الأول حسن النية:
فإنها مفتاح كل خير، وسبب التوفيق والتيسير والبركة في العلم.
_________________
(١) الجامع للخطيب (رقم ١٥٦٤) .
(٢) الجامع للخطيب (رقم ١٨١٨) .
[ ٣١ ]
وأورد الخطيب في هذا الباب أثر ابن عباس - ﵄ - أنه قال: (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته) (١) .
وقال معمر بن راشد (ت ١٥٤هـ): "كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم، حتى يكون لله ﷿" (٢) .
الثاني: اجتناب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات:
قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم، بالخطيئة يعلمها" (٣) .
وقال رجل للإمام مالك: "يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء، فترك المعاصي" (٤) .
وفي الأبيات المشهورة:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال بأن حفظ العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
الثالث: العمل بالحديث الذي يرويه ويحفظه:
قال سفيان الثوري: (العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) (٥) .
وقال جماعة من السلف، منهم الشعبي ووكيع: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به) (٦) .
والسبب الذي من أجله كان العلم بالحديث مثبتا الحفظ، يظهر جليًا في أن العمل بالحديث يجعل معاني الحديث واقعًا عمليًا، والمحسوسات أثبت في الذهن من المعنويات.
_________________
(١) الجامع للخطيب (رقم ١٨٤٣) .
(٢) الجامع لمعمر - بذيل مصنف عبد الرزاق - (١١/٢٥٦)، والمدخل إلى السنن للبيهقي (رقم ٥١٩) .
(٣) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن (رقم ٤٨٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (رقم ١١٩٥)، والخطيب في الجامع (رقم ١٨٥٠)، وانظر تخريجه في المصدرين الأولين.
(٤) الجامع للخطيب (رقم ١٨٤٦) .
(٥) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ١٢٧٤) .
(٦) انظر جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ١٢٨٤، ١٢٨٦)، والجامع للخطيب (رقم ١٨٥١، ١٨٥٢) .
[ ٣٢ ]
وأهم من ذلك أن العمل بالعلم سبب لتوفيق الله تعالى إلى العلم والزيادة منه، وكما قال تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله) (١) .
الرابع: اغتنام الأوقات المناسبة في اليوم للحفظ:
وهذا أمر يختلف فيه الأشخاص، باختلاف أحوالهم وظروف طلبهم للمعاش وغير ذلك. غير أن الذي يذكره أهل التجربة، هو أن أفضل الأوقات للحفظ: الليل عمومًا، والفجر، ويخصون من الليل آخره وهو وقت السحر، بشرط أن يكون طالب العلم قد نام من أول الليل، وأخذ حاجته من النوم.
ومن جميل الوصايا في ذلك، ما ذكر من أن المنذر قال للنعمان ابنه "يا بني، أحب لك النظر في الأدب بالليل، فإن القلب بالنهار طائر، وبالليل ساكن، وكلما أوعيت فيه شيئًا علقه" (٢) .
فتعقب الخطيب البغدادي هذه الوصية بقوله "إنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإن خلوه يسرع إليه الحفظ، ولهذا (لما) قيل لحماد بن زيد: ما أعون الأشياء على الحفظ؟ قال: قلة الغم. (قال الخطيب (وليس تكون قلة الغم إلا مع خلو السر وفراغ القلب، والليل أقرب الأوقات إلى ذلك" (٣) .
وقال إسماعيل بن أبي أويس: "إذا هممت أن تحفظ شيئًا، فنم، ثم قم عند السحر، فأسرج، وانظر فيه، فإنك لا تنساه - بعد إن شاء الله") (٤) (.
الخامس: اغتنام فترة الصبا والشباب:
واشتهرت كلمة الحسن البصري التي يقول فيها: "طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر" (٥)، وذاد بعضهم ما معناه: والعلم في الكبر كالنقش في النهر (٦) .
_________________
(١) البقرة (٢٨٢) .
(٢) الجامع للخطيب (رقم ١٨٧٢) .
(٣) الجامع للخطيب (رقم ١٨٧٢) .
(٤) الجامع للخطيب (رقم ١٨٧٣) .
(٥) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٤٨٢)، والمدخل إلى السنن للبيهقي (رقم ٦٤٠) .
(٦) انظر: المدخل إلى السنن للبيهقي (رقم ٦٤١)، وجامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٤٨١) .
[ ٣٣ ]
ولذلك كان السلف يبكرون بأولادهم إلى مجالس الحديث، حتى قال عبد الله بن داود الخريبي (ت ٢١٣هـ): "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث" (١) .
وقال علقمة بن قيس النخعي (ت٦٢هـ)، في بيان قوة حافظة الشاب ورسوخ حفظه: "ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة" (٢) .
السادس: اختيار الأماكن المناسبة للتحفظ:
وصفة المكان المناسب: أن يكون مريحًا، لا يشق على النفس المكث به. وأن يكون هادئًا، بعيدًا عن الأصوات العالية. وأن يكون خاليًا من الملهيات وما يلفت الأنظار؛ فلا يجلس في حديقة، ولا في ممر الناس وأسواقهم. بل يختار مقصورة أو حجرة في منزله، يتحفظ فيها (٣) .
السابع: الجهر بقراءة ما يراد حفظه:
ولذلك حكمة، بينها والد الزبير بن بكار القرشي (ت ٢٥٦هـ) عندما رأى ابنه يتحفظ سرا، فقال له: " إنما لك من روايتك هذه (أي: تحفظك سرًا) ما أدى بصرك إلى قلبك. فإذا أردت الرواية (أي: الحفظ)، فانظر إليها، واجهر بها؛ فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك، وما أدى سمعك إلى قلبك" (٤) .
(وهذا تعبير رائع صحيح، وهذا ما يقول فيه علماء التربية وعلم النفس: كلما كثرت الحواس المشاركة في تلقي موضوع أو تعلمه، كان حفظه أسرع وأيسر) (٥) .
الثامن: إحكام الحفظ بكثرة تكريره.
يقول ابن الجوزي في (الحث على حفظ العلم): "الطريق إلى إحكامه كثرة الإعادة. والناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا
_________________
(١) شرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم ١٣٧-١٣٩) .
(٢) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٤٨٣)، والجامع للخطيب (رقم٦٨٣) .
(٣) الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (٥٠) .
(٤) الجامع للخطيب (رقم ١٨٧٤) .
(٥) تعليق للدكتور محمد عجاج الخطيب على المصدر السابق.
[ ٣٤ ]
العاشر: المذاكرة:
يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. وكان أبو إسحاق الشيرازي (ت٤٧٦هـ) يعيد الدرس مائة مرة، وكان إلكيا الهراسي (٥٠٤هـ) يعيد سبعين مرة. وقال لنا الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إلي حتى يعاد خمسين مرة. وحكى لنا الحسن أن فقيها أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد - والله - حفظته أنا! فقال: أعيديه، فأعادته؛ فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: إني أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك" (١) .
التاسع: تعهد المحفوظ، بإعادة النظر فيه وتكريره، في أوقات مختلفة:
إذ الحافظة مهما كانت قوية لابد أن تسهو، فالنسيان جبلة الإنسان. ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم، إلا مراجعته من حين لآخر، وعدم الاتكال على الحفظ الأول.
قيل للأصمعي: "كيف حفظت ونسي أصحابك؟! قال: درست وتركوا" (٢) .
وقال علقمة النخعي: " أطيلوا كر الحديث لا يدرس" (٣)، أي: ليكلا يبلى وينسى.
وعلى طالب العلم أن يجعل له جدولًا معينًا لمراجعة محفوظة؛ فمثلًا: يجعل في نهاية كل أسبوع يومًا لمراجعة ما حفظة في ذلك الأسبوع، وفي نهاية كل شهر يومًا أو يومين لمراجعة محفوظه خلال الشهر كله، وفي نهاية السنة أسبوعًا أو أسبوعين لمراجعة محفوظه خلال السنة جميعها وهكذا. العاشر: المذاكرة:
والمذاكرة اصطلاح يستخدمه المحدثون، يعنون بها مطارحات علمية ومساجلات حديثية، يعرض فيها الجلساء من حفاظ الحديث وطلبته لذكر فوائد الأحاديث وغرائب الأسانيد وخفي التعليلات، يسأل بعضهم بعضًا عن ذلك، ويفيد الواحد منهم الآخر ما غاب عنه. وقد كانت المذاكرة هذه من أبرز سمات المحدثين في عصوره الأولى (مثل الرحلة في طلب الحديث)، ولها آدابها وشروطها المنصوص عليها وفوائدها، وأخبارها المروية فيها (٤) .
_________________
(١) الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (٤٨-٤٩) .
(٢) الجامع للخطيب (رقم ١٨٧٩)، وجامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٦٤١) .
(٣) الجامع للخطيب (رقم ١٨٧٥) .
(٤) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (١٤٠-١٤٦)، والجامع للخطيب (٢/٤٠٤-٤٢١) .
[ ٣٥ ]
وللمذاكرة مع الأقران وغيرهم - على المعنى السابق - فائدة عظيمة في تثبيت الحفظ، من جهة أنه تعهد للمحفوظ بتكريره ومراجعته خلال المذاكرة، وتذكير لما نسي منه، ودون إملال أو إضجار، بل في جو من النشاط والتنافس العلمي البناء.
ولذلك قال عبد الله بن بريدة: " قال لي علي بن أب طالب - ﵁ -: تزاوروا، وتذاكروا هذا الحديث، فإنكم أن لم تفعلوا يدرس علمكم" (٢)، أي: يبلى ويخلق.
وقال أبو سعيد الخدري - ﵁ - "تحدثوا، فإن الحديث يهيج الحديث" (٣) .
وقال جماعة من السلف عبارة أصبحت شعارًا للمذاكرة، وهي قولهم: "إحياء الحديث مذاكرته" (٤) .
ومن فوائد المذاكرة أيضًا: أنها سبب كبير وداع عظيم للتنافس المحمود بين طلبة العلم. والتنافس في الخير هو الأمل الجاهد لبلوغ الغايات العظام، ولولاه لما سعى للعلياء ماجد، ولما سما للرفعة طامح.
ولشدة التنافس أثناء المذاكرة بين المحدثين كانت من لذائذ علم الحديث ومن متعه الجليلة؛ حتى قال الوزير ابن العميد: " ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، (ثم ذكر تلك المذاكرة، التي غلب فيها الطبراني أبا بكر الجعابي، ثم قال: "فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني " (٤) .
وقال علي بن المديني: "ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق؛ من
_________________
(١) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٦٢٣، ٦٨٧)، وشرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم ٢٠٢-٢٠٣) .
(٢) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٦٢٦)، وشرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم ٢٠٧-٢٠٨)، والجامع للخطيب (رقم ١٨٨٢-١٨٨٣) .
(٣) انظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٦٢٧، ٦٣١، ٦٣٩)، وشرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم ٢١٢، ٢١٤، ٢١٥)، والجامع للخطيب (رقم ١٨٨٤-١٨٨٥) .
(٤) الجامع للخطيب (رقم ١٩٠٠) .
[ ٣٦ ]
شدة شهوتهم له. وتذاكر وكيع وعبد الرحمن ليلة في المسجد الحرام، فلم يزالا حتى أذن المؤذن أذان الصبح " (١) .
وقال عبد الله بن المبارك:
ما لذتي إلا رواية مسندا ت قيدت بفصاحة الألفاظ
ومجالس فيها تحل سكينة ومذاكرات معاشر الحفاظ
نالوا الفضيلة والكرامة والنهى من ربهم برعاية وحفاظ
لاظوا برب العرش لما أيقنوا أن الجنان لعصبة لواظ
ومن فوائد المذاكرة أيضًا ومن آدابها: إفادة طلبة العلم بعضهم بعضا، وفي ذلك استعجال لأجر وثواب التعليم، قبل بلوغ الدرجة التي يحق فيها لطالب العلم جلوس مجالس المعلمين. وما أدرى طالب العلم؟ لعله يموت قبل أن يصل إلى أن تتحلق حوله الطلبة!!.
يقول عبد الله بن المبارك: "إن أول منفعة الحديث: أن يفيد بعضكم بعضًا" (٢) .
ويقول الإمام مالك: "بركة الحديث: إفادة بعضهم بعضًا" (٣) .
ويقول سفيان الثوري: "يا معشر الشباب، تعجلوا بركة هذا العلم، فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه، ليفد بعضكم بعضًا" (٣) .
هذه هي أهم وسائل حفظ العلم، وأظهر أسباب تثبيته وعدم نسيانه.
_________________
(١) الجامع للخطيب (رقم ١٨٩٩)، بتصرف يسير.
(٢) الجامع للخطيب (رقم ٨٨٥) .
(٣) المدخل إلى السنن للبيهقي (رقم ١٤٩٣)، ولابن معين عبارة نحوها في الجامع للخطيب (رقم ١٤٩٤) .
(٤) الجامع للخطيب (رقم ١٤٩٢) .
[ ٣٧ ]