ثُمَّ المردودُ (^١):
ومُوجِبُ الرَّدِّ إمّا أَنْ يكونَ لِسَقَطٍ من إسنادٍ أو طَعْنٍ في راوٍ على اختلاف وجوه الطعن، أعمُّ من أنْ يكونَ لأمرٍ يَرْجِعُ إلى دِيانة الراوي أو إلى ضَبْطه.
فالسَّقَطُ إمَّا أَنْ يكونَ مِن مبادئ السَّنَدِ مِن تَصَرُّفِ مصنِّف، أو من آخره، أي الإسنادِ بعدَ التابعي، أو غير ذلك.
فالأول: المُعَلَّقُ، سواءٌ كان الساقِط واحدًا أَمْ أكثرَ (^٢).
وبينه وبين المُعضَل الآتي ذِكْرهُ عمُومٌ وخصوصٌ مِنْ وجهٍ، فمِنْ حيثُ تعريفُ المُعْضَلِ بأنه: سَقَطَ منه اثنانِ فصاعدًا يَجْتمعُ مع بعض صُوَرِ المُعَلَّقِ، ومِنْ حيثُ تَقْيِيْدُ المُعَلَّقِ بأنه مِن تَصَرُّفِ مُصَنِّفٍ من مبادِئ السَّنَدِ يَفْتَرِق منه؛ إذْ هو أعمُّ مِنْ ذلك (^٣).
_________________
(١) = ٤ - الترجيح بوقت الورود: كترجيح المَدَنِيّ على المكيّ.
(٢) الترجيح بلفظ الخبر: كترجيح الخاصِّ على العامِّ، والحقيقةِ على المجاز.
(٣) الترجيح بالحكم: كترجيح الدَّالِّ على التحريم على الدَّالِّ على الإباحة.
(٤) الترجيح بأمر خاص: كترجيح ما وافقه ظاهرُ القرآن أو حديثٌ آخر. انظر تدريب الراوي ص ٣٨٨ - ٣٩١.
(٥) قوله: "ثم المردود": عطف على قوله: "ثم المقبول. . . إن سلم. ." (ص ٧٦). فانتقل إلى الحديث المردود بعد أن فَرَغَ من أنواع الحديث المقبول. وقد لَخَّصَ المصنِّفُ أسبابَ الرد في قسمين رئيسيين هما:
(٦) السقط من الإسناد.
(٧) والطعن في الراوي. ثم شرع في بيان أنواع كل قسم وفروعه، وبدأ بأقسام السقط من الإسناد في قوله: "فالسقط إما أن يكون" إلى آخره فتابِعْهُ. وننبه الآن إلى أن سبب رد الحديث بسبب سَقَطٍ من إسناده يَرْجعُ إلى أصلٍ واحد هو الجهلُ بحال الساقِطِ والاحتياطُ خشيةَ أن يكونَ ضعيفًا.
(٨) الحديثُ المُعَلَّقُ: هو ما حُذِفَ من أول إسناده واحدٌ أو أكثرُ على سبيل التوالي ولو إلى آخر السند.
(٩) بيان العموم والخصوص من وجه بين المُعَلَّق والمُعْضَل: أنه إذا حُذِفَ اثنان من أول=
[ ٨٠ ]
ومن صُوَرِ المُعَلَّقِ: أَنْ يُحْذَفَ جميعُ السَّنَد ويقال مثلًا: قال رسول الله -ﷺ-.
ومنها: أَنْ يُحْذَفَ إلَّا الصحابيَّ أو إلّا التابعيَّ والصحابيَّ معًا.
ومنها: أن يحْذِفَ مَنْ حَدَّثه ويُضِيفَه إلى مَن هو فَوْقه.
فإن كان مَنْ فوقَه شيخًا لذلك المُصَنِّف فقد اخْتُلِف فيه هل يُسَمّى تعليقًا أَوْ لا، والصحيحُ في هذا التفصيل: فإنْ عُرِفَ بالنص أو الاستقراء أنَّ فاعلَ ذلك مُدَلِّسٌ قُضيَ به، وإلَّا فتعليقٌ (^١).
وإنما ذُكِرَ التعليقُ في قِسْمِ المردود للجَهْلِ بحالِ المحذوف، وقد يُحْكَمُ بصحَّتهِ إنْ عُرِفَ بأنْ يجيءَ مُسَمًّى من وَجْه آخر. فإن قال: جميعُ مَنْ أَحْذِفُه ثقاتٌ، جاءَتْ مسألةُ التعديل على الإبهام، والجمهورُ لا يقبل حتى يُسَمَّى (^٢).
_________________
(١) = السند فهو مُعَلَّق لأنه سقط من أول إسناده واحد وأكثر وهو مُعْضَل لأنه سَقَط منه اثنان في موضع واحد. ثم ينفرد المُعَلَّق بما إذا حُذِفَ واحدٌ فقط من أول السند أو حُذِفَ السَّنَدُ كُلُّه، وينفرِدُ المُعْضَلُ بما إذا حُذِفَ اثنانِ في موضعٍ واحدٍ من وَسَطِ السَّنَد.
(٢) أي إن عُرِفَ بالنص أي بنص بعض الأئمة أنه مُدَلِّس أو باستقراء قُضِيَ أي حُكِمَ بأن الحديث مُدَلّس. والاستقراء: هو دراسة مرويات الراوي وسيرته.
(٣) التعديل على الإبهام: أن يقولَ الراوي الثقة: حدَّثَني الثقة، أو يقول: كلُّ من أروي عنهم ثقاتٌ. فالجمهور لا يقبل هذا التعديل حتى يُسَمَّى الراوي وتُعْلَمَ عدالته وضَبْطُه، إلا إذا كان قائل ذلك إمامًا فإنه يُقبل تعديلُه على الإبهام في حقّ مَنْ يُقَلِّده. فانتبه لهذه المسألة. وهذا النص هنا بضعف الحديث المُعَلَّق، عليه أهلُ الحديث كُلُّهم. وقد أخطأ بعض العصريين فعدَّه من الحديث المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، اغترارًا بما يأتي من حكم المُعَلَّقات في الصحيحينِ، فهذا خطأ لأنَّ حُكْمَ المُعَلَّق في الصحيحين استثناءٌ من القاعدة بسبب اشتراطِهما الصِّحة في كتابيهما، ولدراسةِ العلماء لمعلقاتهما دراسةً أوصلَتْ إلى النتيجة التي أشار إليها الحافظ ابن حجر ونفصّلها لك في التعليق الآتي.
[ ٨١ ]