وهو من صفات الإسناد، وقد يقعُ التسلسُلُ في مُعظمِ الإسناد، كحديثِ المُسَلْسَل بالأَوَّلِيَّة، فإنَّ السِّلْسِلَةَ تنتهي فيه إلى سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ فَقَطْ، ومَنْ رَواهُ مُسَلْسَلًا إلى مُنْتَهاهُ فَقَدْ وَهِمَ (^١).
وصِيَغُ الأداءِ المُشَارِ إليه على ثَماني مَراتِبَ (^٢):
الأولى: سمعْتُ وحَدَّثَني.
ثم أَخبرَني وقرأتُ عليه، وهي المرتبة الثانيةُ.
ثم قُرِئ عليه وأنا أَسْمَعُ، وهي الثالثة.
_________________
(١) = والتسلسلُ يُقوِّي اتصالَ السندِ، ويُشعِرُ بحلاوة الإسناد. وحُكْمُه حكمُ المتصل؛ يُقبَلُ إذا استوفى سائرَ الشروط.
(٢) يشيرُ إلى حديثِ "الرَّاحِمُون يرحمهُم الرحمنُ". تسلسلَ بقولِ كلِّ واحدٍ "حدَّثَني فلانٌ وهو أولُ حديثٍ سَمِعْتُه منه". لكنَّ التسلسلَ صحَّ فيه إلى سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، واتصل السندُ بعدَه دون تسلسلٍ.
(٣) ذكرَ المصنِّفُ كيفيةَ العبارةِ في الأداءِ بطُرقِ تحمُّلِ الحديثِ، وطُرُقُ التحمُّلِ ثمانيةٌ، نُعَرِّفُها فيما يأتي:
(٤) السماعُ: أي أنْ يَسْمعَ الراوي الحديثَ من الشيخ المُحَدِّث.
(٥) العَرْضُ: أنْ يقرأَ هو على الشيخِ أو يقرأَ غيرُه على الشيخ وهو يسمَعُ.
(٦) الإجازةُ: أنْ يأذنَ له الشيخُ بروايةِ كتابهِ أو كُتبه، فيقولَ: أَجَزْتُ لك كذا.
(٧) المناولَةُ: أنْ يُناوِلَ الشيخُ تلميذَه كتابًا، ويقول: هذا حديثي أو رِوايتي عن فلان. وقد تقترنُ بالإجازَةِ.
(٨) المكاتبةُ: أي الروايةُ بالمراسَلَةِ الكِتَابية.
(٩) الإعلامُ: وهو إعلامُ الشيخِ للطالبِ أنَّ هذا الحديثَ أو هذا الكتابَ رِوايتُه عن فلانٍ، من غيرِ أن يَأذنَ له بروايته.
(١٠) الوَصيَّةُ: أنْ يُوْصِيَ بكتُبه لشخصٍ بَعْدَ وفاتِه.
(١١) الوِجادَةُ: أنْ يجدَ المرءُ حديثًا أو كتابًا بخطِّ شخصٍ بإسنادِه. وهذا بحثٌ مهم فَافْهَمْهُ. وطرق الأداء ثمانية مثل طرق التحمل، ويجوز لمن تحمل بأي طريقة من طرق التحمل أن يؤدي بها أو بغيرها من الطرق، لكن يجب بيان طريقة تحملهِ في الأداء.
[ ١٢٣ ]
ثم أَنبأني، وهي الرابعة.
ثم ناوَلَني، وهي الخامسة.
ثم شافَهني أي بالإجازَةِ، وهي السادسة.
ثم كَتَبَ إليَّ أي بالإجازةِ، وهي السابعة.
ثم عَنْ ونَحْوُها من الصِّيَغِ المُحتَمِلةِ للسَّماعِ والإجازة ولِعَدَمِ السَّماعِ أيضًا، وهذا مِثْلُ: قالَ وذكرَ ورَوَى.
فاللفظانِ الأوّلانِ مِنْ صِيَغِ الأداءِ وهما: سَمِعْتُ وحدَّثني صالحانِ لِمَنْ سَمِعَ وحدَه مِنْ لفظِ الشيخ، وتخصيصُ التَّحديثِ بما سُمِعَ مِنْ لفظِ الشيخِ هو الشائِعُ بين أهلِ الحديثِ اصطلاحًا، ولا فرقَ بين التحديثِ والإخبارِ مِنْ حيثُ اللغةُ، وفي ادّعاءِ الفَرْقِ بينهما تكلُّفٌ شديد، لكنْ لمَّا تَقَرَّرَ الاصطلاحُ صار ذلك حقيقةً عُرْفِيةً فَتُقَدَّمُ على الحقيقةِ اللُّغوِية، مع أنَّ هذا الاصطلاحَ إنما شاعَ عند المَشَارِقَةِ ومَنْ تَبِعَهم، وأمَّا غَالِبُ المَغَارِبةِ فلَمْ يَستعمِلوا هذا الاصطلاحَ، بَلِ الإخبارُ والتحديثُ عِنْدَهم بمعنًى واحدٍ.
فإنْ جَمَعَ الراوي، أي أتى بصيغةِ الجَمْعِ في الصِّيغَةِ الأولى، كأَنْ يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ أو سَمِعْنَا فلانًا يقولُ، فهو دليلٌ على أنّه سَمِعَ منه مع غيرِه، وقد تكونُ النونُ لِلْعَظَمَةِ لكنْ بِقِلَّةٍ.
وأَوَّلُها أي المراتبِ أَصْرَحُها أي أَصْرَحُ صِيَغِ الأدَاءِ في سَمَاعِ قائِلِها لأنها لا تَحتَمِلُ الواسطةَ، لكنْ حدَّثني قَدْ تُطلَقُ في الإجازَةِ تَدليسًا. وأرفَعُها مِقْدَارًا ما يقَعُ في الإملاءِ لِمَا فيه من التثبُّتِ والتحفُّظِ.
والثالثُ وهو أَخْبَرني، والرابعُ وهو قرأْتُ لِمَنْ قرأَ بنَفْسِه على الشيخِ، فإنْ جَمَعَ كأَنْ يقولَ: أَخْبَرَنَا أو قَرَأْنَا عليه فهو كالخامسِ، وهو قُرِئَ عليه وأنا أسمَعُ. وَعُرِفَ مِنْ هذا أنَّ التعبيرَ بقرأتُ لِمَنْ قرأَ خيرٌ من التعبير بالإخبار، لأنه أَفْصَحُ بصورةِ الحالِ.
[ ١٢٤ ]