الخبر، عند علماء هذا الفن مُرادِفٌ للحديث. وقيل: الحديثُ ما جاء عن النبي -ﷺ- والخبرُ ما جاء عن غيره، ومِنْ ثَمَّةَ قيل لمن يَشتغلُ بالتواريخ وما شاكلها: "الإخباريّ"، ولمن يَشتغلُ بالسنة النبوية: "المُحَدِّثُ" (^١). وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ (^٢)، فكُلُّ حديثٍ خَبَرٌ مِنْ غير عكسٍ. وعَبّر هنا بالخبرِ ليكونَ أشملَ (^٣). فهو باعتبار وصولِهِ إلينا (^٤): إما أنْ يكونَ له طرُقٌ أي أسانيدُ كثيرة، لأن طُرُقًا جَمْعُ طَرِيقٍ، وفَعِيلٌ في الكثرة يُجْمَعُ على فُعُل بضمتين وفي القِلَّة على أَفْعُل، والمرادُ بالطرقِ الأسانيدُ. والإسنادُ: حكايةُ طريق المتن (^٥).
وتلك (^٦) الكثرة أحدُ شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عددٍ معينٍ،
_________________
(١) ههنا تعريفاتٌ لمصطلحاتٍ مهمة نقدمها فيما يأتي: الحديث: لغةً: ضد القديم، ويُستعمل أيضًا بمعنى الخبر. وفي اصطلاح المُحَدِّثين: ما أُضِيفَ إلى النبي -ﷺ- من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو وَصْفٍ خِلْقِيٍّ أو خُلُقِي. وكذا ما أُضيفَ إلى الصحابي أو التابعي. والمرادُ من قولهم: أُضيفَ: نُسِبَ. والخبر: مرادف للحديث بهذا المعنى الواسع، كما سيأتي في كلام المُصَنِّف. وعند جماعة من المحدِّثين: الحديث ما أُضيف إلى النبي -ﷺ-. والخبر أعمُّ منه. وكذا السنة والأثر بمعنى الحديث أيضًا. لكنَّ الأصوليين يُعَرِّفون السنةَ بأنها: ما أُضيف إلى النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير. وبعض الفقهاء وهم الخراسانيون يطلقون الأثر بمعنى الموقوف أي ما نُسِبَ إلى الصحابي.
(٢) وهو أن يكون أحدُ اللفظين دالًّا على كل معنى الآخر وزيادةٍ عليه، مِثْلُ كلمةِ: إنسان ومؤمن، فإنسانٌ تَشملُ المؤمنَ وغيرَه، فنقول: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق. كذلك لفظُ "خَبَر" يشمل الحديث النبوي وغيره ..
(٣) أي لِيشملَ البحثُ أخبارَ التاريخ، ولا يُظَنَّ أنّ هذه القواعدَ خاصةٌ بالحديث، بل هو يشمل التاريخَ وكلَّ ما سبيلُه النقلُ، كالشعر، والنثر والخطب، والمؤلَّفات. فكلُّ النقولِ من سائر العلوم خاضعةٌ في قبول نقلها إلى أصحابها لأصول هذا الفن.
(٤) يَشْرَعُ الحافظُ هنا ببحث تقسيمِ الأخبار والأحاديث، فيُقَسِّمُها بحسب تعدد إسنادها أو عدم تعدده ثلاثةَ أقسام، كما سيتضح.
(٥) سبق تعريف السند والمتن ص ٣٧.
(٦) هذا معطوف على قوله: "أسانيد كثيرة" وما بينهما كلام معترض. =
[ ٤١ ]
بل تكون العادةُ قد أحالتْ تواطؤَهُم على الكذب، وكذا وقوعَه منهم اتفاقًا من غير قصد، فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح.
ومِنْهم مَنْ عَيَّنه في الأربعة، وقيل في الخمسة، وقيل في السبعة، وقيل في العشرة، وقيل في الاثني عشر، وقيل في الأربعين، وقيل في السبعين، وقيل غير ذلك.
وتَمسَّكَ كلُّ قائلٍ بدليل جاء فيه ذكرُ ذلك العدد فأفادَ العلمَ (^١)، وليس بلازم أن يَطَّرِدَ في غيره، لاحتمالِ الاختصاصِ.
فإذا ورد الخبر كذلك (^٢) وانضاف إليه أن يستوي الأمرُ فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه -والمراد بالاستواء ألّا تنقصَ الكثرة
_________________
(١) = والمعنى: إن الحديث إن كان له طرقٌ كثيرةٌ كثرة تبلغ مبلغًا يستحيل معها تواطؤهم على الكذب، بأي عدد، فقد تحصل بأربعة ثقاتٍ أثبات، أو تحصل بأكثر دونَهم في الثقة، وهذا يردُّ به الحافظ ابن حجر على بعض مَنْ عَيّن للتواتر عددًا، كالأربعة والعشرة. . . ومعنى التواطؤ على الكذب الاتفاقُ عليه، وقوله: "وكذا وقوعَه منهم اتفاقًا": أي على سبيل المصادفة.
(٢) مرادُ المصنِّف أن كل واحد ممن عيَّن للمتواتر عددًا استند إلى نصٍّ شرعي ورد فيه ذكرُ العدد الذي عيّنه ورودًا يجعل هذا العدد مفيدًا للعلم القطعي: مثل تعيين الأربعة استنادًا إلى أنه العددُ المطلوب في الشهود لإثبات حدِّ الزنى. والخمسة لأنه عدد الأيمان التي تُطلب من الزوج إذا اتهم زوجته بالزني، وتُطلب من الزوجة إذا كذبت تلك التهمة، والعشرة لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فقد وصفها بالكمال، وذلك يجعلها تفيد العلم اليقيني. وقد رد المصنفُ على هؤلاء بأن دليلَهم على التعيين غيرُ كافٍ، لأن الاعتماد على هذا العدد في الموضوع الذي ورد في الشرع لا يدل على أنه يفيد التواترَ والعلمَ القطعي دائمًا، لاحتمال أن يكون لكل عدد خُصُوصيةٌ في الموضوع الذي ورد فيه. كذلك الشأن في إفادة العلم اليقيني قد يتحقق بثلاثة أو أربعة من الحفاظ، ويحتاج إلى عشرة من أهل الصدق غير الضابطين وإلى أكثر من عشرة ليسوا من أهل العدالة. لذلك قالوا: إن تعيين العدد للمتواتر تحكم فاسد. مثال المتواتر: حديث "مَنْ كَذَب عليّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار" رواه بِضْعٌ وسبعون صحابيًّا.
(٣) "كذلك" أي على الصفة السابقة، وهي كثرة الطرق بالشروط المذكورة.
[ ٤٢ ]
المذكورة في بعض المواضع لا ألّا تزيد إذ الزيادة مطلوبة هنا من باب الأَولى- وأن يكون مستندُ انتهائه الأمرَ المُشَاهَدَ أو المسموعَ، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف كالواحد نصف الاثنين (^١).
فإذا جَمَعَ هذه الشروطَ الأربعةَ وهي:
- عددٌ كثير أحالت العادةُ تواطؤهم أو توافقهم على الكذب.
- رَوَوا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
- وكان مستند انْتِهائِهم الحِسّ.
- وانضاف إلى ذلك أن يصحبَ خبرَهم إفادةُ العلم لسامعه.
فهذا هو المتواتِر.
وما تخلَّفَتْ إفادةُ العلمِ عنه كان مشهورًا فقط، فكلُّ متواتِر مشهورٌ مِنْ غير عكس.
وقد يقال: إنَّ الشروطَ الأربعةَ إذا حصلَتْ استلزمَتْ حصولَ العلم، وهو كذلك في الغالب، لكنْ قد يَتَخَلَّفُ عن البعض لِمانعٍ (^٢).
وقد وَضَحَ بهذا تعريفُ المتواتِر (^٣).
_________________
(١) أي إن كثرة المخبرين بقضية عقلية أو اعتقادية لا تُفيدُ علمَ اليقين، مثل أن يخبرنا أهل الهند عن ألوهية (بوذا) مثلًا، فلا شك في أن هذا الخبرَ باطلٌ وإنْ كَثُر أصحابُه، لأن هذه القضايا إنما تثبُتُ بالدليل العقلي القطعي، والعقل يحكم حكمًا يقينيًّا قطعيًّا باستحالة ألوهية بوذا أو غيره مما سِوى الله، لأنهم بشرٌ فيهم سماتُ المخلوق، يأكلون ويشربون، والله مُنزَّه عن ذلك.
(٢) قوله "قد يَتخلَّف عن البعض لمانع". أي ربما لا يحصل العلمُ اليقيني بهذه الشروط لمانع. وهذا احتراز عما قيل: إذا لم يكن عالمًا ببعض شروط المتواتِر لا يحصل له العلم. وقيل غير ذلك (انظر شرح الشرح: ١٧٥). لكنْ كلُّ ما قيل لا قيمةَ له مع الشروط المذكورة، فلا موجبَ لهذا الاحتراز.
(٣) تعريفُ المتواتِر: هو الحديث الذي رواه جمعٌ يستحيلُ تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى منتهاه، وكان مستندَهم الحسُّ.
[ ٤٣ ]