وسُمي بذلك إمّا لقِلَّة وجودِه، وإمّا لكونه عَزَّ، أي قَوِيَ بمجيئه من طريق أُخرى (^١).
وليس شرطًا للصحيح، خلافًا لِمَنْ زَعَمَه وهو أبو علي الجُبَّائي (^٢) من المعتزلة وإليه يُومئُ كلامُ الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال: "الصحيحُ أنْ يرويَه الصحابيُّ الزائلُ عنه اسمُ الجَهالةِ بأنْ يكونَ له راويان (^٣)، ثُمَّ يتداولَه أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة".
وصرَّح القاضي أبو بكر بن العربي (^٤) في شرح البخاري بأنّ ذلك شرطُ البخاري، وأجاب عما أُوْرِدَ عليه من ذلك بجواب فيه نظر، لأنه قال: فإن قيل حديثُ "الأعمال بالنيات" فَرْدٌ لم يَرْوِه عن عمرَ إلا علقمةُ؟ قال: قلنا قد خَطَب به عمرُ على المنبر بحضرة الصحابة فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه. -كذا قال-.
_________________
(١) وحكم الحديث العزيز مثل حكم الحديث المشهور، يختلف بحسب استيفاء شروط القبول واختلالها فيه، فمِنْه الصحيح والحسن والضعيف.
(٢) محمد بن عبد الوهاب أبو علي المعروف بالجُبَّائي. ولد (٢٣٥) وهو أحد أئمة المعتزلة، وإليه تُنسب فرقة الجُبَّائية منهم. (ت ٣٠٣). له كتب كثيرة منها التفسير الكبير، وكتب في الرد على ابن الراوندي أجاد فيها.
(٣) مراد الحاكم بهذا أن يكون للصحابي راويان لكي تزول عنه الجهَالة، وليس مرادهُ أن يكون للحديث راويان، فهو خلاف الواقع في المصادر وفي مستدرك الحاكم نفسه، فكان على الحافظ ألا يورد كلامَه هنا. انظر كلام الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٦٢ وتحليله في كتابنا الإمام الترمذي: ٦٣ - ٦٤ وتدريب الراوي: ١: ١٢٥ - ١٢٧ وشروط الأئمة الستة: ١٥ وشروط الأئمة الخمسة: ٣٣ - ٣٥.
(٤) محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي، أبو بكر بن العربي، القاضي، ولد (٤٦٨) ورحل إلى المشرق، وكان بحرًا في العلم، ثاقب الذهن كريم الشمائل، وُلي قضاء إشبيلية، وأجاد السياسة، واشتد على الظلمة وكادوا يبطشون به، ثم عُزِلَ فَلَزِم التصنيف والتدريس، وكان ممن بلغ درجة الاجتهاد. (ت ٥٤٣). من كتبه: العواصِم من القواصِم (ط)، وعارضة الأحوذي شرح الترمذي (ط)، وأحكام القرآن (ط).
[ ٤٨ ]
وتُعُقِّبَ بأنه لا يَلزمُ من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأنّ هذا لو سُلِّمَ في عمرَ مُنِعَ في تفرد علقمةَ ثمَّ تَفَرُّدِ محمدِ بن إبراهيمَ به عن علقمةَ ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمدٍ، على ما هو الصحيح المعروف عند المُحدِّثين، وقد وردتْ لهم متابعاتٌ (^١) لا يُعتَبرُ بها، وكذا لا يَسْلَمُ جوابُه في غير حديث عمر (^٢).
قال ابن رُشَيْد (^٣): ولقد كان يكفي القاضيَ في بُطلان ما ادّعى أنه شَرْطُ البخاري أولُ حديثٍ مذكورٍ فيه.
وادّعى ابن حِبّان (^٤) نقيضَ دعواه، فقال: إنّ روايةَ اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلًا.
قلت: إنْ أراد أنّ روايةَ اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلًا فيمكن
_________________
(١) المتابعة: هي أن يرويَ حديثَ الراوي رجلٌ غيره من طريق الراوي الأول. وستأتي ص ٧٣ - ٧٤.
(٢) حديث "إنما الأعمال بالنيات. . ." أخرجه البخاري في مطلع صحيحه ومسلم في الإمارة: ٦: ٤٨، وإسنادهُ صحيح لِذَاته. علقمة بن وقّاص الليثي ثقة ثَبْت، روى له الستةُ، ومحمد بن إبراهيم هو التيمي ثقةٌ أيضًا، وروى له الستةُ ويحيى بن سعيد الأنصاري ثقة.
(٣) محمد بن عمر بن محمد أبو عبد الله ابن رُشَيْد، ولد (٦٥٧) بسَبْتَة وطلب العلم واستقر بِغَرْناطة فنشر العِلْمَ بها. كان فريدَ دهره عدالةً وجلالةً وحفظًا وأدبًا وسَمْتًا وهَدْيًا، رحل في البلاد، وفاق أقرانَه في علوم عصره، وعلومِ الحديث وصناعته. (ت ٧٢١). له مؤلفاتٌ كثيرة. وقوله: "أولُ حديث مذكورٍ فيه": هو "إنّما الأعمالُ بالنيات" كما عرَفْتَ.
(٤) محمد بن حِبّان بن أحمد البستي، أبو حاتِم، الإمام العلامة الحافظ المجود شيخ خراسان ولد (٢٧٠)، وكان من فقهاء الدين وحُفّاظ الحديث والآثار، عالمًا بالطب، وبالنجوم، وبعلوم زمانه كلِّها، وكان مصدرَ الفقه في سَمَرْقَنْدَ. زاد عددُ شيوخه على الألفين، أنكر قولَ المُشَبِّهة بإثبات الحدِّ لله تعالى، فأخرجوه من بلده. فقال العلماء: كان هؤلاء أولى بالإخراج. (ت ٣٥٤): له كتب كثيرة أشهرها: كتابه المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، وهو مرتب على طريقة فريدة (ط). والثقات (ط) والضعفاء (ط).
[ ٤٩ ]