أن يُسَلَّمَ، وأمّا صورةُ العزيزِ التي حررناها فموجودةٌ بألّا يرويَه أقلُّ من اثنين عن أقلَّ من اثنين.
مثاله: ما رواه الشيخانِ من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده" الحديث. ورواه عن أنس قتادةُ وعبدُ العزيز بن صُهَيب، ورواه عن قتادةَ شُعْبَةُ وسعيدٌ، ورواه عن عبدِ العزيز إسماعيلُ ابن عُليَّةَ وعبدُ الوارثِ ورواه عن كُلّ جماعة (^١).
والرابع: الغريبُ: وهو ما يتفَرَّدُ بروايته شخصٌ واحدٌ في أيِّ موضِعٍ وَقَعَ التفرُّدُ به من السَّنَد، على ما سنَقْسِمُ إليه الغريبَ المُطْلَق والغريبَ النِّسْبِيّ.
وكلُّها أيْ الأقسامِ الأربعةِ المذكورةِ سِوى الأول -وهو المتواتِرُ- آحادٌ، ويُقال لكلٍّ منها خبرُ واحدٍ.
وخبرُ الواحدِ في اللُّغة: ما يرويه شخصٌ واحدٌ.
_________________
(١) البخاري في الأيمان: ١: ٨ ومسلم: ١: ٤٩ واللفظُ رَوَيَاهُ عن أنس. أنس: هو ابن مالك خادم النبي -ﷺ- (ت ٩٣). أبو هريرة: مشهور بكنيته، اسمه عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي، كان أكثر الصحابة رواية. (ت ٥٩). قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أحفظ أهل البصرة (ت ١١٨)، حديثه في الكتب الستة. عبد العزيز بن صُهَيب ثِقَةٌ (ت ١٣٠) له في الستة. شُعْبَةُ بن الحجاج: أبو بِسْطام، الإمام أمير المؤمنين في الحديث (ت ١٦٠). له في الستة. سعيد بن أبي عَرُوبة: ثقةٌ حافظٌ، مُدَلِّس واختلَطَ، هو أَثْبَتُ الناسِ في قتادةَ (ت ١٥٦). روى له الجماعة. إسماعيل ابن عُليّةَ: ثقةٌ حافظ. (ت ١٩٣). روى له الجماعة. عبد الوارث بن سعيد: ثقة ثَبْت (ت ١٨٠). رَوَوا له أيضًا.
[ ٥٠ ]
وفي الاصطلاح: ما لم يَجْمَعْ شروطَ التواتُر.
وفيها -أيْ الآحادِ- المقبولُ وهو ما يجب العملُ به عندَ الجمهور، وفيها المردودُ، وهو الذي لم يَرْجَحْ صِدْقُ المُخْبِر به، لتوقُّفِ الاستدلال بها على البحث عن أحوال رُواتِها، دونَ الأَوّلِ وهو المتواتِر فكلُّه مقبولٌ، لإفادته القَطْعَ بصِدْقِ مُخْبِرِه، بخلاف غيرهِ من أخبار الآحاد.
لكنْ إنما وَجَبَ العملُ بالمقبول منها لأنها إمَّا أنْ يوجدَ فيها أصلُ صفةِ القبول، وهو ثبوتُ صدقِ الناقِلِ (^١)، أو أصلُ صفةِ الرَّدِّ، وهو ثبوتُ كَذِبِ الناقِلِ، أَوْ لا (^٢).
فالأول: يَغْلِبُ (^٣) على الظَّنِّ صِدْقُ الخَبَرِ لِثُبُوتِ صِدْقِ ناقِلِه فيؤخَذُ به.
والثاني: يَغْلِبُ على الظَّنِّ كَذِبُ الخَبَرِ لِثُبُوتِ كَذِبِ ناقِلهِ فَيُطْرَحُ.
والثالث: إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ (^٤) تُلْحِقُه بأحدِ القِسمين الْتَحَقَ، وإِلّا فَيُتَوَقَّفُ فيه، فإذا تُوُقِّف عن العمل به صار كالمردود، لا لِثُبُوتِ صفةِ الرَّدِّ، بَلْ لكونِه لم توجدْ فيه صفةٌ تُوجِبُ القبولَ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) قوله: "ثبوتُ صِدْقِ الناقِل": أي لِاتِّصافِه بالعدالةِ والضَّبْطِ.
(٢) قوله: "أوْ لا": أيْ أوْ لا يتصف بأصل صفة القبول ولا بأصل صفة الرَّدِّ، فيكون مُحتمِلًا للقبول والرد، مثل سيء الحفظ، والمجهول.
(٣) قوله: "يغلبُ على الظنِّ": المراد أنه يثبتُ في العِلْمِ ثبوتًا مُحتمِلًا لأن يكونَ فيه خطأُ الراوي، لكنّ هذا الاحتمالَ ضعيف فلا يؤخَذُ به. وهذا النوع من العلم يظنه العامَّةُ يقينًا، وقد تعجَّبَ بعضُ المُتَمَجْهِدين من تعبير العلماء بهذا، واعتَرضَ عليهم، فدَلَّ على أنه لا يُمَيِّزُ الِعلْمَ اليقيني القَطْعيَّ مِنْ عِلْمِ غَلَبَةِ الظَّنِّ، لِبُعْدِهِ عن أُصولِ العلمِ وموازينِ المعرفة ومراتِبهما، وأَعْجَبُ من ذلك استدلالُ بعضِ العصريين بالآيات التي تذمُّ اتباعَ الظن. وهذا خلطٌ بين المعنى الذي قصدَه القرآنُ وهو اتباعُ الوَهْمِ والحَدْسِ بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ، وبين المعنى الذي قصدَهُ العلماءُ وهو معنًى اصطلاحيٌّ لنوعٍ من العِلْم الناشئ عن الدليل، لكن فيه احتمالٌ ضعيف. فلا قِيْمةَ لهذا الاحتمال. تَأمّلْ ذلك فإنه مهم.
(٤) قرينة: أي صفة أو حالة.
[ ٥١ ]