه الأسباب، ولم ير ذلك قادحًا في عدالتهم وموجبًا لرد رواياتهم. ومن هؤلاء:
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (١٢١) دار الكتاب المصري - القاهرة - ج١ ص٤١٠.
(٢) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: هدي الساري - دار الريان للتراث - القاهرة - ط الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م، ص٤٠٤.
[ ٩٣ ]
١ - أحمد بن واقد الحراني:
قال ابن نمير: تركت حديثه لقول أهل بلده.
قال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال: أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعه له. فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح، وقد قال أبو حاتم: كان من أهل الصدق والإتقان. وقد روى عنه الإمام البخاري، في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن زيد، كما روى عنه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجة (١) .
٢ - حميد بن أبي حميد الطويل:
مشهور من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقال يحي بن يعلي المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. قال الحافظ: " إنما تركه زائدة لدخوله في شيء من أمر الخلفاء " (٢) . فلم يعتبر الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري وسائر الجماعة.
٣ - حميد بن هلال العدوي:
قال الحافظ فيه: " من كبار التابعين وثقة ابن معين، والعجلي والنسائي وآخرون وقال يحي القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قلت: بين أبو حاتم الرازي: أن ذلك بسبب أنه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به الجماعة " (٣) .
٤ - خالد بن مهران الحذاء:
أحد الأثبات، وثقة أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وتكلم فيه شعبة وابن علية. إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو كما قال
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤٠٦.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٩.
(٣) المصدر نفسه ص٤١٩.
[ ٩٤ ]
حماد بن زيد، قدم خالد قدمة من الشام، فكأنما أنكرنا حفظه " (١) . فلم يعتبر ذلك البخاري ولا غيره قادحًا فيه، فقد روى له هو وسائر الجماعة.
٥ - عاصم بن سليمان الأحول:
ثقة، حافظ. وثقة أحمد وابن معين، والعجلي وابن المديني وغيرهم، وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته. قال الحافظ: " كان يلي الحسبة بالكوفة قال ابن سعد " (٢) ونجد الإمام البخاري قد وثقه وروى له في صحيحه ولم يلتفت إلى ما قيل فيه.
٦ - عبد الله بن ذكوان:
أبو الزناد المدني: أحد الأئمة الأثبات الفقهاء، ويقال إن مالكًا كرهه لأنه كان يعمل للسلطان (٣) لكن نجد البخاري قد وثقه وروى له، وكذا سائر الجماعة.
٧ - مروان ابن الحكم:
تكلم فيه من أجل الولاية، لكن لم ير الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري أحاديثه التي رواها عنه سهل بن سعد الساعدي، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقد اعتمد مالك رأيه وحديثه وكذا بقية الجماعة سوى مسلم (٤) .
المسألة الثالثة:
أخذ الأجرة على التحديث.
في هذه المسألة قولان للعلماء: قول بالمنع، وآخر بالجواز.
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤٢٠.
(٢) هدي الساري ص٤٣٢.
(٣) المصدر نفسه ص٤٣٣.
(٤) المصدر نفسه ص٤٦٦.
[ ٩٥ ]
القول الأول:
من أخذ على التحديث أجرًا فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن حرب وغيرهم (١) .
القول الثاني:
قبول رواية من أخذ على التحديث أجرًا، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو نعيم الفضل ابن دكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبد العزيز المكي البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢) .
والظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن أن يجر إليه خذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض كأن يكون فقيرًا، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي - ﵀ - حيث قال: " قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا،
_________________
(١) انظر: الكفاية ص١٨٤ - ١٨٦، وعلوم الحديث ص١٠٧.
(٢) انظر: الكفاية ص١٨٧ - ١٨٨، وعلوم الحديث ص١٠٧، وفتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.
[ ٩٦ ]
وإطلاقهما كما مضى أولًا، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين " (١) .
وواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم:
١) أبو نعيم الفضل بن دكين (٢) .
٢) عفان بن مسلم (٣) .
٣) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي (٤): الحافظ المتقن صاحب المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحي بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٥) "، وقال عقبة: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار (٦)، ومع ذلك روى له البخاري والجماعة.
_________________
(١) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.
(٢) اسمه: عمرو بن حماد بن زهير بن درهم التميمي، أحد الأئمة، من شيوخ البخاري، مات سنة ٢١٨هـ ترجمته في: تهذيب التهذيب ج٨ ص٢٤٣. وتاريخ بغداد ج٦ ص٣٤٦، والعبر: ج١ ص٣٧٧.
(٣) أحد الأعلام، قال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة. مات سنة ٢١٩هـ، ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٢ ص٢٦٩، وتذكرة الحفاظ: ج١ ص٣٧٩، وشذرات الذهب: ج٢ ص٤٧.
(٤) كان أحد الحفاظ المتقنين، صنف " المسند "، مات سنة ٢٥٢هـ، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥٠٥.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد حديث رقم (٩٧) مطولًا، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه حديث رقم (٢٢١)، وفي كتاب المياه، باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم حديث رقم (٣٣٠)، وفي كتاب الغسل والتيمم، باب ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم حديث رقم (٤٩٤)، وأخرجه ابن ماجة في الطهارة وسننها، باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه حديث رقم (٦٠٥) .
(٦) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٩، ولم أجده في سنن النسائي.
[ ٩٧ ]
٤) هشام بن عمار (١): قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئًا فأعطوه فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار. إن هشامًا كان يأخذ على كل ورقتين درهمين ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زمانًا أن أمسك عن حديث هشام. ل أنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد (٢): إنه كان لا يحدث ما لم يأخذ (٣) . ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك قادحًا في عدالته فقد روى له في "صحيحه ". وكذا روى له أصحاب السنن.
* * *
المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء
من المسائل التي لها تعلق بشرط العدالة. وهي شرط أساسي في صحة الحديث - الرواة الذين طعن في عدالتهم بسبب البدع والأهواء، وذلك لأن القدح في الراوي يكون بعشرة أشياء. خمسة تتعلق بالعدالة وخمسة تتعلق بالضبط، فقد بينها الحافظ فقال: " ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحس غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه،
_________________
(١) هشام بن عمار بن نصير بن مسيرة الدمشقي، روى عن مالك وخلق، وروى عنه البخاري وغيره. مات سنة (٢٤٥هـ) . ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٤٥١ - وشذرات الذهب: ج٢ ص١٠٩.
(٢) صالح بن محمد بن عمر بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي المعروف بصالح جزرة، نزيل بخاري. قال الإدريسي: ما أعلم في عصره بالعراق ولا بخرسان مثله في الحفظ. مات سنة (٢٩٣هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٦٤١ وتاريخ بغداد: ج٩ ص٣٢٢.
(٣) فتح المغيث: ج٣ ص٣٧٩.
[ ٩٨ ]
أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه " (١) وهذه العشرة اختصها الحافظ بنفسه في خمسة فقال: "أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند " (٢) .
وقبل تحديد موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ينبغي التعريف بالبدعة لغة واصطلاحًا، وبيان أقسامها، ثم تحديد موقف الأئمة من روايات المبتدعة. ثم أعرج على موقف الإمام البخاري في ذلك مقرونًا بالأمثلة التطبيقية من خلال الجامع الصحيح.
تعريف البدعة:
لغة: أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله بديع السموات والأرض أي (مبدعهما) (البديع) المُبتدع، وشيء (بدع) بالكسر أي مُبتدع ومنه قوله تعالى: (قل ما كنت بدعًا من الرسل «٣) والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، وبدعة تبديعًا: نسبة إلى البدعة (٤) .
أما في الاصطلاح: فقد اختلفت أنظار العلماء، وتنوعت تعاريفهم، فمنهم من توسع في مدلولها، ومنهم من ضيق. ومن هنا يمكن حصر التعاريف الاصطلاحية للبدعة في اتجاهين (٥) .
١ - الاتجاه الأول: وهو التوسع في مدلول البدعة لتشمل كل أمر لم
_________________
(١) ابن حجر العسقلاني: نخبة الفكر مع شرحه نزهة النظر - شركة الشهاب الجزائر، ص٤٠.
(٢) ابن حجر العسقلاني: هدي الساري - ط دار الريان - القاهرة، ص٣٨١.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٩.
(٤) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ت مصطفى البغا - دار الهدى للطباعة والنشر ص٣٦.
(٥) انظر: الدكتور عزت علي عطية: البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها - مطبعة المدني - القاهرة ١٩٧٣م ص١٩٥ - ٢٢٠.
[ ٩٩ ]
يكن في عهده ﷺ، ولم يأت شيء في القرآن والسنة يدل عليه، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا، محمودًا كان أم مذمومًا، وهو مطابق تمامًا للتعريف اللغوي ويمثل هذا الاتجاه جماعة من الأئمة منهم: الإمام الشافعي، وابن حزم، والعز بن عبد السلام، والقرافي وغيرهم.
٢ - الاتجاه الثاني: وهو التضيق في مدلول البدعة لتنحصر في الجديد (المحدث) المخالف للسنة، ومنهم من ضيق أكثر فقال: البدعة كل محدث مخالف للسنة ينسب إلى الدين ويتعبد به ويمثل هذا الاتجاه جماعة من العلماء منهم: ابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، والزركشي وغيرهم، وأما من اعتبر قيد المخالفة للسنة والتدين بهذا المحدث، فعلى رأس هؤلاء الإمام الشاطبي. وقد ناقش في كتابه " الاعتصام " أصحاب الرأي الأول مناقشة علمية، وأبطل تقسيمهم للبدع إلى محمود ومذموم، وعرف البدعة بقوله: " البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية. يقصد بالسلوك عليها، المبالغة في التعبد لله تعالى " (١) .
وعلى الرغم من تباين هذين الاتجاهين من حيث التوسع والتضييق في مفهوم البدعة إلا أن الواقع العملي في إطلاق البدعة عند علماء الجرح والتعديل المقصود به دائمًا ما هو مذموم من الآراء والاعتقادات والأعمال، مما يكون سبيله التأويل الفاسد المستند إلى الشبهات. قال السخاوي - ﵀ -: " البدعة هي ما أحدث على غير مثال متقدم، فيشمل المحمود والمذموم لكن خصت شرعًا بالمذموم، مما هو خلاف المعروف عن النبي ﷺ فالمبتدع من اعتقد ذلك لا بمعاندة، بل بنوع شبهة " (٢) .
أقسام البدعة:
قسم العلماء البدعة إلى قسمين هما: البدعة المكفرة، والبدعة
_________________
(١) أبو إسحاق الشاطبي: الاعتصام - ضبطه وصححه الأستاذ أحمد عبد الشافي - دار اشريفة، ج١ ص٢٨.
(٢) شمس الدين السخاوي: فتح المغيث - ت محمد عويضة - ج١ ص٣٥٦.
[ ١٠٠ ]
المفسقة (١) .
١ - البدعة المكفرة:
ما يخرج صاحبها عن دائرة الإيمان وهي نوعان:
أ - ما اتفق على تكفير أصحابها: كمنكري العلم بالمعدوم القائلين: ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو منكري العلم بالجزئيات، أو الإيمان برجوع سيدنا علي إلى الدنيا، أو حلول الإلهية في علي أو غيره.
ب - ما اختلف في تكفير أصحابها: كالقائلين بخلق القرآن، والنافين لرؤية الله تعالى يوم القيامة.
٢ - البدعة المفسقة:
وهي التي لا تخرج صاحبها عن دائرة الإيمان: مثل بدع الخوارج، والروافض الذين لا يغلون ذاك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافًا ظاهرًا لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ.
مناقشة التقسيم السابق:
هذا التقسيم - الذي ذكره العلماء للبدع - يترتب عليه إشكال كبير وذلك أننا اشترطنا في حد العدالة " السلامة من أسباب الفسق " ثم مثلوا للبدع المفسقة ببدع الخوارج وغيرها من الفرق المخالفين لأصول السنة، ومقتضى ذلك الحكم عليهم بالفسق ورد رواياتهم، والصواب - فيما أرى- أن هذا التقسيم نظري فحسب وذلك أن الحكم بالكفر أو الفسق أو البدعة، إنما يكون بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، فمن وقع في شيء من البدع فلا نجرؤ على تبديعه أو تفسيقه أو تكفيره، فإذا كان متأولًا أو جاهلًا، فهو معذور بجهله أو تأويله، لكن من بلغته الحجة، وكشفت له الشبهة، فأصرّ على قوله المخالف لأصول السنة، فهو معاند، ولا شك في فسق هذا النوع، لأنه مخالف لأوامر الله وأحكامه، والفسق هو الخروج عن
_________________
(١) المصدر نفسه ص٣٦٤، وهدي الساري ص٤٠٤.
[ ١٠١ ]
طاعة الله، ولا فرق في ذلك بين العمليات والأخبار، وإلى هذا المعنى أشار الإمام مسلم في " مقدمة صحيحه " فقال - ﵀ -: " أعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع " (١) . والإمام مسلم - صحيحه - ملآن بأحاديث المبتدعة ممن تصنف بدعهم في البدع المفسقة، وليس هناك تناقض بين قوله وفعله، إذا تأملنا القيد السابق، لأن هؤلاء المبتدعة كانت بجعهم عن تأويل وشبهة لا بعناد.
مذاهب العلماء في الرواية عن أهل البدع والأهواء:
اختلف العلماء من أئمة الحديث ونقاده في حكم الرواية عن أهل البدع والأهواء، اختلافًا كثيرًا وخاصة عند المتأخرين منهم. وقد تباينت أنظارهم تباينًا واضحًا، فمنهم من ذهب إلى رد رواية المبتدع ردًا كاملًا ولم يقبلها سواء أكان هؤلاء من الغالين أم من غير الغالين، من الدعاة أغيرهم، ومنهم من قبلها حتى من الغالين، والدعاة منهم، وسأذكر تفصيل ذلك حسب نوعي البدعة.
أما بالنسبة للمبتدعة الذين بدعتهم مكفرة. فللعلماء في رواياتهم ثلاثة مذاهب:
الأول: القبول مطلقًا وإن كانوا كفارًا أو فساقًا بالتأويل، إليه ذهب جماعة من أهل النقل والمتكلمين (٢) .
الثاني: يقبل خبرهم إذا كانوا يعتقدون حرمة الكذب، وقد ذهب إليه جماعة من الأصوليين، كأبي الحسن البصري المعتزلي (٣) وفخر الدين
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم - تحقيق فؤاد عبد الباقي - دار الكتاب المصري - القاهرة ص٨.
(٢) انظر الكفاية ص١٤٨.
(٣) انظر كتابه: المعتمد في أصول الفقه - تحقيق د. محمد حميد الله - المطبعة الكاثوليكية بيروت ١٣٨٥هـ، ج٢ ص٦١٧ -٦١٩.
[ ١٠٢ ]
الرازي (١)، والبيضاوي (٢) .
الثالث: الرد مطلقًا، وقد حكى النووي الاتفاق على أن المكفرين ببدعهم لا يحتج بهم ولا تقبل روايتهم (٣) وما سبق ينقض قوله.
وقد حقق الحافظ ﵀ هذه المسألة وأتى فيها بقول فصل موافق لما عليه أئمة الحديث ونقاده فقال - ﵀ -: " والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد: أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله " (٤) .
وأما بالنسبة للمبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم. فللعلماء في رواياتهم خمسة مذاهب:
الأول: الرد مطلقًا: وممن ذهب إليه مالك بن أنس، وابن غُيينة، والحميدي، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وقد وجه الحافظ ابن رجب هذا المذهب بقوله: " والمانعون من الرواية، لهم مأخذان: أحدهما تكفير أهل الأهواء وتفسيقهم، وفيه خلاف مشهور. والثاني: الإهانة لهم، والهجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفرهم أو فسقهم. ولهذا مأخذ ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب ولا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي " (٥) .
_________________
(١) انظر كتابه: المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض العلواني، ق١ ج٢ ص٥٦٧ - ٥٧١.
(٢) انظر كتابه: منهاج الوصول في علم الأصول بشرح البدخشي والأسنوي - مطبعة محمد علي صبيح - القاهرة، ج٢ ص٢٤١.
(٣) التقريب مع شرحه التدريب للسيوطي - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، ج١ ص٣٢٤.
(٤) نزهة النظر ص٥٣.
(٥) ابن رجب الحنبلي: شرح علل الترمذي - حققه وعلق عليه صبحي السامرائي - عالم الكتب - ط الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص٦٥.
[ ١٠٣ ]
الثاني: يحتج بهم إن لم يكونوا يستحلون الكذب في نصرة مذهبهم، سواء أكانوا دعاة أم لا، وممن قال به الشافعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وحكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث (١) .
الثالث: تقبل رواية المبتدع إذا كان مرويه مما يشتمل على ما ترد به بدعته، وذلك لبعده حينئذ عن تهمة الكذب (٢) .
الرابع: تقبل روايته إذا كانت بدعته صغرى، وإذا كانت كبرى فلا تقبل (٣) فالبدعة الصغرى كالتشيع بلا غلو ولا تحرق، والكبرى كالتشيع مع الغلو والطعن وسب الصحابة.
الخامس: تقبل أخبار غير الدعاة إلى بدعهم، وترد أخبار الدعاة منهم، وقد صرح الخطيب وغيره بأنه مذهب الكثير من العلماء (٤) .
بعد أن سردت أقوال الأئمة ومذاهبهم في الرواية عن أهل البدع والأهواء، فقد تبين أن مذاهبهم متباينة جدًا. امتزجت فيها أقوال المحدثين بآراء علماء الكلام والأصول. فلا بد من استجلاء الموقف العملي للمحدثين من خلال مصنفاتهم، ومن هؤلاء الإمام البخاري - ﵀ - فكيف تعامل مع روايات أهل البدع في صحيحه؟
إذا تأملنا رجال البخاري - ﵀ - نجد جملة كبيرة منهم قد رموا ببدع اعتقاية مختلفة وقد أورد الحافظ في " هدي الساري " (٥) من رمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (٦٩) راويًا، ومن خلال التتبع لهؤلاء الرواة يمكن أن نستخلص المعايير التي اعتمدها البخاري في الرواية
_________________
(١) الكفاية ص١٤٨ - ١٤٩.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص٣٦١.
(٣) انظر تفصيل ذلك في ميزان الاعتدال ج١ ص٦٠٥، وتهذيب التهذيب ج١ ص٩٤ في ترجمة أبان بن تغلب الشيعي.
(٤) الكفاية ص١٤٩، وفتح المغيث: ج١ ص٣٦٠، وعلوم الحديث ص١٠٣.
(٥) هدي الساري ص٤٨٣ - ٤٨٤.
[ ١٠٤ ]
عن أهل البدع ويمكن أن نجملها في النقاط التالية:
- ليس فيهم من بدعتهم مكفرة.
- أكثرهم لم يكن داعية إلى بدعته، أو كان داعية ثم تاب (١) .
- أكثر ما يروي لهم في المتابعات والشواهد.
- أحيانًا يروى لهم في الأصول لكن بمتابعة غيرهم لهم.
- كثير منهم لم يصح ما رموا به.
إذن فالعبرة إنما هي صدق اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد المبتدع بشيء ليس عند غيره.
وما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، ومن هؤلاء تلميذه وخريجه الإمام مسلم، فقد روى في صحيحه عن أهل البدع والأهواء المعروفين بالصدق والإتقان، وخاصة إذا انضم إلى ذلك الورع والتقوى، وما ذهب إليه الشيخان هو رأي أكثر الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما توقف من توقف منهم في الرواية عن أهل البدع إما لأنه لم يتبين لهم صدقهم، أو أرادوا محاصرة البدعة وإخمادها حتى لا تفشوا، ولكن شاء الله تعالى أن تكثر البدع وتفشو، وتبناها كثير من العلماء والفقهاء والعباد فلم يكن من المصلحة ترك رواياتهم، لأن في تركها، اندراسًا للعلم، تضييعًا للسنن. فكانت المصلحة الشرعية تقتضي قبولها ما داموا ملتزمين بالصدق والأمانة. قال الخطيب البغدادي - بعد أن ذكر أسماء كثير من الرواة احتج بهم وهم منسوبون إلى بدع اعتقادية مختلفة: ". دون أهل العلم قديمًا وحديثًا رواياتهم واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب " (٢) .
_________________
(١) انظر ترجمة: عمران بن حطان في هدي الساري ص٤٠٤، وترجمة شبابه بن سوار في الهدي ص٤٦٩، وترجمة: عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني في الهدي ص٤٣٧.
(٢) الكفاية ص١٥٣ - ١٥٤.
[ ١٠٥ ]
وقال علي بن المديني: " لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي خربت الكتب " (١) .
* * *
المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل
قبل الخوض في بيان موقف الإمام البخاري من الرواة المجاهيل لابد من تعريف الجهالة لغة واصطلاحًا وبيان أسبابها.
تعريف الجهالة لغة:
المجهول في لغة العرب (٢) هو:
١) كل شيء غير معلوم الحقيقة.
٢) أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة.
٣) أو في معرفته تردد أو تشكك.
تعريف الجهالة اصطلاحًا:
عرف الخطيب المجهول بقوله: " هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد " (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص١٥٧.
(٢) انظر ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج١ ص٤٨٩، الزمخشري: الأساس في البلاغة ص٦٧ - ٦٨، الفيروزآبادي: القاموس المحيط ج٣ ص٣٥٣.
(٣) الكفاية ص١١١.
[ ١٠٦ ]
أسباب الجهالة:
للجهالة سببان بينهما الحافظ ابن حجر بقوله:
" أحدهما: أن الراوي: قد تكثر نعوته، من اسم أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفة، أو نسب فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض فيظن أنه آخر فيحصل الجهل بحاله. والأمر الثاني: أن الراوي قد يكون مقلًا من الحديث، فلا يكثر الأخذ عنه، وقد صنفوا فيه الوحدان، وهو من لم يرو عنه إلا واحد، ولو سمي " (١) .
والتعريف الذي أورده الخطيب البغدادي للمجهول، قد اعترض عليه غير واحد ممن كتب في المصطلح كابن الصلاح، والنووي، والعراقي (٢) . كما أن الواقع التطبيقي عند الأئمة النقاد يخالفه، فكم من راو حكموا عليه بالجهالة وقد روى عنه جماعة، وفيهم من حكموا عليه بالوثاقة وليس له إلا راو واحد، وكثير ممن ليس له إلا راو واحد اختلفوا في الحكم عليه بين موثق ومضعف ومجهل (٣)، وعليه نستطيع القول أن الجهالة غير مرتبطة بعدد الرواة بقدر ما هي مرتبطة بالشهرة، ورواية الحفاظ.
وقد سبق إلى هذا الإمام ابن رجب - ﵀ - فقال: " وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة، ورواية الحفاظ " (٤) .
فمقدار مرويات الرجل لها دور بارز في الحكم عليه، فكلما كثرت مرويات الرجل وكانت مستقيمة حكم عليه بالوثاقة، وكلما قلّت وكانت مخالفة لروايات الثقات فحكم عليه بالضعف، وإن قلّت رواياته، ولم يتداولها العلماء، فلا يمكن الحكم عليه، وبقي في حيز الجهالة.
_________________
(١) نخبة الفكر مع شرحها نزهة النظر ص٥١ - ٥٢.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص١٤٨ - والتقريب مع التدريب ج١ ص٣١٨ والتبصرة والتذكرة ج١ ص٣٢٨.
(٣) انظر: شرح العلل ص٨١.
(٤) المصدر نفسه ص٨٢.
[ ١٠٧ ]
وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن رجب - ﵀ - يخالف إطلاق محمد بن يحي الذهلي - الذي حكاه عنه الخطيب في الكفاية - وتبعه عليه المتأخرون من أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه (١)، وإن كان الخطيب - ﵀ - قد صرح باعتبار شهرة الراوي بالطلب، وكذلك صرح بأن أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك (٢) .
ومع ذلك نجد أن كثيرًا من المتأخرين لم يعتبروا الشهرة بالطلب في الراوي، لكي يرتفع عنه وصف الجهالة، وهذا النوع من الرواة الذين اشتهروا بطلب العلم وعرفوا به بين العلماء يزول عنهم وصف الجهالة ويثبت لهم بذلك وصف العدالة. وقد نبّه على هذا الحاكم النيسابوري فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر حيث قال:
" زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راوية مشهورًا وهذه الشهرة قدر زائد عن الشهرة التي تخرجه عن الجهالة. وقد استدل الحاكم على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده عن عبد الله بن عون " لا يؤخذ العلم إلا ممن شهد له عندنا بالطلب " والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك، إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك " (٣) .
نفهم من كلام الحاكم - ﵀ - أن هناك نوعين من الشهرة:
شهرة شخص الراوي وهذه تنفي عنه جهالة العين، وشهرته بالطلب وهذه تتنفي عنه جهالة الحال. وقد أشار الحاكم إلى أن راوي الصحيح لابد أن يكون معروفًا بطلب العلم وقد استظهر الحافظ ذلك من صنيع الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما. فكل رواة الصحيحين مشهورون بطلب العلم، وقد تداول أحاديثهم الحفاظ، وحيث يكون الراوي مقلًا ولم
_________________
(١) الكفاية ص١١١.
(٢) المصدر نفسه ص١١١.
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٤١.
[ ١٠٨ ]
يتداول الحفاظ حديثه، يكون ذلك الحديث الذي يرويه عنه أصحاب الصحيح قد تعددت طرقه وانتشرت فيكون ذلك قائمًا مقام الشهادة بثقته وضبطه.
ومع هذا نجد بعض رواة البخاري قد وصفوا بالجهالة من طرف بعض أئمة الجرح والتعديل، فما مدى تحقق هذا الوصف في هؤلاء الرواة؟
قال الحافظ - ﵀ -: " أما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون راوية معروفًا بالعدالة، فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول، فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه غير معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته، لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا نجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا " (١) .
وفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة:
١ - أحمد بن عاصم البلخي:
معروف بالزهد والعبادة، له ترجمة في حلية الأولياء، وقد ذكره ابن حبان: فقال: روى عنه أهل بلده. وقال أبو حاتم الرازي: مجهول. روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في كتاب الرقاق، وهو في رواية المستملي وحده (٢) .
٢ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني:
قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حاله (٣) . وفي ما قاله نظر فإن إبراهيم هذا قد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وروى عنه أيضًا ولده
_________________
(١) هدي الساري ص٤٠٣.
(٢) المصدر نفسه ص٤٠٦.
(٣) هدي الساري ص٤٠٨.
[ ١٠٩ ]
إسماعيل والزهري (١) وليس له في صحيح البخاري إلا حديثًا واحدًا في كتاب الأطعمة في دعائه ﷺ في تمر جابر بالبركة حتى أوفى دينه (٢) وهو حديث مشهور له طرق كثيرة عن جابر منها (٣):
عامر الشعبي عن جابر من طريق زكريا بن زائدة. أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
ومن طريق مغيرة عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب البيوع.
ومن طريق فراس عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب الوصايا.
ويرويه عن جابر أيضًا، وهب بن كيسان، أخرجه البخاري في كتاب الصلح.
ويرويه عن جابر أيضًا، ابن كعب بن مالك، أخرجه البخاري في الاستقراض والهبة.
ويرويه عن جابر نبيح العنزي، أخرجه الإمام أحمد.
ومما سبق يتبين أن جهالة إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي - على التسليم بها - لا تضر في صحة هذا الحديث لكثرة طرقه، واشتهار مخرجه، وهذا يؤيد ما نقلته عن الحافظ من أن كثرة الطرق يستغنى بها عن شهرة الراوي بالطلب عند الشيخين.
٣ - أسامة بن حفص المدني:
قال الحافظ: ضعفه الأزدي، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول. له في الصحيح حديث واحد في الذبائح (٤) بمتابعة أبي خالد الأحمر
_________________
(١) فتح الباري: ج٩ ص٤٧٩.
(٢) الجامع الصحيح: كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر، حديث رقم (٥٣٤٣)، ج٩ ص٤٧٧، مع الفتح.
(٣) انظر: فتح الباري: ج٦ ص٦٨٦.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم حديث رقم (٥٥٠٧)، ج٩ ص٥٥٠ مع الفتح.
[ ١١٠ ]
والطفاوي. وقرأت بخط الذهبي في ميزانه، ليس بمجهول فقد روى عنه أربعة " (١) والظاهر من حال أسامة بن حفص أنه غير مشهور بالراوية. وذلك أن الإمام البخاري لما ذكره في تاريخه لم يزد على ما في هذا الإسناد حيث قال: " أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة، سمع منه محمد بن عبيد الله (٢) " ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل ".
ويظهر من صنيع الإمام البخاري أنه لم يحتج به لأنه قد أخرج هذا الحديث من رواية الطفاوي وغيره (٣) ويؤخذ من صنيعه أيضًا أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون رواية من أهل الضبط والإتقان. أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك وصح الحديث على شرطه (٤) .
٤ - أسباب أبو اليسع:
قال أبو حاتم فيه: مجهول. روى له البخاري حديثًا واحدًا في البيوع من روايته عن هشام الدستوائي مقرونًا (٥) .
٥ - بيان بن عمرو البخاري العابد:
شيخ البخاري اثنى عليه ابن المديني ووثقه ابن حبان وابن عدي. وقال أبو حاتم: مجهول. قال الحافظ: ليس بمجهول من روى عنه البخاري وأبو زرعة، وعبد الله بن واصل ووثقه من ذكرنا (٦) .
فمثل هذا لا يصح أن يطلق عليه لفظ " مجهول " لأن من عرفه وعلم
_________________
(١) هدي الساري ص٤٠٨ انظر ميزان الاعتدال: ج١ ص١٧٤.
(٢) التاريخ الكبير: ق٢، ج١ ص٢٣.
(٣) فتح الباري: ج٩ ص٥٥٠.
(٤) المصدر نفسه: ج٩ ص٥٥٠.
(٥) هدي الساري ص٤٠٨.
(٦) المصدر نفسه ص٤١٣.
[ ١١١ ]
حاله حجة على من لم يعرفه ويخبر حاله.
٦ - الحسين بن الحسن بن يسار:
صاحب ابن عون، قال أبو حاتم: مجهول. وقال أحمد بن حنبل: كان من الثقات، احتج به مسلم والنسائي، وروى له البخاري حديثًا واحدًا في الاستسقاء توبع عليه (١) .
٧ - الحكم بن عبد الله:
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: " ليس بمجهول من روى عنه أربعة ثقات ووثقه الذهلي. ومع ذلك ليس له في البخاري سوى حديث واحد في الزكاة (٢) أخرجه عن أبي قدامة عنه عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي مسعود في نزول قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين «٣)، وأخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة " (٤) .
٨ - عباس بن الحسين القنطري:
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: " ليس بمجهول إن أراد العين فقد روى عنه البخاري وموسى بن هارون الحمال. والحسن بن علي المعمري وغيرهم. وإن أراد الحال فقد وثقه عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال: سألت أبي عنه فذكره بخير، وله في الصحيح حديثان قرنه في أحدهما وتوبع في الآخر " (٥) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤١٧.
(٢) الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة رقم (١٤١٥)، ج٣ ص٣٣٢ مع الفتح.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٧٩.
(٤) هدي الساري ص٤١٨.
(٥) المصدر نفسه ص٤٣٣.
[ ١١٢ ]
٩ - محمد بن الحسن المروزي:
من شيوخ البخاري لم يعرفه أبو حاتم فقال: إنه مجهول. قال الحافظ: " قد عرفه البخاري وروى عنه في صحيحه في موضعين. وعرفه ابن حبان فذكره في الطبقة الرابعة من الثقات " (١) .
١٠ - خالد بن سعد الكوفي:
مولى أبي مسعود الأنصاري، وثقة ابن معين. وقال ابن أبي عاصم: مجهول. أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في الطب (٢) من روايته عن أبي عتيق عن عائشة في الحبة السوداء، وله عنده شواهد (٣) .
مما سبق يتضح لنا أن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط. وذلك لأن جهالة الراوي لا يمكن معها تحقيق عدالته، التي هي شرط في صحة الحديث، أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد على أحاديثهم، وما يرويه لهم أحاديث يسيرة جدًا لها طرق وشواهد كثيرة.
المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم
سأتناول في هذه المطلب مسألة الوحدان، وموقف الإمام البخاري من رواياتهم. وهي مسألة لها تعلق كبير بمسألة الجهالة. أي هل هؤلاء الرواة يعدون في المجاهيل أم لا؟
تعريف الوحدان:
وحدان لغة جمع واحد، ويجمع على أحدان، كشاب وشبان، وراعٍ
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤٦٠.
(٢) كتاب الطب، باب الحبة السوداء رقم (٥٦٨٧)، ج١٠ ص١٥٠ مع الفتح.
(٣) هدي الساري ص٤٢٠.
[ ١١٣ ]
ورعيان (١) .
واصطلاحًا: هو من لم يرو عنه إلا واحد ولو سُمي (٢) .
وقد اهتم العلماء بهذا النوع من الرواة وصنفوا فيه كالإمام مسلم والحسن بن سفيان وغيرهما (٣) ومنهم من ذكره في أنواع علوم الحديث (٤) كالحاكم في معرفة علوم الحديث، وابن الصلاح في كتابه (٥) .
قد اختلفت أنظار العالم حول موقف البخاري من روايات الوحدان، فمنهم من نفى تخريج البخاري لرواياتهم في صحيحه، ومنهم من أثبت وجودها ومنهم من توسط في الأمر وذهب إلى أن البخاري لم يخرج لهم إلا شيئًا يسيرًا لملابسات خاصة وإليك التفصيل.
ذهب الإمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) إلى أن الإمام البخاري لم يرو عن الوحدان في صحيحه، وهذا في معرض كلامه على الحديث الصحيح في كتابه " المدخل في أصول الحديث " فقد قسم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام: خمسة متفق عليها من أحاديث الصحيحين يقول ﵀: " فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو
_________________
(١) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح، ص٤٤٩.
(٢) نزهة النظر بشرح نخبة الفكر ص٥٢.
(٣) المصدر نفسه ص٥٢.
(٤) معرفة علوم الحديث: تحقيق لجنة إحياء التراث العربي - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت، ص١٥٧ - ١٦١.
(٥) علوم الحديث ص٢٨٧ - ٢٩٠.
[ ١١٤ ]
مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من الصحيح " (١) .
ويلاحظ هنا أن الحاكم عدَّ الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد ليس مشهورًا. ومن هنا لا يصل حديثه إلى الدرجة العالية من الثقة التي تجعل البخاري ومسلم يأخذان بحديثه وقد عد الحاكم حديث مثل هذا النوع في الدرجة الثانية من درجات الصحيح المتفق عليه ومثل له بحديث عروة بن مضرس الطائي أنه قال: " أتيت رسول الله ﷺ وهو بالمزدلفة: فقلت يا رسول الله أتيتك من جبل طيء، أتعبت نفسي، وأكلت مطيتي، ووالله ما تركت من جبل إلا وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: " من صلى معنا هذه الصلاة وقد أتى عرفة قبل ذلك بيوم أو ليلة فقد تم حجه، وقضى تفثه " (٢) .
ثم عدد الحاكم كثيرًا من الصحابة الذين رووا أحاديث عن رسول الله ﷺ ولم يكن لكل واحد منهم إلا راو واحد ثم قال: " والشواهد كما ذكرنا كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح " (٣) .
وقد عارض أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) الحاكم في هذا، وقرر أن البخاري ومسلمًا لم يكن عندهما هذا الشرط ولا نقل على واحد منهما أنه قال بذلك وأن الحاكم لم يقدر هذا التقدير عن استقراء
_________________
(١) الحاكم النيسابوري: المدخل في أصول الحديث - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ص١٥٠.
(٢) أخرجه أبو داود في المناسك، باب من لم يدرك عرفة (الحديث ١٩٥٠)، وأخرجه الترمذي في الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (الحديث ٨٩١)، وأخرجه النسائي في مناسك الحج، في من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة (الأحاديث ٣٠٣٩، ٣٠٤٠، ٣٠٤١، ٣٠٤٢، ٣٠٤٣)، وأخرجه ابن ماجه في المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (الحديث ٣٠١٦) .
(٣) المدخل في أصول الحديث ص١٥٣.
[ ١١٥ ]
يصل به إلى نتيجة صحيحة، أو يقين، وإنما قاله على الظن، لأن ما في الصحيحين على خلاف ذلك. ثم ساق الأمثلة التي تنقض ما ذهب إليه الحاكم.
فقد أخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: يذهب الصالحون أسلافًا، ويقبض الصالحون أسلافًا، الأول، فالأول، حتى تبقى حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يباهي الله ﷿ بهم شيئًا " (١) وليس لمرداس راو غير قيس.
وأخرج هو ومسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب (٢) قال: " إن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: أي عمي قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب "، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: " على ملة عبد المطلب " فقال النبي ﷺ: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنه " فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم «٣) ونزلت (إنك لا تهدي من أحببت «٤) " ولم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد بن المسيب.
وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب عن
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب ذهاب الصالحين (الحديث ٦٤٣٤)، ج١١ ص٢٥٦، وفي كتاب المغازي باب غزوة الحديبية (الحديث ٤١٥٦) ج٧ ص٥٠٩ مع الفتح، وأحمد في مسنده: ج٤ ص١٩٢ مع اختلاف في اللفظ والسند، والدارمي في سننه ج٢ ص٣٠١ مع اختلاف في اللفظ واختصار وزيادة.
(٢) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (الحديث ٣٨٨٣) ج٧ ص٢٣٢، وفي كتاب التفسير، في تفسير براءة وتفسير القصص، ومسلم في كتاب الإيمان في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (الحديث ٢٤) ج١ ص٥٤.
(٣) سورة التوبة، الآية: ١١٣.
(٤) سورة القصص، الآية: ٥٦.
[ ١١٦ ]
النبي ﷺ: " إني لأعطي الرجل، والذي أدع أحب إلي الحديث " (١) ولم يرو عن عمرو غير الحسن البصري.
كما يقرر أبو الفضل المقدسي أن هناك أمثلة في البخاري غير هذه، كما يشير إلى أن الحاكم ليس أول من ذهب إلى هذا، ولكن أبا عبد الله بن محمد بن إسحاق بن منده (ت ٣٩٥هـ) ذهب إلى ذلك، وهما متعاصران.
فقد قال: " من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهورًا مثل الشعبي، وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفًا تبين أمرها " (٢) .
ويرى المقدسي أن شرط البخاري ومسلم هو أنهما يخرجان " الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات والأثبات، ويكون إسنادة متصلًا غير مقطوع فإن كان للصحابي روايان فصاعدًا فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه " (٣) .
وجاء بعد أبي الفضل المقدسي، الحافظ أبو بكر موسى بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) ففصل القول في رد دعوى الحاكم وأتى بأمثلة أكثر مما أتى به الأول (٤) .
ويرى ابن الأثير أن الحاكم لا يقصد ما فهمه المقدسي والحازمي وإنما يقصد أن يكون للصحابي راويان وإن كان الحديث الذي يحتج به في
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الخمس، باب ما كان يعطي المؤلفة قلوبهم الحديث (٣١٤٥): ج٦ ص٢٩٠ مع الفتح.
(٢) شروط الأئمة الستة: دار الكتب العلمية - بيروت، ص ٢٢ - ٢٣.
(٣) المصدر نفسه ص١٧ - ١٨.
(٤) شروط الأئمة الخمسة: مطبوع مع شروط الأئمة الستة بدار الكتب العلمية - بيروت، ص٤٣ - ٤٩.
[ ١١٧ ]
الصحيحين ليس له إلا راو واحد (١) .
كما نجد أن الحافظ ابن حجر، أيضًا قد نبّه على خطأ الحازمي في فهمه لكلام الحاكم حيث قال: " وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه أدعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين، والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد أن كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك بعينة عنه " (٢) .
وما ذهب إليه الحاكم قد سبقه إليه الحافظ ابن منده - كما رأينا - ووافقه عليه أيضًا صاحبه ومعاصره الإمام البيهقي، فقد قال في كتب الزكاة من سننه عند ذكر حديث بهز عن أبيه عن جده (ومن كتمها فأنا آخذها وشرط ماله) ما نصه: " أما البخاري ومسلم فلم يخرجاه جريًا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين " (٣) .
وأما الحافظ ابن حجر فقد وقف من كلام الحاكم موقفًا وسطًا بحيث رد كلامه في حق الصحابة واعتبره فيمن بعدهم، قال - ﵀ - معقبًا على كلام الحاكم: " وهو وإن كان منتقضًا في حق الصحابة الذين أخرجا لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط " (٤) .
قال السخاوي: " وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك وإن كان مناقضًا لكلامه الأول ولعله رجع عنه إلى هذا
_________________
(١) ابن الأثير الجزري: جامع الأصول من أحاديث الرسول - تحقيق عبد القادر الأرناؤوط - ط١، دمشق ١٩٦٩م، ج١ ص٩٢ - ٩٤.
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح - حققه وعلق عليه مسعود عبد الحميد السعدني، ومحمد فارس - دار الكتب العلمية
(٣) سنن البيهقي: ج٤ ص١٠٥.
(٤) نقله السخاوي في فتح المغيث، ج١ ص٦١.
[ ١١٨ ]
قال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويًا غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصححنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعًا. فإن البخاري احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من مرداس الأسلمي، وعدي بن عمير به، وليس لهما راو غيره. وكذلك احتج مسلم بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه (١)، وأحاديث مجزأة بن زاهر عن أبيه. وحينئذ فكلام الحاكم قد استقام، وزال بما تممت به عن الملام " (٢) .
وأما الصحابة الذين أخرج لهم البخاري ولم يرو عنهم سوى واحد فهم:
١) مرداس الأسلمي عن قيس بن أبي حازم.
٢) حزن المخزومي تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن.
٣) زاهر بن الأسود عنه ابنه مجزأة.
٤) عبد الله بن هشام بن زهرة القرشي عنه حفيده زهرة بن معبد.
٥) عمرو بن تغلب عنه الحسن البصري.
٦) عبد الله بن ثعلبة بن صغير روى عنه الزهري قوله.
٧) سنن أبو جميلة السلمي عنه الزهري.
٨) أبو سعيد بن المعلى تفرد عنه حفص بن اصم.
٩) سويد بن النعمان الأنصاري تفرد بالحديث عنه بشير بن سيار.
١٠) خولة بنت ثامر عنهما النعمان بن أبي عياش. فجملتهم عشرة " (٣) .
وقد بنى على هذا الإمام أبو عمرو بن الصلاح قاعدة عامة - من
_________________
(١) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين - مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد، الدكن، الهند، طبعة أولى ١٣٤١هـ ج١ ص٢٣.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص٦٢.
(٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٧.
[ ١١٩ ]
تخريج البخاري ومسلم لأحاديث هؤلاء الصحابة الوحدان - وهي ارتفاع الجهالة والتعديل برواية واحد فقال: " قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم إلا راو واحد منهم مرداس الأسلمي لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن. وذلك مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولًا مردودًا براوية واحد عنه " (١) ولقد اعترض على هذا الإمام النووي فقال: "مرداسًا وربيعة صحابيان، والصحابة كلهم عدول، فلا تضر الجهالة بأعيانهم لو تثبت " (٢) .
ولقد تعقب العراقي النووي فقال: " لا شك أن الصحابة الذين بينت صحبتهم كلهم عدول ولكن الشأن هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أم لا تثبت إلا برواية اثنين. هذا محل نظر واختلاف بين أهل العلم. والحق أنه إن كان معروفًا بذكره في الغزوات أو فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك فإنه تثبت صحبته وإن لم يرو عنه إلا راو واحد وإذا عرف ذلك فإن مرداسًا من أهل الشجرة وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد راو واحد عن كل منهما " (٣) .
وكان الصحابة الوحدان الذين روى لهم الإمام البخاري في صحيحه قد ثبتت صحبتهم لشهرتهم عند علماء السير والمغازي (٤) . فلا يضر انفراد واحد
_________________
(١) ابن الصلاح: علوم الحديث ص١٠٢ وص٢١١.
(٢) النووي التقريب مع شرحه التدريب - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف - مطبعة السعادة القاهرة، ط٢ - ١٣٨٨ هك، ص٢١١.
(٣) العراقي: التقييد والإيضاح - تصحيح وتعليق محمد راغب الطباخ - دار الحديث - ط ثانية، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م، ص١٢٥.
(٤) انظر تراجم هؤلاء الصحابة والأحاديث التي رووها في الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر. مرداس الأسلمي: ج٣/ ٣٨١. حزن المخزومي: ١/ ٣٢٤. زاهد بن الأسود: ١/ ٥٢٣. عبد الله بن هشام بن زهيرة: ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠. عمرو بن تغلب: ٢/ ٥١٩. عبد الله بن ثعلبة بن صغير: ٢/ ٢٧٦. سنن أبو جميلة السلمي: ٢/ ٨٤. أبو سعيد بن المعلى الأنصاري: ٤/ ٩٠. سويد بن النعمان: ٢/ ٩٩. خولة بنت ثامر: ٤/ ٢٨٢.
[ ١٢٠ ]
بالرواية عنهم بالرواية عنهم، لأن الصحابة عدول كلهم لكن بقي النظر فيمن ليس له إلا راو واحد من غير الصحابة ممن أخرج لهم الإمام البخاري في صحيحه وهؤلاء الرواة هم:
١) حصين بن محمد الأنصاري: لم يرو عنه غير الزهري.
٢) عبد الرحمن بن نمر اليحصبي: لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم.
٣) عمر بن محمد بن جبير بن مطعم: لم يرو عنه غير الزهري.
٤) حماد بن حميد الخراساني: شيخ البخاري لم يرو عنه غيره.
٥) عبيد الله بن محرز الكوفي: لم يذكروا له راويًا غير أبي نعيم الفضل بن دكين.
٦) عطاء بن الحسن السوائي: روى عنه أبو إسحاق الشيباني. قال الحافظ: " ما وجدت له راويًا إلا الشيباني ولم أقف فيه على تعديل أو تجريح ".
٧) عامر بن مصعب الذي يروي عن عائشة: لم يرو عنه - عند البخاري - إلا عبد الملك بن جريج.
٨) أبو محمد الحضرمي: تفرد بالرواية عنه أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري.
٩) أبو نصر الأسدي، روى عنه خليفة بن حصين.
فهل انفرد البخاري بالتخريج لمثل هؤلاء " الوحدان "؟ كلا، إن الإمام البخاري لم ينفرد بهذا، بل نجد أن الإمام مسلمًا - ﵀ - قد خرج لمثل هؤلاء أيضًا في " صحيحه " فقد وافق البخاري في التخريج للراويين الأولين، وانفرد عنه بالتخريج لرواة آخرين مثل:
[ ١٢١ ]
١) أحمد بن سعيد التستري.
٢) جابر بن إسماعيل الحضرمي.
٣) حبيب الأعور المدني.
٤) عبد الله بن كثير المطلبي السهمي.
وبمراجعة تراجم هؤلاء الرواة في التهذيب والتقريب وغيرهما من كتب الرجال يتبين لنا أنهم "وحدان" ومن ثم فهم مجهولون على حسب المصطلح الجاري بين علماء الحديث.
وكذلك نجد الإمام ابن حبان قد اقتفى أثر الشيخين في التخريج لمن ليس له إلا راو واحد ثقة وإليك بعض الأمثلة على ذلك (١):
١) بجير بن أبي بجير، ولم يرو عنه غير إسماعيل بن أمية.
٢) ثابت الزرقي، لم يرو عنه غير الزهري.
٣) عمر بن إسحاق، لم يرو عنه غير عون.
٤) عيسى بن جارية، لم يرو عنه غير يعقوب بن عنبسة الرازي.
٥) قدامة بن وبرة، لم يرو عنه غير قتادة.
٦) نبيح العنزي، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس.
فكل هؤلاء لا يعرف لهم إلا راو واحد ومع ذلك فقد ترجمعهم ابن حبان في كتابه الثقات وأخرج لهم في صحيحه.
وهذا يعني أن أصحاب الصحيح يخرجون لمن ليس له إلا راو واحد. لكن كيف يكون ذلك؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكون بتخريج أحاديث هؤلاء الرواة جميعًا وتتبعها ودراستها وهذا يحتاج إلى وقت طويل وعمل علمي مستقل، لكن سأحاول - إن شاء الله - دراسة رواة البخاري الذين ليس
_________________
(١) عداب محمود الحمش: رواة الحديث الذين سكت عنهم أئمة الجرح والتعديل - دار حسان للنشر والتوزيع الرياض - الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ص٢٠٠ - ٢٠١.
[ ١٢٢ ]
لهم إلا راو واحد ثقة من خلال رواياتهم في الجامع الصحيح للوصول إلى موقف علمي مبني على الاستقراء والتتبع.
١ - حصين بن محمد الأنصاري السالمي (١):
وهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم (٢) سأله الزهري عن حديث محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك فصدقه بذلك، وليس له في الصحيحين إلا حديث واحد (٣) وهو ما يرويه ابن شهاب الزهري عن محمود بن الربيع الأنصاري حدثه أن عتبان بن مالك حدثه أنه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.. قال ابن شهاب ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم ومن سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع فصدقه بذلك (٤) .
وواضح أن الإمام البخاري لم يعتمد على حديث حصين بن محمد الأنصاري وإنما ذكر حديث محمود بن الربيع معتمدًا عليه وعضده بتصديق حصين بن محمد له. وسواء ذكر حصين أو لم يذكر فلا أثر له في تضعيف
_________________
(١) انظر ترجمته في: التاريخ الكبير ج٣ ترجمة ٢٣. والجرح والتعديل: ج٣ ترجمة ٨٥٠. تهذيب الكمال: ج٦ ص٥٣٩. وميزان الاعتدال ج١ ترجمة ٢٠٩٢. والكاشف ج١ ص٢٣٨. تهذيب التهذيب: ج٢ ص٣٩٠. والتقريب ص١٧١. والخلاصة: ج١ ترجمة ١٤٨٤. والإصابة: ج١ ترجمة ٢٠٩٩ في (القسم الرابع) وغيرها.
(٢) أي خيارهم، وهو جمع سري وهو المرتفع القدر (الفتح ١/ ٦٢٢) .
(٣) المصدر نفسه: ج١ ص٦٢٢.
(٤) أخرجه البخاري بتمامه في كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، الحديث (٤٢٥)، ج١ ص٦١٨ مع الفتح ثم قطعة في أكثر من عشرة مواضع من صحيحه، ورواه الإمام مسلم في الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، الحديث (٢٦٣)، والنسائي في كتاب الإمامة إمامة الأعمى الحديث (٧٨٧) وابن ماجة في المساجد والجماعات باب المساجد في الدور الحديث (٧٥٤) وذكر تصديق حصين لمحمود بن الربيع رواه البخاري ومسلم والنسائي في عمل اليوم والليلة.
[ ١٢٣ ]
هذا الحديث، بل ذكره يستفاد منه نوع قوة - والله أعلم -.
٢ - عبد الرحمن بن نمر اليحصبي:
أبو عمر الدمشقي، ثقة لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم من الثامنة روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (١) . هكذا لخص حاله الحافظ ابن حجر. وقد تباينت فيه أقوال أئمة الجرح والتعديل.
قال عباس الدوري عن يحي بن معين: ابن نمر الذي يروي عن الزهري ضعيف (٢) .
وقال دحيم صحيح الحديث عن الزهري، وكذا قال ابن الجنيد عن ابن معين (٣) .
وقال أبو حاتم ليس بقوي لا أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم (٤) .
وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: من ثقات أهل الشام ومتقنيهم (٥) .
وذكره العقيلي في " كتاب الضعفاء "، وكذا ذكره ابن عدي " الكامل " وقال: " وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء، وابن نمر هذا له عن الزهري غير نسخة وهي أحاديث مستقيمة " (٦) .
فالظاهر من حاله أنه يصلح للمتابعة وأن أحاديثه عن الزهري صحيحة.
والبخاري قد أورد له في صحيحه حديثًا واحد متابعة. وقد رواه أيضًا الإمام مسلم وليس له عندهما غير هذا الحديث (٧) .
قال البخاري ﵀: " حدثنا محمد بن مهران قال حدثنا الوليد قال
_________________
(١) التقريب ص٣٥٢.
(٢) تاريخ يحي بن معين: ج٢ ص٣٦١.
(٣) سؤالات ابن الجنيد ص١١.
(٤) لجرح والتعديل: ج٥ ت١٣٩٧.
(٥) الثقات ج٧ ص٨٢.
(٦) انظر تهذيب الكمال ج١٧ ص٤٦٠ - ٤٦٢، والتهذيب: ج٦ ص٢٨٨.
(٧) فتح الباري: ج٦ ص٦٣٩.
[ ١٢٤ ]
أخبرنا ابن نمر سمع ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات".
وقال الأوزاعي وغيره: سمعت الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: " أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ، فبعث مناديًا بالصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله، قال الزهري: فقلت: ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذ صلى بالمدينة، قال: أجل، إنه أخطأ السنة، تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهري في الجهر " (١) .
فابن نمر لم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عليه الأوزاعي، وليس فيه عند البخاري ذكر الجهر وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعي عند أبي داوود والحاكم من طريق الوليد بن مزيد عنه (٢) .
وقد أشار البخاري إلى متابعة سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين، لابن نمر، وروايته للجهر عن الزهري.
ورواية سليمان وصلها أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عنه بلفظ " خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فكبر ثم كبر الناس ثم قرأ فجهر بالقراءة " وفي أبي داود الطيالسي عن سليمان بن كثير بهذا الإسناد مختصرًا " أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف " وأما رواية سفيان بن حسين فوصلها الترمذي والطحاوي بلفظ " صلى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها " وقد تابعهم على ذكر الجهر عن الزهري عقيل عند الطحاوي. وإسحاق بن راشد عند الدارقطني.
_________________
(١) كتاب الكسوف، باب الجهر بالقراءة في الكسوف، حديث رقم (١٠٦٥) وحديث رقم (١٠٦٦)، ج٣ ص٦٣٨ - ٦٣٩ مع الفتح.
(٢) المصدر السابق: ج٢ ص٦٣٩.
[ ١٢٥ ]
وهذه طرق يعضد بعضها بعضًا ويفيد مجموعها الجزم بذلك (١) لذا فالإمام البخاري صحح هذا الحديث لكثرة طرقه ومتابعاته، وعلمنا من صنيعه هذا أنه لم يعتمد على ابن نمر وحده بل بالصورة المجموعة ومن ثم جزم بمدلول الحديث وترجم بما يدل على رجحان الجهر في الكسوف.
٣ - عمر بن محمد بن جبير بن مطعم:
ثقة ما روى عنه غير الزهري وهو أصغر من الزهري من السادسة روى له البخاري فقط (٢) ولم يرو له إلا حديثًا واحدًا.
قال: " حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقت الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ فقال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا " (٣) .
قال الحافظ ﵀: " وهذا مثال للرد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين، فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده عمر، ثم ما رواه عن عمر غير الزهري، هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقًا، وقد سمع الزهري من محمد بن جبير أحاديث، وكأنه لم يسمع هذا منه فحمله عن ولده والله
_________________
(١) الفتح: ج٢ ص٦٣٩.
(٢) التقريب ص٤١٦ وانظر: التاريخ الكبير ج٦ ت ٢١٣٦ والجرح والتعديل ج٦ ت ٧١٧ والثقات ج٧ ص١٦٦ وتهذيب الكمال ج٢١ ص٤٩٥ والكاشف ج٢ ت ٤١٦٩ والميزان ج٣ ت ٦١٩٦ وتهذيب التهذيب ج٧ ص٤٩٤، والخلاصة ج٢ ت ٥٢٢٦.
(٣) كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب والجبن رقم (٢٨٢١) ج٦ ص٤٢ وكتاب فرض الخمس باب ما كان النبي (ﷺ) يعطي المؤلفة قلوبهم أو غيرهم من الخمس وغيرهم، رقم (٣١٤٨) ج٦ ص٢٨٩.
[ ١٢٦ ]
أعلم " (١) . فهذا الحديث صحيح عند الإمام البخاري لأنه لا يشترط عنده وعند أهل السنة التعدد في طبقات الإسناد حتى يقبل الحديث خلافًا لمن زعم أنه شرط الصحيح أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين (٢) كأبي علي الجيّاني المعتزلي (ت ٣٠٣هـ) .
هذا وقد ذكر الحافظ - ﵀ - أن عمر بن شبة (ت ٢٦٢هـ) قد أورد في " كتاب مكة " - له - أثرًا مرسلًا عن عمرو بن سعيد فذكر نحو من حديث جبير بن مطعم (٣) ثم إن هذا الحديث ليس أصلًا من الأصول وإنما هو قصة تدل على جوده وحلمه وشجاعته ﷺ وقد صحّ في ذلك شيء كثير جدًا يشهد لهذه القصة، والله تعالى أعلم.
٤ - عبيد الله بن محرز الكوفي:
قال الحافظ: " ما رأيت له راويًا غير أبي نعيم، وما له في البخاري سوى هذا الأثر، ولم يزد المزي في ترجمته على ما تضمنه هذا الأثر " (٤) .
والأثر الذي يعنيه الحافظ هو ما رواه البخاري في صحيحه قال: " قال لنا أبو نعيم حدثنا عبيد الله بن محرز جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة، وأقمت عنده البينة أن لي عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة، وجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازوه " (٥) .
فواضح أن مثل هذا الراوي مجهول أي غير مشهور، والإمام البخاري لم يرو له سوى هذا الأثر.
_________________
(١) الفتح: ج٦ ص٤٢.
(٢) انظر نزهة النظر ص١١.
(٣) المرجع السابق: ج٦ ص٢٩٣.
(٤) فتح الباري: ج١٣ ص١٥٣.
(٥) الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب الشهادة على الخط المختوم: ج١٣ ص١٥٠ مع الفتح.
[ ١٢٧ ]
٥ - عطاء أبو الحسن السوائي:
قال الحافظ: " ما وجدن له راويًا إلا الشيباني، ولم أقف فيه على تعديل ولا تجريح " (١) روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي حديثًا واحدًا.
عن أسباط بن محمد القرشي عن أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة عن ابن عباس. قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا لا يحل.. ما آتيتموهن «٢) قال: " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك " (٣) .
ونلاحظ أن البخاري لم يعتمد على رواية عطاء أبي الحسن السوائي، بل ذكره مقرونًا بغيره معضدًا به رواية عكرمة عن ابن عباس.
٦ - عامر بن مصعب:
شيخ لابن جريج لا يعرف، قرنه بعمرو بن دينار، وقد ثقه ابن حبان على عادته (٤) . وقد روى له البخاري والنسائي حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره (٥) . عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار وعامر بن مصعب أنهما سمعا أبا المنهال يقول: سمعت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم قال: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال:
_________________
(١) التهذيب: ج٧ ص٢١٩. وانظر: تهذيب الكمال ج٢٠ ص١٣١ - ١٣٢. والكشاف ٢ ت ٣٨٦٦، والتقريب ص٣٩٢ والخلاصة: ج٢ ت ٤٨٦٩.
(٢) سورة النساء، الآية ١٩.
(٣) رواه البخاري في كتاب باب لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا الحديث (٤٥٧٩) وأبو داود في سننه الحديث (٢٠٨٩) والنسائي في الكبرى، كما في تحفة الأشراف.
(٤) التقريب ص٢٨.
(٥) تهذيب الكمال: ج١٤ ص٧٧.
[ ١٢٨ ]
" ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فلا يصلح " (١) .
قال الحافظ: " وعامر بن مصعب ليس له في البخاري سوى هذا الموضع الواحد " (٢) .
والبخاري لم يعتمد على روايته وإنما قرنه بعمرو بن دينار.
٧ - أبو محمد الحضرمي:
يقال: إنه أفلح مولى أيوب، روى عن أبي أيوب، وروى عنه أبو الورد ابن ثمامة بن حزن القشيري، روى له البخاري حديثًا واحدًا معلقًا (٣) .
بعد أن أورد حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب عن النبي ﷺ: "من قال عشرًا (أي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل " قال البخاري: رواه أبو محمد الحضرمي عن أبي أيوب عن النبي ﷺ (٤) .
قال الدارقطني: " لا يعرف أبو محمد إلا في هذا الحديث وليس لأبي محمد الحضرمي في الصحيح إلا هذا الموضع " (٥) . وقد وصله الإمام أحمد والطبراني من طريق سعيد بن إياس الحريري عن أبي الورد ثمامة بن حزن القشيري (٦) .
فالبخاري لم يعتمد على حديثه وإنما ذكره تعليقًا على سبيل المتابعة فقط
_________________
(١) رواه بهذا الإسناد البخاري في كتاب البيوع، باب التجارة في البز وغيره، الحديث (٢٠٦١) ج٤ ص٣٤٨، والنسائي في كتاب البيوع أيضًا باب بيع الفضة بالذهب نسيئة الحديث (٤٥٩٠) .
(٢) الفتح: ج٤ ص٣٤٩.
(٣) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٣٦٠ - ٣٦٦.
(٤) كتاب الدعوات: باب فضل التهليل، حديث رقم (٦٤٠٤)، ج١١ ص٢٠٤ مع الفتح.
(٥) الفتح: ج١١ ص٢٠٨.
(٦) المصدر نفسه: ج١١ ص٢٠٨.
[ ١٢٩ ]
٨ - أبو نصر الأسدي:
بصري روى عن عبد الله بن عباس، وروى عنه خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم المنقري (١) . وروى له البخاري تعليقًا.
قال أبو زرعة: " أبو نصر الأسدي الذي يروي عن ابن عباس ثقة " (٢) .
والبخاري إنما روى له أثرًا واحدًا في كتاب النكاح من صحيحه، عقيب حديث عكرمة عن ابن عباس إذا زنى بها (يعني أم امرأته) لا تحرم عليه امرأته. ويذكر عن أبي نصر أن ابن عباس حرمه، ثم قال: وأبو نصر هذا لم يعرف سماعه من ابن عباس (٣) .
فالبخاري لم يعتمد على حديثه. فقد أورده بصيغة التمريض ليدل على ضعفه ثم صرح أنه لم يسمع من ابن عباس فحديثه إذًا منقطع.
مما سبق في هذا المطلب نستخلص النتائج التالية:
١) الإمام البخاري لم يرو لهؤلاء الوحدان شيئًا تفردوا به.
٢) لم يعتمد على رواياتهم بل ذكرها متابعة واستشهادًا معلقة غير مسندة.
٣) لم يسند لهم إلا شيئًا يسيرًا جدًا ويقرنهم بغيرهم من المشهورين.
ومما سبق يتضح أن ما قاله الحاكم - ﵀ - ليس مردودًا على إطلاقه كما ذهب إليه الحازمي والمقدسي وغيرهما، وليس مقبولًا على إطلاقه، والصواب تقييده بما قيده به السخاوي. والحافظ ابن حجر حيث يقول: " وهو إن كان منتقضًا في حق بعض الصحابة، الذين أخرجا له فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط" (٤) .
_________________
(١) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٣٤٣.
(٢) الجرح والتعديل: ج٩ ت ٢٢٧٨.
(٣) كتاب النكاح، باب ما يحل من النساء وما يحرم، ج٩ ص٥٧ مع الفتح.
(٤) نقله السخاوي في فتح المغيث: ج١ ص٦١.
[ ١٣٠ ]
المبحث الثاني: ضبط الرواة
المطلب الأول: تعريفه وأهميته وآثار اختلاله وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط.
المطلب الثاني: موقف الإمام البخاري من الرواة الضعفاء.
المطلب الثالث: مراتب الرجال الصحيحين من حيث الضبط.
المطلب الرابع: نماذج من روايات الضعفاء ومنهج البخاري في تصحيحها.
المطلب الأول: تعريف الضبط وأهميته وآثار اختلاله
بعد أن تحدثت عن العدالة وما يتعلق بها من مسائل، وموقف الإمام البخاري منها أتحدث في هذا المبحث عن الشرط الثاني من شروط صحة الحديث، وهو الضبط وقبل الخوض في مباحثه يجدر بنا أن نقدم تعريفه وأهميته وآثار اختلاله، وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط.
[ ١٣١ ]
أ - تعريفه في اللغة والاصطلاح:
الضبط لغة لزوم الشيء وحبسه، ضبط عليه وضبطه يضبطه ضبطًا وضباطه.
قال الليث: الضبط لزوم شيء لا يفارقه في كل شيء.
وضبط الشيء: حفظه بالحزم، والرجل ضابط، أي حازم (١) .
وفي اصطلاح المحدثين: نوعان ضبط صدر، وضبط كتاب.
أما ضبط الصدر: فهو أن يثبت الراوي في صدره ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
أما ضبط الكتاب: فهو صيانة الراوي لكتابه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه (٢) .
ب - أهميته وآثار اختلاله:
إن توفر الضبط في الراوي شرط أساسي في قبول حديثه، فلا يكفي أن يكون ديّنًا مستقيمًا حتى يضاف إلى ذلك حفظه وعلمه بما يحدث، وتثبته في الأخذ والرواية. ومن هنا كان اختلال الضبط سببًا في رد المروي.
قال الإمام ابن الصلاح - ﵀ -: " لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في مجلس السماع، وكمن لا يحدث بأصل مقابل صحيح ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين في الحديث، ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه.. ولا تقبل رواية من عرف بالسهو في رواياته إذ لم يحدث من أصل صحيح. وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وضبطه " (٣) .
_________________
(١) لسان العرب: مادة (ضبط) ج٧ ص٣٤٠ ومختار الصحاح: مادة (ضبط) ص٢٤٥.
(٢) نزهة النظر ص١٩.
(٣) علوم الحديث ص١٠٧ - ١٠٨.
[ ١٣٢ ]
جـ - كيفية معرفة ضبط الراوي:
يعرف ضبط الراوي بسبر أحاديثه وعرضها على أحاديث غيره من الرواة لتعرف مدى الموافقة والمخالفة لهم، وقد لخص الإمام ابن الصلاح - ﵀ - هذه الطريقة معتمدًا في ذلك على صنيع الأئمة وصريح أقوالهم. فنذكر قوله. ثم نتبعه بأقوال أئمة النقد.
قال - ﵀ -: " يعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة لهم ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلاف ضبطه ولم يحتج بحديثه " (١) .
وهذا الذي ذكره ابن الصلاح قد صرح به الأئمة وعلموا به.
قال الإمام الشافعي مشيرًا إلى شروط الراوي الذي تقوم به الحجة: " إذا شارك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم " (٢) .
وقال الإمام أيوب السختياني (ت ١٣١هـ) من صغار التابعين: " إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره " (٣) .
وقال ابن المبارك: " إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضها ببعض " (٤) .
وقد صرح بهذا الإمام مسلم في صحيحه، فقال: " وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل
_________________
(١) المصدر نفسه ص١٠٨.
(٢) محمد بن إدريس الشافعي: الرسالة - تحقيق أحمد شاكر - مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة - ط١ سنة ١٣٥٨هـ، ص١٥٣.
(٣) رواه الدارمي في سننه: ج١ ص١٥٣.
(٤) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع - تحقيق د. محمد رأفت سعيد - مكتبة الفلاح - الكويت سنة ١٤٠١هـ، ج٢ ص٣٥٤.
[ ١٣٣ ]
الحفظ والرضى، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعمله " (١) .
د - مراتب الرواة من حيث الضبط:
إن رواة الحديث ليسوا على درجة واحدة من حيث الضبط والإتقان، ففيهم من هو في الذروة العالية في الحفظ عديم الإتقان والضبط. وبينهما رواة وسط، وهؤلاء منهم من يقترب من الطبقة الأولى وفيهم من ينزل إلى الطبقة الدنيا، لكن أحسن منهم حالًا.
وقد بيّن الإمام ابن رجب الحنبلي ذلك فقال: " إن الرواة ينقسمون أربعة أقسام:
أحدهما: من يتهم بالكذب.
والثاني: من لا يتهم لكن الغالب على حديثه الوهم والغلط.
والثالث: من هو صادق ويكثر في حديثه الوهم، ولا يغلب عليه.
والرابع: الحفاظ الذين يندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل.
فأما القسم الأول فمتفق عليى تركه وعدم الاحتجاج به. وأما القسم الأخير فمتفق على الاحتجاج به. وأما القسم الثاني فأكثر المحدثين لا يحتجون بهم. ووقع الخلاف في القسم الثالث، فقد روى عن يحي بن معين أنه لا يحتج بهم، وعن ابن المبارك، وابن مهدي، ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضًا رأى سفيان وأكثر أهل الحديث المصنفين في السنن والصحاح كمسلم بن الحجاج وغيره، وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي. مع أنه خرج لبعض من هو دون هؤلاء وبين ذلك ولم يسكت عنه، وإلى طريقة يحي بن سعيد يميل على ابن المديني وصاحبه البخاري" (٢) .
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ص٤.
(٢) شرح العلل ص٩٢ - باختصار.
[ ١٣٤ ]
المطلب الثاني: موقف الإمام البخاري من الرواة الضعفاء
سبق في المطلب الأول نقل كلام الإمام ابن رجب حول موقف ابن المديني وتلميذه الإمام البخاري من الرواة المتصفين بالصدق ويكثر في حديثهم الوهم ولكن لا يغلب عليهم. حيث ذكر أن البخاري وابن المديني لا يخرجان لمثل هؤلاء الرواة. فهل ما ذكره ابن رجب صحيح ودقيق ينطبق مع الواقع العملي عند الإمام البخاري في صحيحه؟
إن الرواة الضعفاء (أو الذين ضعفوا) من رواة الجامع الصحيح عددهم كبير. وبمراجعة ما ذكره الحافظ في مقدمة الفتح يمكن أن نصفهم إلى خمسة أصناف.
الصنف الأول:
رواة ضعفوا بسبب بعض الأحاديث التي انفردوا بها، وهذه الأحاديث لا يعرج عليها البخاري في صحيحه. ومن هؤلاء الرواة:
١ - أفلح بن حميد الأنصاري المدني:
أحد الأثبات، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وقال ابن عدي: كان أحمد ينكر على أفلح حديث ذات عرق، ولم ينكر عليه أحمد غير هذا. وقد انفرد به عن أفلح المعافي ابن عمران، وأفلح صالح، وأحاديثه مستقيمة.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يحدث يحي القطان عن أفلح.
وروى أفلح حديثين منكرين: أن النبي ﷺ أشعر، وحديث وقت لأهل العراق ذات عرق.
والبخاري لم يخرج له شيئًا من هذا - ولله الحمد - بل له عنده حديث واحد في الطهارة، وثلاثة في الحج، ورابع في الحج علقه، ووافقه
[ ١٣٥ ]
مسلم على تخريج الخمسة وكلها عندهما عنه عن القاسم عن عائشة (١) .
٢ - بدل بن المحبر التميمي البصري:
وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم وغيرها، وضعفه الدارقطني في روايته عن زائدة. قال الحاكم. وذلك بسبب حديث واحد خالف فيه حسين بن علي الجعفي صاحب زائدة، قال الحافظ: وهو تعنت، ولم يخرج عنه البخاري سوى موضعين عن شعبة أحدهما في الصلاة والآخر في الفتن، وروى له أصحاب السنن (٢) .
٣ - بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري:
وثقه ابن معين والعجلي والترمذي وأبو داوود، وقال النسائي ليس به بأس، وقال مرة ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه، وقال ابن عدي: صدوق وأحاديثه مستقيمة، وأنكر ما روى: حديث إذا أراد الله بأمة خيرًا قبض نبيها قبلها. ومع ذلك فقد أدخله قوم في صحاحهم، وقال أحمد: روى مناكير.
قال ابن حجر: احتج به الأئمة كلهم وأحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة (٣) .
الصنف الثاني:
رواة ضعفوا في شيوخ معينين. والبخاري لا يروي لهم عن هؤلاء الشيوخ فمن هؤلاء الرواة:
١ - الربيع بن يحي بن مقسم الأشناني أبو الفضل البصري:
من شيوخ البخاري. قال أبو حاتم الرازي: ثقة ثبت، وقال
_________________
(١) هدي الساري ص٤١١.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٢.
(٣) هدي الساري ص٤١٢.
[ ١٣٦ ]
الدارقطني: يخطئ في حديثه عن الثوري وشعبه. لكن البخاري لم يخرج له إلا من حديثه عن زائدة فقط (١) .
٢ - سلام بن أبي مطيع الخزاعي أبو سعيد البصري:
قال أحمد: ثقة صاحب سنة. وقال ابن عدي: ليس بمستقيم الحديث عن قتادة خاصة، ولم أرَ أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف. وقال ابن حبان: كان سيء الأخذ لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
وقال الحاكم: ينسب إلى الغفلة وسوء الحفظ.
والبخاري لم يرو له عن قتادة، كما روى له بمتابعة غيره له، وليس له في البخاري سوى حديثين أحدهما في فضائل القرآن وفي الاعتصام بمتابعة حماد بن زيد وغيره له، عن أبي عمران الجوني عن جندب، والآخر في الدعوات بمتابعة أبي معاوية وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (٢) .
٣ - معمر بن راشد: صاحب الزهري:
كان من أثبت الناس فيه. قال ابن معين وغيره: ثقة إلا أنه حدث من حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها. قاله أبو حاتم وغيره. وقال العلائي عن يحي بن معين: حديث معمر عن ثابت البناني ضعيف. وقال ابن أبي خيثمة: إذا حدثك معمر عن الزهري، وابن طاووس فحديثه مستقيم، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، وإذا حدث عن العراقيين خالفه أهل الكوفة والبصرة، قال ابن حجر: " أخرج له البخاري من روايته عن الزهري وابن طاوس وهمام بن منبه ويحي بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وأيوب وثمامة بن أنس وعبد الكريم الجزري.
_________________
(١) هدي الساري ص٤٢٢.
(٢) المصدر نفسه ص٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ١٣٧ ]
ولم يخرجوا من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه، واحتج به الأئمة كلهم " (١) .
الصنف الثالث:
رواة ضعفوا في حالات خاصة كالاختلاط والتغير. والإمام البخاري لا يخرج لهم ما روى عنهم في تلك الحالات. ومن أمثلة هؤلاء:
١ - جرير بن حازم:
أبو نصر الأزدي البصري وثقه ابن معين. وضعفه في قتادة خاصة ووثقه العجلي والنسائي، وقال أبو حاتم صدوق. وقال ابن سعد: ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره.
قال الحافظ ابن حجر: " ما ضره اختلاطه لأن أحمد بن سنان قال: سمعت ابن مهدي يقول: كان لجرير أولاد فلما أحسّوا باختلاطه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في حال اختلاطه شيئًا، واحتج به الجماعة، وما أخرج له البخاري من روايته عن قتادة إلا أحاديث يسيرة توبع عليها " (٢) .
٢ - حجاج بن محمد الأعور المصيصي:
أحد الأثبات، أجمعوا على توثيقه، وذكره أبو العرب الصقلي في الضعفاء بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط. لكن ما ضره الاختلاط فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحي بن معين منع ابنه أن يدخل عليه - بعد اختلاطه - أحدًا. وروى له الجماعة (٣) .
٣ - حصين بن عبد الرحمن السلمي:
أبو الهذيل الكوفي متفق على الاحتجاج به إلا أنه تغير في آخر عمره وقد أخرج له البخاري من حديث شعبة والثوري وزائدة وأبي عوانة،
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤٦٧.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٤.
(٣) هدي الساري ص٤١٥.
[ ١٣٨ ]
وأبي بكر بن عياش وأبي كدينة، وحصين بن نمير، وهشيم وخالد الواسطي وسليمان بن كثير العبدي وأبي زبيد عبثر بن القاسم وعبد العزيز العمي، وعبد العزيز بن مسلك ومحمد بن فضيل.
فأما شعبة والثوري وزائدة وهشيم وخالد فسمعوا منه قبل تغيره. وأما حصين بن نمير فلم يخرج له البخاري من حديثه عنه سوى حديث واحد. وأما محمد بن فضيل ومن ذكر معه فأخرج من حديثهم ما توبعوا عليه (١) .
الصنف الرابع:
رواة ضعفوا بسبب خلل وقع لهم في الأخذ والتحمل كالرواية بالإجازة أو الوجادة أو بسبب خلل في الأداء كالإرسال أو التدليس، ومن أمثلة هؤلاء:
١ - أوس بن عبد الله أبو الجوزاء:
تكلم فيه للإرسال. ذكره ابن عدي في الكامل وحكى عنه البخاري أنه قال: في إسناده نظر ويختلفون فيه، ثم شرح ابن عدي مراد البخاري فقال: يريد أنه يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما لا أنه ضعيف عنده. قال ابن حجر: " أخرج له البخاري حديثًا واحدًا من روايته عن ابن عباس. قال: كان اللات رجلًا يلت السويق. وروى له الباقون " (٢) .
٢ - ثمامة بن أنس:
تكلم فيه من أجل روايته من الكتاب، روى عن جده، وثقة أحمد والنسائي والعجلي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وروى عن أبي يعلي أن ابن معين أشار إلى لينه.
قال الحافظ: " قد بين غيره السبب في ذلك وهو من أجل حديث أنس
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤١٧ - ٤١٨.
(٢) المصدر نفسه ص٤١١.
[ ١٣٩ ]
في الصدقات ليكون ثمامة قيل أنه لم يأخذه عن أنس سماعًا، وقد بينا أن ذلك لا يقدح في صحته " (١) .
٣ - الحكم بن نافع أبو اليمان الحمصي:
مجمع على ثقته. اعتمده البخاري وروى عنه الكثير. وروى له الباقون بواسطة. تكلم بعضهم في سماعه من شعيب فقيل إنه مناولة، وقيل: أنه إذن مجرد. وقد قال الفضل بن غسان سمعت يحي بن معين يقول: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد، وبالغ أبو زرعة الرازي. وقال لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثًا واحدًا.
قال الحافظ: " إن صح ذلك فهو حجة في صحة الرواية بالإجازة إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا ولا مشاححة في ذلك إن كان اصطلاحًا له " (٢) .
٤ - خلاس بن عمرو الهجري:
وثقه ابن معين وأبو داود والعجلي. وقال أبو حاتم: يقال وقعت عنده صحف عن علي وليس بقوي. وقال أحمد بن حنبل كان القطان يتوقى حديثه عن علي خاصة. واتفقوا على أن روايته عن علي بن أبي طالب وذويه مرسلة.
وقال أبو داود عن أحمد: لم يسمع من أبي هريرة.
قال الحافظ: روايته عنه عند البخاري، أخرج له حديثين، قرنه فيهما معًا بمحمد بن سيرين وليس له عنده غيرهما (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤١٤.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٨.
(٣) هدي الساري ص٤٢٠.
[ ١٤٠ ]
الصنف الخامس:
رواه ضعفوا بسبب المذهب العقدي أو الفقهي:
وهؤلاء لا أثر لتضعيفهم بذلك. إذا كانوا ثقات وقد سبق في المبحث الأول بيان موقف الإمام البخاري من رواية أهل البدع والأهواء وجل من وصف بالبدعة وضعف بسبب ذلك هم مندرجون في هذا الصنف. لكن أذكر هنا بعض الرواة الذين ضعفوا بسبب المذهب الفقهي، فمن هؤلاء:
١ - ربيعة بن أبي عبد الرحمن:
تكلم فيه بسبب الإفتاء بالرأي (١) .
قال الحافظ فيه: " ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي " (٢) .
والبخاري لم يعتمد بهذا التضعيف فقد روى له في صحيحه وكذا سائر الجماعة.
٢ - محمد بن عبد الله بن المثني:
أبو عبد الله الأنصاري البصري القاضي، من قدماء شيوخ البخاري ثقة. وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد وغيره: ما يضعفه عند أهل الحديث إلا النظر في الرأي، أما السماع فقد سمع (٣) .
والبخاري لم يعتد بهذا التضعيف فقد روى له في صحيحه وكذا سائر الجماعة.
فهؤلاء هم أصناف الرواة الضعفاء الذين خرج لهم البخاري في صحيحه. ولقد بيّن العلامة المعلمي كيف يخرج الشيخان للرواة المتكلم فيهم فقال:
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤٨٥.
(٢) التقريب ص٢٠٧.
(٣) المصدر نفسه ص٤٦٢.
[ ١٤١ ]
" إن الشيخين يخرجان لمن فيهم كلام في مواضع معروفة.
أحدهما: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام لا يضره، في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما سمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنه وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس.
فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح " (١) .
وهذا تلخيص جيد لا مزيد عليه.
* * *
المطلب الثالث: مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط
إن رجال الصحيحين ليسوا على مرتبة واحدة من حيث الضبط. ففيهم الحافظ الثقة وفيهم دون ذلك.
وسأسوق من أقوال العلماء ما يدل على ذلك.
قال الإمام الذهبي (ت ٧٤٨هـ) - ﵀ -:
_________________
(١) عبد الرحمن بن يحي المعلمي: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - بتخريج الألباني وتعليقات زهير الشاويش - المكتب الإسلامي - الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م، ص٦٩٢.
[ ١٤٢ ]
" من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين:
أحدهما ما احتجا به في الأصول، وثانيهما: من أخرجا له متابعة وشهادة واعتبارًا.
فمن احتجا به أو أحدهما، ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتًا، والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضًا، وتارة يكون في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها: من أدنى درجات الصحيح.
فما في " الكتابين " بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة بل حسنة أو صحيحة.
ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات. ففيهم من في حفظه شيء وفي توثيقه تردد، فكل من خرج له في " الصحيحين " فقد قفز القنطرة فلا معدل عنه إلا ببرهان بين.
نعم الصحيح مراتب والثقات طبقات فليس من وثق مطلقًا كمن تكلم فيه، وليس من تكلم في سوء حفظه واجتهاده في الطلب كمن ضعفوه، ولا من ضعفوه ورووا له كمن تركوه ولا من تركوه كمن اتهموه وكذبوه " (١) .
وقد سبق إلى هذا الحافظ الحازمي (ت ٥٢٤هـ) . فإنه قال بعد أن قسم الرواة إلى خمس طبقات وجعل الطبقة الأولى مقصد البخاري. ويخرج أحيانًا من أعيان الطبقة الثانية.
" فإن قيل: إذا كان الأمر على ما مهدت، وأن الشيخين لم يودعا كتابيهما إلا ما صح، فما بالهما خرجا حديث جماعة تكلم فيهم، نحو فليح بن سليمان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري ومحمد بن إسحاق وذويه عند مسلم. قلت: أما إيداع البخاري
_________________
(١) الموقظة ص٧٩ - ٨١.
[ ١٤٣ ]
ومسلم " كتابيهما " حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حدًا يرد به حديثهم " (١) .
ومعنى هذا أن الإمام البخاري يروي عن الضعفاء الذين لم يصلوا إلى حد الترك ولكن لا يروي لهم إلا ما صح من حديثهم.
وتعرف صحة حديثه بأمرين:
الأول: موافقة هذا الراوي لغيره ومتابعتهم له.
وهذا أمر يلاحظ في صحيح البخاري فإنه يكثر من ذكر المتابعات والشواهد. فإنه يروي الحديث ثم يقول: تابعه فلان وفلان إذا كان راوية ضعيفًا، أو كان الراوي ثقة لكن وقع فيه اختلاف في سنده ومتنه. كما سيأتي توضيحه في " منهج البخاري في تعليل الأحاديث ".
الثاني: مراجعة أصول الراوي والنظر فيها. فإنه ولو كان ضعيفًا في حفظه فإنه يقبل حديثه الموجود في أصوله. إذا كان الراوي صدوقًا في الجملة. ومثال هذا أحاديث إسماعيل بن أبي أويس (٢) .
وهذا المنهج يعرف بمنهج الانتقاء من أحاديث الضعفاء، أي أن حديث الضعيف لا يرد جملة ولا يقبل جملة. وإنما يقبل ما صح من حديثه فقط. كما أن الثقة لا تقبل أحاديثه مطلقًا فيقبل ما أصاب فيه ويرد ما أخطأ فيه.
قال الإمام ابن القيم وهو يرد على من عاب على مسلم إخراج أحاديث الضعفاء سيئي الحفظ كمطر الوراق وغيره: " ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة، ومن ضعف جميع أحاديث سيئي
_________________
(١) شروط الأئمة الخمسة ص٦٩ - ٧٠.
(٢) انظر ص٤٥ من هذه الرسالة.
[ ١٤٤ ]
الحفظ. فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله. وطريقة مسلم. هي طريقة أئمة هذا الشأن " (١) .
وهذه هي طريقة الإمام البخاري - ﵀ - أيضًا ولكن قد يختلف اجتهاد الأئمة في تقدير ضعف الراوي ومرتبته. فقد يكون الراوي ضعيفًا متروكًا عند مسلم بينما يكون عند البخاري ضعيفًا ضعفًا يسيرًا محتملًا، أو على العكس كل بحسب اجتهاده وقد صرح الإمام ابن الصلاح بهذا حيث قال:
" شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ والعلة. وهذا حد الصحيح، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بن أهل الحديث، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث: فقد يكون بسبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها. وهذا هو الأغلب في ذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقات، غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلًا أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم. وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس وإسحاق بن محمد الغروي وعمرو بن مرزوق وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم " (٢) .
وواضح من كلام الإمام ابن الصلاح أن الأئمة لم يختلفوا في حد الصحيح وشرطه المعتبرة وأركانه من: إتقان الرواة، واتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلل، وإنما الخلاف بينهم في تطبيق تلك الشروط
_________________
(١) ابن القيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد - تحقيق شعيب الأرنائوط وعبد القادر الأرناؤوط - مؤسسة الرسالة - الطبعة الثامنة، سنة ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ج١ ص٣٦٤.
(٢) أبو عمرو بن الصلاح: صيانة صحيح مسلم - دراسة وتحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر - دار الغرب الإسلامي - الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م، ص٧٢ - ٧٤.
[ ١٤٥ ]
على الرواة والأحاديث ومن ثم تختلف اجتهاداتهم، وليس بسبب الاختلاف في الأسس والمنهج كما يفهمه - خطأ - الكثير وإنما الخلاف في التطبيق وتنزيل تلك الشروط.
وقد ظن الكثير أن للبخاري شرطًا خاصًا به في الصحيح، وكذلك أن لمسلم شرطًا متميزًا وكذلك أن لابن حبان ولابن خزيمة شروطًا خاصة بهما وهكذا للحاكم شرط للصحيح خاص به. أي إن لكل إمام وناقد شروطًا في الصحيح تختلف تمامًا عن شروط الآخرين وهذا مخالف للواقع العملي التطبيقي عند النقاد، والسبب في الوقوع في هذا الخطأ المنهجي الخطير هو تلك الألفاظ المجملة التي أطلقها الحازمي والمقدسي والحاكم في كتبهم وهم لا يعنون أبدًا ما فهمه هؤلاء.
ومن هنا فإن التعريف المتداول للحديث الصحيح وهو: (ما يرويه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه وسلم من الشذوذ والعلة القادحة) فيه قصور إذ لا يشمل أحاديث العدول الذين خف ضبطهم أو بعبارة أخرى لا يشمل أحاديث الضعفاء التي صحت.
ولهذا يرى الحافظ ابن حجر أن يكون تعريف الحديث الصحيح على هذا النحو: (هو الحديث الذي يتصل بإسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد - عن مثله إلى منتهاه - ولا يكون شاذًا ولا معللًا) (١) .
وقد استند الحافظ في هذا إلى تتبعه واستقرائه لأحاديث الصحيحين قال - ﵀ -:
" وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيرًا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم عليها الحكم بالصحة إلا بذلك " (٢) . ثم ذكر أمثلة على هذا
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح ص١٣٤.
(٢) المصدر نفسه ص١٣٤.
[ ١٤٦ ]
فمن ذلك حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد (١) عن أبيه (٢) ﵁ في ذكر خيل النبي ﷺ قال: كان للنبي ﷺ في حائطنا فرس يقال لها اللحيف. قال أبو عبد الله وقال بعضهم: اللخيف (٣) .
وأبي هذا قد ضعفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحي بن معين والنسائي. ولكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس (٤) أخرجه ابن ماجه من طريقه. وعبد المهيمن فيه ضعف. فاعتضد. وانضاف إلى ذلك أنه ليس من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعة حكم البخاري بصحته (٥) . وكذا حكم البخاري بصحة حديث معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة - ﵂ - أنها سألت النبي ﷺ عن الجهاد فقال ﷺ: " جهادكن الحج والعمرة " (٦) .
ومعاوية ضعفه أبو زرعة ووثقه أحمد والنسائي (٧) .
وقد تابعه عليه عنده حبيب بن أبي عمرة (٨) فاعتضد (٩) .
في أمثلة كثيرة قد ذكر الحافظ كثيرًا منها في مقدمة شرحه للبخاري ويوجد في كتاب مسلم منها أضعاف ما في البخاري.
_________________
(١) فيه ضعف من السابعة. انظر التقريب ص٩٦، وهدي الساري ص٤٠٨.
(٢) ثقة، مات في حدود (١٢٠هـ) وقيل قبل ذلك، انظر التقريب ص٢٩٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار الحديث (٢٨٠٠)، ج٦ ص٦٩ مع الفتح.
(٤) ضعيف من الثامنة، مات بعد السبعين ومائة روى له الترمذي وابن ماجه، انظر التقريب ص٣٦٦.
(٥) النكت ص١٣٤.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب جهاد النساء رقم (٢٨٧٥) ج٦ ص٨٥.
(٧) انظر الكاشف: ج٣ ص١٥٦ وهدي الساري ص٤٦٦.
(٨) حبيب بن أبي عمرة القصاب أبو عبد الله الحماني، بكسر المهمة، الكوفي، ثقة مات سنة (١٤٢هـ) ترجمته في: التقريب ص١٥١.
(٩) أخرج البخاري حديثه عقيب حديث معاوية بن إسحاق السابق، رقم (٢٨٧٦)، ج٦ ص٨٩.
[ ١٤٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر - مبينًا مراتب الرواة من حيث الضبط - عند الإمام البخاري:
" وأما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط، ينظر فيما أخرج له، إن وجد مرويًا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقة فهذا قادح يوجب التوقف فيما هذا سبيله - وليس في الصحيح - بحمد الله، من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك " (١) .
ومن هنا يتبين لنا أن منهج البخاري في تصحيح الأحاديث هو النظر في الحديث بمجموع طرقه وأسانيده، وليس النظر في خصوص كل إسناد على انفراده، وليس هذا منهجًا للإمام البخاري فحسب بل هو منهج كل المحدثين النقاد كالإمام مسلم والترمذي وغيرهم، لذلك نرى الإمام مسلم يورد في صحيحه بعض الأحاديث التي في إسنادها ضعف ثم يورد لها الشواهد والمتابعات فيكون ذلك الحديث صحيحًا بمجموع تلك الطرق، وكذلك الإمام الترمذي فإنه يورد في كثير من الأحيان أحاديث في رواتها ضعف، ويتكلم على أولئك الرواة فيقول مثلًا: " فلان ليس بالقوي "، أو "ليس بذاك " ونحوها من عبارات التليين، ثم يحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو هما معًا، باعتبار شواهده ومتابعاته لأنه يعقب على ذلك الحكم غالبًا بقوله وفي الباب عن فلان وفلان وشرح هذا الأمر وذكر الأمثلة عليه يطول، ومن ينظر في الجامع الصحيح للإمام مسلم وجامع الإمام الترمذي بتمعن يتبين له ذلك، والذي أركز عليه هو ذكر أمثلة ونماذج من صحيح الإمام البخاري، قواها البخاري وصححها بمجموع طرقها لا بخصوص أسانيدها.
_________________
(١) هدي الساري ص٤٠٣.
[ ١٤٨ ]
المطلب الرابع: نماذج من أحاديث الضعفاء ومنهج البخاري في تصحيحها
١ - أحاديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي:
له في البخاري ثلاثة أحاديث، ولو نظرنا إلى ترجمته في كتب الرجال (١) نجد أنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين هم من شرط الصحيح.
فقد وثقه ابن المديني.
وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه يهم أحيانًا.
وقال ابن معين: لا بأس به.
وقال أبو زرعة: منكر الحديث.
وأورد له ابن عدي عدة أحاديث وقال: إنه لا بأس به.
فهذا الراوي واضح أنه ليس في الدرجة العليا من رجال الصحيح، بل ليس من رجال الصحيح حسبما استقرت عليه كتب المصطلح، فإن من قيل فيه صدوق يهم، ولا بأس به، فحديثه حسن، ومن قيل فيه منكر الحديث فحديثه ضعيف، إذن فأحاديث الطفاوي تكون ضعيفة ضعفًا محتملًا أو حسنة على الاصطلاح المتداول، والآن ندرس أحاديثه وكيف صححها الإمام البخاري - ﵀ -.
الحديث الأول:
قال البخاري - ﵀ -: " ثنا أحمد بن المقدام العجلي ثنا
_________________
(١) انظر: التاريخ الكبير: ج١ ت٤٦٥، والجرح والتعديل: ج٧ ت ١٧٤٧، والثقات: ج٧ ص٤٤٢، وتاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠٨، وتهذيب الكمال: ج٢٥ ص٦٥٢، والميزان: ج٣ ت ٧٨٣، وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٣٠٩، والتقريب ص٤٩٣، وهدي الساري ص٤٦٣ والخلاصة: ج٢ ت ٦٤٤٦.
[ ١٤٩ ]
محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالوا: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا الله وكلوه " (١) .
لو نظرنا إلى خصوص سند هذا الحديث لحكمنا عليه بالضعف، وفي أحسن الأحوال بالحسن الاصطلاحي، لكن الإمام البخاري صححه وأورده في صحيحه محتجًا به، والجواب على ذلك أنه وإن كان خصوص سنده فيه مقال لكن له متابعات تقويه وترفعه إلى درجة الصحة، وهذه المتابعات هي:
١ - متابعة أبو خالد الأحمر (٢): وصلها المصنف في كتاب التوحيد، قال البخاري - ﵀ - " حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قال: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقوامًا حديثًا عهدهم بشرك يأتونا بلُحْمَانٍ لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا ".
تابعه محمد بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن محمد وأسامة بن حفص (٣) .
وأبو خالد هو سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، قال فيه الذهبي: " صاحب حديث وحفظ، روى عباس عن بن معين: صدوق ليس بحجة، وقال علي بن المديني: ثقة، وقال أبو حاتم، صدوق، روى له أحاديث خولف فيها - هو كما قال يحي: صدوق ليس بحجة، وإنما أوتي من سوء حفظه.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، رقم (٢٠٥٧) ج٤ ص٣٤٥ مع الفتح.
(٢) انظر ترجمته في الجرح والتعديل: ج٤ ت ٤٧٧، وتاريخ بغداد: ج٩ ص٢١، والسير: ج٩ ص١٩، وتهذيب الكمال: ج١١ ص٣٩٤، والتهذيب: ج٤ ص١٨١، وهدي الساري ص٤٢٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها رقم (٧٣٩٨)، ج١٣ ص٣٩١ مع الفتح.
[ ١٥٠ ]
قلت: الرجل من رجال الكتب الستة، وهو مكثر يهم كغيره " (١) .
وقال فيه الحافظ: " صدوق يخطئ " (٢) .
وقد ذكره العقيلي في كتابه الضعفاء (٣)، فهو صالح للمتابعة.
٢ - متابعة أسامة بن حفص: وصلها المصنف في كتاب الأضاحي، قال البخاري:
" ثنا محمد بن عبد الله، ثنا أسامة بن حفص المديني عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - أن قومًا قالوا للنبي ﷺ: " إن قومًا يأتوننا ".
تابعه علي عن الدراوردي، وتابعه أبو خالد والطفاوي (٤) .
وأسامه بن حفص شيخ لم يزد البخاري في ترجمته في التاريخ الكبير على ما في هذا الحديث حيث قال: " أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة سمع منه محمد بن عبد الله " (٥) .
ولم يذكره أبو حاتم في كتابه، وقال فيه الذهبي: " صدوق، ضعفه أبو الفتح الأزدي بلا حجة، وقال اللالكائي: مجهول، قلت روى عنه أربعة " (٦) يعني انتفت عنه الجهالة بذلك، فمثله يصلح للمتابعة.
لهذه المتابعات صحح الإمام البخاري هذا الحديث وأورده في كتابه محتجًا به مستنبطًا منه مسائل في الفقه والعقيدة، وقد أخذ منه الحافظ ابن حجر أن تقوية الحديث الذي يرويه الضعيف إذا كانت له متابعات هو أمر يشهد له صنيع البخاري، قال - ﵀ -:
_________________
(١) ميزان الاعتدال: ج٢ ص٢٠٠.
(٢) التقريب ص٢٥٠.
(٣) الضعفاء: ج٢ ص١٢٤.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، رقم (٥٥٠٧) ج٩ ص٥٥٠ مع الفتح.
(٥) التاريخ الكبير: ق٢ ج١ ص٢٣.
(٦) ميزان الاعتدال: ج١ ص١٧٤.
[ ١٥١ ]
" ويؤخذ من صنيعه أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون راويه من أهل الضبط والإتقان أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك، ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك، وصح الحديث على شرطه " (١) .
الحديث الثاني:
قال الإمام البخاري: " حدثنا محمد بن المقدام العجلي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: " أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي" (٢) .
وطريق الطفاوي هذا قال فيه البغوي فيما ذكر عنه الإسماعيلي: " لا أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبد الرحمن " (٣)، وهذا الحكم من مثل هذا الإمام له قيمته العلمية لأنه مبني على التتبع والاستقراء لذا لم يذكر الحافظ في مقدمة الفتح متابعات لحديث الطفاوي وكذا لم يفعل في شرحه لهذا الحديث في الفتح، مع سعة إطلاع الحافظ - ﵀ - وتبحره في معرفة الطرق والروايات، وشدة دفاعه عن الصحيح ورجاله، ومن هنا أستطيع أن أقول إن هذا الحديث لو طبقنا عليه قواعد المصطلح بخصوص إسناده لحكمنا عليه بالغرابة والضعف، لكن الإمام البخاري أورده في جامعه الذي اشترط فيه الصحة معتمدًا عليه، والإمام البخاري لم يحكم على خصوص هذا الإسناد وإنما باعتبار ما لهذا الحديث من شواهد منها:
الشاهد الأول: ما رواه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه قال: " حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) الفتح: ج٩ ص٥٥٠.
(٢) رواه البخاري في كتاب التعبير، باب رؤيا الليل، رقم (٦٩٩٨)، ج١٢ ص٤٠٦.
(٣) نقله الحافظ في فتح الباري: ج٩ ص٤٠٧.
[ ١٥٢ ]
" بُعثت بجوامع الكلم " (١) .
والشاهد الثاني: ما رواه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه قال: " حدثنا يحي بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: " بعثت بجوامع الكلم ونُصرت بالرعب " (٢) .
فهذه الشواهد أو بعبارة أدق هذه المتابعات القاصرة، تدل على أن هذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة يرويه عنه محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب.
ويرويه عن سعيد بن المسيب، ابن شهاب الزهري، ويرويه عن الزهري، إبراهيم بن سعد وعقيل.
وأما محمد بن سيرين فيرويه عنه أيوب، ولم يروه عن أيوب إلا الطفاوي كما تقدم.
فأصل الحديث إذن ثابت وصحيح لا مرية فيه.
لكن ما هو الغرض العلمي الذي دفع البخاري إلى إخراج هذا الحديث من طريق الطفاوي؟ ظهر لي غرضان هما:
أولًا: هذا الإسناد رواته كلهم بصريون، كما صرح به الحافظ وكما يعلم من تراجمهم، إذن فهذا الإسناد وإن كان فيه تفرد محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب، الذي قد يثير شبهة الغرابة، وخاصة أن المتفرد ليس من الحفاظ، لكن لما كان هذا المتفرد إنما انفرد به شيخه وبلديه، والحديث مشهور بالبصرة متداول بين علمائها، فهذه الشهرة تدفع تلك الغرابة الآتية من تفرد الطفاوي به.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: " بعثت بجوامع الكلم " رقم (٧٢٧٣)، ج١٣ ص٢٦١ مع الفتح.
(٢) كتاب الجهاد، باب قول النبي ﷺ: " نصرت بالرعب مسيرة شهر " رقم (٢٩٧٧) ج٦ ص١٤٩.
[ ١٥٣ ]
٢ - أحاديث فضيل بن سليمان النميري
ثانيًا: هذا الطريق أعلى سندًا من غيره فبين البخاري والنبي ﷺ خمسة رجال، بينما الطريق الذي أورده في كتاب الجهاد فبينه وبين النبي ﷺ ستة رجال، فطريق الطفاوي جمع بين العلو وتسلسل الرواة باعتبار بلدهم وهذا مما يُعنى به المحدثون، ولا يكون هذا كله إلا إذا تأكد لديهم صحة أصل الحديث، والله تعالى أعلم.
وأما الحديث الثالث فهو حديث ابن عمر " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.. ".
قال البخاري: " حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو المنذر الطفاوي عن سليمان أو عمش قال: حدثني مجاهد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيميني فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " (١) .
قال الحافظ: " فهذا الحديث قد تفرد به الطفاوي وهو من غرائب الصحيح وكأن البخاري لم يشدد فيه لكونه من أحاديث الترغيب والترهيب " (٢) .
" وقد أخرجه أحمد والترمذي من رواية سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق الحماد بن شعيب عن أبي يحي القتات عن مجاهد، وليث وأبو يحي ضعيفان والعمدة على طريق الأعمش وللحديث طريق آخر أخرجه النسائي من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ابن عمر مرفوعًا وهذا مما يقوي الحديث المذكور " (٣) .
٢ - أحاديث فضيل بن سليمان النميري: أبو سليمان البصري، تكلم في حفظه كثير من الأئمة (٤) .
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الرقاق باب قول النبي ﷺ: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رقم (٦٤١٦) ج١١ ص٢٣٧.
(٢) هدي الساري ص٤٦٣.
(٣) فتح الباري: ج١١ ص٢٣٨.
(٤) انظر: هدي الساري ص٤٥٦ - ٤٥٧.
[ ١٥٤ ]
قال الساجي: كان صدوقًا، وعنده مناكير.
وقال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: لين الحديث.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوى.
وقد لخص الحافظ حاله فقال: " صدوق له خطأ كثير " (١) .
فواضح أن مثل هذا الراوي ليس من شرط الصحيح، ومع ذلك نجد الإمام البخاري قد انتقى من حديثه ما يتابعه عليه غيره، منها:
١ - حديثه عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر في إجلاء اليهود.
ساق البخاري سنده فقط في كتاب الحرث والمزارعة وذكر عقبة متابعة ابن جريج من طريق عبد الرزاق معلقًا (٢) وقد وصل مسلم طريق ابن جريج، وأخرجها أحمد عن عبد الرزاق عنه بتمامها (٣)، وقد ساق البخاري لفظ فضيل بن سليمان في كتاب الخمس (٤) .
٢ - وحديثه بهذا الإسناد أيضًا في قصة زيد بن عمرو بن نفيل (٥) تابعه عليه عبد العزيز بن المختار عند أبي يعلي (٦) .
٣ - وحديثه عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عمن
_________________
(١) التقريب ص٤٤٧.
(٢) كتاب الحرث والمزارعة، باب إذا قال رب الأرض أقرك، ما أقرك الله رقم (٢٨٣٨)، ج٢٦٥.
(٣) الفتح: ج٥ ص٢٧.
(٤) كتاب الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيره من الخمس وغيره رقم (٣١٣٤)، ج٦ ص٢٩٠.
(٥) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم (٣٨٢٦)، ج٧ ص١٧٦.
(٦) هدي الساري ص٤٥٧.
[ ١٥٥ ]
سمع النبي ﷺ وتابعه عليه عند البخاري سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر وسمي المبهم أبا بردة بن نيار (١) .
٤ - وحديثه عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية عن عائشة أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من الحيض " (٢) تابعه عليه ابن عيينة ووهيب وغيرهما (٣) .
٥ - وحديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في حفر الخندق قال البخاري - ﵀ -:
" حدثني أحمد بن المقدام العجلي حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم حدثنا سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب، وبصر بنا، فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة " (٤) .
وقد تابعه على حديثه هذا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل (٥) .
٦ - وحديثه أيضًا بهذا الإسناد " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا " (٦) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤٥٧.
(٢) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل رقم (٧٣٥٧)، ج١٣ ص٣٤١.
(٣) متابعة ابن عيينة في كتاب الحيض، باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض رقم (٣١٤)، ومتابعة وهيب في كتاب الحيض أيضًا، باب غسل الحيض رقم (٣١٥)، ج١ ص٤٩٤ و٤٩٦.
(٤) كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة رقم (٦٤١٤)، ج١١ ص٢٣٣.
(٥) كتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبي ﷺ: " أصلح الأنصار والمهاجرة " رقم (٣٧٩٧)، ج٧ ص١٤٨.
(٦) كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة رقم (٣٢٤٧)، ج٦ ص٣٦٧.
[ ١٥٦ ]
تابعه عليه عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أيضًا (١) .
فهذه أمثلة ونماذج لم أقصد منها الاستيعاب، وإنما قصدت توضيح منهج البخاري في تقوية أحاديث الضعفاء، وأنه لا يعتمد على خصوص الأسانيد وإنما يحكم للحديث بمجموع طرقه.
والسؤال الذي يمكن أن يُطرح: لماذا يخرج البخاري لمثل هؤلاء الضعفاء مع أن الحديث قد يكون مرويًا بإسناد آخر أقوى منه؟ ونفس الإشكال يُطرح أيضًا على الإمام مسلم.
وقد أجاب الإمام ابن الصلاح عن هذا فقال ما ملخصه:
" عاب عائبون مسلمًا بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح.
والجواب: أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها.
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.
الثاني: أن يكون ذلك واقع في الشواهد والمتابعات.
الثالث: أن يكون صنف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه، باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته.
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن بذلك، ولما أنكر أبو زرعة (٢) على مسلم روايته عن أسباط بن نصر (٣)،
_________________
(١) كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار رقم (٦٥٥٣)، ج١١ ص٣٢٤.
(٢) هو الإمام العلم الحافظ أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي المخزومي الرازي، روى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، قال إسحاق بن راهوية: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل، توفي سنة (٢٦٤هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥٥٧، والعبر: ج٢ ص٢٨.
(٣) " صدوق كثير الخطأ، يغرب، من الثامنة / خ ت م٤ " التقريب ص٩٨.
[ ١٥٧ ]
وقطن بن نسير (١)، وأحمد بن عيسى المصري (٢)، قال: إنما أدخلت من حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول، فاقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات " (٣) .
وما أجاب به ابن الصلاح عن الإمام مسلم هو نفسه الجواب عن الإمام البخاري.
* * *
_________________
(١) " صدوق يخطيء، من العاشرة / م د ت " التقريب ٤٥٦.
(٢) " صدوق تكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة، من العاشرة / خ م س ق " التقريب ص٨٣.
(٣) صيانة صحيح مسلم ص٩٤ - ٩٨.
[ ١٥٨ ]
المبحث الثالث: اتصال السند
المطلب الأول: تعريفه وأهميته.
المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري.
المطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها.
المطب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري.
المطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري منه.
المطلب الأول: تعريف السند وأهميته
تعريف السند لغة:
هو ما ارتفع من الأرض وما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، والجمع أسناد، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند، ويقال أسند في الجبل إذا ما صعده، ويقال فلان سند أي معتمد (٤) .
_________________
(١) انظر: لسان العرب مادة (سند) .
[ ١٥٩ ]
واصطلاحًا:
هو طريق المتن، أي سلسلة الرواة الذين نقلوا المتن عن مصدره الأول، وسمي هذا الطريق سندًا إما لأن المسند يعتمد عليه في نسبة المتن إلى مصدره، أو لاعتماد الحفاظ على السند في معرفة صحة الحديث وضعفه (١) .
والمراد باتصال السند: أن لا يكون هناك انقطاع في سلسلة الإسناد بسقوط راو أو أكثر عمدًا من بعض الرواة أو من غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه سقوطًا ظاهرًا أو خفيًا.
أهميته:
إن اتصال السند شرط أساسي وضروري في صحة الحديث (فمدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل) (٢) ولهذا الأهمية العظيمة اعتبر الإسناد من الدين، قال الإمام ابن المبارك: " الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء " (٣) .
وقال سفيان الثوري: " الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل " (٤) .
فالإسناد خصيصة من خصائص هذه الأمة، وفضيلة تمت لله ﷿ عليهم بها النعمة، به عرف الصحيح من السقيم، وصان الله دينه عن قول كل أفاك أثيم، وليس لمن قبل هذه الأمة غير صحف اختلط منكرها بمقبولها، واشتبه صحيحها بمعلولها، فلا تمييز عند أحد منهم بين ما جاء به أنبياؤهم المرسلون، وبين ما أدخل في ذلك، وألحق به الغواة المبلطون (٥) .
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي ص ٥ - ٦، وشرح الزرقاني على البيقونية ص٩.
(٢) هدي الساري ص١٣.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي: ج١ ص٧٧.
(٤) رواه ابن حبان في كتاب المجروحين: ج١ ص٢٧.
(٥) الحافظ صلاح الدين العلائي: بغية الملتمس، حققه وعلق عليه - حمدي عبد المجيد السلفي - عالم الكتب، طبعة أولى، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص٣٦.
[ ١٦٠ ]
وقد سبق في الفصل الأول أن الإمام البخاري سمى كتابه " الجامع الصحيح المسند ".
وأنه قصد جمع الأحاديث المرفوعة المتصلة الإسناد، وقد أورد فيه الآيات والموقوفات والآثار على سبيل التبع والاستشهاد والكثير منها معلق غير مسند، وهذه لا أتكلم عنها في هذا الحديث، لأنها ليست على شرط الكتاب، وسأتكلم على قضايا لها علاقة مباشرة بصحة الحديث وتعليله، كطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري، والعنعنة وموقف البخاري منها، ثم دراسة نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع وهي في صحيح البخاري، ثم أتعرض للتدليس وموقف الإمام البخاري من رواية المدلسين.
* * *
المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري
ذكر الإمام البخاري في " صحيحه " الطرق المعتمدة عنده في النقل والتحمل وهي:
١ - السماع من لفظ الشيخ.
٢ - القراءة والعرض على المحدث.
٣ - المناولة.
٤ - المكاتبة.
أولًا: السماع من لفظ الشيخ:
وقد ترجم له بقوله: " باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا " وهي الصيغ المستعملة للتعبير عن السماع، وأورد في هذا الباب ما يلي: " قال لنا الحميدي، كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا واحد ".
واستدل البخاري، على أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بأن الصحابة -
[ ١٦١ ]
رضوان الله عليهم - كانوا يستعملون جميع هذه الألفاظ فيما سمعوه من النبي ﷺ وأورد ثلاثة تعاليق تنبيهًا على أن الصحابي تارة كان يقول حدثنًا، وتارة كان يقول سمعت، فيدل على أنه لا فرق بينهما، وهذه التعاليق هي:
الأول: قال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق (١) .
الثاني: قال شقيق عن عبد الله: سمعت النبي ﷺ (٢) .
الثالث: وقال حذيفة حدثنا رسول الله ﷺ حديثين (٣) .
ثم ذكر حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي، فوق الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة " (٤) .
قال الحافظ ابن حجر: " فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصرحية وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور، فالجواب أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ عبد الله بن دينار المذكور في الباب " فحدثوني ما هي " وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير " أخبروني " وفي رواية عند الإسماعيلي " أنبئوني " وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم " حدثوني ما هي " وقال فيها " فقالوا أخبرنا بها " فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم
_________________
(١) هذا التعليق طرف من الحديث المشهور الذي يرويه ابن مسعود، أوصله البخاري في كتاب القدر.
(٢) هذا التعليق رواه أبو وائل شقيق عن عبد الله بن مسعود، أوصله البخاري في كتاب الجنائز.
(٣) هذا التعليق رواه حذيفه بن اليمان، أو صله البخاري في كتاب الرقاق.
(٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب قول المحدث " حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا " رقم (٦١) ج١ ص١٧٥.
[ ١٦٢ ]
سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة (*) .
ومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها «١) وقوله تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير «٢) .
وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحي القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهوية والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم، ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل: فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج الأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر: فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: " حدثني " ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: " أخبرني " ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب، فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن تجوز عنها احتاج إلى
_________________
(١) سورة الزلزلة، الآية: ٤.
(٢) سورة فاطر، الآية: ١٤. (*) تعقب العلامة العيني الحافظ ابن حجر في هذا وبين أن هناك فرقًا من جهة اللغة حاصلة: أن الخبر يرجع إلى العلم، وإنما استواء هذه الألفاظ من حيث الاصطلاح (عمدة القارئ ٢/ ١١) . وهذا التعقيب ليس بشيء، فقد قال الخطيب في الكفاية ص٢٨٧ " وقد قال بعض أهل العلم بالعربية هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، ثم ذكر بالسند عن ثعلب إمام اللغة أو حدثنا وأخبرنا وأنبأنا في اللغة سواءً ".
[ ١٦٣ ]
الإتيان بقرينة تدل على مراده، وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين " (١) .
ثانيًا: القراءة والعرض على المحدث:
وقد بوّب الإمام البخاري في كتاب العلم بهذا " باب القراءة والعرض على المحدث "، قال الحافظ - ﵀ -:
" إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره. ولا يقع العرض إلا بالقراءة. لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه، ومع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة، وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته، وأذن له من غير أن يحدث به، أو يقرأه الطالب عليه. والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا بالإطلاق. وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم.
ولهذا بوّب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن - وهو البصري - لا بأس بالقراءة على العالم، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما يسويان السماع مع العالم والقراءة عليه " (٢) .
وقد ذهب، العلامة العيني إلى أنه لا فرق بين القراءة والعرض وأنهما متساويان، واعتمد على كلام الكرماني لأنه قال المراد بالعرض عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة ثم قال: فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يصح
_________________
(١) فتح الباري: ج١ ص١٧٥، وانظر: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - للقاضي عياض - تحقيق السيد أحمد صقر، ط أولى - مكتبة دار التراث - القاهرة، ص٦٩، والكفاية، للخطيب البغدادي، ط دار الكتب العلمية، سنة ١٤٠٩هـ - ١٩٨٨م، ص٢٨٣ - ٢٨٦.
(٢) فتح الباري: ج١ ص١٧٩ - ١٨٠.
[ ١٦٤ ]
عطف العرض على القراءة لأنه نفسها. قلت: العرض تفسير القراءة ومثله يسمى بالعطف التفسيري (١) .
والتحقيق أن العرض في كلام أئمة الحديث يطلق على معنيين: عرض القراءة، وعرض المناولة.
وهذه أقوال الأئمة التي تشهد على هذا:
قال الإمام الحاكم النيسابوري - ﵀ -:
" وبيان العرض أن يكون الراوي متقنًا فيقدم المستفيد إليه جزءًا من حديثه أو أكثر من ذلك فيتناوله، فيتأمل الراوي حديثه، فإذا أخبره وعرف أنه من حديثه، قال المستفيد: قد وقفت على ما ناولتنيه، وعرفت الأحاديث كلها وهذه رواياتي عن شيوخي فحدث بها. فقال جماعة من أئمة الحديث أنه سماع " (٢) .
ثم ذكر جماعة من علماء المدينة ومكة والبصرة والكوفة ومصر وأهل الشام وخراسان ثم قال: " وقد رأيت أنا جماعة من مشايخي يرون العرض سماعًا " (٣) .
وذكر الحجة على ذلك ثم قال: " قد ذكرنا مذاهب جماعة من الأئمة في العرض فإنهم أجازوها على الشرائط التي قدمنا ذكرها، ولو عاينوا ما عايناه من محدثي زماننا لما أجازوه. فإن المحدث إذا لم يعرف ما في كتابه، كيف يعرض عليه؟ " (٤) فالعرض هنا يقصد به المناولة.
وقال الإمام الخطيب البغدادي: " ذهب بعض الناس إلى كراهة العرض: وهو القراءة على المحدث ورأوا أنه لا يعتد إلا بما سمع من لفظه، وقال جمهور الفقهاء والكافة من أئمة العلم بالأثر إن القراءة على
_________________
(١) عمدة القارئ: ج٢ ص١٦ - ١٧.
(٢) معرفة علوم الحديث ص٢٥٦.
(٣) المصدر نفسه ص٢٥٨.
(٤) المصدر نفسه ص٢٥٩.
[ ١٦٥ ]
المحدث بمنزلة السماع منه " (١) .
وقال القاضي عياض (٥٤٤هـ) وهو يتحدث عن الضرب الثاني من أصول الرواية وهو القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمونه " عرضًا " لأن القارئ يعرض ما يقرؤه على الشيخ كما يعرض القرآن على إمامه، وحكاه البخاري عن الحسن والثوري ومالك " (٢) .
فالعرض عند الخطيب البغدادي والقاضي عياض بمعنى القراءة على المحدث، ونسب القاضي عياض التسوية بينهما إلى البخاري.
والذي يتبين لي أن الإمام البخاري سوّى بين القراءة والعرض من حيث الاستعمال وأن العطف بينهما تفسيري كما ذهب إليه العلامة العيني - ﵀ - وهذا من خلال الحجج التي ذكرها في هذا الباب على صحة القراءة وهي قوله:
" ١ - واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبه قال للنبي ﷺ آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال نعم.
قال البخاري - ﵀ - فهذه قراءة على النبي ﷺ أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه.
٢ - واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون أشهدنا فلان، ويقرأ ذلك قراءة عليهم.
٣ - ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان " (٣) .
فهذه الحجج واضحة أنها في القراءة وليست في عرض المناولة.
ثم ذكر الإمام البخاري كيفية التعبير عن التحمل بالقراءة فقال:
_________________
(١) الكفاية ص٢٩٦.
(٢) الإلماع ص٧١.
(٣) صحيح البخاري كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث ج١ ص١٧٩ مع الفتح.
[ ١٦٦ ]
" حدثنا عبد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرئ على المحدث فلا بأس أن يقول: حدثني، قال: سمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم، وقراءته سواء " (١) .
ثالثًا ورابعًا - المناولة والمكاتبة:
وهي " إعطاء الشيخ الطالب شيئًا من مروياته مع إجازته به صريحًا أو كتابة " (٢) .
والإمام البخاري يرى صحة الرواية بالمناولة فقد ترجم في صحيحه في كتاب العلم بما يدل على ذلك حيث قال: " باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان " (٣) .
قال الحافظ ﵀: " لما فرغ من تقرير السماع والعرض، أردف ببقية وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور فمنها المناولة وصورتها، أن يعطي الشيخ الطالب الكتاب فيقول له: هذا سماعي من فلان، أو هذا تصنيفي، فاروه عني، وقد قدمنا صورة عرض المناولة، وهي إحضار الطالب الكتاب، وقد سوّغ الجمهور الرواية بها وردها من رد عرض القراءة من باب أولى " (٤) .
وقد ذكر العلماء للمناولة ثلاثة أنواع هي (٥):
١ - المناولة المقرونة بالإجازة مع التمكين من النسخة والرواية بها صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين.
_________________
(١) المصدر نفسه: وانظر أيضًا الإلماع ص٧٣، والكفاية ص٢٩٦ - ٣٠٦.
(٢) فتح المغيث: ج٢ ص١٠٠.
(٣) فتح الباري: ج١ ص١٨٥ - ١٨٦.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) انظر: معرفة علوم الحديث ص٣١٨ وما بعدها، والإلماع ص٧٩ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص١٤٦ وما بعدها، فتح المغيث: ج ١٠٧ وما بعدها، توضيح الأفكار: ج٢ ص٣٣٣ وما بعدها، شرح العلل ص١٦٦ وما بعدها.
[ ١٦٧ ]
٢ - المناولة مع الإجازة من غير تمكين من النسخة، يرى الفقهاء والأصوليون أنه لا تأثير لها، ولا فائدة فيها بينما شيوخ الحديث يرون لذلك مزية معتبرة.
٣ - المناولة المجردة من الإجازة أجازها طائفة من أهل العلم، وصححوا الرواية بها، وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على من أجازها وسوّغ الرواية بها.
والإمام البخاري يعتبر النوع الأول فقط، كما سيأتي توضيحه من خلال الأدلة التي أوردها على جواز المناولة، وأما النوعين الآخرين فيهما من توسع المتأخرين بعد عصر الرواية محافظة على بقاء الإسناد.
وقول البخاري: " وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان " (١) يدل على جواز المكاتبة عنده. قال الحافظ ﵀: " قوله إلى البلدان " أي أهل البلدان، وذكر البلدان على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها، والمكاتبة من أقسام التحمل وهو: أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يثق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في روايته عنه وقد سوى المصنف بينها وبين المناولة ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وقد جوّز جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما والأولى ما عليه المحققون من اشترط بيان ذلك " (٢) وقد قسم العلماء المكاتبة إلى قسمين (٣):
١ - المكاتبة المقرونة بالإجازة: وهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة، والرواية بها صحيحة بلا خلاف.
٢ - المكاتبة المجردة من الإجازة: منعها بعض الفقهاء والأصوليين
_________________
(١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.
(٢) فتح الباري: ج١ ص١٨٥.
(٣) انظر: علوم الحديث ص١٥٣ - ١٥٥ وفتح الغيث: ج٢ ص١٢٢ والإلماع ص ٨٣ - ٨٤ وتدريب الراوي: ج٢ ص٥٥ - ٥٦.
[ ١٦٨ ]
وأجازها أكثر المحدثين وهو المعمول به عندهم.
أدلة الإمام البخاري على جواز المناولة والمكاتبة:
استدل الإمام البخاري على صحة الرواية بالمناولة والمكاتبة بعمل السلف من الصحابة والتابعين والأئمة. وقد ذكر منها البخاري ما يلي:
١ - قال أنس: " نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق " (١) .
قال الحافظ: " ودلالته على تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح، فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف، ومخالفة ما عداها " (٢) .
٢ - ورأى عبد الله بن عمر ويحي بن سعد ومالك ذلك جائزًا (٣) .
قال الحافظ: " وجدت في كتاب الوصية لأبي القاسم بن مندة من طريق البخاري يسند له صحيح إلى أبي عبد الرحمن الحبلي (٤) أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال: انظر في الكتاب، فما عرفت منه اتركه وما لم تعرفه امحه، وهو أصل في عرض المناولة ". وأما الأثر بذلك عن يحي بن سعيد ومالك فأخرجه الحاكم في علوم الحديث من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قال لي يحي بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك، قال مالك: فكتبتها ثم بعثتها إليه، وروى الرامهرمزي من طريق ابن أبي أويس أيضًا عن مالك في وجوه التحمل قال: قراءتك على العالم، ثم قراءته وأنت تسمع ثم أن يدفع لك كتابًا يقول: ارو هذا عني " (٥) .
_________________
(١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.
(٢) فتح الباري: ج١ ص١٨٦.
(٣) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.
(٤) فتح الباري: ج١ ص١٨٦.
(٥) هو عبد الله بن يزد المعافري أبو عبد الرحمن الحبلى، بضم المهملة والموحدة، ثقة من الثالثة مات سنة مائة بإفريقية روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، (التقريب ص٣٢٩) .
[ ١٦٩ ]
٣ - واحتج بعض أهل الحجاز (*) في المناولة بحديث النبي ﷺ حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه، حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ (١) .
قال الإمام السهيلي - ﵀ - (ت ٥٨١هـ): " احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناوله التلميذ جاز أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقه صحيح " (٢) .
وقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى الكتاب " (٣) .
ثم أورد البخاري - ﵀ - حديث أنس - ﵁ - قال: كتب النبي ﷺ كتابًا أو أراد أن يكتب كتابًا فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة. نقشه: محمد رسول الله كأني أنظر إلى بياضه في يده (٤) .
قال الحافظ - ﵀ -: " يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب لينبه على شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا ليحصل الأمن من توهم تغيره لكن قد يستغني عن ختمه إذا كان الحامل عدلًا مؤتمنًا " (٥) .
_________________
(١) (*) هو الحميدي (الفتح ١/ ١٨٦) .
(٢) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.
(٣) عبد الرحمن السهيلي: الروض الأنف - المطبعة الجمالية القاهرة ١٣٣٢هـ، ج٢ ص٥٩ وقد نقله السيوطي في التدريب: ج٢ ص٤٤.
(٤) الفتح: ج١ ص١٨٧ وانظر عمدة القاري: ج٢ ص٢٧.
(٥) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٧.
(٦) فتح الباري: ج١ ص١٨٧.
[ ١٧٠ ]
حكم الطرق الأخرى من أنواع التحمل عند الإمام البخاري:
نلاحظ أن الإمام البخاري لم يذكر الأوجه الأخرى من أوجه التحمل، والظاهر أنه لا يرى صحة الأخذ بها فالأئمة المتقدمون لم يكونوا يرون لصحة التحمل إلا تلك الطرق كما مر ذلك في قول مالك بن أنس - ﵀ - لكن عندما دونت الكتب وأمن جانب الرواية سوّغ العلماء في توسيع طرق التحمل تيسيرًا على الناس وإبقاءً لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأئمة وكلما تأخرت الأعصار كثر التنويع والتوسيع والتساهل وإليك من أقوال العلماء ما يشهد على ما تقدم ذكره.
قال الحافظ - ﵀ -: " لم يذكر المصنف (أي البخاري) من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة، ولا الوجادة، ولا الوصية، ولا الإعلام، المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى شيئًا منها " (١) .
وقد سبق إلى هذا الإمام الحافظ ابن رشيد السبتي (ت ٧٢١هـ) ﵀ حيث قال: " وإنما اعتمد الناس منذ مدة متقدمة على الإجازة المطلقة والكتابة المطلقة توسعة لباب النقل وترحيبًا لمجال الإسناد، لعزة وجود السماع على وجه في هذه الأعصار: بل قبلها بكثير، وتعذر الرحل في أكثر الأحوال، واعتمادًا على أن الأحاديث لما صارت في دفاتر محصورة، وأمات مصنفات مشهورة، ومرويات الشيوخ في فهارس مفهرسة، قام ذلك عندهم مقام التعيين الذين كان من مضى من السلف يفعله، فاكتفى المجيزون بالإخبار الجملي، واعتمدوا في البحث عن التفصيل على المجاز إذا تأهل، فكانت رخصة أخذ بها جماهير أهل العلم إبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، ولله الحمد والمنة وإن كانت هذه ليست الإجازة المتعارفة عند التابعين وتابعيهم، كالحسن ابن أبي الحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وأبي بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، ومجاهد بن جبر، وعلقمة بن قيس، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج وغيره ممن
_________________
(١) فتح الباري: ج١ ص١٨٧.
[ ١٧١ ]
لا يحصى كثرة، فإما كانت تلك في الشيء المعين يعرفه المجيز والمجاز له، أو مع حضور الشيء المجاز فيه " (١) .
ثم ساق آثارًا عن السلف في العمل بالإجازة المعينة في الشيء المعين ثم قال ابن رشيد - ﵀ -: " وأجل شيء نعرفه لمتقدم في الإجازة المقيدة وأجلاه لفظًا وأصحه معنى ما ذكره أبو عيسى الترمذي الإمام الحافظ في كتاب العلل في آخر الديوان، في باب التاريخ الذي نقله عن الإمام أبي عبد الله البخاري - ﵀ - وقد انتهى بالسماع عليه إلى بعض حرف العين ما نصه. قال أبو عيسى: إلى ها هنا سماعي من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل من أول الحكايات وما بعدها فهو مما أجازه لي وشافهني به بعدما عارضته بأصله إلى أن ينقضي به كلام محمد بن إسماعيل. فقال: قد أجزت لك أن تروي عني إلى آخر باب ي " (٢) .
ثم قال الحافظ ابن رشيد: " هذا أجلي نص تجده في الإجازة لمتقدم معتمد من لفظ قائله، نعم نجد ألفاظًا مطلقة مجملة غير مفسرة منقولة عنهم بالمعنى، أو ظواهر محتملة، وهذا كان دأب تلك الطبقة من الإجازة في المعين أو الكتابة له، وما رأى الإجازة المطلقة حدثت إلا بعد زمن البخاري حيث اشتهرت التصانيف وفهرست الفهارس، وإن كان بعضهم قد نقل الإجازة المطلقة عن ابن شهاب الزهري وغيره فما أرى ذلك يصح " (٣) .
من خلال ما تقدم يتبين لنا أن الإمام البخاري لا يرى صحة الرواية بالإجازة المطلقة وإنما يرى صحة الإجازة المقترنة بالمناولة أو المكاتبة.
فإن قلت: قال بعض الحفاظ إن ما يقول فيه البخاري " قال لي " فهي إجازة فالجواب على هذا قد ذكره الحافظ ابن حجر - ﵀ - حيث
_________________
(١) أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي: السنن الأبين والمورد الأمعن - تحقيق د. محمد الحبيب ابن الخوجة - الدار التونسية للنشر ص٥٤ - ٥٥ وانظر وعلوم الحديث ص١٣.
(٢) المصدر نفسه ص٦١ - ٦٢.
(٣) المصدر نفسه ص٦٢. (*) اختلف العلماء في كيفية التعبير عن التحمل بالإجازة فمنهم من يجوز إطلاق حدينا وأخبرنا والجمهور على المنع، إلا عند التقيد كأن يقول حدثنا فلان إجازة، أو أخبرنا إجازة للتوسع انظر: علوم الحديث ص١٥٠ والإلماع ص١٢٨.
[ ١٧٢ ]
قال: " وقد ادعى ابن مندة أن كل ما يقول البخاري فيه " قال لي " فهي إجازة، وهي دعوى مردودة بدليل أني استقريت كثيرًا من المواقع التي يقول فيها في " الجامع " " قال لي " فوجدته في غير الجامع يقول فيها: " حدثنا " والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث (*)، فدل على أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما بلغ شرطه وما لا يبلغ، والله أعلم " (١) .
لكن بقي هنا إشكال لابد من الإجابة عليه، وهو إذا تقرر أن البخاري لا يرى صحة الرواية بالإجازة المطلقة فلماذا أخرج في صحيحه لمن روى بالإجازة؟
من المعلوم أن أصحاب الصحيح كانوا يتحرون في كيفية سماع الرواة بعضهم من بعض حتى يتم لهم تحقق شرط الصحيح، وهو اتصال السند مع بقية الشروط الأخرى ومن ثم تركوا الرواية عن كثير من الرواة بسبب خلل وقع لهم في التحمل، فمن هؤلاء مثلًا: عمرو بن شعيب فقد قال الذهبي بصدد روايته عن أبيه عن جدة: " وبعضهم تعلل بأنها صحيفة رواها وجادة ولهذا تجنبها أصحاب الصحيح، والتصحيف يدخل على الرواية من الصحف، بخلاف المشافهة في السماع " (٢) .
وقال الإمام ابن تيمية: " وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي ﷺ وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدة وقالوا: هي نسخة " (٣) .
ومن أبرز الرواة الذين أخرج لهم البخاري، وقيل عنهم أنهم رووا بالإجازة.
_________________
(١) فتح الباري: ج١ ص١٨٨.
(٢) ميزان الاعتدال: ج١ ص٢٦٥.
(٣) مجموع الفتاوى: ج١٨ ص٨. (*) اختصار أخبرنا.
[ ١٧٣ ]
الحكم بين نافع أبو اليمان الحمصي " قال أبو زرعة: لم يسمع من شعيب (هو ابن أبي حمزة) إلا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة، وقال أحمد كان يقول: أنا (*) شعيب استحل ذلك بقول شعيب لهم اروو عني، قلت: ومع روايته لذلك عن شعيب بالإجازة فاحتج بها صاحبا الصحيحين لثقته وإتقانه " (١) .
وقال فيه الحافظ ابن حجر: " مجمع على ثقته، اعتمده البخاري، وروى عنه الكثير، وروى له الباقون بواسطة تكلم بعضهم في سماعه من شعيب، فقيل: إنه مناولة، وقيل عنه إذن مجرد، وقد قال الفضل بن غسان سمعت يحي بن معين يقول: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب فقال: ليس هو مناولة. المناولة لم أخرجها لأحد، وبالغ أبو زرعة الرازي وقال: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثًا واحدًا.
قلت: إن صح ذلك فهو حجة في صحة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا ولا مشاحهة في ذلك إن كان اصطلاحًا له " (٢) .
وكلام الحافظ لو يحمل على ظاهره يناقض ما ذهب إليه البخاري، وما قرره الحافظ نفسه من أن البخاري لم يذكر الإجازة المجردة عن المناولة، أو المكاتبة ولا الوجادة، ولا الوصية ولا الإعلام المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى شيئًا منها.
فالظاهر أنه ليست إجازة مطلقة بل هي إجازة في معين - وهي صحيحة عند الإمام البخاري كما سبق نقله عن الترمذي أنه سمع التاريخ الكبير إلى بعض حرف العين، والباقي إجازة عن الإمام البخاري، وهذا ما يدل عليه كلام الحافظ ابن رجب - ﵀ - حيث قال:
_________________
(١) شمس الدين الذهبي: تذكرة الحافظ - دار إحياء التراث العربي - ج١ ص٤١٢.
(٢) هدي الساري ص٤١٨.
[ ١٧٤ ]
" وحديث أبي اليمان (١) - عن شعيب (٢) - متفق على تخريجه في الصحيحين، وإذا كان حديث شعيب عندهم معروفًا وأذن لهم في روايته عنه فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته: بل هذه إجازة من غير مناولة إلا أن أبا اليمان كان يقول في الرواية بها: أخبرنا.
وقد نهى عن ذلك الأوزاعي وأحمد بن صالح المصري، ورخص فيه آخرون منهم: مالك، ورواه الوليد بن مزيد عن الأوزاعي أيضًا، وقد روى عن أحمد أيضًا.
وقال أبو اليمان قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه عليّ وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله أخبرنا شعيب " (٣) .
ومنه يمكن القول بأن البخاري يرى صحة الرواية بالإجازة المعينة وهي في حكم المناولة أما الإجازة المطلقة وغيرها من أنواع التحمل كالإعلام والوصية والوجادة فهي من توسع المتأخرين بعد عصر الرواية.
* * *
المطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها
تعريف العنعنة:
أ - لغة:
هو مصدر جعلي كالبسملة والحمدله والحوقلة، مأخوذ من لفظ " عن
_________________
(١) الحكم بن نافع أبو اليمان الحمصي، الإمام الحافظ شيخ البخاري، روى عنه البخاري وأخرج له البقية. مات سنة ٢٢٢هـ، ترجمته في: تهذيب التهذيب: ج٢ ص٤٤١، تذكرة الحافظ: ج١ ص٤١٢.
(٢) شعيب بن أبي حمزة، أبو بشر الحمصي أحد الأئمة الأثبات، أخرج له الستة. مات سنة ١٦٢هـ ترجمته في تهذيب التهذيب: ج٤ ص٣١٥.
(٣) شرح العلل ص١٦٨.
[ ١٧٥ ]
فلان " كأخذهم حولق وحوقل من قول " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " وسبحل من قول "سبحان الله " (١) .
ب - اصطلاحًا:
كل حديث فيه صيغة " فلان عن فلان " من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع وهذه الصيغة غير ظاهرة في السماع (٢)، ومن هنا اختلفت فيها أقوال الأئمة في الحكم عليها قبولًا وردًا، ويتحصل من مجموع أقوالهم ستة مذاهب:
المذهب الأول:
يرى أصحابه أن ما كان فيه لفظ " عن " فهو من قبيل المرسل المنقطع حتى يتبين اتصاله من جهة أخرى.
وهذا القول نقله ابن الصلاح ولم يسم قائله (٣) ونقله قبله القاضي أبو محمد الرامهرمزي (ت٣٦ هـ) عن بعض المتأخرين من الفقهاء (٤) وقد أفاض الحافظ العلائي في ذكر أدلة هذا المذهب والرد عليه (٥) وكذلك الإمام ابن رشيد الفهري فقد توسع أيضًا في ذكره والرد عليه وسألخص المهم من كلامه.
" المذهب الأول: مذهب أهل التشديد، وهو أن لا يعد متصلًا من الحديث إلا ما نص فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان فهو من قبيل المرسل أو المنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره، وهذا المذهب وإن قلّ القائل به بحيث لا يسمى ولا يعلم فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط.
_________________
(١) توضيح الأفكار: ج١ ص٣٣٠.
(٢) شرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٦٢ - ١٦٣.
(٣) علوم الحديث ص٥٦.
(٤) المحدث الفاصل ص٤٥٠.
(٥) جامع التحصيل ص١٣٦.
[ ١٧٦ ]
وحجته: أن " عن " لا تقتضي اتصالًا لا لغة ولا عرفًا، وإن توهم متوهم فيها اتصالًا لغة فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه. نقول: أخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلًا فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه، وليس فيها دليل على اتصال الراوي بالمروي عنه.
وما علم منهم أنهم يأتون بـ " عن " في موضع الإرسال والانقطاع يخرم ادعاء العرف، وإذا أشكل الأمر وجب أن يحكم بالإرسال، لأنه أدون الحالات، فكأنه أخذ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه، وكان لصاحب هذا المذهب أن لا يقول بالإرسال بل بالتوقف حتى يتبين لمكان الاحتمال، ولعل ذلك مراده، وهو الذي نقله مسلم عن أهل هذا المذهب أنهم يقفون الخبر، ولا يكون عندهم موضع حجة لإمكان الإرسال فيه (١)، إلا أن هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين بل جميعهم وهو الذي لا إشكال في " أن أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقيمها مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ومن سمى معهم لا يشترطه ولا يبحث معه " (٢) ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جدًا، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير فكأن الله أتاح الإجماع عصمة لذلك وتوسعة علينا والحمد لله " (٣) .
المذهب الثاني:
وهو أيضًا من مذاهب أهل التشديد إلا أنه أخف من الأول ويشترط أصحابه أن يكون الراوي طويل الصحبة لمن روى عنه فإن كان كذلك ولم يكن مدلسًا كانت عنعنته محمولة على الاتصال (٤) وهو منسوب للإمام أبي المظفر بن السمعاني الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) .
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ص١٤.
(٢) المرجع نفسه ص١٥.
(٣) السنن الأبين ص٢١ - ٢٥.
(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص٦٢، وجامع التحصيل ص١٣٤، والسنن الأبين ص٣١.
[ ١٧٧ ]
المذهب الثالث:
إن كان الراوي معروفًا بالرواية عمن عنعن عنه، ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على الاتصال (١)، قاله الحافظ المقرئ أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤هـ) .
المذهب الرابع:
إذا أدرك الراوي من عنعن عنه إدراكًا بينًا، ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على الاتصال (٢)، قاله أبو الحسن القابسي.
فهذه مذاهب المتشددين، إلا أن ما ذكر عن الداني غير صريح في التشديد بل اعتبره الحافظ ابن رشيد موافقًا لمذهب مسلم بن الحجاج، وسيأتي ذكره وتفصيله.
المذهب الخامس:
يرى أصحابه أن العنعنة تقتضي الاتصال وتدل عليه، إذا ثبت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، وهذا المذهب قد نسبه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري وشيخه ابن المديني، وأكثر الأئمة (٣) .
المذهب السادس:
يرى أصحابه أن العنعنة محمولة على الاتصال إذا توفرت الشروط التالية:
١ - أن يكون الراوي بريئًا من تهمة التدليس.
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص٦٠، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٦٤.
(٢) انظر: نفس المصادر.
(٣) من هؤلاء: العلائي في جامع التحصيل ص١٣٤، وابن رجب في شرح العلل ص٢١٢، وابن رشيد في السنن الأبين ص٣١، والسخاوي في فتح المغيث: ج١ ص١٥٧، وابن كثير في اختصار علوم الحديث ص٥٦، والبلقيني في محاسن الاصطلاح ص١٥٨، والسيوطي في التدريب: ج١ ص٢١٦، وغير هؤلاء كثير.
[ ١٧٨ ]
٢ - أن يكون لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنه ممكنًا من حيث السن والبلد.
فإذا توفرت هذه الشروط كان الحديث متصلًا وإن لم يأت أنهما اجتمعا قط.
وهو قول الإمام مسلم، والحاكم أبي عبد الله، وهو ظاهر كلام ابن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والإمام الصيرفي (١) . وقد جعله مسلم - ﵀ - قول كافة أهل الحديث وأن القول باشتراط ثبوت اللقاء قول مخترع، لم يسبق قائله إليه، وبالغ في رده، وطوّل في الاحتجاج لذلك في مقدمة صحيحه (٢) .
وهذه المذاهب على اختلافها وتباينها نجدها قد أجمعت على شروط لقبول السند المعنعن، وذكرها كثير من العلماء منهم: الحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي، وابن عبد البر - ﵏ -.
وهذه الشروط هي (٣):
١ - عدالة المحدثين في أحوالهم.
٢ - لقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة.
٣ - أن يكونوا برآء من التدليس.
الموازنة بين البخاري ومسلم في الحكم على السند المعنعن:
بعد أن عرضنا مذاهب العلماء في الحكم على السند المعنعن، وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، نرجع إلى بيان مذهب البخاري - ﵀ - في هذه المسألة.
_________________
(١) شرح العلل ص٢١٤.
(٢) جامع التحصيل ص١٣٥.
(٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر: ج١ ص١٢ - ١٣ والكفاية ص٤٢١ ومعرفة علوم الحديث ص٤٣.
[ ١٧٩ ]
لقد سبق ذكر الإمام البخاري مع أصحاب المذهب الخامس، والذي يرى أصحابه أن العنعنة تقتضي الاتصال وتدل عليه إذا ثبت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، هذا المذهب قد نسبه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري وشيخه ابن المديني وأكثر الأئمة، كما نسبوا الإمام مسلم إلى مخالفة هذا الشرط، والرد على البخاري ومن تبعه على ذلك.
ومن المعلوم قطعًا أن البخاري لم يصرح بهذا المذهب في كتبه، ولا غيره من أئمة الحديث والنقد، وإنما أخذ العلماء ذلك من تصرفهم وصنيعهم في كتبهم، حيث لاحظوا أن الإمام البخاري وشيخه ابن المديني يعلان الأحاديث كثيرًا بعد سماع الراوي عمن عنعن عنه مع كونهما متعاصرين، فاستنبطوا من ذلك أن البخاري وشيخه ابن المديني لا يكتفيان بمجرد المعاصرة بل يشترطان تحقق اللقاء.
وأما الإمام مسلم فقد صرح بشرطه في مقدمة صحيحه، فأزال بذلك كل ظن وشك، كما أنه رد على مخالفة في ذلك ردًا بليغًا شديدًا، ويتساءل الكثيرون من المعنى بهذا الرد والنقد؟ ومن المقصود بهذا الإنكار الشديد والتهجين القوي؟
والعجيب أن " صحيح مسلم " قرئ على مؤلفه وتلاميذه وتلاميذهم مئات المرات، وأول ما يقرأ فيه المقدمة، وفيها ذلك الإنكار والتهجين، ولم ينقل عن مسلم أو تلاميذه أو تلاميذهم تعيين المعنى بالرد، ولذا خمن العلماء في تعيين المعنى بالرد والإنكار، والعجيب أنهم حملوه على البخاري أو شيخه ابن المديني، وبنوا على ذلك التخمين إشكالات ومحاكمات بين البخاري ومسلم، وكأن الأمر قطعي ثابت لا مرية فيه، والأعجب من هذا كله أن يصدر عن أئمة حفاظ ويتتابعوا عليه منهم الإمام ابن الصلاح، والنووي، وابن رجب الحنبلي، وابن كثير، وابن حجر، والسخاوي، وابن رشيد الفهري، والحافظ العلائي وغيرهم، وسأنقل المهم من كلامهم وأتعقبه بما أراه مناسبًا.
[ ١٨٠ ]
قال الحافظ ابن رجب: " وما استدل به مسلم على المخالف له أن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة والقطان وابن مهدي قال ومن بعدهم من أهل الحديث " (١) .
فالمطلوب ممن يريد نقض كلام مسلم أن يأتي بأقوال لهؤلاء الأئمة تخالف ما حكاه مسلم عنهم، أو أقوال لغيرهم ممن لم يذكر قولهم، ولم يفعلوا، ولن يفعلوا إلا أن تكون أقوالًا لعلماء الكلام والأصول ومتأخري الظاهرية.
ثم قال ابن رجب: " وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - ﵀ - من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة، وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط السماع فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة وقالوا مع ذلك لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة " (٢) وذكر أمثلة على هؤلاء ثم قال: " ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال، أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه " (٣) .
وهذا الأمر مما يوافق عليه مسلم ويستعمله أيضًا فإنه قال: " وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك
_________________
(١) شرح العلل ص٢١٢.
(٢) المصدر نفسه ص٢١٤ - ٢١٥.
(٣) المصدر نفسه ص٢١٧.
[ ١٨١ ]
دلالة بينه على أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، ولم يسمع منه شيئًا. فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة بينا " (١) فهذه الأدلة والبينات التي يستدل بها النقاد على عدم سماع المتعاصرين هي من الدلائل والبينات التي يعتبرها الإمام مسلم أيضًا، والمطلوب ممن ينصب الخلاف بين مسلم وغيره من أئمة النقد أن يأتي بأسانيد حكم عليها هؤلاء الأئمة بالانقطاع وعدم السماع، لوجود البينات والدلائل، وحكم عليها مسلم بالاتصال لمجرد المعاصرة، ثم نقل الحافظ ابن رجب اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع عن عروة مع إدراكه له وجعله حجة في حكاية الإجماع على خلاف قول مسلم (٢) .
وهذا غريب جدًا من الحافظ ابن رجب لأن مسلمًا - ﵀ - لم يدّع أن كل من أدرك راويًا صحّ سماعه منه، بل قال: إذا كانا متعاصرين وجائز ممكن لقاؤهما، وكان الراوي ثقة غير مدلس وقال: " عن " حمل على السماع، ما لم تقم الحجة والبينة على أنه لم يسمع.
ثم قال: " ويلزمه الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي ﷺ وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي ﷺ مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث " (٣) .
وهذا الإلزام لا يلزم مسلمًا منه شيء البتة، فأين القيد والاستثناء الذي ذكره مسلم " إلا أن تكون هناك دلالة بينة على أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، ولم يسمع منه شيئًا " وهذا قيد دقيق نفي فيه المرسل الخفي وهو يفيد نفي المرسل الجلي بالأولى.
ثم قال ابن رجب - ﵀ -: " ولهذا المعنى تجد كلا م شعبة،
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ص١٣٠ بشرح النووي - ط دار الفكر.
(٢) المصدر نفسه ص٢١٦.
(٣) شرح العلل ص٢٢٠.
[ ١٨٢ ]
ويحي، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له السماع منه، ولا يقول أحد قط: لم يعاصره " (١) .
وهذا أمر واضح لا إشكال فيه لأن العلة هي سبب غامض يدل على الوهم، ومعرفة السماع من عدمه أمر غامض خاصة بين المتعاصرين، أما المعاصرة فإدراكها واضح ليس فيه غموض وهذا من خلال معرفة المواليد والوفيات، ولهذا كثر تعليل الأحاديث من طرف النقاد بعدم السماع لخفائه وغموضه.
هذا أهم ما ورد في كلام الحافظ ابن رجب في الرد على مسلم.
وممن يرى أن مسلمًا يخالف البخاري وابن المديني في الحكم على السند المعنعن، الإمام الذهبي فقد قال في ترجمة مسلم: " قال أبو بكر الخطيب: كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحي الذهلي بسببه.
قلت (الذهبي) ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه، انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة " عن " وادعى الإجماع على أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري وشيخه علي بن المديني " (٢) .
وكلام الإمام الذهبي عليه ملاحظات:
الأولى: ما ذكره من انحراف مسلم عن البخاري أمر غريب لم يذكره من ترجم للبخاري ولا لمسلم، بل لا يعرف عنه إلا الوفاء لشيخه والمناضلة عنه.
_________________
(١) المصدر نفسه ص٢٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٥٧٣.
[ ١٨٣ ]
الثانية: ما استند إليه الذهبي لإثبات انحراف مسلم عن البخاري من كونه لم يرو له حديثًا، ولا سماه في صحيحه، أمر غريب جدًا من مثل الحافظ الذهبي وهو من الحفاظ المتأخرين الذين يهتمون بالعلو ويعنون بذلك ولا سيما في كتب التراجم والسير والتاريخ.
فإذا كان المتأخرون عن عصر الرواية يطلبون العلو، ويفتخرون به في مصنفاتهم في التراجم والسير، أفلا يكون الأئمة الذين يصنفون في الحديث أولى وأحرى بذلك؟! ولذلك يتحملون الرواية عن الضعفاء من أجل العلو، وخاصة أن الإمام مسلمًا قد شارك البخاري في أغلب شيوخه.
وهذا الإمام البخاري - ﵀ - مع شدة حبه للإمام البخاري واعترافه بعلمه وفضله وتقدمه في هذا الشأن، والإكثار من سؤاله عن العلل والرجال في كتابيه " الجامع " و" العلل " مع ذلك لم يرو عنه في جامعه سوى حديثين، وروى مسلم حديثًا واحدًا، فهل يقال إن الترمذي قد انحرف عن البخاري أيضًا لأنه لم يكثر عنه؟!
والشافعي من أجلّ شيوخ أحمد ومع ذلك لم يرو عنه في مسنده، طلبًا للعلو، في أمثلة كثيرة.
وقول الذهبي: " ولا سماه في صحيحه " لا يفيد هذا أنه انحرف عنه، لأن الإمام مسلمًا لم يسم في كتابه كل العلماء الذين أخذ عنهم، ولا صرح بذكر العلل كما فعل الترمذي، حتى ينقل عن شيخه إمام هذه الصنعة بلا منازع، ولا ذكر غير ذلك مما يتعلق بعلوم الرجال كالجرح والتعديل، والأسماء والكني، فلم يحتج إلى النقل عن البخاري ومن هنا لم يسمه.
الثالثة: إن الذي أوقع الذهبي في هذا هو اعتقاده أن المقصود بالرد والتوبيخ من قبل مسلم هو البخاري وشيخه ابن المديني، وهذا أمر لم تقم عليه أدلة قوية لا من جهة أن البخاري يتبنى هذا الرأي، ولا من جهة أن مسلمًا يقصد بذلك البخاري وابن المديني بل هو مجرد ظن وتخمين. قال الأمير الصنعاني - ﵀ -: " واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم فوجدناه تكلم في الرواية بالعنعنة وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه،
[ ١٨٤ ]
وأطال مسلم في رد كلامه، والتهجين عليه، ولم يصرح أنه البخاري، وإنما اتفق الناظرون أنه أراده ورد مقالته " (١) .
هكذا ذهب كثير من العلماء والحفاظ إلى أن المراد بالرد هو البخاري وابن المديني، وذهب البعض الآخر إلى أن المراد بالرد هو ابن المديني وليس البخاري، ومن هؤلاء:
١ - الحافظ ابن كثير قال:
" قيل إنه البخاري: والظاهر أنه يريد علي ابن المديني، فإنه شرط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشرطه في أصل الصحة ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح " (٢) .
٢ - الإمام شيخ الإسلام البلقيني قال في " محاسن الاصطلاح ":
" قيل: يريد مسلم بذلك البخاري، إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في جامعه ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة " (٣) .
٣ - الحافظ البقاعي قال:
" سئل شيخنا عن الذي بحث مسلم معه: من هو؟ فقال: علي بن المديني " (٤) ونقل البقاعي في نفس الكتاب في مبحث المعنعن كلام الحافظ ابن كثير بتمامه معزوًا إليه وأقره.
٤ - العلامة محمد بن قاسم الغزي قال في " حاشيته على شرح الألفية
_________________
(١) توضيح الأفكار: ج١ ص٤٤.
(٢) الحافظ بن كثير: اختصار علوم الحديث - تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر - دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ - ١٩٨٣م، ص٤٩.
(٣) سراج الدين البلقيني: محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح: تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن - مطبعة دار الكتب القاهرة - ١٩٧٤م، ص١٥٨.
(٤) من كتاب " النكت الوفية على شرح الألفية " والكتاب ما يزال مخطوطًا وما نقلته فبواسطة عبد الفتاح أبي غدة في تتماته على الموقطة ص١٣٦.
[ ١٨٥ ]
للعراقي" (١) .
" هو علي ابن المديني، وقيل البخاري ولم يسم في صحيح مسلم ".
فهؤلاء الحفاظ المتأخرون قد ذهبوا إلى أن المعنى بالرد هو ابن المديني وليس البخاري، وقد ذهب إلى هذا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة من المعاصرين، وقدم دليلًا تاريخيًا على عدم صحة أن يكون البخاري هو المعني بالرد في كلام مسلم - ﵀ - ألخصه فيما يلي:
" الإمام مسلم ولد سنة (٢٠٤هـ) والأرجح سنة (٢٠٦هـ)، وسمع الحديث سنة (٢١٨هـ) وتوفي سنة ٢٦١هـ) عن (٥٥) سنة.
بقي الإمام مسلم في تأليف كتابه (١٥) سنة وقد فرغ من تأليفه سنة (٢٥٠هـ) فيكون مسلم قد بدأ في تأليفه سنة (٢٣٥هـ) حين كانت سنه ٢٩ سنة، وانتهى منه حين كانت سنه ٤٤ سنة وقد عاش بعد الفراغ من تأليفه ١١ سنة، ولا شك أن مسلمًا قد كتب مقدمة صحيحه قبل الشروع في تأليفه لا بعده، كما هو صريح قوله في مقدمته.
والإمام مسلم لما صاحب البخاري في نيسابور، وأدام الاختلاف إليه، ولازمه كل الملازمة، خمس سنوات من سنة ٢٥٠ إلى سنة ٢٥٥، وكان في هذه المدة منتهيًا من تأليف كتابه الصحيح، وفيه مقدمته التي فيها الكلام الشديد، فلا يعقل أن يكون البخاري هو المعني بهذه اللهجة الشديدة التي لا تطاق معها مقابلة ولا لقاء، فضلًا عن الصحبة والملازمة خمس سنوات، بل إن مسلمًا قد قاطع شيخه وبلديه: محمد بن يحي الذهلي النيسابوري من أجل البخاري لما ورد نيسابور، ووقف منه محمد بن يحي الذهلي ذلك الموقف المعروف، فهل يقبل ممن يناصر البخاري هذه المناصرة ويقول له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، ودعني أقبل رجلك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله: أن يصفه بتلك الصفات النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة ويتصاحبا مع
_________________
(١) الكتاب ما يزال مخطوطًا، ونقلته بواسطة نفس المرجع.
[ ١٨٦ ]
ذلك دهرًا طويلًا " (١) .
ثم إن العلماء الذين قالوا بأن شرط البخاري هو ثبوت اللقاء مع المعاصرة حتى يحكم للسند المعنعن بالاتصال، اختلفوا هل ذلك شرط في الصحة مطلقًا عند البخاري أم هو شرط في الأصحبة عمل به في جامعه قط. وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى أن ذلك شرط في أصل الصحة حيث قال: " ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في " جامعه " لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في " تاريخه " بمجرد ذلك " (٢) .
لو كان البخاري يشترط ذلك في الأصحية فقط لما كان هناك نزاع بينه وبين مخالفه لأنه من المسلم به أن اللقاء أحوط وأوثق في ثبوت الاتصال من مجرد المعاصرة.
وأما إذا كان البخاري يشترط ذلك في أصل الصحة فيلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في صحيحه من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة من قسم الضعيف عند البخاري ومن مشى على قوله بعده، وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم صحيح مع معرفتهم بشرط في العنعنة.
وقد استشعر الإمام النووي - ﵀ - هذا الإشكال والتناقض فقال - ﵀ -:
" والبخاري لا يحمله على الاتصال (أي السند المعنعن) حتى يثبت اجتماعهما وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في " صحيحه " بهذا المذهب لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود الحكم الذي جوّزه، والله أعلم " (٣) .
_________________
(١) التتمات على الموقظة ص.
(٢) النكت ص٢٣٠، وانظر: التنكيل ص٢٦٩ - ٢٧٠.
(٣) شرح النووي على مسلم: ج١ ص١٤.
[ ١٨٧ ]
وقد رّد العلامة المعلمي كلام النووي بقوله: " وزعم النووي في " شرح صحيح مسلم " أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في " صحيحه " بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء صحيحه تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في " صحيح البخاري " كما ذكره النووي أيضًا " (١) .
ومعنى هذا أنه يوجد في " الصحيحين " أحاديث معنعنة لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وهذه الأحاديث لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا وفق ما قرره مسلم - ﵀ - وقد سأل التقي السبكي المزي - حافظ الدنيا - هل وجد لكل ما روياه بالعنعنة طرق مصرح فيها بالتحديث؟
فقال: كثير من ذلك لم يوجد وما يسعنا إلا تحسين الظن (٢) .
مما سبق يتبين أنه ليس هناك أدلة قاطعة تثبت أن المعني بالرد في كلام مسلم هو البخاري أو شيخه ابن المديني، وعليه لا نستطيع أن ننصب خلافًا بين مسلم وسائر الأئمة على رأسهم شيخه الإمام البخاري، ولا أستبعد أن يكون مذهب البخاري وابن المديني في هذه المسألة هو مذهب الإمام مسلم، لأن مسلمًا حكى في ذلك الإجماع، وأي إجماع يصح وينعقد والمخالف مثل ابن المديني والبخاري، ويكون المعني بالرد في كلام مسلم بعض المتنظعين من منتحلي الحديث في عصره، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) التنكيل ص٢٦٩.
(٢) تدريب الراوي: ج١ ص٥٩.
[ ١٨٨ ]
المطلب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري
إن الإمام البخاري قد اشترط في كتابه اتصال السند في الأحاديث التي يخرجها في جامعه لذا سماه " الجامع الصحيح المسند " وعلى الرغم من ذلك هناك أحاديث انتقدها بعض الأئمة، وقالوا بأن هذا الشرط لم يتحقق فيها، وسأذكر في هذا المطلب نماذج من أحاديث من صحيح البخاري أعلها الإمام الحافظ الدارقطني بالانقطاع والإرسال.
فمن هذه الأحاديث التي عدها الحافظ الدارقطني مرسلة:
١ - حديث مصعب بن سعد (١):
قال: قال: رأي سعد أن له فضلًا، فقال النبي ﷺ: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " (٢) .
قال الدارقطني: " وهذا مرسل " (٣) .
فهذا الحديث ظاهر سياقه أنه مرسل لأن مصعبًا لم يدرك زمن النبي ﷺ ولكن صحّ أنه سمعه من أبيه، وقد أورد الحافظ في الفتح ما يدل على أن مصعبًا أخذ هذا الحديث عن أبيه، وهذه الطرق هي (٤):
١ - ما رواه الإسماعيلي من طريق معاذ بن هانئ حدثنا محمد بن طلحة فقال فيه ابن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر المرفوع دون ما في أوله.
_________________
(١) هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، من الثالثة، أرسل عن عكرمة بن أبي جهل. مات سنة ثلاث ومائة روى له الجماعة (التقريب ص٥٣٣) .
(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب رقم (٢٨٩٦) ج٦ ص١٠٤ (مع الفتح) .
(٣) التتبع ص١٩٤.
(٤) المصدر السابق.
[ ١٨٩ ]
٢ - ما أخرجه أو نعيم في الحلية من رواية عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاتي عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعًا مختصرًا ولفظه " ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين " (١) .
فهذه الطرق تدل على أن الحديث مسند، وإن كانت صورته في صحيح البخاري صورة المرسل.
وهناك أحاديث أخرى على هذا النمط في صحيح البخاري قال الحافظ: " وقد اعتمد البخاري كثيرًا من أمثال هذا السياق فأخرجه على أنه موصول، إذا كان الراوي معروفًا بالرواية عمن ذكره، وقد ترك الدارقطني أحاديث في الكتاب من هذا الجنس لم يتتبعها " (٢) .
٢ - أحاديث الحسن عن أبي بكرة:
أخرج البخاري بهذه الرجمة أربعة أحاديث اعتبرها الدارقطني مرسلة ولم يصحح سماع الحسن من أبي بكرة، بينما البخاري يرى صحة سماعه، ومن هنا فهي متصلة عند الإمام البخاري لذا أوردها في صحيحه.
وسأذكر انتقاد الدارقطني ثم أعقبه بأقوال الأئمة الحفاظ في تحقيق سماع الحسن من أبي بكرة.
قال الدارقطني - ﵀ -: " وأخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة، منها: الكسوف، ومنها زادك الله حرصًا ولا تعد، ومنها لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، ومنها إن ابني هذا سيد، والحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة " (٣) .
وقد وضح الحافظ ابن حجر هذا الانتقال فقال: " فالدارقطني
_________________
(١) حلية الأولياء: ج٥ ص١٠٠.
(٢) هدي الساري ص٣٨١.
(٣) التتبع ص٢٢٢.
[ ١٩٠ ]
- ﵀ - يرى عدم صحة سماع الحسن (١) من أبي بكرة (٢) لكن الإمام البخاري يرى صحة ذلك، وقد اعتمد في تصحيح سماع الحسن من أبي بكرة على رواية أبي موسى عن الحسن أنه سمع أبا بكرة، وقد أخرجه مطولًا في كتاب الصلح، وقال في آخره: قال لي علي بن عبد الله إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث " (٣) .
وقال الحافظ في شرح هذا الحديث: " وإنما قال ابن المديني ذلك لأن الحسن كان يرسل كثيرًا عمن لم يلقهم بصيغة عن فخشي أن روايته عن أبي بكرة مرسلة، فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده أنه سمعه منه " (٤) .
ثم نقل كلام الدارقطني في كتابه التتبع عقبه بقوله: " وهذا يقتضي عنده أنه لم يسمع من أبي بكرة، لكن لم أرَ من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المدينين وأبي حاتم، وأحمد والبزار، وغيرهم، نعم كلام ابن المديني يشعر بأنهم كانوا يحملونه على الإرسال حتى وقع هذا التصريح " (٥) .
فكلام الحافظ يفيد أن الأئمة لم ينفوا سماع الحسن من أبي بكرة وأن الدارقطني انفرد بهذا، وفيما يلي تفصيل القول في سماع الحسن من أبي بكرة وموقف أئمة النقد من ذلك.
_________________
(١) الحسن بن أبي الحسن البصري، تابعي، فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس. مات سنة ١١٠ وقد قارب التسعين. ترجمته في التقريب ص١٦٠، والشذرات: ج١ ص١٣٩، وحلية الأولياء: ج٢ ص١٣١ - ١٦٠.
(٢) هو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي، صحابي، مشهور بكنيته، أسلم بالطائف ثم نزل البصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنين وخمسين، ترجمته في: التقريب ص٥٦٥.
(٣) هدي الساري ص٣٨٦.
(٤) الفتح: ج١٣ ص٧١.
(٥) المصدر نفسه ص٧١.
[ ١٩١ ]
تحقيق القول في سماع الحسن من أبي بكرة:
لم يتعرض الإمام البخاري في ترجمة الحسن في تاريخه الكبير لسماعه من أبي بكرة.
أما الإمام ابن أبي حاتم الرازي فقد ترجم له بترجمة متوسطة وتعرض لسماعه من كثير من الصحابة نفيًا وإثباتًا وإليك نص كلامه:
" حدثنا عبد الرحمن، نا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: سمع الحسن من ابن عمر، وأنس بن مالك، وابن مغفل، وسمع من عمر بن تغلب أحاديث.
قال أبو محمد فذكرت قول أحمد لأبي - ﵀ - فقال: قد سمع من هؤلاء الأربعة، ويصح له السماع من أبي برزة، ومن أحمر صاحب النبي ﷺ ومن غيرهم، ولم يصح له السماع من جندب، ولا من معقل بن يسار، ولا من عمران بن حصين، ولا من ابن عمر، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي ثعلبة، ولا من أبي بكرة، ولا من أبي هريرة " (١) .
واضح أن الإمام ابن أبي حاتم لم يقصد استيعاب جميع من صح للحسن سماعه منه، لذا قال بعد أن عدّد جملة منهم: " وغيرهم ".
ثن نفى سماعه من بعض الصحابة، ولم ينف سماعه من أبي بكرة، فهذا النص محتمل في تصحيح سماع الحسن من أبي بكرة، ويزيده وضوحًا هذا النص الصريح قال ابن أبي حاتم - ﵀ -:
" حدثنا محمد بن سعيد بن بلخ قال: سمعت عبد الرحمن بن الحكم يقول: سمعت جريرًا يقول: سألت بهزًا (٢) عن الحسن، من لقي من أصحاب رسول الله؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثًا، وسمع من عمران بن حصين شيئًا، وسمع من أبي بكرة شيئًا " (٣) .
_________________
(١) الجرح والتعديل: ج٣ ترجمة ١٧٧.
(٢) هو بهز بن أسد العمي تقدمت ترجمته.
(٣) ابن أبي حاتم المراسيل: دار الكتب العلمية - بيروت ص٤٤.
[ ١٩٢ ]
وقال الإمام علي ابن المديني في علله:
" سمع الحسن البصري من عثمان بن عفان - وهو غلام - يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص، ومن أبي بكرة " (١) .
وقد عد الحافظ المزي من روى عنهم الحسن فذكر أبا بكرة نفيع بن الحارث الثقفي (٢) .
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة الحسن من كتابه سير أعلام النبلاء:
" وقد روى بالإرسال عن طائفة، كعلي، وأم سلمة، ولم يسمع منها، ولا من أبي موسى، ولا من ابن سريع، ولا من عبد الله بن عمرو، ولا من عمر بن تغلب، ولا من عمران، ولا من أبي برزة، ولا من أسامة بن زيد، ولا من ابن عباس، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من أبي سعيد قاله يحي بن معين " (٣) .
وقال الإمام يحي بن معين في تاريخه:
" لم يسمع الحسن من أبي بكرة، قيل له: فإن مبارك بن فضالة يقول: عن الحسن قال حدثنا أبو بكرة، قال ليس بشيء " (٤) .
وقال الذهبي أيضًا في تاريخ الإسلام في ترجمة الحسن:
" قال علي بن المديني: لم يسمع الحسن من أبي موسى الأشعري، ولا من عمر بن تغلب ولا من الأسود بن سريع، ولا من عمران، ولا من أبي بكرة " (٥) .
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال. تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي. دار الوعي. حلب. ط الأولى ص٦٠.
(٢) تهذيب الكمال: ج٦ ص٩٩.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج٤ ص٥٦٦.
(٤) تاريخ يحي ابن معين - رواية الدوري عنه - تحقيق أحمد نور السيف، ج٤ ص٣٢٢.
(٥) تاريخ الإسلام: تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربي - ط سنة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م - ج٧ ص٤٨.
[ ١٩٣ ]
فهذا النص الذي أورده الذهبي مخالف لما نقلته آنفًا من علل ابن المديني، والظاهر أن النص الأول المنقول من العلل هو الصحيح لأنه يوافق ما حكاه البخاري في صحيحه عن ابن المديني، ويبدو أن الإمام الذهبي كتب هذا من حفظه فوهم في نفي سماع الحسن من أبي بكرة، ويرجح هذا الاحتمال أننا لا نجد هذا النص بهذا الاختصار في علل ابن المديني بل نجده فرق الكلام على سماع الحسن في صفحات من العلل (١) والإمام الذهبي قد ذكرها هنا مختصرة، ولم يسق كل من قال عنه ابن المديني أن الحسن لم يسمع منه.
أما بالنسبة للإمام يحي بن معين، فنعم لم يصح عنده سماع الحسن من أبي بكرة، وذلك لأن الطريق التي ورد منها التصريح بالسماع طريق ضعيفة، وسبب ضعفها كما أشار إليه ابن معين هو مبارك بن فضالة.
فمبارك هذا قال فيه الحافظ - ﵀ -:
" فمبارك بن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف المعجمة، أبو فضالة البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة، مات سنة ست وستين، على الصحيح/ خت، د، ت، ق/ " (٢) .
قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: كان مبارك بن فضالة يرفع حديثًا كثيرًا، ويقول في غير حديث عن الحسنز قال حدثنا عمران قال حدثنا ابن مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك، غيره" (٣) .
فمبارك هذا يخالف أصحابه في أحاديث الحسن، ويذكر للحسن سماعًا لم يصح. ومن ثم لم يعتمد ابن معين - ﵀ - على إثبات سماع الحسن من أبي بكرة برواية مبارك بن فضالة.
أما الإمام البخاري فإنه أثبت سماع الحسن من أبي بكرة برواية
_________________
(١) انظر العلل ومعرفة الرجال ص٦٠ - ٧٤.
(٢) التقريب ص٥١٩.
(٣) تهذيب الكمال: ج٢٨ ص١٨٤، والجرح والتعديل: ج٨ ت ١٥٥٧.
[ ١٩٤ ]
إسرائيل أبي موسى البصري، وهو ثقة كما قال الحافظ.
قال الإمام البخاري: " حدثنا صدقة حدثنا ابن عيينة حدثنا أبو موسى، عن الحسن سمع أبا بكرة سمعت النبي ﷺ على المنبر، والحسن ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: " ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين " (١) .
واستشهد أيضًا برواية مبارك بن فضالة (فقد أخرج البخاري حديث الكسوف من طرق عن الحسن، علق بعضها، ومن جملة ما علقه فيه رواية موسى بن إسماعيل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة. فهذا معتمده في إخراج حديث الحسن، ورده على من نفى أنه سمع من أبي بكرة باعتماده على إثبات من أثبته " (٢) .
فلما صح سماع الحسن من أبي بكرة عند الإمام البخاري أخرج له في صحيحه، ولم ينفرد الإمام البخاري بإخراج حديث الحسن عن أبي بكرة بل قد أخرج له كثير من الأئمة.
وإليك الأحاديث التي رواها الحسن عن أبي بكرة مع ذكر من أخرجها من الأئمة (٣):
١ - حديث " رأيت النبي ﷺ، والحسن إلى جنبه يقول إن ابني هذا سيد " رواه البخاري في كتاب الصلح، حديث رقم (٢٧٠٤)، وفي كتاب المناقب، حديث رقم (٣٦٢٩)، وفي كتاب فضائل الصحابة حديث رقم (٣٧٤٦)، وفي كتاب الفتن حديث رقم (٧١٠٩) .
والترمذي في سننه، في كتاب المناقب حديث رقم (١٠٢) وقال حسن صحيح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين - ﵄ - رقم (٣٧٤٦) ج٧ ص١١٨.
(٢) هدي الساري ص٣٧٢.
(٣) انظر تحفة الإشراف للمزي - تحقيق عبد الصمد شرف الدين - مطبعة المكتب الإسلامي - الدار القيمة. الطبعة الثانية ١٣٠٣هـ، ١٩٧٣م - ج٩ ص٣٨ - ٤٢.
[ ١٩٥ ]
والنسائي في السنن الكبرى في كتاب المناقب.
٢ - حديث أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع دون الصف.
أخرجه البخاري في كتاب الأذان حديث رقم (٧٨٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، والنسائي في الصلاة أيضًا. قال الحافظ: " وقد أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، ورد هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: " حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه " أخرجه أبو داود والنسائي (١) .
٣ - حديث نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ: " لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ".
رواه البخاري في كتاب المغازي حديث رقم (٤٤٢٥)، وفي كتاب الفتن حديث رقم (٧٠٩٩) والترمذي في الفتن أيضًا (٧٥) وقال صحيح، والنسائي في القضاة باب (٨) .
٤ - حديث " كنا مع النبي ﷺ فانكسفت الشمس فخرج يجر رداءه فصلى بهم ركعتين ".
رواه البخاري في كتاب الكسوف حديث رقم (١٠٤٠)، وفي كتاب اللباس باب (٢) حديث (٢) .
ورواه النسائي في كتاب الصلاة باب (٦٢٣) حديث (٧) .
فهذه أحاديث الحسن عن أبي بكرة عند البخاري، وقد شاركه في تخريجها من ذكرت من الأئمة، وله أحاديث أخرى عن أبي بكرة أيضًا لم يخرجها البخاري وخرجها غيره من الأئمة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبان (٢) .
_________________
(١) فتح الباري: ج٢ ص٢١٣.
(٢) انظر تحفة الأشراف: ج٩ ص٣٨ - ٤٢.
[ ١٩٦ ]
وخلاصة القول: إن سماع الحسن من أبي بكرة مختلف فيه بين مثبت وناف.
فالمثبتون لسماعه كثير من الأئمة: كابن المديني، والبخاري، والترمذي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأحمد، وأبو داود، والبيهقي فكل هؤلاء يصححون حديثه عن أبي بكرة.
وقد نفى سماعه بعض الأئمة كالدارقطني - ﵀ - وابن المديني فيما نقله الذهبي - إن صح النقل - ويحي بن معين، لضعف الطريق التي ورد فيها السماع عنده.
والصواب صحة سماع الحسن من أبي بكرة وقد بينت - بحمد الله وتوفيقه - أن البخاري لم ينفرد بإثبات سماعه ولا بتصحيح حديثه، فقد أثبت سماعه جمع من الأئمة النقاد، وصحح حديثه كثير من الأئمة في كتبهم، ولا يفوتني أن أنبه على أن الحسن يروي عن أبي بكرة مباشرة من غير واسطة كما تقدم، ويروي عنه أيضًا بواسطة الأحنف بن قيس، وقد أخرج البخاري أيضًا حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة (١) .
حديث عبد الله بن الزبير قال: قال النبي ﷺ: " من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة ".
فهذا الحديث أورده البخاري في صحيحه (٢)، وقد انتقده الدارقطني بما يفيد أنه مرسل، حيث قال - ﵀ - وأخرج البخاري عن سليمان بن حرب عن حماد بن ثابت عن ابن الزبير قال: قال النبي ﷺ: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ".
_________________
(١) كتاب الفتن، باب إذا التقى مسلمان بسيفهما، حديث رقم (٧٠٨٣) ج١٣ ص٣٥ (مع الفتح) .
(٢) رواه البخاري في كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه حديث رقم (٥٨٣٣) وعقبه بروايتي: أبي ذبيان خليفة بن كعب، وأم عمرو بنت عبد الله بن الزبير، وفيهما يقول ابن الزبير: سمعت عمر يقول قال النبي ﷺ: " من لبس الحرير " رقم (٥٨٣٤) ج١٠ ص٢٩٦ (مع الفتح) .
[ ١٩٧ ]
قلت: لم يسمعه ابن الزبير من النبي ﷺ، إنما سمع من عمر، قاله أبو ذبيان (١) وأم عمرو (٢) عنه " (٣) .
قال الحافظ - بعد ذكره كلام الدارقطني -:
" هذا تعقب ضعيف، فإن ابن الزبير صحابي، فهبه أرسل فكان ماذا؟ وكم في الصحيح مرسل صحابي، وقد أتفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك إلا من شذ ممن تأخر عصره عنهم فلا يعتد بخلافه " (٤) .
وقال الحافظ أيضًا في شرحه لهذا الحديث: " هذا من مرسل ابن الزبير، ومراسيل الصحابة محتج بها عند جمهور من لا يحتج بالمراسيل، لأنهم إما أن يكون عند الواحد منهم عن النبي ﷺ، أو عن صحابي آخر، واحتمال كونها عن تابعي لوجود رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين نادر، لكن تبين من الروايتين بعد هذا أن ابن الزبير إنما حمله عن النبي ﷺ بواسطة عمر " (٥) .
فالحديث إذن مسند، ولا وجه لإعلاله بالإرسال.
فهذه نماذج من أحاديث في صحيح البخاري يرى الإمام الدارقطني بأنها مرسلة أو منقطعة، وقد بينت أن البخاري - ﵀ - يرى بأنها مسندة لذا أوردها في صحيحه.
* * *
_________________
(١) هو خليفة بن كعب التميمي، البصري، ثقة من الرابعة، روى له البخاري ومسلم والنسائي (التقريب ص١٩٥) .
(٢) هي أم عمرو بنت عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدية مقبولة، روى لها البخاري تعليقًا والنسائي (التقريب ص٧٥٧) .
(٣) التتبع - دراسة وتحقيق: مقبل بن هادي الوادعي - دار الكتب العلمية - الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص٣٠٦.
(٤) هدي الساري ص٣٩٧ وانظر تفصيل القول في مراسيل الصحابة في أسباب اختلاف المحدثين لخلدون الأحدب ج١ ص٢٢٠ - ٢٢٤.
(٥) الفتح: ج١٠ ص٣٠١.
[ ١٩٨ ]
المطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري من أحاديث المدلسين
تعريف التدليس:
التدليس لغة مشتق من الدلس بفتحتين، وهو اختلاط الظلام بالنور ويسمى المدلس بذلك لاشتراكهما في الخفاء والتغطية كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره، ومنه التدليس في البيع يقال: دلس فلان على فلان أي ستر عنه العيب الذي في متاعه (١) .
أقسام التدليس:
قسمه العلماء إلى أقسام عدة، فمنهم من قسمه إلى ستة أقسام كالإمام الحاكم النيسابوري في كتاب " معرفة علوم الحديث " (٢) وهذه الأقسام هي:
الأول: من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه إلا أنهم لم يخرجوا عداد الذين تقبل أخبارهم.
الثاني: قوم يدلسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينفر عن سماعاتهم، ويلح ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم.
الثالث: قوم دلسوا عن أقوام مجهولين لا يدري من هم ولا من أين هم.
الرابع: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا.
الخامس: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم، فيدلسونه.
_________________
(١) لسان العرب والقاموس المحيط مادة (دلس) .
(٢) معرفة علوم الحديث ص١٢٨ -. ١٢.
[ ١٩٩ ]
السادس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم وإنما قالوا: قال فلان. نحمل ذلك منهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل.
وقد مثل الحاكم لكل قسم من هذه الأقسام بعدة أمثلة.
ونلاحظ أن الحاكم قد اعتمد في هذا التقسيم على حالات المدلسين مع شيوخهم.
كما نلاحظ أن بعض الأقسام متداخلة في بعض، لذا ترى من جاء بعد الحاكم قد اختصر هذا التقسيم إلى ثلاثة أقسام، كالحافظ العراقي في شرحه لألفيته (١) وفي شرحه على مقدمة ابن الصلاح (٢) .
وهذه الأقسام هي:
الأول: تدليس الإسناد.
الثاني: تدليس الشيوخ.
الثالث: تدليس التسوية.
ومن العلماء من قسمه إلى قسمين فقط هما:
تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ. وقد ذهب إلى هذا ابن الصلاح (٣)، والنووي (٤)، وابن كثير (٥)، والطيبي (٦)، وابن حجر (٧)، والسخاوي (٨) وغيرهم.
_________________
(١) شرح العراقي المسمى فتح المغيث: ج١ ص١٧٩ - ١٩١.
(٢) التقييد والإيضاح ص٧٨.
(٣) علوم الحديث ص٦٦.
(٤) التقريب (مع التدريب): ج١ ص٢٢٣.
(٥) اختصار علوم الحديث ص٥٠.
(٦) الخلاصة في أصول الحديث ص٧٤.
(٧) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٢٤٤.
(٨) فتح المغيث: ج١ ص١٦٩.
[ ٢٠٠ ]
قال الحافظ البلقيني: " الأقسام الستة التي ذكرها الحاكم داخلة تحت القسمين السابقين، فالقسم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول، والرابع عين القسم الثاني - أي تدليس الشيوخ وما عده العراقي قسمًا ثالثًا - وهو تدليس التسوية داخل تحت القسم الأول وهو تدليس الإسناد (١) .
وعند التدقيق، نلاحظ أن الأقسام كلها تعود إلى تدليس الإسناد لأن الإسناد يتكون من الشيوخ، والصيغ الدالة على التحمل، فإخراج الشيوخ من الإسناد وإبقاء الصيغ الدالة على التحمل أمر غير سليم، ومن هنا يمكن أن نقول إن هذه التقسيمات اعتبارية فقط ترجع إلى أحوال المدلسين وليست تقسيمات حقيقية ترجع إلى التدليس في حد ذاته فالتدليس موضوعه الإسناد، شيوخه وما يدل على الاتصال بينهم.
تعريفه اصطلاحًا:
نذكر تعريف العلماء لقسمي التدليس.
أ - تدليس الإسناد:
اختلف تعاريف العلماء له. فقد عرفه الإمام البزار (ت ٣٩٢هـ) بقوله: " هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه " (٢) .
ويمثل تعريف البزار عرفه الإمام أبو الحسن القطان الفاسي (ت ٦٢٨هـ) في كتابه بيان الوهم والإيهام (٣) وفصل ابن عبد البر في تعريفه (٤) لكنه لم يخرج عن مضمون تعريف البزار، وهؤلاء يشترطون اللقي والسماع في حد التدليس
_________________
(١) محاسن الاصطلاح ص١٦٨.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص١٩٧، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٨٠.
(٣) فتح المغيث: ج١ ص١٩٧، والنكت ص٢٤٢.
(٤) انظر التمهيد: ج١ ص١٥.
[ ٢٠١ ]
وذهب آخرون إلى التوسع في مدلول التدليس، فيمثل عندهم من سمع، ومن أدرك ولم يسمع، ومن هؤلاء الإمام ابن الصلاح - ﵀ - قال:
" تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهمًا أنه لقيه وسمع منه " (١) .
وبمثل تعريف ابن الصلاح عرفه النووي (٢) وابن كثير (٣) والعراقي (٤) وذكر أن تعريف ابن الصلاح هو المشهور بين أهل الحديث.
لكن الحافظ ابن حجر لم يرتض هذا، وفرق بين النوعين باعتبار أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، وأما إذا عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي (٥) .
وهو الظاهر أيضًا من صنيع الحافظ العلائي - ﵀ - حيث تكلم على التدليس بنوعيه ثم أفرد للمرسل الخفي بابًا مستقلًا في كتابه جامع التحصيل والرأي الذي ذهب إليه ابن حجر هو المعتمد لما يلي:
أولًا: إنه قول المتقدمين من أهل الحديث كما سبق نقله عنهم.
ثانيًا: إنه يفرق تفريقًا دقيقًا بين المدلس والمرسل الخفي، وهذا التفريق له أثره الواضح في القبول والرد، لأن حكمنا على الحديث بالتدليس يستلزم رده أما حكمنا عليه بالإرسال الخفي فيعني قبوله عند من يقبل المراسيل.
_________________
(١) علوم الحديث ص٦٦.
(٢) التقريب ص٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) اختصار علوم الحديث ص٥٠.
(٤) التقييد والإيضاح ص٨٠.
(٥) نزهة النظر ص٣٩ - ٤٠.
[ ٢٠٢ ]
ب - تدليس الشيوخ:
هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثًا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف (١) .
ويمكن أن نضع تعريفًا للتدليس يشمل القسمين وهو: " التدليس إخفاء عيب في الإسناد ظهوره يكون سببًا في ضعفه أو انقطاعه " فعيوب الإسناد التي تكون سببًا في ضعفه هي: ضعف الرواة، وجهالتهم، وجرحهم.
والعيوب التي تكون سببًا في انقطاع الإسناد، كعدم السماع مطلقًا أو عدم لقاء الرواة بعضهم بعضًا أو عدم السماع منهم في خصوص ذلك الحديث.
حكم التدليس:
قال الخطيب البغدادي - ﵀ -: " التدليس متضمن للإرسال لا محالة، لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه بالسماع ممن لم يسمع فقط، وهو الموهن لأمره فوجب كون التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إبهام السماع ممن لم يسمع منه " (٢) فالتدليس يشبه المرسل في كون كل منهما منقطع، ويختلف عنه بأن الإرسال انقطاع ظاهر والتدليس انقطاع خفي مع أن راويه يذكره بصيغة توهم الاتصال، ولهذا لم يذم العلماء في أرسل وذموا من دلس.
ولقد اختلف العلماء في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، ولقد ذكر هذا الخلاف الإمام ابن الصلاح في مقدمته، فقال - ﵀ -: " ثم اختلفوا في رواية من عرف بهذا التدليس (أي تدليس الإسناد) فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين
_________________
(١) علوم الحديث ص٦٦.
(٢) الكفاية ص٣٩٥.
[ ٢٠٣ ]
السماع أو لم يبين، والصحيح التفصيل وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو " سمعت " و"حدثنا " و" أخبرنا " وأشباهها فهو مقبول محتج به.
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا كقتادة، والأعمش، والسفيانين، وهشيم بن بشير، وغيرهم، وهذا أن التدليس ليس كذبًا، وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل " (١) وبهذا التفصيل قال الحافظ العلائي - ﵀ (٢) - وقال الحافظ ابن حجر: " وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلًا أن لا يقبل منه إلا مصرح فيه بالتحديث على الأصح" (٣) كما تعقب الحافظ ابن حجر الإمام ابن الصلاح في قوله: " وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا ".
قال ابن حجر: " أورد المصنف هذا محتجًا به على قبول رواية المدلس إذا صرح، وهو يوهم أن الذي في الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث المدلسين مصرح في جميعه وليس كذلك، بل في الصحيحين وغيرهما جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة.
وقد جزم المصنف في موضع آخر، وتبعه النووي وغيره، بأن ما كان في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين، فهو محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وتوقف في ذلك المتأخرين الإمام صدر الدين بن المرحل وقال في " كتاب الإنصاف ": " إن في النفس من هذا الاستثناء غصة، لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا قد وجدنا كثيرًا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس
_________________
(١) علوم الحديث ص٦٧ - ٦٨.
(٢) جامع التحصيل في أحكام المراسيل - حققه وقدم له وخرّج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي - عالم الكتب. الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م، ص٩٨ - ٩٩.
(٣) نزهة النظر ص٣٩.
[ ٢٠٤ ]
رواتهما " وكذلك استشكل ذلك قبله العلامة ابن دقيق العيد فقال: " لابد من الثبات على طريقة واحدة، إما القبول مطلقًا أو الرد مطلقًا، في كل كتاب، وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه فغاية ما يوجه به أحد أمرين: إما أن يدعي أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها. قال: وهذا إحالة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال.
وإما أن يدعي أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليل وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا كان أهل الإجماع على الخطأ، وهو ممتنع ".
وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ ابن أبي الحجاج المزي " وسألته عما وقع في الصحيحين من حديث المدلس معنعنًا هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها
فقال: كذا يقولون وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطرق التي في الصحيحين ".
قلت (القائل ابن حجر) وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط، أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح في تخريجها كغيرها " (١) .
وهذه الإشكالات التي أوردها هؤلاء الحفاظ المتأخرون مردها إلى أنهم يقررون قواعد عامة مطردة بمعزل عن صنيع الأئمة في كتبهم فإذا وجدوا ما يخالف تلك القواعد حاولوا جاهدين الجواب عنها، وكان من المفترض أن يكون الواقع التطبيقي هو المنطلق الذي تستمد منه القواعد والأحكام.
ولو تأملنا مسألة التدليس وأحاديث المدلسين من خلال الواقع التطبيقي عند الإمام البخاري تتضح لنا الحقائق التالية:
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٢٠٥ ]
١ - أن الإمام البخاري قد أخرج أحاديث كثير ممن وصف بالتدليس، وهذا يقتضي أن التدليس ليس بجرح ترد به الرواية، ويقدح به في العدالة.
٢ - إن الإمام البخاري أكثر ما يخرج لهؤلاء في التعاليق والاستشهاد.
٣ - خرج الإمام البخاري لبعض المدلسين في الأصول احتجاجًا إما لتصريحهم بالسماع، أو لأنهم توبعوا على أحاديهم، أو لشيوخ أكثروا عنهم بحيث لم يفتهم من أحاديثهم شيء، أو من طريق من لا يأخذ عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع أو لكون هؤلاء المدلسين لا يدلسون إلا عن الثقات.
أصناف المدلسين في صحيح البخاري:
١ - المدلسون الذين أخرج البخاري أحاديثهم متابعة واستشهادًا:
وهؤلاء مثل: بقية بن الوليد، عيسى بن موسى غنجار، مبارك بن فضالة، محمد بن إسحاق، محمد بن عجلان.
٢ - المدلسون الذين أخرج البخاري أحاديثهم احتجاجًا:
وهؤلاء يخرج أحاديثهم بطرق مختلفة:
أ - من الطرق المصرح فيها بالسماع: مثل:
حميد بن أبي حميد الطويل: كان يدلس وقد اعتنى البخاري بطرق حديثه التي فيها التصريح بالسماع (١) .
ب - من طريق من كان لا يأخذ عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع: مثل:
الأعمش: فقد اعتمد البخاري في تخريج حديثه على حفص بن غياث لأنه كان يميز بين ما صرح فيه الأعمش بالسماع وبين ما دلسه (٢) .
_________________
(١) هدي الساري ص٤١٩.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٨.
[ ٢٠٦ ]
جـ - من لا يدلس إلا عن الثقات أو تدليسهم نادر، وهؤلاء مثل (١):
إبراهيم بن يزيد النخعي، إسماعيل بن أبي خالد، بشير بن المهاجر، الحسن بن ذكوان، الحسن البصري، الحكم بن عتبة، حماد بن أسامة، سعيد بن أبي عروبة، سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، شريك القاضي، ومحمد بن حازم أبو معاوية الضرير، وغيرهم.
إن تخريج الإمام البخاري روايات بعض المدلسين دون أن يكون هناك تصريح بالسماع مما يدل على أن قاعدة " المدلس لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث " ليس قاعدة مطردة بل لها استثناءات.
فهناك بعض المدلسين من يكون تدليسه نادرًا في بعض الروايات أو لا يدلس فيها أصلًا مع كونه معروفًا بالتدليس، مثل هشيم بن بشير المشهور بالتدليس إلا أنه لا يكاد يدلس في حديثه عن حصين بن عبد الرحمن فعنعنته محمولة على الاتصال، قال الإمام أحمد: " هشم لا يكاد يدلس عن حصين " (٢) .
ذلك لأنه لازمه ملازمة طويلة وأكثر سماعه منه بحيث لم يفت له من أحاديثه شيء، ولذا قالوا: " هشيم أعلم الناس بأحاديث حصين ".
وكذلك سفيان الثوري فقد وصف بالتدليس عن الضعفاء إلا أن الإمام البخاري قال: " لا أعرف لسفيان عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر شيوخًا كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه " (٣) .
ومن هؤلاء الشيوخ، الأعمش وابن جريج، وأبو إسحاق ومعمر ويحي بن أبي كثير، لأنه قلما يفوت له من أحاديثهم لطول الملازمة وكثرة السماع.
_________________
(١) النكت ص٢٥٧.
(٢) شرح العلل ص٣٨٩.
(٣) نفس المصدر ص٣٨٩، وفتح المغيث: ج١ ص٢١٩ والنكت ص٢٥٣.
[ ٢٠٧ ]
وكذلك الأعمش فقد قال الحافظ الذهبي: " وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف، وهو لا يدري به فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال " (١) .
وكذلك ابن جريج إنه كان يدلس عن غير عطاء فأما عن عطاء فلا، قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سمعته منه وإن لم أقل سمعت، وإنما قال هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء" (٢) .
كما أن بعض المدلسين إذا جاء حديثهم من طريق بعض الرواة فتحمل عنعنتهم على الاتصال لأنهم لا يقبلون منهم إلا ما سمعوا من شيوخهم مثل عكرمة بن عمار اليمامي، وقتادة، والأعمش ولأبي إسحاق وأبي الزبير وسفيان الثوري.
فعكرمة قد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين لكن إذا جاء حديثه من طريق سفيان الثوري فتحمل عنعنته على الاتصال لأنه كان يوقفه عند كل حديث قل: "حدثني" و" سمعت " (٣) .
وأما قتادة والأعمش وأبو إسحاق فلا تضر عنعنتهم إذا روى عنهم شعبة فإنه كان يقول: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وإسحاق وقتادة " (٤) .
قال الحافظ: " وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كانت عن شعبة ولو عنعنوها" (٥) .
وقال الإسماعيلي: " يحي القطان لا يروي عن زهير إلا ما كان
_________________
(١) ميزان الاعتدال: ج٢ ص٢٢٤.
(٢) التنكيل: ج٢ ص١٠٠.
(٣) الجرح والتعديل: ج١ ص٦٨.
(٤) النكت على ابن الصلاح ص٢٥٢.
(٥) المصدر نفسه ص٢٥٢.
[ ٢٠٨ ]
مسموعًا لأبي إسحاق فإذا عنعن زهير عن أبي إسحاق وكان من طريق يحي القطان فلا يضر ذلك ويحمل على الاتصال " (١) .
وأبو الزبير عن جابر إذا روى عنه الليث بن سعد فعنعنته محمولة على الاتصال (٢) .
إلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد التي تدل على صحة ما ذهب إليه الإمام البخاري من عدم اعتبار أحاديث المدلسين على طريقة واحدة.
* * *
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) المصدر نفسه. وانظر: الموازنة في تصحيح الأحاديث وتعليلها - للدكتور حمزة المليباري - ط٢ بقسنطينة ص١٢٠ - ١٢٤.
[ ٢٠٩ ]