الخصائص العامة للنقد عند الخطيب
وفيه فصلان:
الفصل الأول: تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين مع عدم تقليده لهم.
الفصل الثاني: كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي والرواية.
[ ٤١١ ]
الفصل الأول
تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين مع عدم تقليده لهم
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين في أحكامه النقدية على الأحاديث.
المبحث الثاني: شرح الخطيب لكلام النقاد.
المبحث الثالث: نقد الخطيب للأحكام النقدية لسابقيه وعدم التقليد.
[ ٤١٣ ]
المبحث الأول
تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين في أحكامه النقدية على الأحاديث
كان الخطيب - ﵀ - واسع المعرفة كثير الاطلاع، قد قرأ على مشايخه كتبًا كثيرة، وسمع عليهم مسموعات عديدة، وكانت كتب علل الحديث ونقد رجاله، والتي عليها اعتماد الخطيب في نقد الحديث، من ضمن هذه الكتب والمسموعات التي قرأها ودرسها واستفاد منها وتأثر بما فيها (^١).
وهذه بعض الأمثلة التي تبين مدى تأثر الخطيب بمتقدمي النقاد في أحكامه النقدية على الأحاديث:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن صَبيح المعروف بابن السماك، من طريق أحمد بن جعفر القَطِيعي (^٢)، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي (^٣) قال: حدثنا محمد بن السماك، عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غَرَر» (^٤).
_________________
(١) ينظر: «موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» (ص: ٢٥٥ - ٤٧٤).
(٢) هو في «جزء الألف دينار» للقطيعي (ص: ٣٦٢ رقم ٢٣١).
(٣) هو في «مسند أحمد» (٦/ ١٩٧ رقم ٣٦٧٦).
(٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ٢٠٩ رقم ١٠٤٩١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي عن بيع السمك في الماء (٥/ ٥٥٥ رقم ١٠٨٥٩)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ١٠٥ رقم ٩٧٨) كلهم من طريق عبد الله بن أحمد به.
[ ٤١٥ ]
ثم ذكر أن الإمام أحمد قال: «وحدثنا به هُشيم عن يزيد فلم يرفعه» (^١).
فنبَّه الإمام أحمد إلى أن هشيم بن بشير الثقة الثبت (^٢) قد خالف محمد بن السماك (^٣) فرواه عن يزيد به موقوفًا، وفي هذا إشارة إلى تصحيح الرواية الموقوفة، وهذا ما فهمه الخطيب فقال بعد ذلك مباشرة: «وكذلك رواه زائدة بن (^٤) قدامة (^٥)، عن يزيد بن أبي زياد موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصحيح» (^٦).
- المثال الثاني:
ذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد الصوفي (^٧)، أنه روى عن سويد بن سعيد (^٨)، عن مالك، عن الزهري،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٤٩).
(٢) سبقت ترجمته (ص: ٢٩١). ولم أجد روايته هذه فيما لديَّ من مراجع.
(٣) قال ابن نمير: صدوق. وقال مرة: حديثه ليس بشيء. وقال الدارقطني: لا بأس به. «لسان الميزان» (٧/ ٢٠٥ رقم ٦٩٢٤).
(٤) تصحفت في المطبوع من «تاريخ بغداد» إلى: «عن».
(٥) سبقت ترجمته (ص: ٣٠٤). وروايته أخرجها الطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ٣٢١ رقم ٩٦٠٧).
(٦) «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٤٩).
(٧) قال الخطيب: «كان ثقة». «تاريخ بغداد» (٥/ ١٣٢).
(٨) هو سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني أبو محمد، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه؛ فأفحش فيه ابن معين القول، مات سنة أربعين ومائتين، وله مائة سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦٠ رقم ٢٦٩٠).
[ ٤١٦ ]
عن أنس بن مالك، عن أبي بكر: أن النبي - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل (^١).
ثم ذكر أن الدارقطني (^٢) والبَرْقاني وغيرهما من الحفاظ ذهبوا إلى أن الصوفي قد وهم في هذا الحديث، وأن الصواب: عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل، مرسلًا (^٣).
ولكن الخطيب لم يوافقهم على إلصاق الوهم بالصوفي؛ لأنه قد توبع عليه، وذهب إلى أن الحمل فيه على سويد، واستدل بأن الحفاظ قديمًا قد أنكروه على سويد، ثم روى عن أبي داود السجستاني أنه قال: سمعتُ يحيى بن معين، وقال له الفضل بن سهل الأعرج: يا أبا زكريا، سويد الحدثاني، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر الصديق: أن النبي - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل. فقال يحيى: لو أن عندي فرسًا خرجت أغزوه (^٤).
- المثال الثالث:
قال الخطيب في ترجمة عبد الله بن حفص الوكيل: «أخبرنا أبو سعد
_________________
(١) أخرجه الإسماعيلي في «معجم الشيوخ» (١/ ٣١٢)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» جماع أبواب الهدي، باب جواز الذكر والأنثى في الهدايا (٥/ ٣٧٧ رقم ١٠١٦٣) عن الصوفي به.
(٢) «علل الدارقطني» (١/ ٢٢٦).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» كتاب الحج، باب ما يجوز في الهدي (١/ ٣٧٧).
(٤) «تاريخ بغداد» (٥/ ١٣٢ - ١٣٥).
[ ٤١٧ ]
الماليني قراءة قال: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ (^١) قال: حدثنا عبد الله بن حفص الوكيل قال: حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم بن بشير، عن سيار، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا أفتقد أحدًا من أصحابي غير معاوية بن أبي سفيان، لا أراه ثمانين عامًا أو سبعين عامًا، فإذا كان بعد ثمانين عامًا أو سبعين عامًا، يُقبل إليَّ على ناقة من المسك الأذفر (^٢)، حشوها من رحمة الله، قوائمها من الزبرجد، فأقول: معاوية؟ فيقول: لبيك يا محمد. فأقول: أين كنت من ثمانين عامًا؟ فيقول: في روضة تحت عرش ربي - ﷿ - يناجيني وأناجيه، ويُحَيِّيني وأُحَيِّيه، ويقول: هذا عوض مما كنتَ تُشتم في دار الدنيا».
ثم قال: «هذا حديث باطل إسنادًا ومتنًا، ونراه مما وضعه الوكيل، وأن إسنادَه رجالُه كلهم ثقات سواه» (^٣).
ظاهر من إسناد الخطيب أنه استفاد رواية هذا الحديث من كتاب «الكامل في الضعفاء» للحافظ ابن عدي، حيث يرويه عن شيخه الماليني عن ابن عدي، وقد استفاد نقد الحديث منه أيضًا، حيث قال ابن عدي في ترجمة الوكيل: «عبد الله بن حفص الوكيل، شيخ ضرير، كتبت عنه بسُرَّ من رأى، كان يسرق الحديث، وأملى عليَّ من حفظه أحاديث موضوعة، ولا أشك أنه
هو الذي وضعها».
_________________
(١) «الكامل في ضعفاء الرجال» (٥/ ٤٣٣).
(٢) مسك أذفر: ذَكِي الرِّيح. «تاج العروس» (ذ ف ر).
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ١١٥).
[ ٤١٨ ]
ثم أورد له الحديث المذكور بإسناده، ثم قال: «وهذا حديث موضوع، وضعه عبد الله بن حفص هذا» (^١).
* وكان من أكثر الحفاظ الذين استفاد منهم الخطيب وتأثر بهم في أحكامه النقدية هو إمام العلل في عصره الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني - ﵀ -، لا سيما في كتابه «علل الحديث»، والدارقطني هو شيخ شيخ الخطيب، فالخطيب يروي كتب الدارقطني عن شيخه البَرقاني عن الدارقطني مباشرة، وكان البَرْقاني من أخص تلاميذ الدارقطني وأجلِّهم، وكان يورِّق له فترة من حياته، وكتابه «العلل» قد أملاه على البَرْقاني من حفظه غير مرتَّب، ثم رتَّبه البَرْقاني على المسانيد بعد استئذان الدارقطني، وقرأه عليه من كتابه الذي كتبه البَرْقاني بخطه، ونسخه الناس من نسخة البَرْقاني (^٢).
فالبَرْقاني إذن أعلم الناس بكتاب «علل الدارقطني»، ونسخته منه أوثق النسخ، وعن البَرْقاني أخذ الخطيب هذا الكتاب بغير واسطة، ودرسه واستوعب ما فيه، فتأثر به تأثرًا شديدًا، وقد ظهرت ملامح هذا التأثر على أحكام الخطيب النقدية.
وتوجد أمثلة عديدة تبين أوجه تأثُّر الخطيب بالدارقطني، قد سبقت
دراسة بعضها في مباحث الرسالة (^٣).
_________________
(١) وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٥/ ٩٧)، (٥/ ١٢٥ وما بعدها)، (١٣/ ٣٣٥ وما بعدها).
(٢) ينظر: «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٩١).
(٣) ينظر: (ص: ٢٩١، ٣١٥، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٧٢).
[ ٤١٩ ]
المبحث الثاني
شرح الخطيب لكلام النقاد
بيَّنتُ في المبحث السابق سعة اطلاع الخطيب - ﵀ - على كتب نقد الحديث ورجاله وتأثره بنقاد الحديث، ولا شك أنه قد درس هذه الكتب دراسة متأنية، واستوعبها استيعابًا كاملًا، فكان من أحسن الناس فهمًا لكلام النقاد، فنراه يشرح كثيرًا من أحكامهم المشكلة وألفاظهم الغامضة، فمن أمثلة ذلك:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة سعيد بن داود الزَّنْبَري (^١)، عن عبد الله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول: كتبت عن الزَّنْبَري أحاديث عن مالك من أخبار الناس، ولو كان رواها عن أبيه!
قال أبي: ولقد حسبت سنَّه فإذا هو قد كان رجلًا، وكان أبوه أجود الناس منزلة من مالك، وضعَّفه.
ثم فسَّر الخطيب قوله: «ولو كان رواها عن أبيه!» قائلًا: «يعني: كان ذلك أقرب لحاله، واحتُملت روايته لها، فلما رواها عن مالك استعظم عليٌّ ذلك واستنكره» (^٢).
_________________
(١) هو صدوق له مناكير عن مالك، ويقال اختلط عليه بعض حديثه، وكذَّبه عبد الله بن نافع في دعواه أنه سمع من لفظ مالك، مات في حدود (٢٢٠ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ٢٣٥ رقم ٢٢٩٨).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٠/ ١١٥ - ١١٦).
[ ٤٢١ ]
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة الزَّنْبَري أيضًا عن أبي بكر الأثرم أنه ذكر للإمام أحمد بن حنبل أن حديث الإفك رواه مالك. فقال له الإمام أحمد: من يرويه عن مالك؟ فقال الأثرم: هذا الذي هاهنا الزَّنْبَري. فتبسَّم الإمام أحمد وسكت.
ففسَّر الخطيب ذلك بقوله: «إنما كان سكوته وتبسُّمه استنكارًا للحديث؛ لأنه لم يروه عن مالك سوى الزَّنْبَري». ثم رواه الخطيب من طريق الزَّنْبَري عن مالك (^١).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي (^٢)، من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأنباري قال: حدثنا أبو الصلت الهروي قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ١١٦).
(٢) هو أبو الصلت الهروي مولى قريش، نزل نيسابور، صدوق له مناكير وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاب. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٥٥ رقم ٤٠٧٠).
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٦٥ رقم ١١٠٦١)، والحاكم في «المستدرك»، كتاب معرفة الصحابة، باب من مناقب علي بن أبي طالب (٣/ ١٣٧ رقم ٤٦٣٧) كلاهما من طريق عبد السلام بن صالح الهروي به. وصححه الحاكم، وقد تعقبه الذهبي بقوله: «بل موضوع».
[ ٤٢٢ ]
قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.
ففسَّر ذلك الخطيب بقوله: «أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل؛ إذ قد رواه غير واحد عنه» (^١).
ثم استدل على تفسيره هذا بما رواه عن العباس بن محمد الدوري (^٢) أنه قال: سمعت يحيى بن معين يوثِّق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت أو قيل له: إنه حدَّث عن أبي معاوية عن الأعمش: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها».
فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟! أليس قد حدَّث به محمد بن جعفر الفيدي (^٣) عن أبي معاوية؟! (^٤).
* * *
_________________
(١) يعني: أن ابن معين لم يصحح الحديث مطلقًا؛ إنما صححه من حديث أبي معاوية، على معنى أنه حدث به؛ لينفي التهمة عن أبي الصلت الهروي، والله أعلم.
(٢) لم أجده في «تاريخ الدوري»، والله أعلم.
(٣) هو العلاف، نزل الكوفة ثم بغداد، مقبول، مات بعد الثلاثين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧٢ رقم ٥٧٨٦).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٢٠). وينظر مثال رابع في «تاريخ بغداد» (٣/ ٢١٩).
[ ٤٢٣ ]
المبحث الثالث
نقد الخطيب للأحكام النقدية لسابقيه وعدم التقليد
قد تقرَّر في المبحثين السابقين تأثر الخطيب في أحكامه النقدية بالنقاد المتقدمين واستفادته منهم، إلا أن هذا لا يفيد أنه كان مقلِّدًا لهم عالةً عليهم، بل كان مجتهدًا في نقد الحديث، له أحكامه الخاصة به، وقد سبقت دراسة كثير من أحكامه على طول الدراسة، وكان إذا خالف اجتهادُه اجتهادَ من سبقه من النقاد صرَّح بمخالفته له، وبيَّن ذلك بالأدلة والبراهين، وسأورد بعض الأمثلة التي تبين ذلك:
- المثال الأول:
ذكر الخطيب في ترجمة محمد بن أحمد بن إبراهيم بن قريش الحَكيمي، أنه سأل شيخه أبا بكر البَرْقاني عنه، فقال: ثقة إلا أنه يروي مناكير.
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «وقد اعتبرتُ أنا حديثه فقلَّما رأيتُ فيه منكرًا» (^١).
فالبَرْقاني حكم على هذا الراوي بأنه ثقة إلا أن في أحاديثه مناكير، وتُعرف المناكير في حديث المحدِّث، إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها (^٢).
لكن الخطيب لم يرتضِ بحكم البَرْقاني، وذهب إلى أن المناكير قليلة في أحاديث الحَكيمي؛ حيث إنه اعتبر أحاديثه واختبرها، فوجدها موافقة
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٨٧).
(٢) مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٧).
[ ٤٢٥ ]
لأحاديث الثقات الذين شاركوه فيها، لم تخالف أحاديث الثقات إلا في القليل النادر.
- المثال الثاني:
ذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن محمد بن سوادة، أن الدارقطني قال فيه: «يُعتبر بحديثه ولا يُحتج به».
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «ما رأيتُ أحاديثَه إلا مستقيمة، فالله أعلم» (^١).
فالدارقطني قد حكم على هذا الراوي بأن أحاديثه يُعتبر بها في الشواهد والمتابعات، ولا يُحتج بها، فلم يرتضِ الخطيب بحكم الدارقطني، وذهب إلى أنه فحص أحاديث هذا الراوي فوجدها مستقيمة خالية من الأخطاء والمناكير.
- المثال الثالث:
ذكر الخطيب في ترجمة الحسين بن محمد بن بهرام المَرْوَرُّوذي (^٢)، أن عبد الرحمن بن أبي حاتم (^٣) سأل أباه عن حديث رواه الحسين المَرْوَرُّوذي، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا زوَّج ابنته وهي كارهة، ففرَّق النبي - ﷺ - بينهما (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٦/ ١٤٣).
(٢) ثقة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين أو بعدها بسنة أو سنتين. «تقريب التهذيب» (ص: ١٦٨ رقم ١٣٤٥).
(٣) «علل الحديث» (٤/ ٥٩).
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها (٢/ ٢٣٢ رقم ٢٠٩٦)، والنسائي في «السنن الكبرى»، كتاب النكاح، باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة (٥/ ١٧٦ رقم ٥٣٦٦)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة (١/ ٦٠٣ رقم ١٨٧٥) كلهم من طريق حسين المروروذي به.
[ ٤٢٦ ]
فقال أبو حاتم: هذا خطأ، إنما هو كما روى الثقات: عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي - ﷺ - مرسلًا، منهم ابن عُلَيَّة وحماد بن زيد، وهو الصحيح (^١).
فقال ابن أبي حاتم: الوهم ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي أن يكون؛ فإنه لم يروه عن جرير غيره. ثم قال أبو حاتم: رأيت حسينًا المَرْوَرُّوذي، ولم أسمع منه.
فلم يوافق الخطيب أبا حاتم الرازي على إلصاق الوهم بحسين المَرْوَرُّوذي، وتعقبه قائلًا: «قد رواه سليمان بن حرب (^٢)، عن جرير بن حازم أيضًا كما رواه حسين، فبرئت عهدته، وزالت تبعته». ثم رواه من طريق سليمان بن حرب (^٣).
ولم يوافق أيضًا على إعلال الحديث بالإرسال، فذهب يذكر من تابع جريرًا
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها (٢/ ٢٣٢ رقم ٢٠٩٧) من طريق حماد بن زيد به مرسلًا. قال أبو داود: «لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه الناس مرسلًا، معروف». ولم أجد رواية ابن علية، والله أعلم.
(٢) ثقة إمام حافظ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله ثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥٠ رقم ٢٥٤٥).
(٣) وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥/ ٢٢٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ١٣٠ رقم ١٠٢١) كلاهما من طريق الخطيب به.
[ ٤٢٧ ]
على روايته عن أيوب موصولًا فقال: «ورواه أيوب بن سويد (^١) هكذا، عن الثوري، عن أيوب موصولًا (^٢). وكذلك رواه مُعمَّر بن سليمان (^٣)، عن زيد بن حبان (^٤)، عن أيوب (^٥)» (^٦).
* * *
_________________
(١) صدوق يخطئ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل: سنة اثنتين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ١١٨ رقم ٦١٥).
(٢) أخرجه الدارقطني في «السنن»، كتاب النكاح (٤/ ٣٤١ رقم ٣٥٦٩) من طريق أيوب بن سويد به.
(٣) هو مُعمَّر - بالتشديد - ابن سليمان النخعي الرقي، ثقة فاضل، أخطأ الأزدي في تليينه، وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له، مات سنة إحدى وتسعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٤١ رقم ٦٨١٥).
(٤) هو زيد بن حبان الرقي كوفي الأصل مولى ربيعة، صدوق كثير الخطأ وتغير بأخرة، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٢٢ رقم ٢١٢٥).
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة (١/ ٦٠٣ رقم ١٨٧٥ م)، والنسائي في «السنن الكبرى» كتاب النكاح، باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة (٥/ ١٧٧ رقم ٥٣٦٨) من طريق معمر بن سليمان الرقي، عن زيد بن حبان به.
(٦) «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٥١). وينظر لمزيد من الأمثلة في ذلك: «تاريخ بغداد» (٢/ ٤٣)، (٥/ ١٣٢ - ١٣٥)، (٧/ ١٢٤)، (٩/ ٥١٢)، (١٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
[ ٤٢٨ ]
الفصل الثاني
كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي والرواية
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي.
المبحث الثاني: كيفية معرفة الخطيب بنقد الرواية.
[ ٤٢٩ ]
المبحث الأول
كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي
هناك علاقة وطيدة بين نقد الراوي (الجرح والتعديل) ونقد الرواية (علل الحديث)، فعلم الجرح والتعديل يبحث جانبين أساسيين في الرواة: العدالة، والضبط. ومعرفة ضبط الراوي تعتمد اعتمادًا رئيسًا على علم علل الحديث؛ لأن علم علل الحديث يتبين فيه خطأ الراوي من خلال اعتبار حديثه؛ حيث يتم مقارنة مرويات الراوي بمرويات غيره من أهل الحفظ والإتقان، فيتبين لنا الخطأ منها والصواب، فنستطيع أن نحكم على الرواة بمقتضى ما تبين لنا من رواياتهم، فالراوي الذي تقل أخطاؤه يكون ثقة، والراوي الذي تكثر أخطاؤه يكون ضعيفًا، وهكذا (^١).
كذلك، فإن علم علل الحديث يستند على علم الجرح والتعديل في التعرُّف على أخطاء الرواة وأوهامهم، وذلك بمقارنة رواياتهم واعتبار مراتبهم في الضبط والإتقان؛ لترجيح ما اختلفوا فيه أو لقبول ما تفردوا به، وفي هذا يقول الخطيب - ﵀ -: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يُجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (^٢).
_________________
(١) ينظر: «شرح لغة المحدث» للدكتور طارق بن عوض الله (ص: ٣٠٩)، و«منهج الإمام أحمد في التعليل» للدكتور أبي بكر كافي (ص: ٥٧٨).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ٢٩٥)، وينظر: «منهج الإمام أحمد في التعليل» (ص: ٥٨٠).
[ ٤٣١ ]
وهذا مثال واحد يبين كيفية نقد الخطيب للراوي وللرواية معًا، ويوضِّح مقدار ما كان يلاقيه - ﵀ - من عناء ومشقة في سبيل ذلك:
قال الخطيب في ترجمة شيخه محمد بن علي بن يعقوب أبي العلاء الواسطي: «رأيت لأبي العلاء أصولًا عُتُقًا سماعه فيها صحيح، وأصولًا مضطربة، وسمعته يذكر أن عنده تاريخ شباب العُصْفري، فسألته إخراجَ أصله به لأقرأه عليه فوعدني بذلك.
ثم اجتمعت مع أبي عبد الله الصوري فتجارينا ذِكره، فقال لي: لا تُرِد أصله بتاريخ شباب؛ فإنه لا يصلح لك. قلت: وكيف ذاك؟
فذكر أن أبا العلاء أخرج إليه الكتاب، فرآه قد سمَّع فيه لنفسه تسميعًا طريًّا (^١)؛ مشاهدته تدل على فساده.
وذاكرتُ أبا العلاء يومًا بحديث كتبته عن أبي نُعيم الحافظ عن أبي محمد بن السقَّاء (^٢)، فقال: قد سمعتُ هذا الحديث من ابن السقَّاء، وكتبه عني أبو عبد الله بن بُكير (^٣)، وكتاب ابن بُكير عندي.
فسألته إخراجه إليَّ، فوعدني بذلك، ثم أخرجه إليَّ بعد أيام، وإذا جزء كبير
_________________
(١) أي: أنه ألحق اسمه في طباق السماع بخط حديث؛ ليدَّعي أنه سمع الكتاب، وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل.
(٢) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عثمان بن المختار أبو محمد المزني الواسطي، يعرف بابن السقاء، كان فَهِمًا حافظًا، توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٥٤).
(٣) هو الحسين بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن بكير أبو عبد الله الصيرفي، كان حافظًا، مات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٢٣).
[ ٤٣٢ ]
بخط ابن بُكير، قد كتب فيه عن جماعة من الشيوخ، وقد علَّق عن أبي العلاء فيه الحديث، ونظرت في الجزء فإذا ضربٌ طريٌّ على تسميع من بعض أولئك الشيوخ، ظننتُ أنَّ أبا العلاء كان قد ألحق ذلك التسميع لنفسه، ثم لما أراد إخراج الجزء إليَّ خشي أن أستنكر التسميع لطراوته، فضرب عليه.
ورأيت له أشياء سماعه فيها مفسود، إما محكوك بالسكين، أو مُصلَّح بالقلم.
ثم قرأت عليه حديثًا من المسلسلات، فقال: هذا الحديث عندي بعلو من طريق غير هذا، فسألته إخراجه، فأخرجه إليَّ في رقعة بخطه، وقرأه عليَّ من لفظه، فقال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، وهو آخذ بيدي قال: حدثني مالك، وهو آخذ بيدي قال: حدثني نافع، وهو آخذ بيدي قال: حدثني ابن عباس، وهو آخذ بيدي قال: قال لي رسول الله - ﷺ - وهو آخذ بيدي: «من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده» (^١).
فلما قرأه عليَّ استنكرته، وأظهرت التعجُّب منه، وقلت له: هذا الحديث من هذا الطريق غريب جدًّا، وأُراه باطلًا!
فذكر أن له به أصلًا نقله منه إلى الرُّقعة، وأن الأصل قريب إليه لا يتعذر إخراجه عليه، واعتلَّ بأن له شغلًا يمنعه عن إخراجه في ذلك الوقت، فسألته أن يخرجه بعد فراغه من شغله، فأجاب إلى أنه يفعل ذلك.
_________________
(١) لم أجد من أخرجه من هذا الطريق.
[ ٤٣٣ ]
وانصرفت من عنده، فالتقيت ببعض من كان يختص به، فذكرت له القصة، وقلت: هذا حديث موضوع على أبي يعلى الموصلي، وكنت قد سمعته من غير أبي العلاء بنزول، وقلت: ما أظن القاضي إلا قد وقع إليه نازلًا من الطريق الموضوع، فركَّبه وألزقه في روايته فحدَّث به عن عبد الله بن محمد بن عثمان المعروف بابن السقاء.
فلما كان بعد أسبوع اجتمعت معه، فقال لي: قد طلبت أصل كتابي بالحديث، وتعبت في طلبه فلم أجده، وهو مختلط بين كتبي. فسألته أن يعيد طلبه إياه، فقال: أنا أفعل.
ومكثت مدة أقتضيه به، وهو يحتج بأنه ليس يجده، ثم قال لي: أيش قدر هذا الحديث؟ وكم عندي مثله يُروى عني؟ فما سمَّعني غيرَه.
وسئل أبو العلاء بعد إنكاريه (^١) عليه أن يحدِّث به فامتنع، ولم يروه لأحد بعدي، والله أعلم.
حدثني القاضي أبو العلاء بعد هذه القصة التي شرحتها بمدة طويلة من أصل كتابه وهو آخذ بيدي قال: حدثني أبو الطيب أحمد بن علي بن محمد الجعفري، وهو آخذ بيدي قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسين الفقيه الشافعي الصوفي، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عاصم المعروف بابن المقرئ بأصبهان، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو يعلى الموصلي، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، وهو آخذ بيدي قال: حدثني مالك، وهو آخذ بيدي قال: حدثني نافع، وهو آخذ بيدي قال: حدثني
_________________
(١) كذا في المطبوع.
[ ٤٣٤ ]
ابن عباس، وهو آخذ بيدي قال: قال لي رسول الله - ﷺ - وهو آخذ بيدي: «من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده».
فلما حدثني أبو العلاء بهذا الحديث، قال لي: كنتُ سمعتُ من أبي محمد بن السقَّاء، حديث أبي يعلى الموصلي، عن أبي الربيع الزهراني كله، ثم كتبت هذا الحديث عن الجعفري فظننته في جملة ما سمعته من ابن السقَّاء عن أبي يعلى فرويته عنه.
فأعلمتُ أبا العلاء أنه حديث موضوع لا أصل له. فقال: لا يُروى عني غير حديث الجعفري هذا.
ورأيت بخط أبي العلاء عن بعض الشيوخ المعروفين حديثًا استنكرته، وكان متنه طويلًا موضوعًا مركَّبًا على إسناد واضح صحيح عن رجال ثقات أئمة في الحديث، فذاكرت به أبا عبد الله الصوري، فقال لي: قد رأيت هذا الحديث في كتاب أبي العلاء واستنكرته فعرضتُه على حمزة بن محمد بن طاهر (^١)، فقال لي: اطلب من القاضي أصلًا به؛ فإنه لا يقدر على ذلك. وكانت مذاكرتي به الصوري بعد مدة من وفاة حمزة - ﵀ -.
أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي من كتابه في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة قال: أخبرنا عبد الله بن موسى السلامي الشاعر بفائدة ابن بكير (^٢)
_________________
(١) هو حمزة بن محمد بن طاهر بن يونس بن جعفر بن محمد بن الصباح أبو طاهر الدقاق مولى أمير المؤمنين المهدي، قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صدوقًا، فَهِمًا، عارفًا، مات سنة أربع وعشرين وأربعمائة. «تاريخ بغداد» (٩/ ٦٢).
(٢) يعني: أن ابن بكير هو الذي دلَّه على سماع هذا الحديث من السلامي، والله أعلم.
[ ٤٣٥ ]
قال: حدثني أبو علي مفضَّل بن الفضل الشاعر قال: حدثني خالد بن يزيد الشاعر قال: حدثني أبو تمام حبيب بن أوس الشاعر قال: حدثني صهيب بن أبي الصهباء الشاعر قال: حدثني الفرزدق الشاعر قال: حدثني عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر قال: حدثني أبي حسانُ بن ثابت الشاعر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اهجُ المشركين وجبريلُ معك». وقال لي: «إن من الشعر حكمة» (^١).
أفدتُ هذا الحديث عن أبي العلاء جماعةً من أصحابنا البغداديين والغرباء مع تعجُّبي منه؛ فإن عبد الله بن موسى السلامي صاحب عجائب وطرائف، وكان موطنه وراء نهر جَيْحون، وحدَّث ببخارى وسمرقند وتلك النواحي، ولم ألحق بخراسان من سمع منه، ولا علمت أنه قدم بغداد (^٢).
فلما حدثني عنه أبو العلاء جوَّزت أن يكون ورد إلينا حاجًّا فظفر به أبو عبد الله بن بكير وسمع معه أبو العلاء منه، ولم يتسع له المقام حتى يروي ما يشتهر به حديثه، وتظهر عندنا رواياته.
فلما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة وقع إليَّ جزء بخط أبي عبد الله بن بكير، قد كان جمع فيه أحاديث مسندة لجماعة من الشعراء وكتبها بخطه، فوجدت في جملتها بخط ابن بكير: حدثني الحسن بن علي بن طاهر أبو علي الصيرفي قال: أخبرني عبد الله بن موسى السلامي الشاعر مشافهة قال: حدثني أبو علي مفضَّل بن الفضل الشاعر بالحديث الذي ذكرته عن أبي العلاء عن السلامي بعينه بسياقه ولفظه.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٢/ ١٧) من طريق الخطيب.
(٢) وقد ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٨٣).
[ ٤٣٦ ]
وكان في الجزء حديث آخر عن ابن طاهر الصيرفي أيضًا عن السلامي، ذكر ابن طاهر أن السلامي أخبرهم به مناولة.
فأوقفتُ على كتاب ابن بكير جماعةً من شيوخنا وأصحابنا، وشرحت هذه القصة لأبي القاسم التَّنُوخي (^١) فاجتمع مع أبي العلاء، وقال له: أيها القاضي، لا تروِ عن عبد الله بن موسى السلامي؛ فإن هذا الشيخ حدَّث بنواحي بخارى ولم يَرِد بغداد. فقال أبو العلاء: ما رأيت هذا السلامي ولا أعرفه» (^٢).
وفي النقاط التالية أبيِّن كيفية معرفة الخطيب بجرح الرواة وتعديلهم:
١ - فحص أحاديث الراوي:
إذا أراد الخطيب -وكذلك غيره من النقاد- أن يعرف حال راوٍ، فإنه يجمع أحاديثه ويقارنها بأحاديث الثقات الذين شاركوه فيها، فإن كثرت موافقته لهم كان ثقةً مثلهم، وإن كثرت مخالفته لهم كان منكر الحديث، وبقدر الموافقة والمخالفة بقدر ما يُعرف حفظ الراوي وضبطه (^٣).
ذكر الخطيب في ترجمة عبد الله بن خيران من «تاريخ بغداد» أن العقيلي قال: «عبد الله بن خيران بغدادي لا يُتابع على حديثه» (^٤).
_________________
(١) هو علي بن المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم أبو القاسم التنوخي، كان متحفِّظًا في الشهادة محتاطًا، صدوقًا في الحديث، تقلَّد قضاء نواحٍ عدة، مات سنة سبع وأربعين وأربعمائة. «تاريخ بغداد» (١٣/ ٦٠٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ١٦٣ وما بعدها).
(٣) ينظر: مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٧).
(٤) «الضعفاء الكبير» (٢/ ٢٤٥).
[ ٤٣٧ ]
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «قد اعتبرتُ من رواياته أحاديث كثيرة، وجدتُها مستقيمة تدل على ثقته، والله أعلم» (^١).
فقد اختبر العقيلي أحاديث هذا الراوي فوجده ينفرد بأحاديث لا يتابعه عليها الثقات.
لكن الخطيب قد اختبر أحاديث كثيرة من مرويات هذا الرجل، فوجدها موافقة لأحاديث الثقات الذين شاركوه فيها، وهذا يدل على أنه ثقة (^٢).
ونرى الخطيب في مواضع كثيرة من «تاريخه» يقول: «أحاديث فلان تدل على سوء ضبطه»، أو «كان غير ثقة روى أحاديث باطلة»، أو «أحاديثه تدل على ثقته»، أو «أحاديثه مستقيمة تدل على صدقه»، أو نحوها من العبارات (^٣).
فهذا دليل واضح على أنه يتوصل إلى معرفة حال الراوي عن طريق دراسته لمروياته.
٢ - الترجيح بين أقوال النقاد في الرواة المتقدِّمين:
إذا اختلفت أقوال النقاد في راو بين معدِّل ومجرِّح؛ فإن الخطيب يدرس أقوالهم جيدًا ويرجح بينها بالأدلة والقرائن.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١١/ ١١٨).
(٢) وينظر مثال آخر سبق (ص: ٤٢٥).
(٣) ينظر على سبيل المثال: «تاريخ بغداد» (٢/ ٥٣٧)، (٣/ ٥٥٠)، (٤/ ٣٦٨)، (٥/ ١٥)، (١٠/ ٤٥٢)، (١٥/ ٦٠٧).
[ ٤٣٨ ]
- ذكر الخطيب في ترجمة الحسين بن داود الملقَّب بسُنَيد، أن
أبا عبيد الآجري سأل أبا داود عنه فقال: لم يكن بذاك، كان ينزل الثغر (^١).
ثم ذكر عن النسائي أنه قال: الحسين بن داود -يعني سنيدًا- ليس بثقة (^٢).
فتعقبهما الخطيب بقوله: «لا أعلم أي شيء غمصوا على سُنَيد، وقد رأيتُ الأكابر من أهل العلم رووا عنه واحتجوا به، ولم أسمع عنهم فيه إلا الخير، وقد كان سُنَيد له معرفة بالحديث وضبط له، فالله أعلم.
وذكره أبو حاتم الرازي في جملة شيوخه الذين روى عنهم، وقال: بغدادي صدوق (^٣)» (^٤).
- وذكر الخطيب في ترجمة خالد بن خداش، أن زكريا بن يحيى الساجي قال: خالد بن خداش المُهلَّبي فيه ضعف؛ قال يحيى بن معين: قد كتبتُ عنه، تفرد عنه حماد بن زيد بأحاديث (^٥).
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «لم يورد زكريا في تضعيفه حجة سوى الحكاية عن يحيى بن معين أنه تفرد برواية أحاديث، ومثل ذلك موجود في حديث مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وغيرهم من الأئمة.
_________________
(١) لم أجده في المطبوع من «سؤالات الآجري» والله أعلم.
(٢) لم أجده.
(٣) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ٣٢٦ رقم ١٤٢٨).
(٤) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٧٥).
(٥) لم أجده.
[ ٤٣٩ ]
ومع هذا فإن يحيى بن معين وجماعةً غيره قد وصفوا خالدًا بالصدق، وغير واحد من الأئمة قد احتج بحديثه».
ثم ذكر أن عبد الخالق بن منصور قال: سئل يحيى بن معين عن خالد بن خداش فقال: صدوق (^١). وأن يعقوب بن شيبة قال: كان ثقة صدوقًا. وأن صالح بن محمد جزرة قال: صدوق. وأن ابن سعد قال: كان ثقة (^٢).
٣ - التاريخ:
استعمال التاريخ من أهم الأمور المُعِينة على معرفة صدق الرواة وكذبهم، وقد قرَّر الخطيب ذلك في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» وبيَّن أن أصحاب الحديث قيَّدوا مواليد الرواة، وتاريخ موتهم؛ ليختبروا كذب الرواة الذين يدَّعون السماع ممن لم يلقوه (^٣).
وقد استعمل الخطيب هذه الطريقة في «تاريخ بغداد»، فقد روى في ترجمة أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن ثابت الأُشناني (^٤) ومن طريقه، عن حنبل بن إسحاق بن حنبل قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحجاج، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: «هبط عليَّ جبريلُ وعليه
_________________
(١) لم أجده. وفي «تاريخ ابن معين» رواية ابن محرز (١/ ٨٦): «لا بأس به».
(٢) «الطبقات الكبرى» (٧/ ٣٤٧)، و«تاريخ بغداد» (٩/ ٢٤٧). وينظر مثالان آخران في «تاريخ بغداد» (٧/ ١٠٦)، (٧/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ١٣١)، و«الكفاية» (ص: ١١٩).
(٤) قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦): «كان كذَّابًا يضع الحديث».
[ ٤٤٠ ]
طَنْفَسةٌ (^١) وهو مُتَخَلِّلٌ بها (^٢)، فقلت: يا جبريلُ، ما نزلتَ إليَّ في مثل هذا
الزي! قال: إنَّ اللهَ أمر الملائكةَ أن تتخلَّلَ في السماء كتخلُّل أبي بكر في الأرض».
ثم قال الخطيب: «ما أبعد الأُشناني من التوفيق، تراه ما علم أن حنبلًا لم يرو عن وكيع، ولا أدركه أيضًا!» اهـ (^٣).
وذلك أن وكيعًا توفي سنة (١٩٦ هـ) أو سنة (١٩٧ هـ) (^٤)، ووُلد حنبل قبل المائتين (^٥).
- وذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن أبي سليمان القواريري من «تاريخ بغداد» أنه قال: «وُلدت في سنة إحدى وخمسين ومائة، وكتبت عن حماد بن سلمة، … وكتبت من محمد بن إسحاق، ولكن لم أكتب عنه المغازي، وأول شيء كتبت عن محمد بن إسحاق كتبت عنه بالكوفة، ثم تبعته إلى المدينة …».
فتعقَّبه الخطيب بقوله: «كذب هذا الشيخ ظاهر، يغني عن تعليل روايته بجواز دخول السهو عليه، وإلحاق الوهم به، وذلك أن محمد بن
_________________
(١) الطنفسة: نوع من الثياب. «تاج العروس» (ط ن ف س).
(٢) أي: جمع بين طرفي ثوبه بخلال من عود أو حديد. «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٧٣ - خلل).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦).
(٤) «تقريب التهذيب» (ص: ٥٨١ رقم ٧٤١٤).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٥١)، و«تاريخ الإسلام» (٦/ ٥٤٣).
[ ٤٤١ ]
إسحاق كانت وفاته في سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة، وقد قيل أيضًا توفي قبل
ذلك (^١)، فكيف يكتب عنه هذا الشيخ ومولده على ما ذكر في سنة إحدى وخمسين؟! وأعجب من هذا ادعاؤه سماعه منه بالكوفة ثم بالمدينة، وإنما قدم ابن إسحاق الكوفة في حياة الأعمش، وذلك قبل مولد هذا الشيخ بسنين كثيرة، وفي بعض ما ذكرنا دلالة كافية على بيان حاله وظهور اختلاطه» (^٢).
٤ - النظر في أصول الراوي وكتبه التي سمع فيها الحديث:
اكتمل تدوين الحديث في الكتب والجوامع والأجزاء المشهورة في العصور المتأخرة من القرن الرابع وما بعده، وقلَّت رواية الأحاديث من صدور الرجال، وأصبح الشائع هو رواية الكتب والأجزاء، فكانت تُعقد المجالس لقراءة كتب الحديث على الشيوخ الذين يروونها، وفي نهاية الكتاب تُكتب أسماء جميع السامعين في صفحة أو صفحتين أو أكثر حسب عددهم، وتسمى بـ «طباق السماع».
وأحيانًا يأتي بعض الكذابين ويحصل على كتاب لم يسمعه، فيُلحق اسمه بين الأسطر في طباق السماع، والناقد البصير هو الذي يكتشف هذا التزوير عن طريق المقارنة بين الخطوط (^٣).
_________________
(١) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: ٤٦٧ رقم ٥٧٢٥).
(٢) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٣) ينظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص: ١٦).
[ ٤٤٢ ]
وقد كان الخطيب خبيرًا بمثل هذا التزوير، وقد جرَّح كثيرًا من الرواة به،
فمن ذلك:
- قال الخطيب في ترجمة أبي الحسن محمد بن عبيد الله بن حَبَابة: «رأيت في أصل أبي محمد بن ماسي (^١) سماعَ أبي الحسن بن حَبَابة مع أبيه بالخط العتيق، ونظرت في بعض أصول أبيه أبي القاسم بن حَبَابة (^٢) فرأيته قد ألحق لنفسه فيها السماع منه بخط طري، ورأيت أيضًا أصلًا لأبيه عن أبي بكر بن أبي داود، وعلى وجه الكتاب سماع لعبيد الله بن محمد بن حَبَابة، وقد ألحق ابنه بخط طري: ولابنه محمد» (^٣).
- وقال في ترجمة إسماعيل بن سعيد بن سويد المعدَّل من «تاريخ بغداد»: «كان بعض سماعاته صحيحًا في كتب أخيه (^٤)، وبعضها مفسودًا، رأيت إلحاقه لنفسه السماع مع أخيه في جزء عن ابن الأنباري إلحاقًا ظاهرًا بيِّن الفساد، وكذلك رأيته في جزء آخر عن ابن دُرَيد، وحدَّث بالجميع، وحدَّث أيضًا من كتب لأخيه لم يكن له فيها سماع قديم ولا مُلْحَق» (^٥).
_________________
(١) هو عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي، أبو محمد البزاز، كان ثقة ثبتًا، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١١/ ٦٠).
(٢) هو عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن سليمان بن مخلد البزاز، كان ثقة، توفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٠٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧).
(٤) لم أجد له ترجمة.
(٥) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣١٠).
[ ٤٤٣ ]
- وقال في ترجمة الحسن بن الحسين بن العباس المعروف بابن دوما النعالي:
«كتبنا عنه وكان كثير السماع، إلا أنه أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم تكن سماعه» (^١).
* * *
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٢٥٥)، وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٢٦)، (٣/ ٤٥، ٤٩، ٦٦٦)، (٥/ ٥٣٣)، (٨/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، (٩/ ٦٣)، (١٢/ ١٩٠)، (١٣/ ٢٣٤).
[ ٤٤٤ ]
المبحث الثاني
كيفية معرفة الخطيب بنقد الرواية
مرَّ بنا على طول الرسالة عديدٌ من الأمثلة التي تبين كيفية معرفة الخطيب بنقد الروايات، وأُجمل في هذا المبحث أهم الطرق التي يتبعها لمعرفة نقد الرواية، فمن هذه الطرق:
١ - الاعتبار:
وهو من أهم الطرق التي يستخدمها النقاد -ومنهم الخطيب - ﵀ - - لمعرفة صحة الرواية وضعفها، فما من حديث يراد معرفة صحته أو ضعفه إلا واستُعمل معه هذه الطريقة.
والاعتبار: هو تتبُّع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يُظن أنه فرد؛ ليُعلم هل له متابع أم لا؟ (^١).
يقول الخطيب - ﵀ -: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (^٢).
فالخطيب - ﵀ - في نقده للحديث الذي يُظن أن صاحبه تفرد به يتتبع طرق هذا الحديث من الكتب والأجزاء ومن صدور الرجال، ويقارن بعضها
_________________
(١) ينظر: «نزهة النظر» (ص: ٧٥).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ٢٩٥).
[ ٤٤٥ ]
ببعض؛ ليظهر ما فيها من اتفاق، أو تفرد، أو اختلاف؛ ليعامل كلًّا بحسبه، فالاتفاق مظنة الصواب، والتفرد والاختلاف مظنتا الخطأ.
أورد الخطيب في ترجمة عمر بن جعفر بن أبي السَّري الورَّاق البصري (^١)، أن القاضي أبا بكر محمد بن عمر الجِعَابي (^٢) ذكر أن عمر بن جعفر الورَّاق قد أخطأ في أحاديث منها أنه قال: حدثنا أبو خليفة (^٣) قال: حدثنا محمد بن كثير، عن شعبة، عن مُشَاش، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - أمر ضَعَفة بني هاشم أن يرتحلوا من جمع بليل (^٤).
ثم قال الوراق بعقبه: هكذا قال أبو خليفة، ولم يذكر الفضل بن عباس.
فتعقَّبه الجِعَابي قائلًا: وهذا القول منه طريف، فليته سكت عنه، فكان عند العالمين بما أتاه أجمل؛ فقد حدثناه أبو خليفة غير مرة قال: حدثنا محمد بن كثير، عن شعبة، عن مُشَاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل، عن النبي - ﷺ - أنه أمر ضَعَفة بني هاشم … وساقه.
فتعقب الخطيبُ الجِعَابيَّ قائلًا: «وقد حدثنا ابن رزقويه (^٥) عن عمر بهذا الحديث على الصواب، فإما أن يكون ما حكاه الجِعَابي انتهى إليه من وجه غير
_________________
(١) كان الناس يكتبون بإفادته، ويسمعون بانتخابه على الشيوخ، وقد طعن فيه بعضهم، وكانت كتبه رديئة، توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٠١).
(٢) هو حافظ، من أئمة هذا الشأن، إلا أنه فاسق رقيق الدين. «ميزان الاعتدال» (٣/ ٦٧٠ رقم ٨٠٠٦).
(٣) هو الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب أبو خليفة الجمحي البصري، كان محدثًا ثقة مكثرًا، راوية للأخبار والأدب، فصيحا مفوَّهًا. «تاريخ الإسلام» (٧/ ٩٢).
(٤) لم أجده من هذا الوجه.
(٥) ينظر ترجمته (ص: ٢٢).
[ ٤٤٦ ]
موثوق به، أو يكون عمر أخطأ فرواه على ما ذكر، ثم تنبَّه أو نُبِّه على الصواب، فعاد إليه» (^١).
فلكي يعلم الخطيب هل هذه الرواية التي ذكرها الجِعَابي عن عمر الوراق صواب أو خطأ؟ بحث عن طرق أخرى للحديث، فوجد الحديث قد حدَّث به شيخه ابن رزقويه عن عمر الوراق على الصواب، فتوصَّل عند ذلك إلى أن هناك احتمالين:
الأول: أن تكون الرواية التي أوردها الجِعَابي عن عمر الوراق غير صحيحة النسبة إليه.
الثاني: أن يكون عمر الوراق قد رواها على ما ذكر الجِعَابي، ثم تنبه أو نبهه أحد على الخطأ، فرواه على الصواب بعد ذلك (^٢).
والأحاديث التي درستُها على طول الرسالة، تبين كيفية استعمال الخطيب لهذه الطريقة في نقد الأحاديث، من جمع للطرق ومقارنة بعضها ببعض ثم الترجيح، والله الموفق.
٢ - سلوك الجادة:
هناك بعض الأسانيد التي يكثر دورانها، بسبب كثرة رواية الراوي، وكثرة الرواة عنه وهكذا، فكثرة تداول أحد هذه الأسانيد بصورة واحدة تجعله إسنادًا مشهورًا، ويسمى عندهم: طريقًا، أو جادَّة، أو محجَّة، أو مجرَّة؛ يسهل حفظه كما يسهل سلوك الناس للجادة التي يمشون عليها.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٠٢).
(٢) وينظر مثالان آخران في «تاريخ بغداد» (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠)، (١١/ ١١٨).
[ ٤٤٧ ]
وربما جاء حديث آخر يشترك مع هذا الإسناد المشهور (الجادة) في بعض رجاله، ويختلف في بعضهم الآخر، فيرويه بعض الرواة فَيَهِم، فيذكر الإسناد المشهور بتمامه بحكم الاشتراك في بعضه، فينبه العلماء على هذا الوهم، ويوضِّحون سببه (^١).
ذكر الخطيب في حديث يرويه عاصم بن كُليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر، أن غير واحد جعلوه عن عاصم بن كُليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وأنه وهِم، وإنما سلك به الذي وهم فيه المحجَّة السهلة؛ لأن عاصم بن كُليب عن أبيه عن وائل بن حجر، أسهل عليه من عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر (^٢).
٣ - مخالفة الرواية للمشهور:
من الطرق التي يُعلم بها صحة الرواية من ضعفها، موافقة الرواية للأمر المشهور أو مخالفتها له، فإذا كانت الرواية موافقة للمشهور المعروف كان هذا من أدلة صحتها، وإذا كانت مخالفة له كان من أدلة ضعفها ووهائها.
وقد سبق مثال يوضح ذلك في فصل نقد المتون (^٣).
٤ - عدم وجود الرواية في كتاب الشيخ:
إن من الطرق التي يُعرف بها وهاء الرواية تحديث الراوي عن شيخ له
_________________
(١) ينظر: «تدريب الراوي» (١/ ٣٠٦)، ومقدمة تحقيق «علل الحديث» لابن أبي حاتم (١/ ١١٨).
(٢) «الفصل للوصل» (١/ ٤٣٩)، وينظر مثال آخر سبقت دراسته (ص: ٣٤٠).
(٣) ينظر: (ص: ٤٠٣).
[ ٤٤٨ ]
كتاب معروف بشيء يخالف ما في هذا الكتاب، أو تحديثه عن شيخ له نسخة معروفة يرويها عن شيخ آخر بحديث ليس في هذه النسخة.
روى الخطيب في ترجمة خيران بن أحمد، من طريق يحيى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا الحسين بن سلمة بن أبي كبشة اليَحْمَدي بالبصرة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن السائب يعني ابن يزيد: أن النبي - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر (^١).
ثم قال: «تفرد برواية هذا الحديث هكذا مسندًا ابن أبي كبشة (^٢) عن ابن مهدي عن مالك، والمحفوظ عن مالك عن الزهري مرسلًا، ليس فيه ذكر السائب، وكذلك هو في الموطأ (^٣)» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «السنن» أبواب السير، باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس (٤/ ١٤٧ رقم ١٥٨٨)، وفي «العلل الكبير» (ص: ٢٦٢ رقم ٤٧٧ - ترتيب)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٧/ ١٤٩ رقم ٦٦٦٠) من طريق ابن أبي كبشة به. تنبيه: ذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الحديث ليس في «سنن الترمذي»، وإنما هو زيادة في المطبوع، وعللوا ذلك بأنه ليس موجودًا في مسند السائب بن يزيد من «تحفة الأشراف»، ولا في مسنده من «جامع المسانيد والسنن»، ولا في «تحفة الأحوذي»، وهو مذكور في «مجمع الزوائد»، والله أعلم. وينظر: «المسند الجامع» (٦/ ٢٦).
(٢) وهو صدوق. «تقريب التهذيب» (ص: ١٦٦ رقم ١٣٢٣).
(٣) «موطأ مالك» رواية يحيى الليثي، كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس (١/ ٢٧٨)، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، كتاب الزكاة، باب الجزية (ص: ١١٧ رقم ٣٣٢)، ورواية القعنبي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في جزية أهل الكتاب والمجوس (ص: ٣١٢ رقم ٤٥٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (٩/ ٢٩٨).
[ ٤٤٩ ]
ففي هذا الحديث اختلف الرواة على مالك، فبعضهم رواه عنه مسندًا، وبعضهم رواه مرسلًا، وقد رجَّح الخطيب الرواية المرسلة، وعلَّل ذلك بأنه وقع هكذا مرسلًا في موطأ مالك (^١).
٥ - الرواية بالمعنى:
من أسباب الخطأ في الحديث روايته بالمعنى على نحوٍ يغيِّر المعنى المقصود منه، ويقع هذا في المتن، إلا أنه يقع أحيانًا في الإسناد، وقد سبقت دراسة مثال يوضِّح ذلك (^٢).
٦ - التاريخ:
يستدل الخطيب على بطلان الحديث باشتمال سنده أو متنه على ما يخالف التاريخ ووقائعه.
فمثال ما وقع في السند: أنه روى في ترجمة محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن ثابت الأُشناني، ومن طريقه أنه قال: حدثنا سري بن مغلِّس السَّقَطي سنة إحدى وسبعين ومائتين قال: حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: رأيتُ النبي - ﷺ - متكئًا على علي بن أبي طالب، وإذا أبو بكر وعمر قد أقبلا، فقال له: «يا أبا الحسن أحبهما، فبحبهما تدخل الجنة».
ثم قال: «ولو لم يذكر التاريخ كان أخفى لبليَّته، وأستر لفضيحته؛ وذلك
_________________
(١) ينظر مثال آخر في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٧٣)، وينظر أيضًا مثال آخر سبقت دراسته (ص: ١٧٦).
(٢) ينظر (ص: ٣٩٩).
[ ٤٥٠ ]
أن سريًّا مات في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ولا نعلم خلافًا في ذلك (^١)» اهـ (^٢).
يعني: فكيف يزعم أن سريًّا حدَّثه سنة إحدى وسبعين ومائتين؟!
والأُشناني هذا قال فيه الخطيب: «كان كذابًا يضع الحديث».
ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: «كذاب دجال» (^٣).
ومثال ما وقع في المتن: أنه روى في ترجمة الحسن بن عبد الله بن عمر الكَرْميني، من طريق محمد بن تميم الفريابي قال: حدثنا عبد الله بن عيسى الجرجاني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مسعر بن كدام، عن عون، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: أقبل رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك، فاستقبله سعد بن معاذ الأنصاري، فصافحه النبي - ﷺ - ثم قال له: «ما هذا الذي أكْنَبَتْ يداك (^٤)؟».
فقال: يا رسول الله، أضرب بالمَر والمِسْحاة (^٥) فأنفقه على عيالي. قال: فقبَّل النبي - ﷺ - يده، فقال: «هذه يد لا تمسها النار أبدًا» (^٦).
_________________
(١) ينظر ترجمة السري من «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٦٦).
(٢) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦، ٤٥٩)، وكلام الدارقطني في «الضعفاء والمتروكين» (٤٩٤).
(٤) أكْنَبَت اليد: إذا ثخنت وغلظ جلدها وتعجَّر من معاناة الأشياء الشاقة. «النهاية في غريب الحديث» (ك ن ب).
(٥) المَر، بالفتح: الحبل، أو المسحاة، أو مقبضها. والمِسحاة، بالكسر: كالمجرفة إلا أنها من حديد. «تاج العروس» (م ر ر، س ح و).
(٦) رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٣٢ رقم ١٢٤١) من طريق الخطيب.
[ ٤٥١ ]
ثم قال: «هذا الحديث باطل؛ لأن سعد بن معاذ لم يكن حيًّا في وقت غزوة تبوك، وكان موته بعد غزوة بني قريظة من السهم الذي رُمي به، ومحمد بن تميم الفريابي كذاب يضع الحديث» (^١).
فقد تأمَّل الخطيب متن هذا الحديث، وتبين له مخالفته لوقائع التاريخ المشهورة، ففي هذا الحديث أن سعد بن معاذ استقبل النبي - ﷺ - وهو راجع من غزوة تبوك، وقد مات سعد بن معاذ بعد غزوة بني قريظة وذلك سنة خمس من الهجرة (^٢)، وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة (^٣)، فلم يكن سعد بن معاذ حيًّا في غزوة تبوك، وأحد رواة هذا الحديث وهو محمد بن تميم الفريابي كذاب يضع الحديث (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣١٧).
(٢) ينظر: «الإصابة» (٣/ ٧٠).
(٣) ينظر: «البداية والنهاية» (٧/ ١٤٤).
(٤) له ترجمة في «لسان الميزان» (٧/ ٢١ رقم ٦٥٦٧). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠)، (٤/ ٦٤٩). وينظر: (ص: ٤٠٢).
[ ٤٥٢ ]