يرى الجمهوريون أن السُنَّةَ هي ما داوم عليه النَّبِيِّ - ﷺ - من عمل في خاصة نفسه كصيام المواصلة، والبدعة هي ما جَدَّ من قول أو عمل على ما فعله الرَّسُولُ - ﷺ - في خاصة نفسه سواء أكان هذا الأمر في حياته أو في حياة صحابته، ولا شك أن الجمهوريين قد توسعوا في مسألة البدعة على حساب السُنَّةِ، وجعلوا جزءًا كبيرًا من السُنَّةِ بِدْعَةً - حسب تعريفهم - أي أنهم جعلوا قرار النَّبِيِّ - ﷺ - وأقواله ما عدا التي تتحدث عن حاله بدعة.
وقد خالفوا بذلك المسلمين جميعهم فمن المعروف أن أقوال النَّبِيِّ - ﷺ - وأفعاله وتقريره سُنَّةً كما بَيَّنَّا في المباحث السابقة. كما أن الدين قد اكتمل بوفاة النَّبِيِّ - ﷺ - فما حدث في عهد النبوة لا يمكن أن يكون بدعة ما دام النَّبِيُّ - ﷺ - قد سمع به وأقره أو رآه وأقره. كما أن مذهب من يتوسع في البدعة من الفقهاء هو جعل ما أحدث بعد النبوة سواء أكان راجعًا إلى العبادات أو المعاملات بدعة، وجعل ما أحدث في عهد النبوة سُنَّةً (١).
_________________
(١) انظر: الشيخ محمد خضر: " رسائل الإصلاح ": ج ٢ المبحث الخاص بالسنة.
[ ٥٩ ]
وقد قسم الجمهوريون البدعة إلى قسمين:
[أ] بدعة حسنة.
[ب] بدعة سيئة.
وقالوا إن البدع التي ابتدعها الناس كانت مُبَرَّرَةً يوم كانت طاقات المجتمع البشري جماعية وفردية عاجزة عن الإتيان والالتزام بِسُنَّةِ الرَّسُولِ - ﷺ - في خاصة نفسه «أما البشرية اليوم فلا ينهض بحل مشاكلها تشريع دون سُنَّةِ الرَّسُولِ في خاصة نفسه»، «فبشرية اليوم - في رأي الجمهوريين - لا يحتاج لبدع كصلاة التراويح، ولا اجتهادات في الدين كما حصل من عمر بن الخطاب - ﵁ - في حد الخمر، فقد كان الدافع - في رأي الجمهوريين - لاجتهاد عمر في الخمر ولابتداعه صلاة التراويح هو حقه في الوصاية، ولأن حكم الوقت دفعه إلى ذلك، فقد كان لاَ بُدَّ من حفظ الناس في دائرة الدين العامة، خاصة بعد أن بدأ الخط البياني للحالة الدينية في النزول من اللحظة التي التحق فيها النَّبِيُّ - ﷺ - بالرفيق الأعلى» (١).
ويرى الجمهوريون أن اجتهادات عمر قد كانت لها حكمتها في ذلك الوقت، أما الآن فأصبحت لا حكمة لها لأنه قد أظل العالم بظهور فرقتهم عهد الحرية، وانتهى زمن الوصاية، واختلف منهاج البعث.
ولا ندري كيف يجعل الجمهوريون ما حدث وتكرر حدوثه في
_________________
(١) الإخوان الجمهوريون: " صلاة التراويح بدعة ": ط ١، ١٩٧٩ م: ص ٥.
[ ٦٠ ]
عهد النَّبِيِّ - ﷺ - بدعة مع أن لفظ السُنَّةِ مشتقة من التكرار.
وكيف يعتبر الجمهوريون صلاة التراويح بدعة وحد الخمر بدعة، وقد صلى النَّبِيُّ - ﷺ - بأصحابه صلاة التراويح، والبدعة هي: «الأَمْرُ المُحْدَثُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مَحْمُودًا كَانَ الأَمْرُ أَوْ مَذْمُومًا» (١).
فالبدعة هي كل ما لم يكن على عهد رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وعهد أصحابه دينًا يعبد الله به أو يتقرب إليه من اعتقاد أو قول أو عمل.
_________________
(١) محمد خضر: " رسائل الإصلاح ": ٢/ ١٦٨.
[ ٦١ ]