يبتر الجمهوريون الأحاديث النبوية للإيهام ولا يذكرونها كاملة، خاصة إذا رأوا أن الجزء المبتور [يُبَيِّنُ] فساد عقيدتهم، أو يُشَوِّهُ صورتها أو يؤكد بعدها عن الدين، ولذلك يحرصون دائمًا على ذكر الجزء من الحديث الذي يوافق هواهم، ومما لا شك فيه أن هذا إهمال لأحاديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ - والغرض من ذلك - البتر - جعل السامع يظن صحة الأدلة التي استدل بها باتر النصوص مع ما في الجزء المبتور من بيان لفساد عقيدته، كما أن بتر النص قد يُعْطِي معنى مخالفًا لما يعطيه الحديث بأكمله، بل يدفع ذلك بصاحبه إلى الكفر، ولذلك نبهنا أكثر من واحد من سلف هذه الأمة إلى عدم بتر النصوص حتى في الكلام العادي وها هو الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه " اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع " قد نبهنا إلى أنه يجب ألا نبتر الكلام، وهو على حق في التنبيه، فنصف الجملة قد يُعْطِي معنى مخالفًا لما تعطيه الجملة بأكملها، ونستدل لبيان أن نصف الجملة قد يدفع بصاحبه للكفر إن اعتقده بجمل استخدمها الأشعري في حُجَجِهِ التي ساقها في بيان هل قضى الله المعاصي وقدرها.
قال الأشعري: «إِنَّ الكُفْرَ بَاطِلٌ وَالكُفْرُ قَضَاءِ اللهِ تَعَالَى
[ ٣٨ ]
بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلْقُ اللهِ وَلاَ [تَقُولُ] قَضَاءُ اللهِ بَاطِلٌ لأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ لاَ حَقِيقَةَ لِقَضِاءِ اللهِ تَعَالَى.
وَهَذَا كَمَا نَقُولُ الكَافِرُ مُؤْمِنٌ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَلاَ نَقُولُ: مُؤْمِنٌ وَنَسْكُتَ لِمَا فِيهِ مِنَ [الإِبْهَامِ].
وَنَقُولُ: إِنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - لَكَافِرٌ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَلاَ نَقُولُ " لَكَافِرٌ " وَنَسْكُتَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِبْهَامِ» (١).
ولأهمية ذكر الأحاديث كاملة دون بتر جزء منها اهتم علماء الحديث بالحفظ، واحتاطوا في الأخذ عمن يأتيه الخطأ من جهة الحفظ ناهيك عن المتروكين من الذين يبترون النصوص عن قصد، بل اهتموا بالحديث الذي تذكر في بعض رواياته زيادة، واحتاطوا في هذه المسألة، لأن إهمال الزيادة الواردة في رواية من الروايات، وفيها معنى زائد يحتاجه المسلم إهمال لحديث النَّبِيُّ - ﷺ - «لأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ» (٢) ولذلك نرى أئمة الحديث كالإمام مسلم يعيد الحديث الذي فيه زيادة، ويميل في معظم الأحيان إلى إعادة الحديث الذي فيه زيادة في بعض رواياته بهيئته لأن ذلك أسلم (٢).
وفي الوقت نفسه نجد أن الجمهوريين يميلون إلى بتر النصوص، لأن الحديث المبتور يُعْطِي معنى يتفق مع هواهم كما نجدهم أيضًا يميلون إلى زيادة ألفاظ - من عندهم - لبعض الأحاديث
_________________
(١) أبو الحسن الأشعري: " اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع " ط. مطبعة مصر ١٩٥٥ م، ص ٨٢.
(٢) انظر: " صحيح مسلم "، نشر وتوزيع رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة المتقدمة، ص ٥.
[ ٣٩ ]
الصحيحة، مع ما في زيادتهم من تغيير للمعنى.
ومن هذه الأحاديث التي زاد لها محمود بعض الألفاظ حديث: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» فقد زاد كلمة (ثَلاَثٍ) إلى الحديث وأصبح يستدل به بهذا اللفظ «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ ثَلاَثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» (١) مع أنه لم يرد من أي طريق لفظ ثلاث لأن الصلاة ليست من الدنيا (٢).
قال الزركشي عن هذا الحديث: «رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بدون لفظ ثلاث» (٣).
وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: «لَمْ أَقِفْ [عَلَيْهِ (أي لفظ ثلاث)] إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ "الإِحْيَاءِ "، وَفِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنَ " الكَشَّافِ "، وَمَا رَأَيْتُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ مَزِيدِ التَّفْتِيشِ»، قَالَ (*): «وَزِيَادَتُهُ مُحِيلَةٌ لِلْمَعْنَى فَإِنَّ الصَّلاَةَ لَيْسَتْ مِنَ الدُّنْيَا».
قال المُلاَّ علي القاري: «أَمَّا صِحَّتُهُ مِنْ جِهَةِ المَبْنَى فَقَدْ قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي " تَخْرِيجِ أَحَاديِثِ الشِّفَاءِ ": " لَكِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: " كَانَ يُعْجِبُ [نَبِيَّ اللَّهِ] مِنَ الدُّنْيَا ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَالطَّعَامُ " (**) فَأصَابَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ. قَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ رَجُلًا لَمْ يُسَمَّ [قُلْتُ فَيَصِيرُ إِسْنَادُهُ حَسَنًا] (٣).
_________________
(١) انظر على سبيل المثال، الإخوان الجمهوريون: " صَلُّوا فَإِنَّكُمْ اليَوْمَ لاَ تُصَلُّونَ ": ص ١٦.
(٢) محمد نجيب المطيعي: " النبأ الأثيم أو الهوس اللاديني الذميم " - مقال مخطوط -.
(٣) المُلاَّ علي القاري: " الموضوعات الكبرى ": حديث ١٦٠ ص ١٧٦. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) الكلام للزركشي وليس للسخاوي. (**) الرواية في " مسند الإمام أحمد ": عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلاَثَةٌ: الطَّعَامُ، وَالنِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، فَأَصَابَ ثِنْتَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً، أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ». " المسند ": تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، عادل مرشد وآخرون، ٤٠/ ٤٩٩، حديث رقم ٢٤٤٤٠، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م، نشر مؤسسة الرسالة.
[ ٤٠ ]
وذكر العجلوني في " كشف الخفاء " أن الحديث أخرجه الطبراني في " الأوسط " و" الصغير " والخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد "، والحاكم والنسائي، وغيرهم بدون لفظ «مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ ثَلاَثٌ» وذلك لأن الصلاة ليست من الدنيا (١).
بَتْرُ النُّصُوصِ:
المِثَالُ الأَوَّلُ: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»:
هذا الحديث من الأحاديث التي يستدل بها محمود محمد طه كثيرًا ليلبس بها على الناس، ويؤكد لهم صحة مذهبه في تجسد الذات الإلهية، وهو دائمًا يذكر هذا الحديث ناقصًا ولا يذكره بتمامه، وإنما يقتصر على القدر الذي يظن أنه من شواهده كعادته المعروفة، وبذلك جعل سامعيه لا يعرفون المعنى الصحيح للحديث، وقد يكون فاته مرجع الضمير في قوله «عَلَى صُورَتِهِ».
وتمام الحديث يُبَيِّنُ لنا فساد عقيدة محمود التي بناها على دليله المبتور.
قال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (٢).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
_________________
(١) " كشف الخفاء ": ١/ ١٣٨.
(٢) " كتاب السنة ": ج ٢ ص ١٤٦.
[ ٤١ ]
«لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (١).
ومعنى الحديث جد واضح، ومرجع الضمير ظاهر من ذكر سبب الحديث، وتوضيح المعنى كالآتي:
يقول - ﷺ -: «إذا اراد أحدكم أن يضرب من يجوز له ضربه - ضَرْبَ تَأْدِيبٍ طَبْعًا - كالغلام والولد والزوجة فليتق الوجه ضربًا احترامًا بأبي البشر آدم لأن الله خلق وجه آدم مشبهًا لوجه هذا الإنسان، وهذا ما يسميه علماء البلاغة بالتشبيه المقلوب، إذ كان المفروض تشبيه وجه الفروع بوجه الأصل، ولكنه جعل وجه الفرع كالأصل تنفيرًا من ضربه» (٢).
وعرض محمود من الاستدلال بهذا الجزء من الحديث بيان أن الإنسان الكامل هو أول مرحلة من مراحل التجسد وأن آدم فيه تجسيد لصفات الرب جميعها ظنًا منه أن الضمير في قوله - ﷺ - «عَلَى صُورَتِهِ» راجع إلى الله، وقد علمنا الآن عدم صحة هذا الفهم بمعرفتنا المعنى الصحيح للحديث.
المثال الثاني: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ»:
يذكر محمود محمد طه هذا الجزء من الحديث في محاضراته دائمًا، ويهمل الباقي إهمالًا تَامًّا، ويسكت عنه عن قصد لأنه لا يتفق مع مراده «وهكذا يفعل كل مغرض وصاحب هوى مع
_________________
(١) كتاب " السنة ": ج ٢، ص ١٤٩.
(٢) انظر: " المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية "، محمد أمان بن علي الجامي: ص ١٢ وص ١٣.
[ ٤٢ ]
النصوص» (١). فالحديث بتمامه كالآتي: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ» فسئل عنه فقال: هو الرياء.
ولم يكتف محمود ببتر النص، بل يفسر ما استدل به على هواه، قال في تفسيره للجزء من الحديث الذي استدل به: «المراد بالشرك الخفي أن يرى الإنسان نفسه» وقد علمنا المعنى الصحيح للشرك الخفي من نفس الحديث (٢).
_________________
(١) انظر: محمد أمان بن علي الجامي: " المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية ": ص ٢١.
(٢) انظر: محمد أمان بن علي الجامي: " المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية ": ص ٢١.
[ ٤٣ ]