والتصنيف وغيرِ ذلك من الصفاتِ المُقتَضِيَةِ للترجيح، كَشُعْبَةَ ومالِكٍ والثَّوري (^١) والشافعىّ والبُخاري ومسلم ونَحْوِهم.
فالأول: وهو ما ينتهى إلى النبىِّ -ﷺ- العُلُوُّ المُطْلَقُ (^٢) فإنِ اتفقَ أنْ يكونَ سَنَدهُ صحيحًا كان الغايةَ القُصوى، وإلَّا فصورةُ العُلُوِّ فيه موجودةٌ ما لم يَكُنْ موضوعًا فهو كالعَدَمِ.
والثاني: العُلُوُّ النِّسبِيُّ وهو ما يَقِلُّ العددُ فيه إلى ذلك الإمام ولو كان العددُ من ذلك الإمامِ إلى مُنتَهاهُ كثيرًا.
وقد عَظُمَتْ رَغْبَةُ المتأخرين فيه حتى غَلَبَ ذلك على كثيرٍ منهم بحيثُ أهملوا الاشتغالَ بما هو أهمُّ منه.
وإنما كان العُلُوُّ مرغوبًا فيه لكَوْنِه أَقْرَبَ إلى الصِّحَّةِ وقِلَّةِ الخطأ، لأنه ما مِنْ راوٍ مِنْ رِجالِ الإسنادِ إلَّا والخطأُ جائِزٌ عليه، فكُلَّما كَثُرَتِ الوسائطُ وطالَ السَّنَدُ كَثُرَتْ مَظَانُّ التجويز، وكُلَّما قَلَّتْ قَلَّتْ.
فإنْ كانَ في النُّزُولِ مَزِيَّةٌ ليسَتْ في العُلُوِّ كأنْ تكونَ رِجالهُ أَوْثَقَ منه أو أَحْفَظَ أو أَفْقَهَ، أو الاتصالُ فيه أَظْهَرَ، فلا تَرَدُّدَ أنَّ النُّزولَ حِيْنَئِذٍ أَوْلى.
وأمَّا مَنْ رَجَّحَ النزولَ مُطْلَقًا واحتَجَّ بأَنَّ كَثْرَةَ البحثِ تقتضي المَشقَّةَ
_________________
(١) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، ولد (٩٧)، وهو إمام في الفِقه والحديث والزُّهد والوَرَع، (ت ١٦١). روى له الستة.
(٢) العُلوُّ: صفةٌ لنوعٍ من الأسانيدِ المُتَّصلة. والإسناد العالي: هو الذي قَلَّ عددُ الوسائِطِ فيه مع الاتصالِ. والعُلُوُّ قِسْمان: العُلُوُّ المُطلَقُ: وهو قِلَّةُ الوسائطِ إلى النبي -ﷺ-. والعُلو النِّسبِيُّ: وسيأتي تعريفُه وبحثُه في كلام المصنف.
[ ١١٦ ]
فَيَعْظُمُ الأجرُ، فذلك ترجيحٌ بأمرٍ أجنبي عمّا يَتعلَّقُ بالتصحيح والتضعيف (^١).
وفيه أي العُلُوِّ النِّسبِيِّ المُوافَقَةُ: وهي الوصولُ إلى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِنْ غَيْرِ طريقهِ أي الطريقِ التي تَصِلُ إلى ذلك المُصَنِّفِ المُعَيَّنِ.
مِثَالُهُ: روى البخاريُّ عن قُتَيْبَةَ (^٢) عن مالِكٍ حديثًا، فَلَوْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طريقِهِ كان بَيْنَنَا وبَيْنَ قُتَيْبَةَ ثمانيةٌ، ولَوْ رَوَيْنَا ذلك الحديثَ بِعَيْنِهِ مِنْ طريقِ أبي العبَّاسِ السَّرَّاجِ (^٣) عن قُتَيْبَةَ مَثَلًا لَكان بيننا وبين قُتَيْبَةَ فيه سَبْعَةٌ، فقَدْ حَصَلَ لنا المُوافقَةُ مع البخاري في شيخه بعَيْنِه مع عُلُوِّ الإسناد إليه.
وفيه أيْ العُلُوِّ النِّسبِيِّ البَدَلُ: وهو الوُصُولُ إلى شَيْخِ شَيْخِهِ كذلك، كأنْ يقَعَ لنا ذلكَ الإسنادُ بعَيْنهِ من طريقٍ أُخرى إلى القَعْنَبِيّ عن مالِكٍ، فيكونَ القَعْنَبِيُّ بدلًا فيه مِنْ قُتَيبةَ، وأَكْثَرُ ما يعتَبرونَ الموافقةَ والبَدَل إذا قارَنَا العُلُوَّ، وإلَّا فَاسْمُ المُوافقةِ والبَدَلِ واقِعٌ بِدُونهِ.
وفيه أي العُلُوِّ النِّسْبِيِّ المُسَاوَاةُ: وهي استواءُ عددِ الإسنادِ مِنَ الرَّاوي إلى آخرِهِ أي الإسنادِ مع إسنادِ أَحَدِ المُصَنِّفيْن. كأَنْ يَرْوِيَ النَّسَائِيُّ مَثَلًا حديثًا يقعُ بينَه وبينَ النبيِّ -ﷺ- فيه أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، فيقَعَ لنا ذلكَ الحديثُ بعَيْنِه بإسنادٍ آخَرَ إلى النبىِّ -ﷺ- يَقعُ بيننا وبينَ النبىِّ -ﷺ- أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، فنُسَاوِيَ النَّسائِيَّ مِنْ حَيْثُ العَدَدُ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن مُلاحَظَةِ ذلك الإسنادِ الخاصِّ.
وفيه أيّ العُلُوِّ النِّسْبِيِّ أيضًا المُصَافَحَةُ: وهي الاستواءُ مع تلميذِ ذلك
_________________
(١) أي فلا قيمةَ له. ونقول: إنَّ العُرْفَ العِلْميَّ دَرَجَ على أنه كُلَّما أَمْكَنَ الرُّجوعُ إلى مَرْجِعٍ أَقْدَمَ كان أَوْلَى وأَقْوى. فالمُحَدِّثُونَ هُمُ الأصلُ في هذا العُرْفِ.
(٢) قُتَيبةُ بنُ سعيد ثِقَةٌ ثَبْتٌ (ت ٢٤٠). روى له الستة.
(٣) محمد بن إسحاقَ بن إبراهيم السَّرَّاجُ، شيخُ خُرَاسانَ، ثِقَةٌ حافِظٌ وُلد (٢١٦)، (ت ٣١٣). روى عنه البخاري ومسلم في غير الصحيحين، وغيرُهما، وهو في عداد طلبة البخارى، انظر ص ١٢٠.
[ ١١٧ ]