لكن قال ابنُ الصلاح هنا: إنْ وَقَعَ الحَذْفُ في كتابٍ الْتُزِمَتْ صِحَّتُهُ كالبخاري، فما أَتى فيه بالجزم دلَّ على أنّه ثَبَتَ إسنادُه عندَه، وإنما حُذِفَ لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغَيْر الجَزْمِ ففيه مَقَالٌ، وقد أوضَحْتُ أمثلةَ ذلك في النُّكَتِ على ابن الصلاح (^١).
والثاني: وهو ما سَقَطَ من آخره مَنْ بَعد التابعيّ هو المُرْسَل.
وصورتهُ أنْ يقولَ التابعيُّ -سواءٌ كان كبيرًا أم صغيرًا-: قال رسول الله -ﷺ- كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحَضْرته كذا، ونحوَ ذلك (^٢).
وإنما ذُكِرَ في قِسْم المردودِ للجَهْل بحالِ المحذوف، لأنه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ صحابيًّا ويَحْتَمِلُ أن يكون تابعيًّا، وعلى الثاني يحتملُ أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقةً، وعلى الثاني يحتملُ أن يكونَ حَمَلَ عن صحابي ويحتملُ أن يكونَ حَمَلَ عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعودُ الاحتمالُ السابق ويتعدَّدُ، أمَّا بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وأَمَّا بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثرُ ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض.
_________________
(١) انظرها ١: ٣٢٦ وما بعد، وفيها فوائد مهمة وتنبيهات قَيّمة. ويتلخص حكم المُعلَّقات في صحيح البخاري: بأنه إن عَبَّر في التعليق بصيغة الجَزْم مثل: "قال فلان" فهو حُكْمٌ بصحة القِسْمِ المحذوف من السَّنَد ويحتاجُ إلى دراسة المذكور إن ذَكَرَ قِسْمًا من السند، وإنْ عَبَّر بصيغة التمريض احتاجَ إلى دراسة السَّنَد كلِّه، فقد يكون صحيحًا وقد يكون غيرَ صحيح. وأمّا المُعَلَّقات في صحيح مسلم فهي قليلة: اثنا عشر حديثًا وكلُّها موصولةٌ من جهات صحيحة. انظر شرح الشرح: ٣٩١ - ٣٩٩ ولقط الدرر ٦٣. وعلوم الحديث ٦٧ - ٧٠ وقارن بشرح الألفية: ١: ٣٠ وغيره.
(٢) التابعي الكبير: هو الذي روى عن كبار الصحابة، وهذا حديثه يوجد أكثرَ شيء عند التابعين. والتابعي الصغير: هو الذي روى عن صغار الصحابة الذين تأخرتْ وفاتُهم.
[ ٨٢ ]
فإنْ عُرِفَ من عادة التابعىّ أنه لا يُرسِلُ إلا عن ثقةٍ فذهب جمهورُ المُحَدِّثين إلى التوقُّف لبقاء الاحتمال وهو أحَدُ قَوْلَيْ أحمد، وثانيهما وهو قولُ المالكيِّين والكوفيين يُقْبَلُ مُطلَقًا (^١)، وقال الشافعي: يُقْبَلُ إنِ اعْتَضَد بمجيئه من وجهٍ آخر يُباينُ الطريقَ الأولى، مُسْنَدًا أو مُرْسَلًا، لِيَرْجَحَ احتمالُ كونِ المحذوف ثقةً في نفس الأمر. ونقل أبو بكر الرازي (^٢) من الحنفيةِ وأبو الوليد (^٣) الباجي من المالكية: أنَّ الراويَ إذا كان يُرْسِلُ عن الثقات وغيرِهم لا يُقْبَلُ مُرْسَلُه اتفاقًا.
والقسم الثالث من أقسام السَّقَطِ (^٤) من الإسناد: